بابا بانوف وهدية عيد ميلاد مميزة

061215-papapanov-4-638

للكاتب الروسي الكبير ”ليو تولستوي“

(كتبها سنة 1908م)

كانت ليلة عيد الميلاد. وبالرغم من أنَّ الوقت كان بعد الظهر، إلاَّ أنَّ أضواء العيد كانت قد بدأت تظهر في الحوانيت والبيوت في هذه القرية الروسية الصغيرة، لأن نهار الشتاء كان على وشك الأفول. وكان الأطفال المرحون بسبب العيد يجرون ويمرحون داخل المنازل، ولكن بحلول الظـلام، بـدأَت الأصوات تخفت، والثرثـرة والضحك يتوقَّفان داخل أبواب المنازل المغلقة.

أما العجوز ”بابا بانوف“، صانع الأحذية المعروف في القريـة، فقد ابتدأ يخطو خارج حانوته، مُلقياً نظرة أخيرة حوله. وكانت أصوات المرح والفرح، والأضواء المتلألئـة، وروائـح الطبخ اللذيذة لأطعمة ليلة عيد الميلاد التي بدأت تخبو؛ كانت تُذكِّره بأوقات أعياد الميلاد السابقة حينما كانت زوجته ما زالت على قيد الحياة، وأطفاله كانوا صغاراً بعد. والآن، ها الجميع قد مضى واختفى. أمـا نضـارة وجهـه المبتهج، بضحكاتـه القليلة، فقد تحوَّلت – مـع طـول السنين – إلى تجاعيد في وجهه تطلُّ مـن وراء مُحيَّاه المستدير المتجهِّم، ويُطِلُّ من ورائه بالحزن والأسى. لكنه رجع إلى بيته بخطواتٍ ثابتة، ثم رفع مزلاج الباب، ودخل ليُعدَّ لنفسه قدحاً من القهوة على موقد الفحم. وبتنهدة خرجت من فمه، جلس على الكرسي ذي المسندين.

و”بابا بانوف“ قلَّما كان يقرأ، لكنه في هذه الليلة جذب من على الرفِّ الكتاب المقدس القديم الذي كانت الأسرة تستخدمه، وأَخَذَ يتتبَّع بطرف إصبعه السطور ليقرأ قصة ميلاد المسيح. وقرأ كيف أن مـريم العذراء ويـوسف كانـا مُنهكَيْن بسبب رحلتهما الطويلة إلى بيت لحم، وكيف لم يعثرا على مأوى لهما في الفندق الصغير، حتى أنَّ وليد مريم وُلد في مذود للبقر!

وصاح بابا بانوف: ”يا حبيبي! آه، يا حبيبي! لو أنهما أتيا إليَّ ههنا، لكنتُ قد أعطيتهما فراشي! ولكنتُ قـد غطَّيتُ المولـود بلحـافي لكي أجعله يـدفأ“.

ثم قرأ عن الحكماء المجوس الذين أتوا من بلادٍ بعيدة، ليُقدِّموا للمولود هدايا ثمينة.

وأطرق بابـا بانوف برأسه إلى أسفل، وهو يُفكِّر بحزنٍ: ”ليس عندي هدية لأُعطيها له“.

ثم أشرق وجهه فجأةً، فوضع الكتاب المقدَّس إلى جانبه، ثم وقف ومدَّ ذراعيه إلى الرفِّ العالي في غرفته الصغيرة، وأَنْزَلَ من عليه صندوقاً يعلوه التراب وفتحه. وكان بداخله زوج حذاء صغير من الجلد الثمين! وابتسم بابا بانوف، وهو مرتاح البال. نعم! لأنه تذكَّر أنَّ هذا الزوج من الأحذية كان أفضل ما صنعه من أحذية. ثم قرَّر، وهو يضعهما بجانبه: ”إني لسوف أُعطيهما له“، ثم جلس مرة أخرى.

وفي ذلك الوقت، أحسَّ بأنه مُتعب، وعلى قدر مـا قـرأ قصة ميلاد الرب يسوع، على قـدر مـا غلب عليه النعاس. وأخـذت كلمات قصة الميلاد تتراقص أمام عينيه، حتى أنه أغلقهما، وفي دقيقةٍ غلبه النعاس. وهكذا سريعاً نام بابا بانوف.

وما إن نام حتى أتاه حُلم. فقد حلم بأنَّ شخصاً ما كان في غرفته. وعَلِمَ للتوِّ، كما يرى النائم في الأحلام، مَن هو هذا الشخص! فقد كان الرب يسوع!

وقد خاطبه الرب يسوع قائلاً: ”لقد كنتَ ترغب لو أنك تقدر أن تراني، يا بابا بانوف. إذن، فانتظرني غداً. إنه يوم عيد ميلادي، وأنا سوف أزورك. ولكن انظر بدقَّة، لأني لن أقول لك مَن أكون!“.

وحينذاك استيقظ بابا بانوف، وكانت أجراس الكنيسة تقرع، بينما كان نورٌ ضئيل يتسرَّب من بين مصاريع الباب. ورشم بابا بانوف نفسه بإشارة الصليب، ثم قال: ”فلتُبارِك نفسي الرب! إنَّ اليوم هو عيد ميلاد الرب يسوع“.

وأخيراً، حينما قام من فراشه، وقف يمطُّ نفسه، لأنـه كان ما زال مُتصلِّباً. وامتلأ وجهه بالسعادة، إذ تذكَّر حلمه الذي رآه. فهذا العيد قبل كل شيء، هو عيدٌ ذو خصوصية مُميَّزة، لأن الرب يسوع قادمٌ إليه ليزوره! كيف سيبدو يسوع؟ هل سيأتي طفلاً صغيراً كما كان في أول ميلاده؟ أم سيكون رجلاً نامياً، كنجَّارٍ أو كملكٍ عظيم، فهو ابن الله؟ ويجب على بابا بانوف أن يتنبَّه بمنتهى الدقَّة طيلة اليوم حتى يتعرَّف عليه، مهما كانت الحالة التي يأتي بها إليه!

وأعدَّ بابا بانوف قدحاً خاصاً من القهوة لهذا اليوم. ثم فتح مصاريع النافذة وأخذ يتطلَّع إلى الطريق. كان الطريق مهجوراً، ولم يأتِ أحدٌ، فيما عدا ”كنَّاس“ (عامل نظافة) الطريق! وكـان يبدو بائساً ومتَّسخاً كالمعتاد. فكيف يكون حال ذاك الذي يعمل يوم عيد الميلاد، وفي مثل هذا البرد القاتل، والجليد اللاذع؟

وفَتَحَ بابا بانوف باب حانوته، تاركاً فقط فتحة صغيرة ليدخل منها الهواء البارد، ونادَى صائحاً عَبْر الطريق على هذا الرجل بابتهاج: ”هَلُمَّ، ادخُل! تعالَ لتأخذ بعض القهوة الساخنة ليهرب منك البرد!“.

ونظـر الكنَّاس إلى أعلى، وبـالكاد صدَّق ما سمعه بأُذنيه. فقد صار فَرِحاً جداً لأنْ يركن المكنسة على الحائط ويدخل إلى الغرفة الدافئة. وبدأت ملابسه القديمة تمتص بهدوءٍ البخار المُحمَّل بسخونة الموقد. وأحاطت يداه المحمرتان بالقَدَح الذي يحوي القهوة الساخنة التي قدَّمها له بابا بانوف.

وكان بابا بانوف يتأمَّل في وجه الرجل بارتياح، ولكن نظره كان مُثبَّتاً على النافذة، إذ كان يحرص على أَلاَّ تضيع منه فرصة الزائر العزيز.

وأخيراً، سأل الكنَّاسُ بابا بانوف: ”هل أنت منتظرٌ أحداً؟“. وحينذاك أخبره بابا بانوف عن حُلمه.

وردَّ عليه الكنَّاس قائلاً: ”حسناً، أرجو أن يأتي. لقد مَنَحتَني تحية عيد الميلاد بما لم أكن أتوقَّعه. وأقول لك: إنك تستحق أن يتحوَّل حلمك إلى حقيقة“، ثم ابتسم وهو فَرِحٌ.

وبعد أن شرب القهوة، انصرف الكنَّاس. وأعدَّ بابا بانوف شوربة الكرنب ليحتسيها في الغذاء، ثم توجَّه مرة أخرى إلى الباب، وهو يفحص الطريق بتدقيق، ولم يَرَ أحداً؛ ولكنه كان مُخطئاً، لأن شخصاً ما كان آتياً من بعيد، وهو لم يَرَه.

papa_panov_detail2b1000

كانت فتاة تسير ببطء، وبهدوء، محاذية أسوار الحوانيت والبيوت، وهكذا كانت تسير بحيث لم يَرَها. وكانت تبدو مُتعَبَة، وهي تحمل في يدها شيئاً ما. ولما اقتربت أكثر فأكثر، استطاع أن يراها ويـرى أنها تحمل طفلة ملفوفة في شالٍ سميك، وكان الحزن يبدو على وجهها، والحرمان يبدو على وجه طفلتها، مِمَّا جعل قلب بابا بانوف يتمزَّق عليهما.

ونادَى على الفتاة، وهو يخطو خارجاً ليُقابلها: ”هلاَّ تدخلان، أنتما الاثنتان، فربما تحتاجان إلى دفء النار، ولتأخذا راحة“.

ووافقت الأُم الشابة على استضافتهما داخل البيت، ولتستَرِح على الكرسي ذي المسندين. وخرجت تنهدة عميقة منها تنمُّ عن الارتياح.

وقال بابا بانوف: ”سوف أُدفِّئ قليلاً من اللبن للطفلة. لقد كان لي أطفالٌ أيضاً، وأنا قادرٌ على أن أُطعمها بـدلاً منكِ“. وأخـذ اللبن مـن على الموقد، وبحرصٍ أطعم الطفلة بـالملعقة، ودفَّأ قدميها الصغيرتين على الموقد في نفس الوقت.

وقال بابا بانوف: ”إنها تحتاج إلى حذاء“.

وردَّت الفتاة: ”لا يمكنني شراء حذاء لها. لقد تزوَّجتُ برجلٍ لا يمكنه إعطائي نقوداً. وها أنا في طريقي إلى القرية القريبة لأجد عملاً“.

وفجأةً وَمَضَتْ فكرة في ذهن بابا بانوف. فقد تذكَّر زوج الحذاء الذي رآه في غرفته الليلة الماضية. ولكنه قد قرَّر الاحتفاظ به للرب يسوع. وعندما نظر مرة أخرى إلى قدمَي الطفلة اللتين تُعانيان من البرد، فكَّر في ذهنه فكرةً ما.

ثم نظر إلى الفتاة وطفلتها مرة أخرى، وقال: ”ها هو الحذاء“، وسلَّم للفتاة الفقيرة الحذاء الثمين.

وردَّت عليه: ”شكراً، إنه على مقاسها تماماً“! وسُرَّ بابا بانوف بهذا جداً.

ومـرة أخرى، عـاد إلى النافذة، باحثاً عـن الطفل يسوع، وهو في غاية القلق: هل هو آتٍ ليراه أم لا؟ أم هو تركه؟

وعَبَر كثيرون جداً على الحانوت في ذلك اليوم، وقدَّم لهم بابا بانوف: إما ابتسامة، أو إيماءة، أو انحناءة، أو تحية!

+ + +

وأرخى الليل سدوله، وصار العجوز مُحبَطاً في يأسٍ. فإن الرب يسوع لم يأتِ. وفي حزنه، انسابت الدموع من عينيه، وخَلَدَ إلى فراشه.

ومرة أخرى، سمع صوت الرب يسوع يسأله في الحُلم: ”أَلَم تَرَني؟ لقد كنتُ جوعاناً وأطعمتني. كنتُ عطشاناً وسقيتني، كنتُ غريباً فآويتني، عرياناً فكَسَوتني. كل هؤلاء الناس الذين استضفتهم اليوم، وكل ما فَعَلْتَه من أجلهم، فبِي فَعَلتَ!“.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s