الام ماري سكوبتسوف

سر اﻻخ:
امسكت بيده وسألت: “ما هو الحق؟”.
اجاب: “الحق هو المحبة. لكن كثيرون يعتقدون ان الحق هو في محبة البعيد، وهذا خطأ، فمحبة البعيد ليست محبة، فاذا احب كل احد قريبه الذي هو قربه فلن تكن ثمة حاجة الى محبة البعيد. ان اﻻفعال العظيمة البعيدة ليست حقيقية ، فاﻻفعال الحقيقية هي القريبة والمتواضعة والمتكتة. والنيع الحسن خفي دائما، وهو ليس موقفا بل تضحية بالذات، متواضعة ومتكتمة ايضا. ان المادىة بعيدة كل البعد عن ان تكون جامدة ﻻنها مصنوعة من الطاقة”.
وكان ذلك لها مثل الهام حقيقي. كانت تردد كلامه للاخرين “انتم ﻻ تدرون شيئا” تقول متعجبة “ان كل شئ طاقة!”. واردفت “هذا الجدار وهذا التمثال من الجص ، هما من الطاقة!”. وهكذا اكتشفت ليزا، نيتشة والماركسية. اﻻ ان الحديث عن القيمة المضافة وراس المال والبنية التحتية والفوقية ازعجها وبدت عقيمة ، اذ كانت تتوق للعمل والجمال.
القصية هي المجهول:
ان ذلك المجهول هو الشاعر الذي يلم باسرار العالم ويملك اجابة على كل المشكلات التي تحوط بها.
ان الهزء باﻻيمان المسيحي هو الموضىة الحالية في هذا الوسط الملحد. فطوال الليل كانت ليزا تناقش ثورة يمكن تخيلها على شكل انجيل خامس يمكن ان يحل مشاكل العالم. كتبت في مذكراتها تقول:
“كنا نبني جسورا جريئة نحو المستقبل وفي الوقت عينه كان اﻻنحطاط الذي يلازم هذا العمق تجاه كل شئ طابعه يفضي الى الموت والزوال والوهم.. نفسي غير راضية. انها الثمالة بدون خمر، الغذاء الذي ﻻ يغذي.
نحن ﻻ نعرف حرمة ﻻي كلمة. انتا نتجرا فنتحدث بقوة وجهرا عن الالم والمعاناة. فحتى ان استطعنا ان نفهم موت المسيح من اجل الزواني والعشارين، يبقى غافلا علينا ان نفهم موته من اجلنا. نحن ﻻ نبادر اﻻ للمس جراحه. نحن ﻻ نحترق بدمه”.
“شعرت بروحي تائهة في طريق معوجة دائما. من اﻻن فصاعدا على ان اطمح في السير على طريق مستقيمة ممهدة، ليس ﻻنني اؤمن بالحياة بل ﻻبرر الموت وافهمه واقبله”.
“يجب المضي حصرا نحو القمة وعدم قبول اي استثناءات”.
انني ابسط يدي بحركة عاجزة لكوني اجهل من الذي يطرق بابي وكيف يطرقه. من الذي يدفعني الى الجهاد ضد كل الشرور، ويفعني الى ردم الموت. ايا قلبي، اعرف شعارك وانقشه على رايتك: ليترنم قلبي فبالترنيم تنال النعمة يا قلبي”.
شعرت ليزا بدعوة للعمل الروحي بين المهاجرين الروس . اذ كانوا جميعهم من المستخدمين في المناطق الصناعية والمناجم في الشمال والشرق. كانوا فريسة لكل انواع المصائب كتعاطي الكحول والياس واﻻنتحار. كتبت تقول كدعوة لمن يحثه قلبه:
“اذهب وعش بين المشردين فبينك وبينهم رباط ﻻ ينفك”.
ولم يمض وقت طويل حتى ظهر تباين بين اهدفها واهداف الجمعية. كان هدف الجمعية ان تحمل عونا روحي عبر الكتب والمحاضرات ، اما الواقع فاظهر بؤس المهاجرين الروس الكبير ماديا ونفسيا.
استوقفها احدهم مرة وقال “لسنا بحاجة الى محاضرات. ولو كنت اتية لتنظيف البيت لفهمنا اﻻمر!”.
اﻻ ان تلك الحياة الغنية التي تجول فيها بين المشردين والفقراء لم ترض ليزا. فكتبت تقول:
“ما اقدمه اليهم هزيل جدا. تكلمت وانطلقت .. لكنني فهمت لماذا ما عدت احصل على نتيجة. فكل منهم يطلب حياتنا كلها، ﻻ اكثر وﻻ اقل. وان يعطي المرء حياته لمدمن خمر او مقعد، فهذا قاس للغاية”.
“سأرحل وسوف ﻻ آسف لشئ. ان قلبي لن يستطيع ان يأوي الكون”.
حصاد الروح:
كتبت مرة تقول “نحن في هذا العالم عراة بائسون. لكننا نحتفظ بذكرى خيرات الفردوس المفقود”.
وجدت ليزا منزﻻ استأجرته وعلى الفور انهالت التبرعات مما مكنها من ايواء 25 مشردا. بعد فترة وقد ضاق المكان بدأت بالبحث عن مسكن جديد. اكتشفت منزﻻ واسعا ولكنه كان بحالة سيئة وكانت قيمة ايجاره كبيرة. كتبت لصديقها الذي تثق به الناقد اﻻدبي قسطنطين فاسيلفيتش تقول:
“تراني غير قلقة. كنت في فيلا ساكس اطعم 25 جائعا. وهنا استطيع ان اطعم مئة. اشعر احيانا بأن الرب يمسكني من عنقي ليحملني على فعل ما يرغب فيه. واﻻمر كذلك بالنسبة الى هذا المنزل”.
هناك طريقان للسير. السير على اﻻرض لقياس الخطوات، والسير على الماء. ولكن هذه الطريقة تتطلب اﻻيمان، ﻻن اي خطوة متعثرة تقود الى الغرق”. برنامجها كان بسيطا وشعارها كان واضحا “اﻻنتصار على الشر بواسطة المحبة بدون حدود”.

كتبت تقول عن اسلوبها في العمل الاجتماعي “ابغي اﻻعتدال في كل شئ. في الحب ، في الحقد. فقد اكتفت نفسي من كل هذا. يجب اﻻ نكسر هذا العبث اليومي فقط، بل ان نكسر ذاتنا حتى الغائها .. حتى نجعل الطمانينة تشع من اﻻخرين”.
تعلمت الراهبة ان تتقبل كل المشقات وان تغلق عينها عن جميع النواقص. اكثر من مرة فوجئت بواحد ممن كانت تحميهم يبيع ثوبا حصل عليه ليثمل في خمارة الزاوية. لم تكن تتفوه باي كلمة فايمانها بسيط “اريد ان اعطي روحي لكل شخص، لياكغل الجائعون ويستتر العراة. ليسمع الطرشان البشرى، من السماء الراعدة الى همسات النسمة: كل شئ يأمرني: قدمي الفلس اﻻخير.”.

الايمان في بوتقة التجارب:
في العاشر من ايار 1940 غزا اﻻلمان هولندا. كتبت عن هتلر تقول “هناك مجنون مصاب بداء الصرع يجب وضعه في مركز المعالجة النفسية. انه يحتاج الى اقامة جبرية وغرفة معزولة لئلا يزعزع عواؤه الحيواني العالم.”.
ابان الهولوكست كتبت بيتا شعريا تقول:
“مثلثان ونجمة، درع الجد داود. انه اختيار ﻻ اهانة، طريق كبير ﻻ مصيبة. مع اجتياز مرحلة جديد تقرع اجراس الخروج. ويعلن النبي مجددا مصير الشعب المختار. اسرائيل ما زال مضطهدا. ﻻ يقلقني حقد الناس ما دام الوهيم يسألك مجددا في عاصفة صهيون. ليعرف الذين يحملون العلامة ، علامة النجمة السداسية التي فرضها هتلر، عليهم ان يجيبوا بنفس حرة عن رمز العبودية”.

المسألة كانت واضحة بالنسبة للام ماري. فقد قالت: “ﻻ توجد مشكلة يهودية بل باﻻحرى مشكلة مسيحية. ان الصراع موجه في العمق الى المسيحية! فلو كنا مسيحيين بالفعل، لوضعنا جميعا النجمة الصفراء”.

كانت اﻻم ماري تتجلى بحس رؤيوي فائق، وتتقن تحويل مظاهر اﻻسر المثيرة للاشمئزاز مناسبات تعزية وبناء روحي ، تعبر فيها عن نظرتها للعالم. ففي حين شكلت افران حرق الجثث، التي يتصاعد منها نهارا وليلا دخان اﻻجساد المحترقة، مشهدا مشؤوما ووسواسا حقيقيا حتى ﻻكثر السجينات صلابة، كانت تقول “ليس هذا الدخان مخيفا اﻻ عند خروجه من المدخنة. انظروا كيف يتحول سحابة خفيفة غير مادية تتناثر في الفضاء اللامتناهي. وهكذا هي نفوسنا التي تنعتق من ارض الخطية. وبعد تحليق خفيف تمتصها اﻻبدية نحو حياة جديدة من السعادة”.
في احد اﻻيام فوجئت اﻻم ماري تتحدث مع احى جارتها. واذا بارسة وهي من المخارات اﻻلمانية، تضربها بعنف بدبوس على وجهها. لكنها اكملت جملتها برباطة جأش كأن الحارسة غير موجودة. تلك كانت طريقتها في التعبير عن عزة النفس ومقاومة الشر. وهي تذكرنا بمقطع من رواية روسية قال فيها السجين “انتم اقوياء ما دمتم ﻻ تنتزعون كل شئ من سجنائكم. ولكن عندما يجردون من كل شئ يصبحون مجددا احرارا. ولن تستطيعوا فعل شئ حيالهم”.
في يوم من اذار 1945 اجرى النازيون الفرز اﻻخير. انضمت طوعا الى 260 سجينة فرزن للمعسكر . في 31 من اذار اطلعت الحارسة كرستينا على اسماء اللواتي تم اعدامهن بالغاز السام، فشاهدت تحت الرقم 19263 اسم اليزابيث سكوبتسوف. دخلت اﻻم سلام الرب عشية عيد القيامة.
ثمة اموات يتمجدون وثمة اخرون يعبرون بهدوء. كان موتها حقيرا وشبيها بموت معلمها المعذب. ايها الموت. ﻻ احبك انت. لقد احببت كل ما هو حي، احببت اﻻبدية”.
في العام 1961 صدر في فرنسا طابع تخليدا لذكرى راهبة تدعى اليزابيث ريفيه، يظهرها مع نظارتين وتبدو شبيهة تماما باﻻم ماري سكوبتسوف. فاية مصادفة غريبة! راهبتان تحملان اسم اليزابيث، اﻻولى روسية والثانية فرنسية، وتتحدان في مصير واحد.
المحرقة:
اعتبرت اﻻم ماري الحياة الرهبانية شكلا من اشكال العطاء الكلي. في مسرحيتها بعنوان “انّا” نصادف راهبتين تمثلان دعوتين مختلفتن ، اسم اﻻولى بوﻻ والثانية انّا. تقول باوﻻ:
“على الراهب ان ينسى العالم وبشاعته، ويفتش عن السلام الداخلي. وان يصلي محافظا بدقة على القوانين المقدسة”. فتجيبها انا “الدير هو العالم. والراهب هو رفش بين يدي الفلاح الالهي. وهو مدعو لتقديم حياته لخلاص قريبه”. قبلت انا ان تلتزم بحمل خطايا انسان هالك اقام عهدا مع الشيطان واعتبرت ان الموت في سبيل خطايا لم ترتكبها هو بالنسبة لها اسمى اشكال المحبة.
واذا قرأ المرء ابيات شعرية كتبتها عثر عليها اخيرا مع مجموعة من القصائد ﻻبد ان يلفته امر واحد: تكرار فكرة موتها وسط اللهيب في شكل يشبه الهاجس. وبين رسومها رسمان لمدفأتين تقذفان الدخان. وقبل موتها بسبعة اعوام كتبت قصيدة اسمتها “المحرقة”:
“اعرف ذلك، يد اخت هادئة ،
ستشعل المحرقة وسيذهب اخوتي،
للبحث عن الحطب، وحتى اكثرهم لطفا سيقولون عني كلاما قاسيا.
ستشتعل محرقتي،
اناشيد اخوتي،
قرع اﻻجراس،
في الكرملين على ساحة تنفيذ اﻻحكام.
او حتى هنا على ارض غريبة.
اغصان ميتة يظهر دخان على قدمي.
يرسم الصليب نهايتي المحترقة”.

قررت ادارة المعسكر نثر رماد المحترقين على الطريق المؤدية الى البحيرة لجعلها اكثر خصوبة. وقد كتبت اﻻم ماري قبل وقت طويل:
“يا رب ليس انا، انه رماد اهوائي ورغباتي”.
لم يستطع النازيون ان يفهموا ان حياة كحياة اﻻم ماري يمكن ان تخصب الكون وتغنيه وتصلحه. كيف صدقوا ان الموت يمكنه ان يختلس كائن كهذا من العالم.
راها صديقها الشاعر جورج رايفسكي في حلم تعبر حقلا فركض نحوها وقال:
“اخبروني انك مت”. فاجابته بنظرة من فوق نظارتيها مليئة بالطيبة والسخرية “اه، لو كان علينا ان نصدق كل ما يقوله الناس. انت ترى اني حية”.

عن كتاب: سر اﻻخ، سيرة القديسة اﻻم ماري (سكوبتسوف)، تعاونية النور اﻻرثوذكسية، 2008م

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s