سلوان -٢

كان شبحان يسيران في الظلام متجهين الى خارج المدينةنحو الجبل.. ومال اﻻطول قامة الى زميله:
اتدري لماذا رافقتك السير؟
ﻻ اجد داعيا سوى رغبتك في مضايقتي..”. وابتسم.
ﻻ يا مكرميانوس اني ﻻ اقصد مضايقتك.. لكني رافقتك ﻻبوح لك بما يضايقني.” واستطرد.
يا صديقي اني احس ان قلبي غير راض على شئ. ونفسي غير مستريحة. اني اتعذب يا مكرميانوس.
وجاء صوت مكر مؤكدا:
انني ﻻحظت عليك يا سلوانس انك في الفترة اﻻخيرة شارد الفكر مهموم البال، شاحب الوجه، هزيل البدن.. واستطرد ضاحكا:
ربما تزول هذه الحالة وربما اعرف السبب..
ﻻ يا مكر لن تزول.. ولن تعرف السبب ، ﻻنني انا نفسي ﻻ اعرف.
واستطرد وهو يهز راسه:
احس دائما بوخز في نقسي. وان كنت احيانا اشعر انه ليس غريبا عني.
وتوقف مكر عن السير وحرك راسه متعجبا ثم قال:
ما هذا؟ انك تنطق بكلام غريب. العلك تريد ان تسخر مني. انا ﻻ اتوقع منك هذه السخافات.
هذا هو حالي يا صديقي.
فاجابه محتدا:
كنت اتوقع انك مريض.
وقال بلهجة اقل حدة:
او ان قلبك مال الى امراة فاخذت بفكرك.. او..
فقال وهو يحني راسه:
كنت اتمنى ان يكون كذلك.. ولكن اﻻمر غير هذا..
واقترب مكر ووضع يده على كتف سلوانس وقال:
ﻻ تحمل هما. ان اﻻلهة قارة ان تريح نفسك، وتوطد روحك الخائرة.
واستطرد وهو يخقض ذراعه ويبتسم:
اتركك اﻻن ﻻن شبحا هناك ينتظرني..
فقال مودعا:
تمنياتي لكما باوقات سعيدة “. وحاول اﻻبتسام.
وافترق اﻻثنان. اتجه مكرميانوس الى المراة التي تنتظره .. وسار سلوانس في طريقه ﻻ هدف له.
اخذ يمشي في الخلاء .. كانت في داخله معركة هي جزء من المعركة اﻻزلية التي بدات رحاها منذ طرد ادم من الجنة..
وفجاة توقف عن المسير ورفع وجهه الى السماء فوجدها مﻻى بالنجوم. ثم اخفض راسه فاحس بالرمال رطبة تحت قدميه، ونظر امامه فوجد الجبل كشبح عملاق تقوم عليه مدينته، فاغمض عينيه وتنهد. وعندما فتحهما تدحرجت منهما دمعتان كبيرتان وطفق يقول:
ايها الروح الساكن في اعماقي وﻻ اعرف..
ماذا تريد مني؟ ولماذا اتعذب انا دون اصدقائي ومعارفي؟ من تكون..؟ اجئت لتعذبني..؟ اكشف عن ذاتك!
وعاد ادراجه وقد شمله بعض الهدوء، وتعجب من نفسه التي تفرح بالدموع وتحزن من اللهو!
وسار وئيدا .. ان نفسه احبت الجبل !
وما هي اﻻ لحظات حتى ظهرت اﻻضواء من منازل المدينة وحاناتها وحوانيتها.
مال الى اليمين متخذا طريق المقابر وسار فيه الى ان عطف ناحية اليسار الى شارع رحب يؤدي الى ساحة المدينة حيث تكثر اماكن اللهو والعبث. وسار في ذلك الشارع الى منتصفه ثم همس الى نفسه:
ﻻ اريد ان اخترق الساحة.. وعزم على ان يتخذ الطريق لضيقة الى منزله. لذلك عاد ادراجه الى المقابر ، ولكن ما ان وخطى خطوات قليلة حتى سمع صوتا مرتجفا يقول:
لماذا ترغب في اذيتي. .. صدقني كل ما معي اعطيتك اياه.. ليس معي شئ اخر..
ثم سمع صوت صفعة قوية اعقبه صوت ارتطام جسم باﻻرض، وسمع صوت رجل يقول:
اني اعرفكم ايها الرهبان الملاعين، تخبئون الذهب ثم تدعون انكم ﻻ تملكون شيئا.
وعندئذ عرف سلوانس ما يدور : انه قاطع طريق يسلب راهبا.
قال في نفسه:
ااتراجع.. ﻻ ! لن اتراجع. ان مت ساستريح معه، وان انقذته فربما استريح ايضا.
وما ان انتهى من قراره، حتى صرخ صرخة دوت في سكون الجبل وجرى ناحية مصدر الحركة وهو يقول:
ارفع يدك ايها المجرم. ﻻ تمسه لئلا قتلتك!
وفي الظلام كان شبح يتلقاه بعصا غليظة ولكنه محى جانبا متفاديا الضرب،ة وسدد لكمة الى وجه الرجل القته ارضا، ولم يقم اﻻ بعد ان تاكد انه زحف مسافة كافية تبعده عن سلوانس، ثم نهض وركض هاربا..

سلوانس -١

دارت اﻻيام دورات ودورات وكبر الفتى وصار شابا.. مشدود العود نحيل الجسم تائه النظرات كمن يبحث عن شئ هناك في اﻻفق البعيد.. ومع انه لم يبق حمل اﻻمس الوديع، اﻻ ان عيناه ما زالتا تحتفظان ببريق الطفولة الحلوة، ان معاشرة اﻻردياء ومخالطة الحمقى لم تمكنه من ان يحفظ حواسه نقية كما خلقها الله، فلم يبق من ماضيه البرئ سوى قلبت مشتاقا.. عرف الخمر وارتاد المراقص وصارت له صحبة اﻻشرار .. وتنجس بكل اطايب العالم.
بل لم يعد تابعا ﻻبيه فقد صار مستقلا في شره، وذلك بعدما طرده ابوه ﻻنه لم يستطع ان يتقن صنعة وﻻ يكتسب ماﻻ، فذهب الى احدى الحانات التي كان يتلاقي فيها مع اصحابه، وعمل في خدمة فرقتها الموسيقية التي تعزف اﻻلحان للسكارى.
ومع اﻻيام اخذ يحاول ان يلعب على اﻻﻻت في الخفاء.. وفي احدى الليالي وبينما كان يحاول ان يخرج لحنا من مزمار، واذ به يسمع وقع اقدام.. وصوت خلفه يقول:
اذن فانت تجيد اللعب على المزمار يا سلوانس!
اضطرب الشاب في مجلسه، وصعد الدم الى راسه، انها راقصة الفرقة التي تملك الحانة ومن فيها.. وانكمش عندما تذكر انه يمسك مزمارا المفروض ان يكون في مكان غير يده..
“سلوانس! لماذا صمت؟ اكمل. اكمل انك رائع بحق اﻻلهة”.
وما ان القت المراة بعبارتها حتى افترشت اﻻرض الى جواره.. فازداد انكماشه ووضح اضطرابه.
فقالت المراة وهي تحاول ان تتبينه اكثر في وسط العتة:
“ما لك؟ لماذا ﻻ تتكلم؟ اﻻ يكفيك هذا اﻻطراء؟
واستطردت بقهقهة وهي تميل براسها الى الخلف. ولكنها توقفت عن الضحك وقالت:
الهذا انت خائف؟ لم الخوف؟ ان كل اﻻت فرقتي تحت تصرفك!
وبدا يزمر وبث في مزماره احزانه ووحدته وامال شباب واشتياقاته. وعندما صمت وعاد السكون قالت:
من علمك هذا؟
وتاهت نظرات الشاب ثم قال:
لم يعلمني اياها بشر، انما علمتني اياها الحياة.
ثم استطرد:
تعلمتها من خرير المياه ورعد السماء وزقزقة العصافير . تعلمتها من بكاء الطفل ومن اهة الرجل الوحيد ومن عويل المراة الثكلى..
وهل تعرف الغناء يا سلوانس؟
احيانا..
وقالت وهي تبتسم وتخترقه بنظراتها:
الى ان نلتقي ثانية..
وافترق اﻻثنان.

ابونا القسيس -٣

صوت يرن في الكاتدرائية:
بالرغم من فصاحة الاب بلجرين لم يستطع ان يتغلب على الرعدة التي اكتنفته اولا .. حتى اذا اعتلى المنبر ليعظ، شعر بالطمانينة والهدوء.. فالقى نظرة على الجمع الحاشد واحس كانه في كنيسته الصغيرة
ورسم الاب بلجرين علامة الصليب ورفع صوته وقرأ من الانجيل بلهجة مؤثرة:
“وقال يسوع لقوم واثقين بانفسهم انهم ابرار وبحتقرون الاخرين ..”.

كان الفصل يتحدث عن احد امثال الانجيل الشهيرة- مثل الفريسي زالعشار.
وسكت الاب بلجرين هنيهة لياخذ لنفسه راحة ثم رفع صوته عاليا:
كم من الناس بيننا ولا استثني احدا مثل ذلك الفريسي؟ بل كم من الناس بيننا هنا في الكنيسة وهو يقول لنفسه ان اله لابد ان يسر بي لاني لست مثل الاخرين من اللصوص والطغاة والزناة، فان كنت اسرق فاني لا اسرق الا القليل. واذا كنت اظلم فليس الذنب ذنبي، بل لان العدالة تطلب مني وتفرض عليّ ان اعمل كذلك حتى تتايد هذه العدالة، واذا كنت اخون زوجتي واخدعها، او اخون زوجي واخدعه فلان الظروف قضت بهذا ولا يعرف احد شيئا عن جريمتي، وفضلا عن ذلك فاني اعيش باباء وشرف رافعا راسي الى السماء، واني ادفع للحكومة ما علي من الضرائب، واتمم لله ما علي من الصلوات والايات والمزامير وانا جالس على مقعدي، واعطي للفقراء بين الاونة والاخرى. وماذا يريد الله مني اكثر من هذا؟ الم اكن من رجال الفضل والنبل، ومن المسيحيين الابرار؟
هذا ما يقوله كل منكم ايها الفريسيون ، وتعتقدون بانكم افضل من هذا العشار الذي يضرب صدره وهو واقف وقد اتخذ له مكانا قصيا في الكنيسة وليس له كرسي قد نقش عليه اسمه كما تفعلون بل ربما لم يدخل الكنيسة منذ زمن طويل ولكنه يركع كل يوم في بيته وهو يضرب صدره ويقول ارحمني يا الله واغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تاخر.
اجل رانكم تعتقدون انكم من الابرار. كلا انكم لا تعدون من الابرار بل ستلقون العذاب في الاخرة وبئس المصير.
ونطق الاب بلجرين هذه العبارات بحماسة وبلاغة ولهجة خشنة قاسية ارعبت الذين كانوا جالسين على المقاعد الامامية. واسودت وجوه الاغنياء وكبار لموظفين كمدا، ورفعوا عيونهم الى ذلك الواعظ، وجعلوا ينظرون اليه بغيظ وحنق لانهم لم يعتادوا ان يسمعوا مثل هذا القول الجاف. واما السيدات اللواتي كن واقفات بجوار المنبر فان اعينهم احمرت من الغيظ، وجعل بعضهن يتبادلن الحديث فيما بينهن وبالطبع لم يكن ذلك الحديث في مصلحة ذلك القسيس.
كان الاب بلجرين بعد حديثه بالامس مع الاسقف قد عزم ان ينقي عظته من الالفاظ الجافة التي تثير غضب السامعين وان يحضهم على الفضيلة بلهجة غير حادة او خشنة ، ولكن الطبع غلاب فلم يستطع ان يهذب حديثه بل جعل يلقي كل ما جال بخاطره باللغة التي اعتاد الحديث بها ونسى وجود الكردينال ارنولد والاسقف سيبوي والعظماء والوجهاء. فكانت عظته تشبه عظات القرون الوسطى.
وصاح باعلى صوته:
ايها العبد الاناني الذي تعتقد ان الله اشبه بموظف كبير يجب عليه ان يسهر على مصالحك الخاصة وانه مكره ومجبور على ان ينجيك من الكوارث والنكبات، وان يرزقك بعروس غنية لابنك، وان يهئ لك الفرص لتكون من ارباب الملايين، وان يضمن لك النعيم في الاخرة لتشرب الماء الزلال في اقداح من الذهب. انك مخدوع بل اثم لانك تتصور الله على هذه الصورة.
ليس لك – ايها الشقي- ان تبرر نفسك امامه اذ هو يعرف ما في الضمائر والقلوب ولا تخفى عنه خافية، ولكن الانانية تدفعك الى الا تطلب الخير الا لاهلك فيجب عليك اذن ان تدع الخلق للخالق، وان تكف عن هذيانك ، فلا تقول له ما اعتدت ان تقوله، لا تقل له يا الهي انك لم تحسن الي مع اني ذاهب للصلاة في يوم الاحد، بل اني اصلي في المساء ايضاواحرم نفسي من التمتع بمشاهدة الصور المتحركة (السينما). كلا. فهل تظن الله اشبه برجل الشرطة عيّن لحراستك، وحراسة خزانتك الحديدية. كلا. والا فاعلم ان الله القادر على كل شئ ليس مثل الذين يشتركون في الصحف لارضاء اربابها ولا مثل الذين يحاولون الجلوس على مقاعد البرلمان او مجلس الشيوخ. وليست له لحية كما يصورون. بل ان الله يعطف على الفقراء كما يعطف على الاغنياء وكلهم سواء امامه. لا فرق بين غني ولا فقير، ولا بين امير وحقير.
ولقد اعمى الجهل بصيرتك فصرت تظن ان لقديسين يجب عليهم ان يكونوا من حماتك وانصارك. وان الكنيسة لم تبن الا من اجلك. وانه لابد ان يشاد فيها بفضلك وان ينشر القساوسة الدعاية لك فيتحدثون عما ستفعله من البر والاحسان. وانك لا تحب الله الا اذا حماك من الويلات واغدق عليك الخيرات.
اني اراك ايها الاناني لا تفرق بين الفضيلة والرذيلة، ولا بين الخير والشر. وان الغاية عندك تبرر الوسيلة، فتعمد الى ارتكاب الجريمة والاثم. الله – سبحا له – لا يحب المرائين ذوي الوجهين واللسانين، ولا المتكبرين الذين يمشون في الارض كبرا رافعين انوفهم الى السماء وقد ملكتهم الخيلاء.
هل تريد ان اقول لك الحق ايها الاناني المتعجرف. الله لا يسره ان يراك ماثلا بين يديه تصلي بلسانك لا بقلبك ، ولا يشمئز منك لانه لا يحب المرائين البخلاء الذين لا يجودون باموالهم الا سعيا وراء منفعة.
كانت علامات الدهشة والامتعاض ترتسم على بعض لوجوه، كما ارتسمت ايضا علامات الانشراح على بعضهم الاخر ومن بينهم احد القساوسة الذي طرب اشد الطرب من الموعظة التي القاها قسيس سابلوز.
واستانف الاب بلجرين قائلا:
وانت ايتها الاخت التي ارى وجهها ملونا بالوان ثلاثة. انك لم تات الكنيسة لتصلي لله ب ليراك الرجال وتتحول انظارهم اليك. وهل بعدئذ تريدين ان يكون لك مكانا في النعيم؟ بل الا تستحقين ان يقذف بك الى جهنم؟ وان ياخذ مكانك الفقيرات المعوزات اللاتي لا يجدن ما يكفي اطفالهن بل لا يجدن ما يسترن به انفسهن ويقيهن من شر البرد. كلا. ان الله لا يابه للجميلات ولا للجمال. ولن يمكن للدجاجة ان تكون حمامة ولا للغراب ان يكون طاووسا. ان الله لم يخلق المراة لتعف على الزينة والتبرج ولا لتقول السوء عن جارتها. ولا لتظهر زينتها للرجال بل لتكون عونا له وعاملة من عاملات الرحمة. واذا لم تقم بواجبها فهي خادمة للشيبطان . اذكري ايتها الاخت ان هذا الجسد سياكله الدود ويدب فيه البلى وتجزع الابصار رؤيته .
انك تظنين ان الدين عادة او انه اشبه بوثيقة التامين على الحياة- وثيقة تامين ضد الحريق الخالد. وان الصلوات التي تتممها شفتاك الجميلتان كافية لان ترضي الله وان الركعات التي تركعينها على الارض تجعلك من الصالحات. وتظنين ان الكنيسة مسرح يجمع الناس، فيرى بعضهم البعض ويقضون به اوقات فراغهم.
ثم اتكا الاب بلجرين على المنبر وصاح بصوت عال يدخل الرعب في قلوب السامعين وقال:
“ايها الفريسيون ، اذا كانت الكنيسة قد هجرها الناس واذا كان كلام الله لا يسمع اليوم فان الذنب كله واقع على رؤسكم لانكم ابدلتم الدين – دين التضحية وحولتموه الى اداة للسيطرة على عقول البسطاء والفقراء لتشبعوا بطونكم وتملاوا خزائنكم .
ان الله لا يطلب منكم الا البر والتقوى .. ايها الفريسبون يجب عليكم ان تعودوا الى الحق والفضيلة وان تكونوا جنودا للمسيح، تقدمون له كل ما تملكونه حتى حياتكم لتضمنوا الغلبة والظفر.
وكانت حماسة الاب بلجرين تزداد رويدا وحميته تزداد شيئا فشيئا حتى فاق من سبقوه. ولكن هذه العبارات الحادة الخشنة لم تكن ملائمة لعصرنا الحاضر. لان الحقيقة دائما مرة بل اشد مرارة من العلقم ولا يمكن للناس ان يسمعوها الا اذا نطقت بالكلام اللين، تمما مثلما لا يستطيع المرضى ابتلاع الدواء المرير الا اذا كان داخل غلاف يخفي مرارتته.
**

ابونا القسبس -٢

حينما غادر الاب بلجرين دار المطرانية كان في انتظاره الدكتور بروفليكس بسيارته.. وسار الدكتور بسيارته وهو يكاد يطير بها طيرانا.. وبعد نصف ساعة ظهرت قرية سابلوز ببيوتها البيضاء الجميلة.
حينما وصل الاب بلجرين الى بيته وجد بطاقة دعوة من ثري جاء ليسكن القرية حديثا، يدعوه لزيارته في قصره. قر ر الاب بلجرين على الفور ان يلبي دعوة هذا الثري.

وفي القصر يتعرضان للنقاش حول اعمال الرحمة وعن نية كوسينيه للترشح لانتخابات الحزب، وعن حاجته لدعم الاب بلجرين في دعايته الانتخابية.
وطفق الاب بلجرين يناجي نفسه:
الكنيسة والقصر، القسيس والمليونير. ما هذا؟ ولكن هل يحق لي ان اقضي على امال هذا الرجل وارده يتعثر باذيال الخيبة؟ ثم التفت الى المسيو كوسينيه وقال له:
وهل تظنني من كبار الرجال ذوي الشأن الذين تحتاج اليهم او الذين يستطيعون ان يفيدوك شيئا؟ انك مخدوع، واشير عليك الا تعتمد عليّ او تركن الي،ّ لان لي اعداء كثيرون من بين الذين يتوقف عليهم نجاحك في الانتخابات، بل اني من المغضوب عليهم في المطرانية. وقد كنت في هذا الصباح ماثلا بين يدي الاسقف يؤنبني ويعنفني ويلقي على رأسي دشا باردا ، واخال اني لن اكون في سابلوز بعد بضعة ايام بل سأعزل او اشلح.
وكان لهذا القول تأثير سئ على كوسينيه وزوجته. وارتسمت امارات الغضب على وجه ربة البيت واراد الكلب ان يأكل بعض الحلوى فنهرته بغيظ ولم تمكنه من ان ينال بغيته وساد السكوت هنيهة ثم دخل الخادم يحمل صينية من الفضة وعليها تلغراف وقال:
تلغراف لحضرة القسيس. وقد جاء به الساعي مع البريد لانه علم بوجود ابينا القسيس هنا.
واشتدت حيرة الاب بلجرين وقال:
تلغراف؟ ان الفقراء امثالي لا تصلهم التلغرافات الا اذا كانت تحمل انباءا سيئة. واخال هذا التلغراف ات من المطرانية. فاية نكبة ستسقط على راسي يا ترى؟
ثم تناوله من الخادم وفض الغلاف وبعد ان القى نظرة سريعة على التلغراف صاح:
عجبا!
وسال المسيو كوسينيه بفتور قائلا:
وماذا يحمل هذا التلغراف من انباء؟
لا ادري وايم الحق لماذا تطلبني المطرانية؟
ثم قرا بصوت عال ما يلي:
ان نيافة المطران قد اختارك لالقاء عظة في يوم الاحد القادم بعد القداس وقد اطلق لك الحرية في اختيار الموضوع فاهنئك من صميم قلبي!

امضاء
القس لانتييه


بادر كوسينيه بالقول؛
ارى ان علاقتك حسنة مع المطران، فما هذه القصة التي قصصتها علينا الان وقلت فيها انك من المغضوب عليهم.
وضحكت مدام كوسينيه وهي تقول:

لقد كنت حقا اشبه بممثل قدير!

ابونا القسيس

بقلم: كليمانت فوتيل

-1-
قسيس واسقف ومطران:
انحنى الخادم العجوز، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة على سبيل التحية بالضيف، وسأل:
ماذا اقول لنيافته؟
قل له: اني القسيس بلجرين خادم كنيسة سابلوز، وقد جئت بناءا على دعوة نيافنه.
وانحنى مرة اخرى، وقد ارتسمت على جبينه علامات الامتعاض، وسار سيرا وئيدا الى باب عليه ستار من المخمل فازاحه ودخل مكتب الاسقف.
وظل القسيس بلجرين وحده في تلك الردهة الكبيرة التي كانت تزينها صور القديسين قد طال عليها القدم حتى بهت لونها، وارتمى على مقعد وهو ممسك مظلته بيده ثم اطلق لافكاره العنان وطفق يناجي نفسه قائلا:
لماذا يستدعيني يا ترى المونسنيور “سيبوي” اسقف قيصرية ووكيل مطران “مريفيل” ولماذا يستدعيني للمجئ على عجل؟
وكان للاسقف “سيبوي” نفوذ كبير وسلطة واسعة على الابروشية كلها لان الكردينال قد تقدم في العمر جدا، فاطلق للاسقف كل مسؤلياته.
وطفق قلب الاب بلجرين يخفق في صدره وكأنه جناحا طير يصفق من الالم والخوف. ولبث يناجي نفسه قائلا:
ماذا فعلت يا ترى حتى يستدعيني الاسقف؟ وظل يستعرض الحوادث ويبحث عن هفوة يكون قد ارتكبها واخيرا هز كتفيه وخاطب نفسه همسا:
سنرى ولا يجوز التفكير الان.
وفي هذه اللحظة رفع الستار وظهر قسيس اخر حسن الهندام متأنق وخاطب الاب بلجرين قائلا:
عجبا، هل العزيز بلجرين هنا؟
ومد يده ليصافحه. ولم يكد يراه الاب بلجرين حتى بادله التحية وقال:
اه. الاب لانتييه الصديق القديم!
وتصافح لقسيسان بشوق وطفق كل منهما يهز يد الاخر بحرارة ثم سال القسيس بلجرين صديقه:
وهل انت في الاسقفية؟
نعم، منذ ايام فقط، وقد عينت سكرتيرا لنيافته.
انها مسؤلية كبيرة.
وقطب الاب لانتييه جبينه ثم ابتسم على مضض واجاب:
اني استطيع وانا في هذا المنصب ان اقوم بخدمات قد تكون لها قيمة في الابروشية. بل تكون اكثر نفعا مما كنت اقوم به وانا في كنيسة صغيرة.
من غير شك. بل ان للمنصب في حد ذاته اهمية ولو كانت اعماله قليلة.
فاجاب الاب لانتييه وقد ظهرت عليه علامات الجدية.
اعتقد انك لم تمارس مهام منصبك حتى الان.
بلى. ولكني مارست بعض الاعمال الاعتيادية – عماد الاطفال وتزويج الفتيان وسماع الاعترافات وتجنيز الموتى وتوزيع الصدقات.. والقائمة تطول.
وامتعض الاب بلجرين لانه ادرك ان اخاه في الخدمة يمزح. وادرك لانتييه بدوره انه اساء الى صديقه واغاظه. وعاد يلوم نفسه لانه عد المزاح باردا ثقيلا واعتذر وقد احمر وجهه وقال:
اني امزح معك فهل لا تريد ان تراني!
لا اريد ان اراك؟ لماذا؟ لقد قلت لك اني شديد الفرح بلقائك، وان هذه المرة الاولى التي نتقابل فيه منذ عقد الهدنة. ولقد كنت افكر فيك دائما. ويجب علي اليوم ان اهنئك بما ابليت في وقت الحرب.
ولكني لم اعمل شيئا غير الواجب نحو اخوتى وزملائي. اذ لم اكن غير حامل للجرحى للذين يسقطون في حومة الوغى.
وانت! الم تجرح؟
نعم جرحت جرحا خفيفا. وانا ارى اننا نضيع الوقت في الحديث عن الحرب وويلاتها.
واشار القسيس لانتييه باصبعه الى شريط صليب الحرب الذي كان القسيس بلجرين يزين صدره به وقال:
ولكنك نلت هذا الوسام.
لقد ناله كثيرون قبلي وليست له اهمية تذكر.
وعلت ابتسامة عريضة شفتي سكرتير الاسقف وظن الاب بلجرين انه نسى مزاحه وعفا عنه وقال:
ولكني جئت للارى نيافته.
ان نيافته سيقابلك بعد قليل لاني مشغول الان مع اعضاء نادي النهضة.
ولم يكد يتمم كلامه حتى عاد الخادم وازاح الستار وقال:
فليتبعني الاب.
وكان الاسقف ينتظر في مكتبه وقد تكدست فيه الاوراق وظهر خلفه “ماكيت” لكاتدرائية لورد موضوعا على منضدة، وعلقت على الجدار صليب من العاج صور عليه المسيح مصلوبا.
قال الاب بلجرين:
لقد دعوتني نيافتكم!
نعم ايها الاب وسأعرفك السبب حالا.
ووضع الاسقف نظارة على عينيه ثم حدق في وجهه وقال بصوت متهدج وهو يتمهل في حديثه:
اعرف انك من خير الكهنة، وانك تقوم بخدمتك الكهنوتية على اكمل وجه. ومما لا ريب فيه اني اجدك جديرا بالمديح ولكن.. وكلمة “لكن” كما تعرف توجد في كل امور الحياة.. ولكن اراني مضطرا للفت انتباهك..!
انا؟ .. اني احسب ان مسلكي لا تشوبه شائبة.
من غير شك. الامر لا يتعلق مطلقا بمسلك، ولكنه يتعلق بعظاتك. بالالفاظ التي تتمسك بها في عظاتك.
واشتد احمرار وجه القسيس وقال بصوت متهدج:
وماذا قلت يا صاحب النيافة مما تعده خاطئا؟
لقد قلت ان الله يهزأ بصلوات (– ) الاشرار ويهز كتفيه احتقارا لها.
اه . اه.
وملكت الرعدة الاسقف وعاد فملك عواطفه بعد جهد جهيد ثم قال:
ان مثل هذا القول يعد تجديفا على الله.
ان الله – تبارك اسمه – لا يهان بهذا القول.
لقد بت لا تحترم من تخدمه.
كلا يا صاحب النيافة ، بل اني احبه من كل قلبي و لا اظن ابدا – وحاشا لله – انني اهنته بما قلته عن رفضه لتلك الصلوات .
ونهض القسيس واراد ان يضرب ميطانية للاسقف ويستغفره ولكنه قال:
كلا. كلا! بل اخرج من هنا. لا اريد ان اراك.
وسار الاب بلجرين يجر نفسه جرا، مطرقا حزينا ولم يكد يصل الى الباب حتى اردف الاسقف قائلا:
وسارفع الامر الى قداسته.
**