رسائل من فجر المسيحية #٣

الرسالة الثالثة
(صيف عام 29م بعد مرور 9 شهور على الرسالة السابقة).

عزيزتي بوراشيا
لقد حلّت بنا كارثة. لقد نزل علينا ضيفان ثقيلان – مرقس اوفيدس وزوجته الثقيلة فولنيا. ويتراءى لي انه لا نهاية لوجودهما عندنا.
لقد عجزت عن التصرف بكياسة معهما، وبخاصة مع زوجة الرجل. بل اني ارى الحيرة تبدو على وجه العم بيلاطس، كأنه الاله جوف يبحث عن مطرقته الضائعة، والشخص الوحيد الذي يعرف كيف يتصرف معهما هو عمتي كلوديا. انها تجاريهما في كل ما يدعيانه. ولا تحاول ن تعترض عليهما في شئ. كم كنا سنعيش سعداء لو ذهبوا بعيدا عنا. ان مرقس يدّعي انه يجمع مادة لكتاب يكتبه عن عقلية الشعوب البدائية. مع ان الاجدر به ان يكتب كتابا عن عقلية زوجته. ولعلك ستضحكين بلا شك لو كنت معنا، وشاهدته وهو يجلس الى جوارها يرقبها في كل تصرفاتها، فاذا اشتكت من الحر، او من عدم وجود وسائل الراحة، اراه وقد انحنى على رقوقه وراح يخط بضعة سطور!! ولا اعرف ماذا يكتب.

لقد تضايقت منها جدا، لمعاملتها الشاذة لخادمتي الصغيرة “مريم”. انها تتصرف معها وكأنها سلعة رخيصة من سوق العبيد في بنطس. اما صاحبنا مرقس فهو عنيد كالحمار يتشبث برأيه ولو كان خطأ. عرّفته يوما بسيدة يونانية لطيفة تدعى “تريفينا” كانت تأتي في بعض الاوقات لزيارتنا. وتطوعت السيدة ولعل ذلك من مكر وخبث – ان تقدم له بعض الافكار في كتابه. فاخبرته ان اليهود قلما يستخدمون يسراهم في فض انوفهم!!
وبنى صاحبنا على هذا الخبر الغريب نظرية طويلة. وقال ان استعمال اليد اليسرى عند الشعوب البدائية نذير شر.. لا عليك من هذا الهراء!!
قلت لك ان “تريفينا” كانت سلوتي الوحيدة في تلك الفترة. وكنت ابادلها الزيارات، وكانت سر بذلك رغم فارق السن الكبير بيننا. لقد ولدت في اثينا وتزوجت من مقاول كبير في كورنثوس كان يعمل متعهدا لاعمال الحكومة، كان يستورد الرخام من اجل لتماثيل ويبيعه باسعار باهظة وحدث ان اساء الى احد الخدام فهدده بكشف سره. ولك زوجها كان حصيفا فجمع ثروته وهرب من بلاد اليونان ليلا، واستقر في قيصرية. حدث هذا من عشرين عاما. ولكنه لم يعش طويلا بعد ذلك، فترك ثروته الطائلة لزوجته وابنه الوحيد.
لعلك تذكرين اني اخبرتك في نهاية خطابي السابق عن اشاعات بدأت تنتشر في اليهودية والجليل عن ظهور نبي جديد على اثر مقتل يوحنا المعمدان. وكان لهذه الشائعات نصيب من الصحة. فقد بدأ هذا النبي الجديد – ويلقبونه بالمسيح او المسيا، وهي كلمة عبرية ترادف كلمة ملك عندنا. اقول بدأ النبي الجديد يتجول في البلاد واعظا ومناديا الناس بملكوت جديد وشافيا لذوي العاهات. لو صحت تلك الاشاعات، وقلما تخلو اشاعة من الصحة – يكون ذلك بداية عهد جديد في البلاد ونذير ثورة عارمة.
ان مريم خادمتي الصغيرة تقول انها شاهدته وهو يقيم اناسا من الموت. ولكن بالطبع لا نستطيع ان نصدق كل ما يقال. ويعتقد الكثير من الببسطاء انه مرسل من الله، وانه حان الوقت ليرد الملك لاسرائيل، لتزدهر مملكتهم كما كانت من قبل في عهد داود وسليمان.
اما طبقة رجال الدين والمثقفين والاغنياء فانقسمت ازائه. قالت لي مريم ايضا ، انه من عدة قرون تنبأ انبياء ارون انه سوف يظهر بينهم نبي سيغيّر مجرى التاريخ. والفارق بين هذا النبي ومن سبقوه، ان من سبقوه تنبأوا بعهد جديد سيأتي، اما هو فانه يؤكد ان فيه تم هذا العهد. وانه لا حاجة لهم ان ينتظروا ملكوتا جديدا لان الملكوت قد اتى بالفعل. ولما سألتها “اهذا كل ما تعرفينه عنه؟”. اجابت “انه يعلم الناس ماذا يفعلون لكي يتجنبوا غضب السماء ودينونة الله”. وكان كل حديثها غامضا بحيث لم افهم شيئا. قلت لها “وماذا ايضا؟”. قالت “انه يعلم الناس ان يحبوا بعضهم حتى الاعداء”. يا لها من تعاليم غريبة!! تصوري لو احب جنودنا الشجعان اعداءنا من البربر والقوط ولم يتقدموا لمبارزتهم وصد غزواتهم، الى مصير تصير امبراطوريتنا العظيمة؟!! انها عقيدة حمقاء بلا شك، يمكن ان يتغنى بها احد الشعراء لكنها لا تصلح لان تكون دستورا لمملكة! وحاولت ان اغري مريم لتخبرني شيئا اكثر لكنها لزمت الصمت، فأنها شأن كل بني جلدتها لا يتحدثون مع من يخالفهم المعتقد.
ان عمي بيلاطس يهوى ركوب الخيل، مع انه يكبرني ثلاثين عاما اي انه كهل بينما انا في سن الشباب. ومع انني قضيت حياتي امارس رياضة ركوب الخيل الا انه يسبقني انا ولوسيوس. وكم يكون مضحكا وانت تري لوسيوس يلهث ويحمر وجهه في السباق. وبيلاطس يشير اليه ضاحكا “يا ولدي لوسيوس سوف يتاح لك يوما ان تسبقني حينما تتم تمرينك..”.
ومنذ ثلاثة اسابيع خرجنا في رحلتنا المعتادة، في مطلع الشمس وسرنا مسافة عشرة اميال في شمال شرق المدينة في اتجاه قرية تسمى الناصرة. كان عمي في غاية السرور يضحك ويمرح. ويقص علينا قصصا طويلة من الرحلات التي قام بها في غابات اسبانيا لصيد الذئاب. كان يسير خلفنا خمسة من العبيد، يحملون اقفاص الصقور، وسلال الطعام، وجنديان. ولان ذلك اليوم كان يوم سبت وهو مقدس عند اليهود اي لا يعملون فيه اي عمل، لذا اخترقنا الحقول في هدوء، حيث لم نشاهد يهوديا واحدا. ولم نسمع سوى صوت الطيور المغردة قي اعشاشها فوق الاشجار، واحيانا حفيف ابي قردان وهو يتنقل من مكان الى مكان بحثا عن الديدان. يا للالهة!! ما اجمل بلاد اليهودية لو انتفى منها اليهود!!.
عزيزتي بوراشيا .. لقد اطلت كثيرا في حديثي.. تقبلي تحياتي.. واكتبي لي على الدوام.
ابنة عمك المخلصة – لافنيا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s