يوميات كاهن #٣

عن كتاب؛ مذكرات كاهن في الارياف للانبا يوحنا قلتة

مضى شهر والكاهن الشاب يحاول التاقلم مع حياة القرية، اعد سكنه بقدر المستطاع ، لكنه لم يستطع التخلص من “الكنبة” لانها عهدة. والامر الغريب انه حتى اليوم – وبعد اربعين سنة – لا يزال يحن الى النوم على هذه الكنبة، ويبدو ان علاقة حميمة تتاصل مع الزمن بين الاشياء والانسان، وجمع بضع كتب حملها معه من القاهرة، منها الكتاب المقدس طبعة اليسوعيين، وقد عشق عشقا هذه النسخة لانه اهديت له يوم سيامته كاهنا، وعشقه لها ليس لانها عمل عظيم لليسوعيين ولكنها لانها ترجمة عربية من اجمل ما كتب العالم “اليازجي” – انا قطعة من الادب والشعر واصالة اللغة العربية، واحتفظ بكتاب “الاقتداء بالمسيح”، لم يذكر مؤلف الكتاب اسمه تواضعا وزهدا، وهو انشودة روحية في كلمات بديعة، وهناك بضع كتب اخرى في الادب العربي يذكر منها ديوان ابي العلاء المعري، يذكر منها بضع ابيات خالدة، مثلا:
خفف الوطء فما اظن الاديم الارض الا من هذه الاجسام

استمر في القراءة

الإعلانات

يوميات كاهن #٢

عن كتاب: مذكرات كاهن في الارياف للانبا يوحنا قلتة
من اروع التقاليد القبطية التي توارثناها عن اجدادنا وعن قديسي كنيستنا تقليدا تضمن تعليما لاهوتيا ويفسر لنا سر الفداء. الا وهو جمع حبات القمح – والقمح اثمن الحبوب واجملها طعما – كل عائلة تجود به بقدر طاقتها في زمن الحصاد، فيقدم القادرون للكنيسة جوالا، بينما الفقراء يقدمون قدحا او حفنة. ويجمع كل تلك التقدمات في صومعة الكنيسة او احد المؤمنين المؤتمنين على اموال الكنيسة ليخبز منه القربان على مدار العام. يتحول القربان وقت القداس الى جسد المسيح. خبيز القربان له طقوس خاصة، وله خاتم يحفر عليه رمز جراح المسيح، وله نكهة طيبة مميزة يختلف بها عن نكهة الخبز. واغلب الظن ان فن الحفر برع فيه القدماء المصريون وورثتهم الاقباط ولدينا تراثا يبهر العالم من دقة الحفر على الحجر والذهب ..
يصوم الفلاحون من منتصف الليل استعدادا للتناول من سر القربان المقدس. وبعد القداس يكون القربان الذي يوزع عليهم هو افطارهم قبل العودة الى البيت، واي رمز اجمل واعمق من هذا الرمز اذيتحد اهل القرية في لقمة البركة كما يتحدون في تقدماتهم من القمح او الدقيق، فالقربان من قمحهم، وهو رمز لوحدتهم في شخص المسيح – وحدة الايمان والرجاء، والمساواة بينهم حين يتناولون خبزا واحدا “نحن الكثيرين .. جسد واحد لاننا نشترك في الخبز الواحد”(1كو10: 17)،
حان وقت التناول وتقدم العم ميخائيل وقد انبعثت من فمه رائحة الفول والبصل، تردد الكاهن قبل ان يساله في صوت خافت:
انت فطرت يا عم ميخائيل؟
اجاب في غير حرج او قلق وبتلقائية بريئة: نعم انا

استمر في القراءة

يوميات كاهن في الارياف #١

عن كتاب: مذكرات كاهن في الارياف – للانبا يوحنا قلتة

استلم الكاهن الشاب امور الرعاية في قرية (بردنوها) وهو لفظ قبطي يعني “المظلمة او المخيفة”، وتقع اقصى شمال المنيا مركز مطاي.
القرية الكبيرة يسكنها عشرة الاف من المسلمين والمسيحيين مناصفة، وتشتهر بتربية النحل وتصديره الى باقي المحافظات. لم تكن القرية بها الا مدرسة ابتدائية فقط فاهلها لم يشعروا بالحاجة الى العلم، فقد عرفوا بشئ من الثراء بسبب دخلهم من بيع عسل النحل وبسبب شدة خصوبة الارض الزراعية في هذه المنطقة. كان بالقرية كنيسة من اجمل كنائس مصر – بناها مهندس ايطالي ورسم لوحاتها فنان ايطالي جلبهما العمدة القبطي، وكأنها جوهرة لامعة يحيط بها اكواخ الفقراء المطحونين.
وصل الكاهن الى مقر خدمته – مبنى مكون من طابقين: الاول، هو الكنيسة والثاني، حجرة واحدة امامها مكان استقبال. تذكرك رائحة المبنى بالاثار المصرية القديمة، .. كان القرويون البسطاء يأكلون احلاما ويعيشون بالاحلام. فالمجد لابد آت، والمسلمون والمسيحيون وحدة وطنية رابطها حاجتهم الملحة للخروج من العصور الوسطى، الفقر يطحنهم والبؤس يهز ارواحهم واجسادهم، والقرية لم تتغير منذ رمسيس الثاني في منازلها وتقاليدها واخلاق سكانها. القبور ملاصقة للمنازل، فالحياة كالموت في القرية لا يفصل بينهما الا انفاس تنبعث من اجساد هزيلة.
**
الكنيستان القبطية والكاثوليكية متجاورتان ، والشعب القبطي راض بما قسم له ان يعيش ممزقا الى مذاهب، لا يعكر صفو الاشقاء الا مجادلات مذهبية جوفاء.
**
ازدحمت الكنيسة بشعب الرعية لمعرفة الكاهن الجديد والتطلع الى هذا القاادم من القاهرة. واطال الكاهن الالحان متجاوبا مع فريق الشمامسة فظهر تمكنه من شؤون الطقوس والالحان القبطية. لم يكن استقبال افراد الشعب حماسيا فقد تعودوا على تنقلات الكهنة، كما انهم تشككوا في ان يستمر معهم الكاهن القادم من بعيد مدة طويلة.
اعلن الكاهن في نهاية القداس انه في حاجة الى حمار “الوسيلة الوحيدة المتاحة للوصول الى اقرية المجاورة- فبرز من الصفوف الامامية المقدس بطرس وهو رجل في السبعين من عمره، كاثوليكي متمسك بمذهبه، متحمس لكنيسته، يحب البطريرك وبابا روما دون ان يراهما او يعرف عنهما شيئا.
قال عم بطرس: الحمار جاهز يا قدس ابونا ولم تمض دقائق بعد انتهاء الصلاة، حتى جاء عم بطرس بحمار اسود “اكل عليه الدهر وشرب”، حمار عجوز مريض لا يكاد يرفع راسه وكان الكاهن قد عرف من الناس – والقرية لا تعرف الاسرار كما يقال – عرف ان العم بطرس لديه حمارين، واحد ابيض “شاب حصاوي” كما يقال، قوي وكانه فرس صغير، والحمار الاخر اسود مريض.
سأل الكاهن المقدس بطرس: لماذا جئتني بالحمار الاسود المريض؟
اجاب على الفور: يا قدس ابونا. اذا احضرت الحمار الاسود لكي يبقى الطقم واحد. انت ترتدي فراجية سوداء والحمار لونه اسود كذلك.
لم ينطق الكاهن بكلمة ولكنه تعلم فنا من فنون تفسير الاحداث والخروج من المآزق والمطبات.
**

يوميات حائر #4

مشهد 18

الراوي: ايهاب يفتح الحاسب ليجد امامه الفصول الاولى من رواية كان يقوم بترجمتها عنوانها ليست وصيتي“. كما تذكر انه يجب انهاء قراءة كتاب عن الثالوث القديس هيلاري . وعليه ان يعمل تلخيص له. كان قد خطط تحت بعض الاقوال الهامة. ولذلك بدأ في تجميعها تمهيدا لاعداد مقالته عن الثالوث.

(ايهاب يكتب على حاسوبه الخاص):

وهب الله لنا هذه الحياة بامكانيات هائلة للتقدم نحو الخلود.. الحياة الحقيقية تعني العمل الصحيح والفكر الصحيح.. لا يمكن لاحد ان يصدق ان الله صانع الخيرات اعطانا الحياة لتنتهي بالموت، او لتظلم بالخوف الكئيب من الموت..”اكون الذي اكون“- هذه العبارة عبرت بافضل ما يمكن ان يستوعبه الفهم البشري فلا توجد صفة مميزة لله يمكن ان يدركها العقل اكثر من الوجود، لان الوجود بالمعنى المطلق، لا يمكن ان ينسب الى من سوف ينتهي، او من كانت له بداية. ان روحي لتتأمل في اعمال الله العظيمة التي هي على قياس قدرته الازلية، تتأملها ليس بقدرتها الخاصة على الفهم، لكن بالايمان. لان القدرة على الفهم تاتي مع الرغبة في الايمان. استمر في القراءة

يوميات حائر #3

مشهد11:

الراوي: ايهاب يجلس امام ابونا في الدير.

ابونا: ساسرد لك قصة. احد الرهبان عزم في قلبه ان يطلب كلمة منفعة من اي شخص يقابله. وكان اول من قابله صبي راع فسأله: “انا اكلت ولم اشبعقال له الصبي الراعي كل ايضاقال اكلت وما شبعت فاعاد القول للمرة الثالثة. فقال له: ارى انك حمار يا راهب.

ايهاب (يقول في نفسه): بالفعل هذا ما حدث معي في الدير، طلبت الى اخي ان ينتظر حتى يبارك الاب الاكل لكنه لم يستمع لي، وبعد قليل اخذ هو ايضا واكل. وحين جاء الاب دعانا على مادبة الطعام فاكلت، ثم دعاني ان انهي طعامي فاخبرته انني شبعت ولكني عدت واكلت. وكان هذا هو اول اختبار ارسب فيه. استمر في القراءة

يوميات حائر#2

مشهد4:

الراوي: اليوم 12 هاتور يوافق عيد الملاك ميخئيل. وايهاب وزوجته سهير اوصوا صاحب المخبز يعمل لهم فطير على اسم الملاك. هما يعملان هذا كل سنة ويوزوعوه على الجيران والفقراء.

(في داخل المخبز جلس عم حنا عامل المخبز على كرسي وقد بدا منهكا بعد يوم عمل طويل. وسهير تلتقط الفطائر من الصيجان وترصها داخل الشنطة)

سهير: يبدو عليك النعاس؟

حنا: بالفعل، ففي الحقيقة انا اصحو مبكرا كل يوم، فعملي يبدأ الساعة 6 صباحا في وردية اخرى بمخبز اخر.

(امرأتة وصبي يعبران امام المخبز)

الصبي: اريد فطيرة يا امي.

المراة: هل لديك فطيرا يا عم حنا؟

حنا (بصوت منخفض وهو يبدو بالغ الاعياء): الوقت متأخر، ولا يوجد بالمحل اي مخبوزات في ارفف العرض. للاسف لا.

يمر 3 نسوة برفقتهن اطفالهن . يسال طفل منهن:

الطفل: اريد فطيرة يا امي.

(تتطلع المرأة الى داخل المحل . ارفف العرض خاوية.

المرأة: لا يوجد فطائر.

(يرى الطفل امامه صيجانا مملوءة بالفطائر يقوم ايهاب وامه برصها داخل حقيبتهما).

الطفل: لكن ها هي فطائر.

المرأة: هذه ليست للمحل! انها تخص لاناس اخرين.

الطفل (بالحاح): لكني اريد فطيرة. انا جوعان.

المرأة: هل لديك خبز فينو؟

حنا: لا!

ايهاب: يضع يده في كيس كبير ليبدء في تعبئة الفطير

ايهاب: ما هذا؟

الملاك: هذه بركة اخذتها من الكنيسة. كيس لك. وكيس لوالدتك.

ايهاب: انا لا اعرف ماذا في الكيسين. هذا الفطير مخصص للملجأ. سافوت على الملجا لاوزعه الان.

(في البيت يفتح البركة فيجد ان هدية الكنيسة بها فطيرة الملاك وصورتان للملاك ونبذة).

ايهاب (بحزن): ليتني كنت اعطيت واحدة لعم حنا. مؤكد انه كان سيفرح بها.

**

(في دار اﻻيتام)

ايهاب: خذ يا عم شريف هذا الفطير لاطفال الملجأ.

مشرف الملجأ: شريف.. شريف.. التليفون معطل.

(ايهاب عاد للبيت ويأكل فطيرة من فطائر توزع في الكنيسة)

سهير: خذ تذوق هذه ايضا. انه الفطير الذي قمنا بخبزه!

ايهاب (اخذ قضمة واحدة). اوه، ان طعمه لذيذ (يأكل بنهم اثنتان).

سهير: هيا نتعشى.

يصلي (وهو يتئاءب ثم ينام)

ايهاب (في الصباح: اه، ما هذا! الساعة اﻻن التاسعة. لقد تأخرت على موعد القداس في الكنيسة.

مشهد5:

(تخفض الاضاءة ويعود الملاك وايهاب فقط على المسرح)

الملاك: هل رأيت بنفسك؟

ايهاب (بحزن): نعم. ارحمني يا رب. لكن كان لي خدمة الكلمة.

الملاك: هل لا تذكر انك نسيت ان عليك خدمة الوعظ في الجمعية. كنت تذهب مرة واحدة في الشهر مع انه كان ممكن تعظ كل اسبوع. نسيت انك خادم؟

ايهاب (بحزن): يا لها من فرصة ضاعت. نعم ، ان الجمعية هي اولى طلباتي.

الملاك: تقصد الجمعية مع اخيك بالف جنيه في الشهر ولا مع الخدام الاخرين بالكنيسة ولا الجمعية التي من المفترض ان تعظ فيها؟

ايهاب: الثلاثة.

الملاك: يهز راسه باسف.

ايهاب: هل ضاعت الى الابد؟

الملاك: يومئ بالايجاب. استمر في القراءة

يوميات حائر #1

يوميات حائر

متحيرين لكن غير يائسين“(2كو4: 8)

ايهاب (يصلي): يا رب اعطني عمرا مثل عمر حزقيا. اؤمن انك استجبت. لك المجد. امين“.

انطون (يتصل بالتليفون): مساء الخير يا ايهاب.

ايهاب: مساء الخير يا صديقي العزيز. هل قرأت البوست (تدوينة او مقال) الذي نشرته على الفيس بوك بالامس.

انطون: لم افتح الفيس. ما موضوعه؟

ايهاب: دوامة الموت – دوامة الهلاك – الدوامة المهلكة..

انطون: ما هذا الرعب؟

ايهاب: اصلي نسيت العنوان بالضبط. في الحقيقة انا تحيرت كثيرا في اختيار العنوان!

عن الجحيم ولا ايه؟

ايهاب: لا، عن الطب؟

انطون : ماذا تقول ؟

ايهاب: يتكلم المقال عن العين التي تصاب بفقد الابصار نتيجة الاصابة باحد الامراض. الخاطئ مثل تلك العين المريضة اذا لم يذهب الى طبيب العيون الذي يمكنه ان يعالج عينه باستخدام الادوية او باجراحة جراحة الليزر.

انطون : الكاهن هو طبيب الانفس، وانا اشعر انني بما انني لم اذهب منذ فترة طويلة وكانني قد شابهت اخوتنا البروتستانت الذين لا يؤمنون بسر الاعتراف. ماذا حدث لي، هل غيرت مذهبيلابد ان اعترف؟

ايهاب: ولماذا لا يكون الطبيب هنا هو الرب يسوع نفسه فهو الطبيب الاعظم واشعة الليزر تكون بالتالي هي رمز لنوره العجيب. انه اشعة شمس البر“.

انطون : انت تفكيرك معقد.

ايهاب: وده خطية ولا يحتاج الى طبيب نفسي؟

(يخرج انطون)

انطون : عليّ ان انهي هذه الحسابات الان. لا يوجد وقت للاعتراف. يجب ان اتصل بابونا واساله ان كان يمكن الاعتراف في التليفون؟ واحكي له عما تم تاليفه من مسرحيتي لكي يراجعها، لا .. عليّ ان ادفع فواتير الماء المتاخرة، اوه، كدت انسى. عليّ ان ارد على المراسلات التي اتت في بريدي الالكتروني. (يفتح الموبايل) انها كثيرة والوقت ضيق. ما هذا؟ اخي اتصل وانا ما رديت. لما اساله عما يريد؟ استمر في القراءة