يوميات استير -17

الوليمة الثانية

علمت ان هامان عاد الى بيته مكدرا نائحا مغطى الرأس. حكى لزوجته واقربائه كل ما حدث. فقالت زرش: “اذا كان مردخاي الذي ابتدات تسقط قدامه من نسل اليهود فلا تقدر عليه بل تسقط قدامه سقوطا”.

كانت زرش تتكلم كما لو كانت تتنبأ. وحاول بعض الموجودين ان يتكلم. لكن قاطعهم مجئ خصيان الملك، يسألونه الحضور للوليمة التي كنت قد اعددتها له وللملك.

وجلسنا نحن الثلاثة الى المائدة. ولكن جلستنا هذه المرة كانت تختلف عن المرة السابقة. كنا نجلس كما جلسنا بالامس. كنت انا جالسة على يمين الملك. وكان هامامان امامي، وقد حاول ان يبدو طبيعيا. قدمت الاطعمة كالمعتاد. على اننا نحن الثلاثة لم نأكل الا القليل. كل واح منا كان يتيه في واد. حمل الخصيان قناني الخمر وشرب الملك وشرب هامان.

وتكلم الملك! ما هو سؤالك يا مليكتي العزيزة. وما هي طلبتك ؟ بالتأكيد ستعطى لك ولو الى نصف المملكة.

وقفت في مكاني وانحنيت في ادب وقلت “ان كنت قد وجدت نعمة في عينيك ايها الملك واذا حسن عند مولاي فلتعط لي نفسي بسؤالي وشعبي بطلبتي، لاننا قد بعنا  انا وشعبي للهلاك والقتل والابادة ولو بعنا عبيدا واماء لكنت سكت مع ان العدو لا يعوض عن خسارة الملك. فتكلم الملك احشويروش وقال لاستير الملكة من هو واين هو هذا الذي يتجاسر بقلبه على ان يعمل هكذا، فقالت استير هو رجل خصم وعدو” ثم اشارت بيدها الى هامان وصرخت: “هذا هامان الردي”.

وهنا ادرك الملك الى اي شرك ساقه هامان. لقد خدعه وحصل منه على المرسوم الملكي الذي يقضي بقتل شعب مردخاي. انه لا يعرف شيئا عن ذلك الشعب. لقد اخبره هامان انهم قوم يبغضون الملك ويتأمرون على قتله. وانه هو هامان معني بسلامة الملك وحراسته.

ووقف الملبك بغيظ وجعل يتمشى في حديقة القصر ، وهو الممر بين جناح الملك وجناحي.

كان يخاطب نفسه: “مردخاي الذي انقذ حياني. هو الذي امرت بابادته وابادة شعبه؟

وهامان الذي يطمع في عرشي وفي زوجتي هو الذي جعلته صفيا لي؟

اانا ارفع الخائن وامر باهلاك الامين؟!!!

لا ، لن يكون هذا ابدا.

وارتاع هامان وفارقته فطنته، ووقف يتوسل اليّ، وكأن بيدي شئ استطيع ان افعله له!! ان مصره كان معلقا بد الملك. لقد اتجه الى المكان الذي كان يثير شكوك الملك، ولو انه ذهب خلف الملك وترامى عند قدميه فربما رق الملك له. ولكن الملك عاد ورآه واقعا على السرير الذي كنت عليه فثار غيظه وصرخ:

“هل بلغت بك الجرأة ايها الوقح ان تلمس سرير الملكة. احملوه من هنا واقتلوه.

ولما خرجت الكلمة من فم الملك

يوميات استير -16

تكريم عمي

كنت في جناح القصر الخاص بي اشرف على اعداد الوليمة للملك وهامان. لم اكن في العادة انشغل بالولائم العادية وكانت كثيرة. ولكني كنت اولي الولائم التي يجلس فيها الملك معي اهتماما خاصا.

هذا فوق ان هذه الوليمة لها شأن خاص. كانت نقطة حاسمة في حياتي وحياة شعبي. كنت مرتبكة، وقد لاحظ ذلك جميع الخصيان والوصيفات، لكنهم لم يكونوا يعرفون شيئا عن السر الحقيقي خلف هذا الارتباك. كانوا قد لاحظوا شبه القطيعة بيني وبين الملك ، وغالب الامر انهم نسبوا ذلك الى دسائس هامان. وها هم يبصرون ولائم الصلح بيني وبين هامان، كانوا ظنون كما قلت ان هامان يدس لي لدى الملك. وكانوا يظنون انه فعل ذلك ردا على محاربتي لنفوذه. بل قد ظنوا اشياء اخرى لمست هامان وتطلعه اليّ. والقصور في العادة مملوءة بالاشاعات والمؤمرات.

اه، اين تلك الحياة البسيطة في بيت عمي حيث كنا نجلس نحن الثلاثة ومعنا عدد من الاحباء المخلصين نتحدث حديث المحبة والاخلاص. ليتلا الذين يحسدون سكان القصور يعلمون. ليتهم يعلمون!

على اني بالرغم من انشغالي بالوليمة لم اغفل ما كان يجريب في الخارج. كنت القي نظرة من الشرفة الى الخارج، وكان هتاخ والسراري ينقلون اليّ ما يجري في جناح الملك والخارج.

استيقظ الملك مبكرا على غير العادة. وجاء هامان الى القصر مبكرا على غير العادة. وامر الملك فدعا هخامان لمقابلته. كان وجه الملك شاحبا قليلا وكان هامان يبدو مضطربا قليلا. ولكنه عندما سمع كلمات الملك اشرق وجهه بصورة واضحة، بالرغم من انه حاول ان يخفي عواطفه. قال الملك؟، اشر عليّ يا هامان – ماذا يفعل لرجل سر الملك ان يكرمه؟ وصمت هامان قليلا وقال: “اعتقد يا مولاي ان رضا الملك فيه الكفاية وكل الكفاية.

يا للثعلب المكار! على ان الملك لم تخدعه تلك الاجابة. لقد لاحظ عيني هامان عندما قدم وجه اليه سؤاله، وقرأ فيهما النهم والشراهة، فاسرع يقول. نعم نعم ولكني اطلب شيئا محسوسا يليق بكرم الملك وسخائه. لم ينتبه هامان للفخ المنصوب. كان الملك منذ الامس يحس بما يجيش في صدر صفيه من اطماع، ربما يفكر ايضا في وجود دسائس. لقد راودته شكوك، وها هو ينصب له الشراك، ينصب للرجل “الداهية” ما يمكن ان يكشف دخائل قلبه. وانزلقت قدما الداهية. كان طمعه اكثر من حكمته، كشف نفسه. فكر هامان “ليس هناك رجل يسر الملك ان يكرمه اكثر مني”. ولكنه حاول ان يظهر كل تجاهل ويتكلم في براءة غير انه سقط. لماذا لم يسأل قبلا ما اذا كان الرجل فقيرا او غنيا، لما لم يسأل ما اذا كان الرجل موظفا كبيرا ام صغيرا.

ان حالة الرجل تحدد نوع الاكرام. فيمكن ان يكون الاكرام عطية مالية كبيرة او تعيين في وظيفة او ترقية الي وظيفة اكبر. لم يسأل هامان عن حالة الرجل المطلوب اكرامه لانه لم ير ان هناك شخص يسر الملك ان يكرمه غيره. كشف هامان داخل نفسه، ولو انه كان حكيما لاكتفى بتكرار اجابته السابقة. “يكفي رضا الملك. ان كل عطية اخرى تقلل من قيمة الاكرام”. ولكن هامان كان يطمع في الكثير رغم انه كان حائزا على الكثير..

هو صفي الملك ونديمه يجلس الى جواره ، يأكلان معا ويشربان على مائدة واحدة. يلعبان الشطرنج معا. كرسيه اعلى من كل كراسي الرؤساء والاشراف.. هو متزوج من الحكيمة زرش، واولاده كثر، امواله لا تحصى، قصوره في كل البلاد، اسمه معروف في كل البلدان والاقاليم من حدود اليونان الى كو.

“اه، لو يمكنه ايضا ان يجلس على العرش!”

ويجلس الى جانب الحسناء الملكة كوكب الصباح استير.

ثم تكلم هامان:

“اما وقد امر سيدي الملك، فاني نزولا على امره اقول:

ان الرجل الذي يسر الملك ان يكرمه ياتون باللباس السلطاني الذي يلبسه الملك وبالفرس الذي يركبه الملك وبتاج الملك الذي يوضع على راسه ويدفع اللباس والفرس لرجل من رؤساء الملك الاشراف ويلبسون الرجل الذي  سر الملك بان يكرمه ويركبونه على الفرس في ساحة المدينة وينادون قدامه هكذا يصنع للرجل الذي يسر الملك بان يكرمه.

كان هامان يتوق اصدار الملك امره. انه يرغب ان يصير ملكا ولو ليوم واحد، ومن يعلم فربما استطاع بعد ذلك اليوم ان يزحزح الملك عن عرشه ويجلس هو بدلا منه!

وتكلم الملك، وكانت كلمته صاعقة!

فقال الملك لهامان : “اسرع وخذ اللباس  والفرس كما تكلمت وافعل هكذا لمردخاي اليهودي الجالس في باب الملك.لا يسقط شيء من جميع ما قلته.”

اهتز هامان وكاد يسقط على الارض لولا انه استند على عمود قريب. وجرب ان يفتح فاه مرة ومرتان وفي المرة الثالثة خرج صوته مبحوحا: “ولكن يا سيدي –”

وقبل ان يتم كلامه قال الملك: “اسرع ونفذ الامر!”

نفذ الامر. كان يعمي يجلس على فرس الملك وحوله جمهور من الشعب، انه لا يصدق . لقد اخبروه ان هامان اعد له صليبا ليعلقوه عليه. فلما جاء هامان ليقدم له اكرام الملك ظن انه سيقوده الى الصليب… ولكن.. ماذا يقول: “معجزة! معجزة! ان الهي هو الاله الحي القوي.. انه لم يضعف لم تعتره الشخوخة كما اشاع الوثنيون. انه الاله المتسلط علىة كل ممالك العالم.

انتهى الموكب. خلع عمي ثياب الملك ولبس ثيابه العادية وعاد الى حراسة باب القصر. ولكنه عغاد شخصا اخر. انه لا ينظر الى المستقبل بخوف. ان الهه حي. نام عمي ولكن الهنا لا ينام. ان عيناه ساهرة على شعبه.

يوميات استير -15

الملك لا يستطيع ان ينام

بعد انصرافي من الوليمة نمت مرتاحة البال. ولكني علمت ان الملك جفاه النوم تلك الليلة. يبدو ان شكوكه في مستشاره الخاص هامان ضجت مضجعه. ربما كان يفكر هكذا “هل يتطلع هامان الى الملة. وهل  … كلا. انه لا يصدق ان الملكة تقبل ان يحل هامان في قلبها محلا مقبولا. وقد ظل يقلب الامور من كل ناحية. جعل يستعيد كل كلمة وكل حركة حدثت في الوليمة. وفي اثناء ذلك غفى قليلا فابصر في الحلم هامان يمسك رمحا ويصوبه نحوه حتى تكون الملكة كوكب الصباح له. وقام الملك مفزوعا.

وقد قص عليّ ذك الحلم فيما بعد. ولم يستطع ان ينعس بعد ذلك فارسل الى مسجل الاخبار الايام لملوك فارس. وجاء المسجل بالسفر الكبير وفتحه واذا به يجد قصة المؤامرة ضد الملك. المؤامرة التي كشفها “مردخاي” ولاحظ الملك انه يتهيأ ليقلب رالصفحة لصفحة اخرى فاشار اليه ان يتوقف وقال له “اقرأ ما امامك” وقرأ المسجل عن الضابطين يغثان وترش ومؤامرتهما ضد الملك، وكيف ان “مردخاي” حارس الباب كشف المؤامرة وانقذ حياة الملك. وقال الملك ، متى كان هذا؟ واجاب الكاتب منذ تسع سنوات ، وقال الملك نعم نعم، انا اذكر ذلك. لقد كنت انعم مع زوجت المحبوبة في اول ايام زواجنا وقد اخبرتني بالمؤامرة وان من اخبرها عنها هو “مردخاي” الحارس.

نعم ، لقد انقذ مردخاي حياتي. ولكن هل كافأنا مردخاي على ذلك يا ترى؟

وقال المسجل “كلا يا مولاي، انه لم يسمع حتى كلمة شكر”. لقد انشغلنا بالتحقيق الذي انتهى بصلب المتآمرين”

وقال الملك: “ونسينا مردخاي..!… يا للعار! شخص ينقذ حياة الملك ولا يكافئ بحسب غنى الملك وسخائه! اني مدين له .. مدين مدة تسع سنوات. نعم تسعة سنوات كاملة يجب ان يتم التعويض عنها.

وارسل الملك واستدعاني وقص عليّ قصة ارقه في الليلة البارحة وقصة نسيانه مكافأة مردخاي.

لم انطق بكلمة ، ولكن قلبي اتجه لله شكرا. شكرا يا رب . شكرا من اجل نسيان الملك. وشكرا لك انه تذكر ذلك في الوقت المناسب. حقا انت اله الاوقات المناسبة. ل شئ تفعله حسنا وفي الموعد المناسب.

وسأل الملك: “ماذا تريدين ان تكون المكافأة؟ فقلت ان سيدي الملك حكيم ورأيه فوق كل الاراء. وفكر الملك قليلا ثم قال اعتقد ان الالهة اققتني لكي اذكر ما نسيته. لكنني سأذكر واكافئ. واشار اليّ انه يرغب ان ينام ، فغادرت الى جناحي، وهناك ركعت بجانب سريري وحمدت الله لان الى الابد رحمته. وعلمت ان الملك استطاع ان ينام ولكنه استيقظ مبكرا جدا على خلاف عادته، وسأل رجال الحرس ما اذا كان يوجد احد في دار الانتظار فقيل له ان هامان في الدار فامر ان يدخل.

كان هامان قد جاء مبكرا لكي يطلب من الملك ان يعلقوا عمي على الصليب. كان واثقا ان الملك سيجيب طلبته. لم يستطع ان ينتظر الى ميعاد يقظة الملك العادية بل جاء ليكون اول من يقابله.

يوميات استير -14

هامان في بيته

تركنا المائدة نحن الثلاثة بمشاعر مختلفة

اما الملك فقد خرج وهو يحمل لي انبل العواطف. عاد حبه القديم ربما اشد مما كان. ولكنه خرج وهو يحس بكثير من الشكوك في هامان ونواياه – اما انا فقد تركت المائدة وانا اشعر انني اقتربت من مبتغاي.

على ان هامان كان حضوره الوليمة اول خخطوة في انزلاقه. خرج في ذلك اليوم فرحا طيب القلب، ولكن لما رأى بن عمي في باب الملك لم ينحن له امتلأ غيظا. يا له من احمق! انه يبدو عظيما امام الناس ولكنه مخلوق حقير. رجل ارتفع كرسيه فوق كراسي العظماء وسجد له الكبراء والاشراف. رجل هو جليس الملك ونديمه المفضل، يخلو اهتمامه من عظائم الامور ليهتم بسفاسف الاشياء. كل ما يشغل عقله الخبيث هو مظاهر التبجيل التي يقدمها له شخصيات نكرة، ماذا ينتظر من بواب من امة حقيرة مغلوبة على امرها؟! حقا ان الصغير صغير ولو احيط بكل مظاهر العظمة.

لقد اخبروني انه عندما دخل الى بيته، ارسل واستحضر احباءه وعدد لهم عظمة غناه وكثرة بنيه وكل ما اولاه الملك من مكانة ومهام جليلة. وقال فيما قال: “حتى ان الملكة كوكب الصباح لم تدخل الى الوليمة التي عملتها الا بعد دعوتي.. وانا ايضا مدعو غدا اليها مع الملك”. ثم تابع يقول “لكن كل هذا لا يساوي عندي شئ كلما ارى مردخاي البواب جالسا في باب الملك” انني مستعد ان ابذل كل شئ في سبيل القضاء عليه والتنكيل به.

قال هامان هذه الكلمات واحمرت عيناه وطفح الزبد من فمه، وقام يصيح ويشيح بيده “مردخاي مردخاي! لن اشبع الا اذا شربت من دمك ايها الحقير”

اما زوجته الحكيمة زرش فحاولت ان تهدئ من ثورته وقالت: “سيكون لك اكثر مما طلبت . الم يصدر المرسوم الملكي بابادة جميع قومه”

قال “ولكن وقت الابادة بعيد! بعد اثنى عشر شهرا.. وهل استطيع ان انتظر كل هذه المدة!”

فقالت: “ولماذا تنتظر عليه، فلتقضي عليه بصورة بشعة يكون عبرة لكل من تسول له نفسه ان يتعالى على كبير الامراء هامان، ثم صمتت قليلا ولما تكلمت قالت: “انك لا تستطيع ان تقتله بالسكين او بالسيف لان اسحق نجى من سكين ابيه على المذبح. ولن تستطيع ان تغرقه في الماء لان موسى نجى من سيف فرعون بوضعه في الماء، ولا تستطيع ان تجعله طعاما للنار فقد نجى منذ عهد قريب الشبان الثلاثة شدرخ وميشخ وعبدنغو من اتون النار، والوحوش المفترسة لن تؤذيه فقد ينجيه الهه كما فعل مع بلطشاصر حينما القاه داريوس الملك في جب الاسود. وربما السجن ايضا لن يقضي عليه فقد يخرج منه الى مكانة اعظم كما خرج يوسف من السجن ليجلس على عرش فرعون. بل اذا قلعت عينيه لا تستطيع ان تتقي شره لان شمشون بعد ان قلعت عيناه قتل الالوف من اعدائه، وكان الذين قتلهم في مماته اكثر ممن قتلهم في حياته – لا توجد الا وسيلة واحدة متبقية – وهي ان تقتله معلقا على خشبة. مر عبيدك فيعملوا له صليبا ارتفاعه خمسون ذراعا. وفي الصباح قل للملك ان يصلبوا عليه مردخاي الحقير هذا لانه لم يعطيك التبجيل اللائق.

ووافق الجميع على رأي زرش.

وذهب هامان مستريحا الى فراشه. سينتهي من مردخاي غدا، وها هو يرى مردخاي في حلمه منطرحا عند قدميه يطلب العفو ، ويرى نفسه وهو يركله ويدفعه الى مصيره البائس. ويستيقظ من نومه وهو يضحك وتسأله زوجته عن سبب ضحكه: ويقص لها وللعبيد حلمه ويسخر من قول مردخاي “ان ابي بنيامين لم يسجد الا لله. انا لا اسجد لك يا سيدي هامان”.

ويقهقه عاليا وقد انفرجت اساريره: “هذا جزاء من يقف في طريقي.. سأسحقك ايها المخلوق الضعيف. لقد جنيت على نفسك بكبريائك وحماقتك. سأطلب منهم ان يطيلوا عذابك”.

يوميات استير -13

الوليمة الاولى

جاء الملك، وجاء هامان، وجلسنا نحن الثلاثة على المائدة. كان الطعام جيد الطهي، وكان الشراب من افخر انواع الخمور، وشرب الملك ، وشرب هامان، شرب الاثنان كثيرا، انا لم اشرب الا الماء. وانشغلت بتقديم الكأس تلو الكأس للملك ، وكنت اجلس عن يمينه وكان هامان يجلس امامي. وقد حركت الخمر غرائزه الدنيا، وتجلت في نظراته اشياء لاحظها الملك ولكنه لم يشر اليها، وان كنت قد لاحظت ان الشك قد ملأ صدره. لقد بدأ يحترس من هامان، وربما اقول ، لقد بدأ يبغضه.

وفيما الملك يتناول كأسه الاخير قال: “يا مليكتي الرقيقة، ما هو سؤالك فيعطى لك. فاجبت وقلت: “ان طلبتي هي ان يأتي الملك وهامان الى وليمتي غدا ايضا وسأفعل حسب امر الملك”.

ظهر الرضا على وجه الملك، وان كانت بعض علامات الشك بدأت تراوده. وانتهت الوليمة وقد خطوت خطوة ثانية في تحقيق خطتي.

يوميات استير -12

في حضرة الملك

صام معي جميع جواري ورفعنا الصلوات الحارة لله. لم نذق شيئا من الطعام او الشراب مدة 3 ايام كاملة. كنا نتضرع الله، وكانت الليلة الاخرة اقسى الليالي عليّ. نام من معي وظللت وحدي اصارع. توسلت الى الله بدموع كنت احاول ان اخذ قوة للغد لاني سأدخل الى جناح الملك خلافا للقوانين. لقد تذكرت الليلة الاخيرة التي قضيتها تحت حراسة هيجاي منذ تسع سنوات، كنت استعد للقاء الملك لكن شتان بين الليلتين، لو انني لم اجد نعمة في عين الملك تلك الليلة لعدت الى بيت عمي لاعيش معه حياتنا الفقيرة الراضية. اما هذه المرة فاني اذا لم اجد نعمة في عيني الملك سيكون جزائي القتل.

وجاء الصباح فلبست اجمل ثيابي. الثياب التي كان الملك يرغب ان يراني فيها وانطقت في طريقي .. اجتزت ذلك الممر الجميل الى جناح الملك، كنت اسير بخطوات بطيئة متئدة من الضعف وقد اتكأت على ذراع وصيفتي، وكانت وصيفة اخرى ترفع ذيل ثوبي حتى لا يلمس ارض المكان. ولما وصلت الى غرفة العرش كان الملك جالسا غارقا في افكار كما بدا لي، فلما ابصرني تجهم وظهر الغضب في ملامح وجهه، فازداد وجي شحوبا وكدت اسقط على الارض لولا اني اتكأت على ذراع وصيفتي بشدة، ولاحظ الملك اضطرابي واذ ذاك لان وجهه. وظهر انه اشفق عليّ او اني وجدت نعمة في عينيه فمد لي صولجان الذهب فلمسته وملت وقبلته. وهنا حدث امر غريب، فقد وقف الملك واحاط خصري بذراعه، ومال على وجهي وقبلني، وقال لي: “لماذا انت مضطربة ايتها الحبيبة، ان قوانين القصر ليست لك ايتها الزوجة النبيلة”. وقد قال لي فيما بعد، انه عندما رآني في اول الامر غضب، ولكنه عندما رأى اضطرابي تذكر الليلة الاولى التي رآني فيها. وعندما هدأ قال لي: “ما لك يا كوكب الصباح وما هي طلبتك؟ الى نصف المملكة تعطى لك”.

رفعت عيني الى الله وشكرت ، وطلبت الارشاد. لم يكن من الحكمة ان اتكلم في الحال، ان الزمان والمكان لا يصلحان لبسط الموضوع بما يجعله مقبولا لدى الملك. انني افكر تفكرا صائبا – هل كان التفكير ابن ساعته؟ هل كنت قد بلغت من النضج ما جعلني ارسم خطتي بمقياس دقيق؟ لا شك ان الله هو مصدر الحكمة. انه هو الذي ارشدني الى الخطة المثلى. ان الامر يتطلب مكانا اخر ووقتا اخر. ولذلك تقدمت الى الملك لاقول له “انما جئت لادعوك وصفيك هامان لتناول الطعام على مائدتي اليوم. وبدا سرور واضح على وجه الملك. قرأت ما في صدره كما في كتاب مفتوح، اعتقد انه كان يفكر في نفسه هكذا:

“لقد مر ثلاثون يوما لم ادعهاالى حجالي. كانت ايام قطيعة. تركتها وحيدة واستعضت عنها برفقة هامان. وهي تحس بذلك ولذلك تعرض نفسها للقتل لكي تعيد حبل المودة. يا لقلبها الطيب! انها لا تنقاد بدافع الغيرة فتدس ضده، بل انها تدعوه معي… يا لها من امرأة نبيلة! ويا لها من امرأة شجاعة!”

هذا ما قرأته على وجه الملك. ونجحت خطتي واجاب الملك دعوتي ، وارسل الى هامان يستدعيه.

شكرا لله ، نحن نسير في طريق صالح.

يوميات استير -11

-11-

ابن العم

ترى هل كانت المؤامرة ضدي، لماذا لم اسمع بخبر المرسوم الملكي، يبدو ان هامان كان يعرف ان ثمة علاقة ما بيني وبين ابن العم، يبدو انه استطاع ان يقيم ستارا حديديا بيني وبين العالم الخارجي. علاقة الملك بي ليست مقطوعة لكنها فاترة نوعا ما. ها قد مر اكثر من شهر منذ ان دعيت اخر مرة لادخل الى الملك، وقد علمت انه يجلس مع هامان للشرب كثيرا.

لما علم ابن عمي كل ما عمل، شق ثيابه ولبس مسحا برماد وخرج الى وسط المدينة وصرخ صرخة عظيمة.. وفي كل بلد كانت هناك مناحة عظيمة بين اليهود.

دخل اليّ جواريّ وبعض الخصيان واخبروني عن ابن عمي وهم يعرفون اني اعطف عليه، لكنهم لم يخبروني عن سبب لبسه للمسوح. كان غمي شديدا، لابد ان كارثة حلت به، ارسلت له ثيابا ليلبسها وينزع مسحه عنه فلم يقبل، واذ ذاك دعوت كبير الخصيان هتاخ وكنت اعامله كصديق لا كعبد واعطيته وصية لابن عمي لاعلم ماذا ولماذا؟ وخرج هتاخ الى ساحة المدينة الى امام باب الملك ووجد ابن عمي في مسحه وسأله عن الامر فاخبره بكل ما اصابه وعن مبلغ الفضة الذي وعد به هامان لوزنه الى خزائن الملك لاتمام ابادة شعبنا. واعطاه صورة الكتابة ليريها لاستير ويخبرها انه يطلب منها ان تتوسل عند الملك لاجل شعبها.

ماذا استطيع ان اعمل. ان كل الابواب مغلقة في وجهي. اذهب يا هتاخ وتحدث مع السيد مردخاي” . قل له ان الامر اعظم من ان تستطيعه ملكة“.