الرجل الذي اصبح البابا -1

kinopoisk.ru

في احد انفاق العاصمة البولندية “بوخارست”. تجمع اربعة من الشباب البولندي – الاول شاب متزيي بزي خاص، وتغطي قبعته نصف وجهه الاعلى، وكان الشابان الاخران يرتديان ملابس الحزب، في حين كانت رفيقتهم ترتدي ملابس بدت انها اسكتلندية. ويبدو انهم كانوا يتحدثون في كثير من الاستغراق اذ انهم لم يلحظوا وجود شخص يراقبهم. واذ لم يستطع ان يعلم ما يتحادثون به هتف بهم بصوت خشن:

اعطوني النقود من فضلك!

جفل الشاب الممسك بالنقود، قبل ان يقول بتردد:

اظن انه ينبغي ان نجري مقايضة. ما رأيك؟

اه،..

هس النفق قبل ان يظهر في المشهد شخصان اخران في النفق شبه المعتم، قال احدهم:

لا تتحركوا . لقد اكتشفناكم. ماذا تفعلون هنا؟

وهتف الاخر بصوت اجش متوعد:

لماذا لستم في الاحتفال مع الراين؟

عقدت الصدمة افواه الاصدقاء الاربعة.. ولكن قطع صمتهم ظهور رجل في الاربعين من عمره يتزيي بزي كاهن. اقترب منهم وقد صاحبته ابتسامة وديعة ظهرت بوضوح عندما مر بجوار المصباح الخافت المعلق في الجدار، وقال:

حمدا لله لقدعثرت عليكم.

اخذ الرجال الثلاثة الذين ظهر الان انهم من الشرطة صفا واحدا، وهتف احدهم بغضب:

لا تقترب اكثر.

لم تفارق ابتسامة الكاهن وجهه وهو يقول:

دعني اشرح لك ايها الشرطي. هؤلاء لا يتحدثون لغتنا. انهم من جمهورية المانيا.وصلوا للتو الى بولندا لتبادل الزيارة مع الطلاب. كنت سأتجول معهم في كراكول. لكن مع كل هذه الحشود في الاحتفال اضعتهم.

هل لديك وثائق تثبت ذلك؟

بالتأكيد.

اخرج من جيبه ورقة وهو يقول:

هذه رسالة من السفارة الالمانية.

واندفع احدهم يقول:

كنا نريد ان نلقي نظرة على المكان. فقط لا غير.

عليك تحمل مسؤوليتك بطريقة افضل. كان من الممكن اعتقالك.

ابتسم ابتسامة خفيفة وهو يقول:

بالتأكيد ايها الشرطي. اعتذر عن اية مشكلة تسببوا بها.

انصرف الشرطيان، فقالت الفتاة:

شكرا لك. لولا حضورك لكنا الان في السجن.

فرك الاب يده في سرور بالغ وقال:

يجب ان تشكروا ماكس.

حدقت الفتاة في دهشة وقالت:

قلت ماكس؟

نظر الى الورقة في يده مبتسما، ثم قال:

نعم، ماكس شيللر . فيلسوف الماني ، وهذه احدى مقالاته.

اتقصد انك اعطيت الشرطي مقالة المانية.

ولكنها مقالة رائعة. اليس كذلك؟

ضحك الجميع. وعاد الرجل ليقول:

حقا، هولاء الشرطة لا يفهمون اية كلمات المانية. حتى لغتك الالمانية لا نستحق ان نتحدث عنها.

ثم تابع ضحكه. دس احدهم يده في جيبه واخرج كيسا وقدمه الى الرجل الغريب قائلا:

تفضل هذا المال. لانك اخرجتنا من هذه الورطة.

اهذا فقط ما تستحقه حريتكم؟

نظر الاصداء الى بعضهم في دهشة:

اه، ماذا يقول؟ .. ماذا؟..

اما الرجل فقال وهو يبعد كيس النقود عنه:

قدموا هذا المال الى مذبح كنيسة العذراء. انها تقع خلف ساحة ماتشكي، وليس من الصعب العثور على الكنيسة الا اذا ضللتم الطريق.

  شهيد السراديب

استشهاد بولليو

“كن امينا الى الموت فسأعطيك اكليل الحياة”(رؤ2: 10)

كان الحكم على بولليو سريعا ومؤكدا فقد كان سيقام في اليوم التالي استعراض في الكوليزيوم. وكان مزدحما كالعادة حتى اعلى المدرجات بجموع الرومانيين المتعطشة للدماء. وسارت الامور في نفس التتابع المقيت للاهوال بالطريقة المعهودة.

تصارع المصارعون وذبحوا احدهم الاخر اما فرادى او جماعات. وكان يعرض هناك كل انواع المصارعات المألوفة في الحلبة. وطبعا كانت اكثر المصارعات تفضيلا لدى المشاهدين هي المصارعات الدموية.

ومرة ثانية تكررت نفس مناظر الدماء والعذاب. وبطل هذا اليوم ها هو ينال تهليل الجماهير. ومرة ثانية يقاتل الانسان الانسان، او يدخل في مصارعة اقوى مع احد النمور . ومرة ثانية ينظر المصارعون المجروحون في يأس طلبا للرحمة، ولكنهم لا يرون الا اصابع المتفرجين المقلوبة الى اسفل ، اشارة الى الموت بلا رحمة.

وشهوة المتفرجين التي لا تشبع من الدماء تتطلب الان مناظر اكثر للذبح، فقد فقدت المصارعة جاذبيتها من رجال لهم نفس القوة وكان معروفا ان هناك جماعة من المسيحيين محفوظون الى نهاية العرض. والان اخذت الجماهير تطالب بظهور هؤلاء بدون صبر.

ووقف لوكيوللوس بين الحرس بقرب كرسي الامبراطور وكان يبدو عليه التفكير العميق وقد فارقه مرحه المعتاد.

وهناك، في المقاعد العالية في الخلف كان يجلس وجه شاحب جامد، وكان مميزا بين كل من هم حوله بسبب نظراته القلقة المركزة على الحلبة.

وبعد لحظات ارتفع صوت البوابات الضخمة الخشن واندفع نمر للى داخل الحلبة، وكان يهز رأسه ويحرك ذيله، وهو يتطلع الى هذا التجمع الضخم من الناس.

وسرعان ما ارتفعت همهمة بين الجمهور ، واذ بهم يدفعون الى داخل الحلبة بغلام ذي وجه شاحب وجسم نحيل ، كان منظره الرقيق كلا شئ بجانب حجم الوحش الهائج الضخم. وفي سخرية بالغة كانوا قد البسوه ملابس مثل احد المصارعين.

ولكن بالرغم من صغر سنه وضعفه، لم يكن على وجهه او سلوكه ما يفصح عن اي خوف، فان نظراته كانت هادئة ومجردة. ومشى بهدوء الى منتصف الحلبة.

وهناك على مرأى من الجميع ضم ذراعيه ورفع عينيه الى فوق واخذ يصلي، وبعد قليل تحرك النمر دائريا كما من قبل، لقد رأى الغلام ولكن لم يبد عليه اي تأثير. لقد استمر ماشيا رافعا عينيه نحو الحوائط العالية وكان يزأر زئيرا وحشيا عاليا.

وكان يبدو انه لا يوجد عند النمر رغبة لمهاجمة الصبي الذي استمر في صلاته.

اما الجماهير فقد اصبحت قلقة وليس لديها صبر، فاخذوا يصيحون ويصرخون محاولين ان يثيروا النمر ويستحثوه لمهاجمة الصبي.

ولكن الان في وسط هذه الحلبة، يأتي صوت عميق ومخيف:

“حتى متى ايها السيد القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الارض”.

ساد سكون عميق بعد هذه الكلمات، ونظر كل واحد بدهشة الى رفيقه، ولكن قطع السكون نفس الصوت الذي اخذ يرن بتأكيد مروع:

“انظروا! انه سيأتي على السحاب

وستراه كل عين

والذين طعنوه

وتنوح عليه كل قبائل الارض

نعم هكذا! امين

انك بار ايها الرب،

الكائن والذي كان والذي سيكون،

لانك حكمت هكذا.

لانهم سفكوا دماء قديسين وانبياء

وانت اعطيتهم دماء ليشربوا

لانهم مستحقون.

نعم هكذا ايها الرب الاله القدير

حق وعادلة هي احكامك!”

وتصاعدت الان الصيحات والصراخ في كل مكان وعرفوا مصدر هذه الجلبة:

– “انه مسيحي مجنون. انه سنا المهووس. لقد سجنوه 4 ايام بدون طعام”.

– “احضروه الى هنا”.

– “القوه الى النمر”.

وارتفع صراخهم وصياحهم الى السماء واختلط في هدير واحد عال. وقفز النمر في هياج.

ولما سمع البوابون صياح الجماهير وهديرهم اسرعوا لاجابة طلبهم.

وحالا رفعت البوابات ودفعوا بالضحية الى الداخل، وكانوا قد اجاعوه بطريقة رهيبة، وكان يبدو كشبح باهت. وتقدم الى الامام بخطوات مترنحة، ولكن عينيه كانتا تلمعان ببريق سماوي واندفع الدم الى وجهه، وصار شعره المهمل الطويل ولحيته كتلة واحدة. ورآه النمر وسار اليه، وزأر الوحش الهائج وهو على مقربة منه. فقام الصبي من على ركبتيه واخذ يتطلع المنظر.

ولكن سنا لم ير النمر، لقد ثبت عينيه على الجمع   وهزّ يده النحيلة الى فوق وصرخ بنفس النبرة السابقة:

“الويل ! الويل ! الويل لساكني الارض”

وغرق صوته في دمه، لقد قفز النمر فوقه وسقط سنا وانتهى كل شئ.

واستدار النمر نحو الصبي وقد اثار الدم شهوته الوحشية جدا! ورأى الغلام ان نهايته قد اتت. فسقط ثانية على ركبتيه. وغرقت الجموع في صمت رهيب وهي تتطلع بقلق عميق جدا الى منظر الذبح.

وقف الرجل الذي كان يحملق في الحلبة وارتفعت اصوات خلفه اخذت تتزايد:

“اجلس! اجلس! انك تحجب عنا الرؤية”.

ولكن الرجل اما انه لم يسمع او انه لم يهتم.

فازدادت الجلبة جدا..

ولكن الان ارتفعت همهمة بين الجماهير لان النمر الذي كان يسير حول الصبي استعد ليقفز قفزته المميتة.

ووقف الصبي يغطي وجهه نور سماوي.

لم يعد يرى الحلبة ولا الحوائط العالية المحيطة بها ولا المقاعد المتراصة ولا الوجوه العديدة، لم يعد يرى العيون العديمة الشفقة للمتفرجين القساة ولا حجم الوحش العملاق، بل كان يبدو كأن روحه قد حلقت ودخلت الى الابواب الذهبية لاورشليم الجديدة. وكان يبدو كما لو ان مجد نور النهار الجديد في السماء، غير المنطوق به، يشع على محياه.

“اماه. اني ات اليك. ايها الرب يسوع اقبل روحي اليك”.

ورنت الكلمات بوضوح وحلاوة في اذان الجموع .. وساد الصمت.

وقفز النمر قفزته ، وفي اللحظة التالية، لم يكن يوجد شئ سوى كتلة تقاوم وقد اختفت خلف سحابة من التراب.

انتهت المقاومة ورجع النمر الى الخلف. واصبح الرمل محمرا بالدم. وعلى الرمال كانت توجد بقايا لبولليو الصادق القلب والنبيل.

وفي وسط الصمت الذي تبع ذلك، اذا بصراخ ازعج كل من في الحلبة:

“اين شوكتك يا موت. اين غلبتك يا هاوية”؟

+++

هذه كانت قصة لمؤلف مجهول الاسم وعنوانها “شهيد السراديب” وهي قصة عن روما القديمة. 

شهيد السرداب

​محاكمة بولليو

كانت هذه حجرة كبيرة في مبنى ليس بعيدا عن القصر الامبراطوري، وكان بلاطها من الرخام اللامع، واعمدتها الرخامية تحمل القبة المرتفعة. وفي اح الاركان اقيم المذبح الوثني تعلوه تماثيل لالهة وثنية. في الناحية الاخرى كان القضاة باثوابهم التقليدية يجلسون على مقاعد مرتفعة ، وامامهم بعض الجنود يحرسون احد المسجونين.

وكان هذا المسجون هو الغلام “بولليو”.

كان وجهه شاحبا ولكن مظهره كان منتصبا وثابتا، وذكاؤه الواضح الذي كان يتميز به دائما لم يخنه في ذلك الوقت. تطلع بعينيه الحادتين الى كل شئ حوله، عالما المصير المؤلم سيواجهه ولكن لم يكن عنده اي اثر للخوف او التردد.

لقد كان يعلم ان الرابطة الوحيدة التي تربطه بالارض قد انقطعت ، فقد وصلت اليه اخبار موت امه باكرا  في هذا الصباح، حملها اليه رجل كان يعلم ان هذه الاخبار ستقوي ايمانه! كان ذلك الرجل هو “مرسيللوس” وكان لتعطف لوكيوللوس صديق القائد الروماني ايضا انه سمح بمحاكمته. وكان تقدير مرسيللوس للامور صحيحا، فطالما كان بولليوس يعلم ان امه على قيد الحياة فقد كان التفكير فيها يضعف من تصميمه، ولكن الان واذ علم انها ماتت فقد كان هو الاخر يشتهي ايضا ان يرحل. وكان الفتى في ايمانه البسيط يؤمن ان الموت سوف يجعله يتحد لتوه مع امه الحبيبة. وبهذه المشاعر كان ينتظر المحاكمة المقبل عليها:

“من انت؟”

“ماركوس سيرفيليوس بولليو”.

“ما عمرك؟”

“13 سنة”.

وعند ذكر اسمه ، سرت همهمة من التعاطف بين المجتمعين لان ذلك الاسم “سيرفيلليوس” مشهور في روما.

“انت متهم بجريمة انك مسيحي، هل عندك ما تقوله؟”

“انا لست مجرما في شئ. انا مسيحي وانا سعيد انني قادر ان اعترف بذلك امام الناس!”

فقال احد القضاة:

“نفس الشئ معهم كلهم. كلهم لهم. كلهم لهم نفس اسلوب الكلام”

“هل تعلم طبيعة الجريمة التي انت متهم بها”.

فرد عليه بولليو:

“انا لست مجرما. ان ايماني يعلمني ان اخاف الله، وان اكرم الامبراطور، وانا اطيع كل قانون عادل وانا لست خائنا”.

“ان تكون مسيحيا فهذا معناه انك خائن”.

“انا مسيحي ولست خائنا”.

“ان قانون الدولة يمنعك ان تكون مسيحيا والعقوبة هي الموت. اذا كنت مسيحيا فانك يجب ان تموت”.

فرد عليه بولليو باصرار:

“انا مسيحي”.

“اذا يجب ان تموت”.

“ليكن كذلك!”.

“هل تعل ايها الغلام ما معنى ان تواجه الموت؟”.

“لقد رأيت الموت كثيرا خلال الاشهر القليلة الماضية وكنت اتوقع دائما ان ابذل حياتي من اجل الهي”.

“انك صغير، ايها الصبي، ونحن نشفق على عمرك الغض وعدم خبرتك بالحياة. ومن الواضح انهم غسلوا مخك حتى انك تعتبر غير مسئول عن الحماقة التي تبديها الان، ولاجل هذا فاننا نطيل صبرنا عليك. هذه الديانة التي تفتنك لا تزيد عن كونها حماقة: ان تؤمن ان يهوديا مسكينا صلب منذ 200 سنة هو الله. هل هناك حماقة اكثر من هذه؟! اما ديانتنا نحن فهي ديانة الدولة الرسمية والان دع عنك اعتاداتك الحمقاء وعد الى ديننا القديم الحكيم”.

“لا استطيع”.

“انك اخر سليل لعائلة نبيلة. اطرح عنك هذه العقيدة المرذولة التي حتما ستحرمك من كل شهرتهم العظيمة”.

لا استطيع”.

“لقد عشت تعيسا مطرودا، وان افقر شحاذ في روما يحيا افضل منك ويحصل على طعامه بجهد اقل منك وبمذلة اقل منك. ارجع الان عن غيك وستنال الثروة والراحة والاصدقاء وتكريم الدولة ورضا الامبراطور”.

“لا استطيع”.

“انك صبي متهور. وسترى ان غضب الامبراطور مخيف”.

“ولكن غضب الخروف اكثر رعبا من ذلك”

“انك تتكلم كلاما غير مفهوم! ما هو غضب الخروف هذا؟”

“لقد احتمل اصدقائي ورفاقي كل في امكانكم ان تصبوه عليهم من غضب. وانا واثق ان عندي ثباتا مثلهم”.

“هل يمكنك ان تحتمل اهوال حلبة المصارعة؟”

“انا عندي امل ان احصل على ما هو اعظم من القوة البشرية”

“هل تستطيع ان تواجه الاسود المتوحشة والنمور التي سوف تهجم عليك؟”

“ان ذاك الذي اثق فيه لن يهملني في ساعة احتياجي اليه”.

“انك واثق في ذاتك، اذا”.

“انا اثق في ذاك الذي احبني واسلم نفسه للموت لاجلي”.

“وهل فكرت في الموت حرقا بالنار؟ هل انت مستعد لملاقاة السنة اللهب في الساحة؟”

“اذا كان يجب ان احتمل فانني لن ارتد، وهي على اي حال ستمضي وسأبقى انا بعد ذلك مع الرب الى الابد!”

“لقد استولى التطرف والوهم. من السهل ان ينطق الانسان بكلمات الشجاعة، ولكن ماذا يكون الامر معك عندما تواجه الحقيقة المرعبة؟”

“انه سيعطيني قوة اغلب بها الموت. اني انظر الى الموت على انه انتقال من الحزن الى الفرح الدائم. والموت الذي تهددوني به ليس مرعبا لي. ولكن الحياة التي تدعوني لان احياها ، هي مرعبة لنفسي اكثر من الموت الف مرة”.

“اننا نعطيك فرصة اخيرة. ليس عليك سوى ان تأخذ هذه الكاس وتسكب الخمر التي فيها على هذا المذبح القريب. خذها. ان هذا عمل بسيط. اعمل بسرعة وانقذ نفسك من العذاب والموت”.

وتسمرت كل العيون على بولليو ، ولكن الدهشة ملات اذهان المتفرجين اذ وجدوه لم يتحرك البتة.

وقف بولليو بوجهه الشاحب ولكن بارادة ثابتة ازال الكأس جانبا. وقال

“انا لا انكر مخلصي ابدا”

وعندما قال هذا ساد صمت للحظة، صاح بعدها رئيس القضاة:

“لقد نطقت بالموت على نفسك. خذوه من هنا”

قال هذا مخاطبا الجنود.

امل في النافذة

cropped-cca2c05098bb2e7f52dc0bb6bb199f62.jpg

كانت الشمس تبسط اشعتها على الارض المنحدرة الخضراء والطيور تنطلق من اوكارها باحثة عن ارزاقها وهي تنشد نشيد الصباح ، والرجال يسيرون تعلو وجوههم بسمة السعادة واشراقة التفاؤل. وازاح سعيد ستار النافذة ولصق وجهه بزجاجها وراح يتطلع الى الدنيا وهي تنفض عن نفسها غبار النوم والكسل لتتطلع في امل الى يوم جديد. لكنه سرعان ما ابعد وجهه واسدل الستائر. ولم تفارق وجهه مسحة الحزن والكآبة ولم تغادر عيناه نظرة اليأس والتشاؤم. الدنيا من حوله ضاحكة مرحة وهو وسط هذا الضحك والمرح لا يشعر الا بما في قلبه من يأس يبحث في قلبه عن بقية من امل .. فلا يجد!

وتحول يسير في حجرته بخطى وئيدة مضطربة. واتجه نحو دولاب صغير معلق في الجدار فتحه بهدوء والقى نظرة سريعة بداخل الدولاب. ثم مد يده بداخله. واخرجها وبها عبوة صغيرة اخرج منها عددا كبيرا من اقراص بيضاء صغيرة اذابها في كوب ماء والقى بالعبوة على الارض .. نعم كان يعلم انه ينتحر . كان يعلم انه بعد ان يتجرع هذا الكوب ينتقل هو من هذا العالم الى عالم اخر. حمل الكوب بيد مرتعشة واقترب من النافذة وازاح الستار ثانية. والصق وجهه بالزجاج. ما زالت الدنيا ضاحكة مرحة. ما زالت الشمس تبسط اشعتها على الوادي الاخضر البعيد. ما زالت الطيور تغرد. وما زال الرجال يروحون ويجيئون وعلى وجوههم بسمة وفي قلوبهم امل.

ولكن! ولكن كل هذا لم يؤثر في سعيد! كل هذا لم يبعث في قلبه املا ولا في نفسه سعادة! القى على العالم نظرة اخيرة. ثم اخذ الكوب بيده وافرغه في جوفه جرعة واحدة. وسقط الكوب من يده وتحطم. ونظر الى الكوب المحطم تحت قدميه. ثم سقط على الارض بجانبه..

اناس يتشبثون بالحياة باسنانهم لا يريدون مغارقتها فاذا بالقدر يسخر منهم، واذا بهم في لحظة واحدة يغادرون عالمهم. واخرون يجتهدون في محاولة الهرب من الحاة. ولكن القدر ريسخر منهم ويعيدهم اليها ثانية.

فتح سعيد عينيه ونظر حوله. كان يتوقع ان يرى اشياء جديدة عليه. كان يتوقع ان يرى “ما هو وراء الحياة” لكنه لم ير شيئا. وعرف انه ما زال في الدنيا. على ان ذويه انقذوه وطلبوا له الاسعاف، وها هو الان ممددا على فراش بالمستشفى ، وقد علقت به قسطرة متصلة بكيس دم يضخ في شرايينه دماءا نقية بدلا من تلك التي افسدها.

لماذا؟ لماذا فعلوا هذا؟ لماذا لم يتركوه يموت؟ هل يظنون انهم انقذوه ؟ انقذوه من ماذا؟ من الموت؟ ما احب الموت الى قلبه.. كان يحب الموت بقدر بغضه هو للحياة، او قل بقدر محبة الاخرين للحياة!

واستراح قليلا من افكاره وراح يتلفت حوله، ووجد ابتسامة حلوة بجانبه. ابتسامة ترتسم على وجه ملاك ابيض كان يعني به. ودخل ملاك ابيض اخر.. دخل الطبيب واقترب من السرير وقال:

-هيه، نهارك سعيد يا سعيد! كيف حالك اليوم؟

شكرا لله يا دكتور.

وقاس الطبيب الحرارة والنبض.. وفتحت الممرضة النافذة، ثم خرجت في اثر الطبيب واغلقت الباب في هدوء. همس الطبيب للمرضة قائلا:

وفاء. عندي ما اقوله لك.

خير يا دكتور

انت تعلمين ان سعيدا ليس مريضا عاديا . تعلمين انه حاول الانتحار، والان صحته تحسنت كثيرا، ولكن ما الفائدة؟

ما الفائدة؟ ماذا تقصد يا دكتور؟

اقصد ما فائدة ان ننقذ سعيد. ويخرج من المستشفى وفي لحظة واحدة ينتحر ثانية. انسيت ان سبب انتحاره ما زال قائما. ونحن لم نفعل سوى اننا ارجأنا موته قليلا. ولكنه سنتحر ثانية. ما دام حاله لم يتغير والسبب الذي دفعه للانتحار اول مرة سيدفعه للانتحار مرة ثانية وثالثة..

فهمت يا دكتور. لكن ما العمل؟

وتمهل الدكتور قليلا وقال وهو يتفرس في وجه الممرضة:

والان جاء دورك انت. فرسالة الممرضة ليس فقط اعطاء المريض الدواء في ميعاده وانما اكثر من ذلك. نعم. انت يا وفاء بابتسامتك الدائمة ، بحديثك اللبق الطيب، بعملك النبيل تستطيعين ان تخلقي في قلب سعيد الامل. تستطيعين ان تعيدي اليه ثقته في نفسه وفي الحياة. ابعثي في نفسه الايمان والعزيمة. اخلقي في قلبه الارادة والتصميم. انت يا وفاء تستطيعين ان تحيي انسانا ميتا. وتنقذي بائسا وتنتشلي ضائعا.

فهمت يا دكتور. سأبذل جهدي.

شكرا يا وفاء. وفقك الله.

**

تسللت خيوط الشمس الذهبية من خلال الستائر البيضاء وغسلت وجه سعيد النائم فايقظته. فتح عينيه وارسلهما تبحثان حوله فطالعه وجه ملاك يبتسم . وقالت وفاء:

صباح الخير يا سعيد.

صباح النور

قالها سعيد في صوت خافت ثم انّ انينا ارتسمت فيه كل علامات الشقاء، وقال:

ارايت يا وفاء من هو اتعس مني في هذا الوجود؟ ابحث عن الحياة فتسد ابوابها في وجهي. اهرب منها الى الموت فيهرب الموت مني. ولا اجد مستقرا او سلاما لروحي الضائعة.

لا يا سعيد.! الحياة لم تسد بابها في وجهك. لا تظن ان الاقدار تترصدك انت وحدك وتضع العراقيل في طريقك. الدنيا لا تسد ابوابها الا اذا انت رأيتها هكذا. هذا لانك يائس خائر القوى ، تطرق بابها في تردد ووهن. ولكنك اذا فتحت صدرك وملا قلبك الايمان ومضيت تدق بابها بيد قوية وساعد نشط فستنفتح الابواب الموصدة وتتحطم اقوى السدود.

ونظر سعيد نحو النافذة وهو يتامل مناظر الطبيعة الساحرة، وقال:

اه، صدقت ا وفاء.

ومضت وفاء تقول:

لا تنظر الى الحياة من خلال نظارة سوداء لتراها سوداء. بل اخلع عنك نظارة اليأس والاحباط السوداء . واطلب من الله ان يعطيك ايمانا. قل مع داود في مزمور الراعي “الرب يرعاني فلا يعوزني شيئ”. بل صل الى الله واطلب منه “قلبا نقيا اخلق في يا الله. وروحا مستقيما جدد في احشائي”. انظر يا سعيد! هل ترى هذه الشجرة العجوز؟ هل ترى هذا العصفور؟

ونظر سعيد الى العش ورأى عصفورا صغيرا يرقد في العش فوق احد الاغصان وهو يرقد بلا حراك.

هذا العصفور كان قد جرح من مدة بسبب رصاصة صياد. هل تراه الان؟ لقد استعاد نشاطه .. صبر على المحنة التي المت به حتى انتصر عليها.

سمع سعيد هذا الكلام الجميل وراح الامل يتسل الى نفسه وتتشرب روحه الايمان كما تتشرب الارض المشققة الماء المنهمر عليها.

لقد انتصر العصفور على محنته. وهل هو اقل من العصفور؟ لا. انه هو ايضا سينتصر على محنته. ونهض سعيد من فراشه واتجه الى النافذة. والصق وجهه في الزجاج. وجد الدنيا ضاحكمة مرحة. الشمس تبسط اشعتها. الطيور تغرد. الناس يذهبون ويجيئون وفي وجوهم بسمة الامل. نفس المنظر الذي رآه من نافذته يوم اراد الانتحار. لكنه الان يراه وهو يشعر بالسعادة لاول مرة.

قصة تائب

                                        

بعد سنوات من حياتى الرهبانيه . دخل الفتور قلبى فكنت أهرب من أب اعترافى ..واهمل ممارساتى الروحيه واتعلل بشتى الحجج والاعذار حتى لا اشارك اخوتى الصلاه ..

 ونزلت درحه درجه من قامتى الروحيه. فى النهايه قررت ترك الدير الى العالم ، ودون أن يرانى أحد تسللت من الدير ووصلت للمدينه الصاخبه .. وبعد فتره بحثت عن عمل أعيش منه فوجدت عملا عند كاهن وثنى رحب بى ترحيبا كبيرا بعد أن عرف اننى كنت راهبا مسيحيا..

 فى بيت الوثنى اعجبت بابنته ، وراودتنى فكره الزواج بها ..طلبتها من ابيها الكاهن الوثنى ففرح بى جدا ورحب بى على شرط أن بستشير الهه ( يقصد الوثن الذى به شيطان ) .. 

عاد الرجل يخبرنى ان الهه وافق على الزواج بشرط أن اجحد المسيح .. وافقت فقد كانت ابنه الرجل جميله جدا .. امام الوثن جحدت مسيحى .. وفى الحال رأيت ما يشبه الحمامه البيضاء خرجت من فمي واختفت فى الأعالى وأدركت ان هذا هو الروح القدس الذى حل بى فى المعموديه قد فارقني …

 حزنت واغتم قلبى لكن كنت احب ابنه الرجل ..ظللت الح على الرجل ليزوجنى ابنته فقد جحدت مسيحى كما أراد .. فعاد وسأل شيطانه فقال له لقد جحد الراهب مسيحه لكني ارى المسيح مازال يحبه .. زوجه ابنتك بسرعه حتى يفارقه مسيحه..

 أخبرنى الرجل بذلك فاستيقظ ضميرى وتبكت وانقلبت علىَِِ أوجاع نفسى وبللت فراشى بدموعى وساخت من الغم عينى حزنا على نفسى التى جحدت المسيح من أجل امرأه ومازال المسيح يحبنى. قبل ضوء الشمس هربت من بيت الرجل الوثنى ورجعت الى الدير وكنت أشعر ان مئات من الشياطين تعرقل سيرى.. لكنى اتكلت على رحمه مخلصى ومحبته التى تحاصرنى… 

فى الدير جلست الى أب اعترافى الذى فرح برجوعى .. اعترفت بكل شيئ وأنا ابكى بدموع غزيره وبدأ يشجعنى بكلمات معزيه وطلب منى ان نصلى سويا كل يوم..

وكنت اثناء صلاتى اتطلع الى السماء حيث طارت الحمامه البيضاء الجميله من قبل.. بعد فتره رأيت الحمامه ظهرت عاليه جدا ّ .. ففرحت للغايه وأخبرت أبى بما أرى ففرح معى وطلب منى أن نصلى اسبوعا ثانيا وفى نهايته ظهرت الحمامه قريبه منى لكنى لم أستطع الاٍمساك بها .. ولما أخبرت أبى طلب منى أن نصلى أسبوعا ثالثا .. وفى نهايته ظهرت الحمامه فوق رأسى ومن شده فرحى مددت يدى لأمسكها لكنها أسرعت ودخلت فمى .. الى جوفى ومعها سلام الرب يسوع الذى يفوق كل عقل.. ولما أخبرت أبى فرح جدا معى وقال ” طوبى للذى غفر اثمه وسترت خطيته.. طوبى لرجل لا يحسب له الرب خطيه”

من كتاب بستان التائبين للمتنيح القمص شاروبيم يعقوب كاهن كنيسة رئيس الملائكه ميخائيل بالمنصوره

يوميات استير -18

-18-

الامر الملكي الثاني

صادر الملك بيت هامان وكل ماله ، وسلمه لي واتى مردخاي الى الملك لاني اخبرته بانه ابن عمي فاقامه مقام هامان واعطى خاتمه الذي اخذه من هامان لابن عمي واقامه على بيت هامان. وظن الكثيرون ان القضية قد انتهت. كان عامة شعبي لا يعلمون ان الامر الملكي لا يمكن ولا المل يقدر ان يلغيه. نعم. كانت هناك عدة شهور متبقية وربما كان مركز ابن عمي يكفل عدم تنفيذ الامر بابادة شعبنا .. ولكن من يعلم ما يلده الغد؟ ان الامر بابادة شعبنا لا يزال قائما.

ذهبت الى الملك. كان الطريق مفتوحا امامي. عاد زوجي اليّ. سقطت عند رجليه. بكي وتضرعت الى ان يزيل شر هامان . قلت : ان حسن

فاجاب الملك: “هوذا قد اعطيت بيت هامان للملكة. اما هو فقد صلبوه..

فكتبنا الرسائل وارسلت مع السعاة..

-19-

السنة العشرون

بالامس كان عيد جلوس الملك العشرين

اصبحت لي مكانة كبيرة عند الملك وولي العهد وباقي البيت الملكي. الكل يكرمونني لا كنموذج الملكة، بل كنموذج للحكيمة ذات المشورة الصائبة. ولكن واسفاه جاء اليوم حزينا اذ حمل اليّ خبر وفاة الملك مقتولا

 

 

يوميات استير -17

الوليمة الثانية

علمت ان هامان عاد الى بيته مكدرا نائحا مغطى الرأس. حكى لزوجته واقربائه كل ما حدث. فقالت زرش: “اذا كان مردخاي الذي ابتدات تسقط قدامه من نسل اليهود فلا تقدر عليه بل تسقط قدامه سقوطا”.

كانت زرش تتكلم كما لو كانت تتنبأ. وحاول بعض الموجودين ان يتكلم. لكن قاطعهم مجئ خصيان الملك، يسألونه الحضور للوليمة التي كنت قد اعددتها له وللملك.

وجلسنا نحن الثلاثة الى المائدة. ولكن جلستنا هذه المرة كانت تختلف عن المرة السابقة. كنا نجلس كما جلسنا بالامس. كنت انا جالسة على يمين الملك. وكان هامامان امامي، وقد حاول ان يبدو طبيعيا. قدمت الاطعمة كالمعتاد. على اننا نحن الثلاثة لم نأكل الا القليل. كل واح منا كان يتيه في واد. حمل الخصيان قناني الخمر وشرب الملك وشرب هامان.

وتكلم الملك! ما هو سؤالك يا مليكتي العزيزة. وما هي طلبتك ؟ بالتأكيد ستعطى لك ولو الى نصف المملكة.

وقفت في مكاني وانحنيت في ادب وقلت “ان كنت قد وجدت نعمة في عينيك ايها الملك واذا حسن عند مولاي فلتعط لي نفسي بسؤالي وشعبي بطلبتي، لاننا قد بعنا  انا وشعبي للهلاك والقتل والابادة ولو بعنا عبيدا واماء لكنت سكت مع ان العدو لا يعوض عن خسارة الملك. فتكلم الملك احشويروش وقال لاستير الملكة من هو واين هو هذا الذي يتجاسر بقلبه على ان يعمل هكذا، فقالت استير هو رجل خصم وعدو” ثم اشارت بيدها الى هامان وصرخت: “هذا هامان الردي”.

وهنا ادرك الملك الى اي شرك ساقه هامان. لقد خدعه وحصل منه على المرسوم الملكي الذي يقضي بقتل شعب مردخاي. انه لا يعرف شيئا عن ذلك الشعب. لقد اخبره هامان انهم قوم يبغضون الملك ويتأمرون على قتله. وانه هو هامان معني بسلامة الملك وحراسته.

ووقف الملبك بغيظ وجعل يتمشى في حديقة القصر ، وهو الممر بين جناح الملك وجناحي.

كان يخاطب نفسه: “مردخاي الذي انقذ حياني. هو الذي امرت بابادته وابادة شعبه؟

وهامان الذي يطمع في عرشي وفي زوجتي هو الذي جعلته صفيا لي؟

اانا ارفع الخائن وامر باهلاك الامين؟!!!

لا ، لن يكون هذا ابدا.

وارتاع هامان وفارقته فطنته، ووقف يتوسل اليّ، وكأن بيدي شئ استطيع ان افعله له!! ان مصره كان معلقا بد الملك. لقد اتجه الى المكان الذي كان يثير شكوك الملك، ولو انه ذهب خلف الملك وترامى عند قدميه فربما رق الملك له. ولكن الملك عاد ورآه واقعا على السرير الذي كنت عليه فثار غيظه وصرخ:

“هل بلغت بك الجرأة ايها الوقح ان تلمس سرير الملكة. احملوه من هنا واقتلوه.

ولما خرجت الكلمة من فم الملك