غاندي

(… ثم بدأ في قراءة “الإنجيل” وقد سره كثيرا أن يدرك أن بعض تعاليم المسيح تشبه إلى حد بعيد بعض تعاليم كتاب (الجيتا).
ومن خلال قراءته لكتاب المؤلف الانجليزي “كارليل” تمكن من معرفة الكثير عن محمد رسول الله و أعجب كثيرا بعظمته وشجاعته و باسلوب الحياة البسيطة التي كان يحياها .
ومن نتيجة هذه القراءات والدراسات تبين له أن الحقيقة التي يحبها لاتوجد كلها في ديانة أو عقيدة واحدة ! .
…..
ولم تكن السنوات القليلة التالية لوصوله إلى الهند سنوات سعيدة . حيث وجد أن عمله كمحام عمل لا يسره ، و أدرك أن هذه المهنة لاتناسبه …)
*****
(و من خلال كفاحه في جنوب أفريقيا ، اكتسب غاندي ايمانا لا حد له ببعض طرق الكفاح التي اتبعها فيما بعد ضد المستعمرين الانجليز في وطنه الأم .. لقد آمن غاندي بالقوة الروحية الكامنة في الانسان .. تلك القوة التي تمكنه من مواجهة الشر ومكافحة القوة .، … و برفض إطاعة الأوامر والقوانين الجائرة .
و كان على كل من يعتنق هذه المبادئ من أتباع غاندي ، أن يمتنع تماما عن العمل مع الحكومة .. و أن يمتنع أيضا عن طاعة أي قانون ظالم ..وعندئذ لن تستطيع الحكومة أن تفعل شسئا ، أو ستصبح على الأقل محدودة القدرة على مواجهة مثل هذا الموقف .
وقد تعرض غاندي للسجن في مرات كثيرة ، ومع ذلك فقد ظل أتباعه ينفذون مبادئه وتعاليمه.)
*****
(وكانت طبقة “المنبوذين” تعتبر أحط الطبقات طبقا للعقيدة الهندوسية . ولم يكن مسموحا لهم الا بالعمل في أحط الأعمال . ومع ذلك فقد سمح غاندي للمنبوذين أن ينضموا إلى “الأشرام” مثلهم مثل غيرهم سواء بسواء .
و لكن عندما كانت تنضم احدى عائلات المنبوذين إلى جماعة غاندي ، كانت المشاكل تبدأ على الفور . فيظلوا منبوذين من بقية أفراد الجماعة ، كما أن أثرياء الهندوس الذين كانوا يقدمون بعض الأموال لمساعدة الجماعة امتنعوا عن ارسال مساعداتهم حتى لا تصل الى هؤلاء المنبوذين ..
فقرر غاندي على الفور أن يضع خطة لنقل جميع أعضاء جماعته و هو على رأسهم الى الأحياء التي يعيش فيها المنبوذون . و أن على أعضاء الجماعة أن يكسبوا عيشهم بأداء نفس الأعمال المنحطة التي فرضت على هؤلاء المنبوذين.
وفي أثناء قيام غاندي بإعداد تلك الخطة جاءه أحد كبار التجار المسلمين ، و استأذنه في أن يقبل بعض الأموال كمساعدة منه للجماعة .و في اليوم التالي أحضر هذا التاجر المسلم اموالا تكفي لمساعدة الجماعة عاما بأكمله . وقال غاندي في ذلك : “ان الله قد ساعدنا في اللحظة الأخيرة..” )
*****
(وذات يوم ذهب ليرى الأحوال السيئة التي يعيش فيها مجموعة من فقراء الفلاحين الذين يعملون في احدى المزارع ، فالتف حوله مئات ومئات من الناس .. جاءوا ليروا هذا الصديق الذي يريد مساعدتهم .. و جاء رجال الشرطة و أمروه بالانصراف ، ولكنه أعلن رفضه لتنفيذ الأمر ، فقبضوا عليه . وفي المحكمة شرح للقضاة السبب في رفضه لتنفيذ الأمر ، وطلب من المحكمة أن توقع عليه عقوبة عدم تنفيذ الأمر وعدم طاعة القانون !.. و لكن المحكمة لم تستطع أن تفعل شيئا أمام هذا المنطق ، فأمرت بإطلاق سراحه.
واعتبرت هذه المحاكمة أول خطوة لاتجاه جديد ذاع وشاع و أصبح مألوفا في كل أنحاء الهند ، و هو رفض الأوامر والقوانين الجائرة مع الاستعداد الهادئ لتحمل عقوبة هذا الرفض أو العصيان.)
*****
(وفي سنة 1930 وقعت حادثة مشهورة سميت باسم “مسيرة الملح” !
أصدرت الحكومة قانونا بمنع الناس من صناعة الملح من ماء البحر ، وذلك لاجبار الناس على شراء الملح من الحكومة .
واعتبر غاندي هذا القانون ظالما وجائرا و يجب على الهنود أن يرفضوه . وأعلن للشعب أنه سيقود مسيرة من أتباعه متجها نحو البحر الذي يبعد نحو مائتي ميل . و هناك سيعلن رفضه لهذا القانون ويصنع بنفسه ملحا من ماء البحر … ، و أعلن أن الله قد وهب البحر للناس ولا يمكن لحكومة من البشر أن تحول بين الناس وخير البحر !
وبطبيعة الحال فقد سجنته الحكومة لمخالفته لقانون الملح . ولكنه خرج من السجن بعد العقوبة ليواصل كفاحه من أجل شعب الهند .)
*****
( .. نشبت اضطرابات فظيعة في معظم أنحاء الهند . خصوصا في المناطق والولايات التي كان يعيش قيها الهندوس و المسلمون جنبا الى جنب.
وبينما كان هذا الصراع الرهيب على أشده في مختلف مناطق الهند ، كانت المنطقة التي يعيش فيها غاندي هادئة و توقف فيها صراع المسلمين والهندوس تماماـ وذلك بعد أن أعلن غاندي صيامه واضرابه عن الطعام حتى يتوقف هذا الصراع . ونظرا لأن غاندي كان محبوبا ومحترما من جانب كل من المسلمين و الهندوس ، فقد توقف الصراع بالفعل ..
وفي يوم 30 يناير سنة 1948 ، وبينما كان يمشي ببطء خارجا من بيته متجها الى معبد قريب لأداء الصلاة ، و وسط جمهور حافل اجتمع لمشاهدته وللاشتراك معه في صلاته ، اندفع شاب “هندوسي” من بين الناس و أطلق الرصاص على غاندي ، ظنا منه أنه يقف الى جانب المسلمين أكثر من وقوفه الى جانب الهندوس ) ! 😦
وهكذا رحل المهاتما …

Advertisements

ذهبي الفم

وضعت سيرة القديس يوحنا ذهبي الفم جانبا، وقد ملأ قلبي شوق عظيم ان ارى هذا القديس العظيم بعدما قرأت سيرته وكنت من قبل قد جذبتني اليه عظاته واقواله الذهبية. صليت وصليت.. وفي احد الليالي طال سهادي. كانت الوسادة اللينة شوكا تحت رأسي، ومع ان جسمي كان مرهقا الا ان النوم جفاني، وبالطبع كانت حالتي المعنوية على غير ما احب. كنت مغمض العينين وكنت اجلس في المقعد الطويل الملاصق للسرير وقد ملت للخلف. وبغتة اضاء المكان بنور وهاج وابصرت بعيني انسان نوراني في حلة بهية ..احسست بخوف ورهبة اضطرب لها كل كياني، ابتسم في وجهي وقال : “لا تخف. انا يوحنا ذهبي الفم. اننا اصدقاء، وقد جئت تلبية لندائك، وسأمكث معك الى ان تفرغ من حديثك معي او تنتقل الى هناك حيث تعرف كل شئ دون ان تسأل”.

قلت: اني ارغب في ان اعرف اثر تربيتك على اختيارك ان تتبع السيد المسيح وتخدمه.

وتكلم ذهبي الفم قائلا:

كانت الاوقات مضطربة وكانت انطاكية تعج بجماهير المسيحيين المختلفين. كان نصف السكان يدين بالمسيحية ولكن غالبيتهم كانت مسيحيتهم مسيحية بالاسم. ولا اذكر التاريخ بالضبط ، هو على كل حال بين عامي 344 و 354. ولدت من اب يدعى اسكوندوس يعمل في قيادة الجيش وامي انثونة وقد تزوجت في سن مبكرة جدا وترملت امي بعد سنوات من زواجها وابت الارملة الشابة ان تتزوج بل كرست كل حياتها لتهذيب ابنها.

لقد قالت لي ذات مرة حين كبرت قليلا: “يا ابني لقد شاءت ارادة الله ان تحرمني من بركة وجود ابيك الى جانبي ليقوم بمسئولية العناية بك بمعاونتي وتركني احمل عبء الترمل وانا بعد فتاة غرة عديمة الحنكة، لم اكن اشكو قلة المال بل لعلي شكوت من كثرته، وقد كان في مالي مطمع الكثيرين، الكثيرون من الاهل والخدم ومن موظفي الضرائب. كان ترملي صدمة عنيفة لي كزوجة وكان كارثة لي كام. ما اكثر الليالي التي اغرقت فيها وسادتي بالدموع ، وما اكثر مات امتلأ بيتي من انفاسي الملتهبة. ما اكثر ما اهتز عودي من الزوابع والاعاصير. على ان كل ذلك لم يكن لييحركني الى زواج ثان. لم اقبل ان يدخل زوج اخر بيت ابيك فبقيت في صميم الاعصار. لم احاول الخروج من حالة ترملي. لقد ساعدني على ذلك في المقام الاول العون الاتي من فوق. لقد وجدت تعزية فائقة بتطلعي الدائم الى وجهك ومشاهدتي فيك صورة حية لابيك بكل ملامحه. كنت وانت طفل صغير كل تعزيتي – ولقد حاولت جهدي الا المس فلسا مما تركه ابوك لك ، ومع ذلك فاني لم ابخل بشئ من المال لتهذيبك على وجه لائق. وانا اقول ذلك لا لامتن عليك اذ لا يجوز ان يكون هذا من ام لابنها. ولكني اذكره لاطلب منك منّة واحدة تقابل بها احساني اليك وهي الا تتركني بمفردي.. وتذهب لتترهب”

وقد كان طلبها عادلا. كنت انا كل شئ بالنسبة لها . من اجلي دفنت شبابها ، ومن اجلي قاست ما تقاسيه الارملة الشابة الجميلة الغنية من تجارب لا يدركها الا من تجربوا مثلها – كانت تطلب التعزية في رؤية ابنها يملأ الفراغ الكبير المتخلف عن حرمانها من زوجها. لقد قالت لي يوما : “الم تفكر يوما في مكان يويف البار من البتول مريم؟ الم تفكر يوما في مكان هذا الزوج الذي عاش مع البتول ليقيها من سهام المحيطين بها ، وليتولى عنها ومعها حماية الوليد المققدس. لقد سمحت العناية ان احرم من هذه العناية في صدر شبابي فلماذا تفكر في هجري لتعيش في خلوة وان كانت خلوة مقدسة: انني اكرم الرهبنة واعتبرها شيئا جليلا مقدسا. انه شئ حسن ان تترك العالم لتخدم السيد. لكن وجودك في العالم هو ايضا خدمة مقدسة لانك تقدم له المسيح في حياتك.

كان هذا رأى امي في الرهبنة وارجو الا يخطر ببالك انها قصدت ان اعيش في العالم كشاب غني يطلب الملذات التي يوفرها الشباب والمال والفراغ. فقد قامت بتهذيبي اللائق بحالة ابن عائلة نبيلة. تلقيت العلم على يدي امهر الاساتذة. وكان استاذي في الخطابة المعلم الشهير ليبانيوس الذي عاش وثنا ومات وثنيا، وقد ترامى الى علمي انه قال قبل موته – وكان ذلك سنة 393 عندما سئل ترى من يرشح لمكانه  بعد موته- قال: كنت اود ان يخلفني يوحنا لو لم يكن المسيحيين قد اختطفوه!

الدكتور القس لبيب مشرقي ف كتابه “رجال ونساء” 

نهاية غير متوقعة

​الرهان العجيب!!! 

كانت المناقشة حامية بين الطبيب الشاب وصديقه المليونير , فقد كان المليونير يرغب في تنفيذ أحكام الإعدام حيث يرى إنها أكثر رحمة من السجن طول الحياة الذي يعتبره موتا بطيئا.

ولكن الطبيب يرى عكس ذلك , فعقدا رهاناً عجيباً , حيث قال المليونير إنه مستعد للتنازل عن كل ثروته مقابل دخول الطبيب سجن انفرادي في قصره لمدة 15 سنه. فوافق الطبيب وكتبا عقداً ينص على أن يبقى الطبيب في هذا السجن ويتكفل المليونير بتوفير كل سبل العيش له طوال 15 سنة على أن يعطيه في النهاية كل ثروته بشرط ألا يغادر الطبيب السجن قط , حيث سيعتبر الاتفاق ملغيا.
مرت السنة الأولى وأحس الطبيب بضيق شديد وملل قاتل فطلب من المليونير كتبا طبية , ثم في السنة الثانية طلب كتبا لتعليم اللغات , و هكذا توالت السنون حتى السنة السابعة وكان قد قرأ معظم الكتب في مختلف المجالات , ثم شعر أنه لن يصمد أكثر من ذلك فطلب من المليونير الكتاب المقدس . أحس الطبيب بفرح وبشبع شديد من الكتاب المقدس وبشوق كبير ليقرأه مرة واثنين …
أحس المليونير بالقلق لأن الطبيب لم يطلب شيئاً بعد مطلبه الأخير , بعث له برسول يسأله عن طلبه , فقال الطبيب للرسول : قل لسيدك , شكراً له ولاهتمامه بي إني لا أريد شيئاً. وتكرر هذا الموقف طوال السنين الباقية , حتى اقتربت السنة ال15 و أحس المليونير بقلق رهيب لأن الطبيب انتصر في هذه اللعبة العجيبة , و أنه يجب أن ينفذ بنود الرهان وأن يتنازل له عن كل ثروته .

انتابته الهواجس والأفكار فقام وأخذ سكيناً وذهب ليقتل الطبيب , ولكنه وجده نائماً وبجانبه ورقة مكتوب عليها:

“أقر وأنا بكامل قواي العقلية , إني أتنازل لصديقي المليونير عن أمواله التي وعد بأن يعطيها لي , و أنا أشكره على حسن استضافته لي طوال هذه السنين , لقد استفدت ببعض الكتب في مختلف المجالات ولكني وجدت سعادتي وشبعي في كتاب الله المقدس. “.

لم يصدق المليونير عينيه وارتمى على حضن صديقه الطبيب وهو يبكي . وعاشا الاثنان معاً ليتمتعا بالكتاب المقدس .

فلورنس نايتنجل

Florence-Nightingale

(فلورنس نايتنجيل : حاملة المصباح)

.. في سن السابعة عشرة ، حدث شئ هام جدا في حياتها .. شئ يشبه ماحدث من قبل للفتاة الفرنسية (جان دارك) . ففي احدى الأوراق التي كتبتها فلورنس في هذه السن نقرأ مايلي ” في 7 فبراير 1837 سمعت صوتا يناديني من السماء ويدعوني لكي أكرس حياتي لخدمة الله”
ولم يكن الصوت حلما من الأحلام ، وانما كان صوتا حقيقيا وصفته فلورنس بأنه كان صوتا عاليا ينطق الكلمات بوضوح .
وربما تقول أن ذلك ليس غريبا بالنسبة لفتاة صفيرة في السابعة عشر من عمرها وتعيش في عالم من الخيالات والأحلام . ولكن فلورنس ***

بعد أربعين سنة من هذا التاريخ كتبت في مذكراتها أنها سمعت هذا الصوت أربع مرات خلال حياتها ..

.. استاء الأب وتكدر صفوه . فهل بعد كل هذا الجهد الذي بذله في تعليمها .. وكل هذه السياحات في أوروبا .. وكل هذه الملابس الجميلة الفاخرة التي اشتراها لها من باريس .. تأتي هذه الشابة الغريبة وتقول أنها تنوي أن تصبح ممرضة .. ؟!
أما أمها فقد وقع عليها هذا الخبر وقع الصاعقة .. وأصابتها نوبة من الغضب ، ثم انفجرت باكية ..
ياللمسكينة فلورنس .. لم يعد هناك أحد في صفها .. كلهم أصبحوا ضدها .. لقد أحست بالضياع وفقدت شجاعتها .. وكتبت تقول في هذه الفترة : ” لم أعد أجد مبررا لاستمرار الحياة ولن أجد شيئا آخر لأعمله .. اني أقل شأنا من التراب .. اني لا شئ على الاطلاق ..!”
*****
في سنة 1845 كانت المستشفيات من الأماكن المخيفة .. مملوءة بالقذارة والفوضى ، ومزدحمة بالمرضى و الآلام ، وتنبعث منها روائح كريهة لاتطيقها الأنوف …
وبالإضافة الى كل هذه الأشياء السيئة ، هناك اسوأ الأشياء على الاطلاق .. الممرضات ! .. وهن نساء جاهلات لايعرفن شيئا عن التمريض .. أخلاقهن سيئة ويسكرن بشرب الخمور الرخيصة طول الوقت . ، وتقول فلورنس ان رئيسة الممرضات في احدى المستشفيات الكبيرة ، ذكرت لها أنها لم تر طوال حياتها ممرضة لا تشرب الخمر حتى تسكر وتفقد وعيها !
*****
ومرت ثماني سنوات بعد أن أعلنت فلورنس رغبتها في العمل كممرضة ووقوف أسرتها ضد هذه الرغبة .. وكانت سنوات صعبة . لأنها مازالت مصرة على العمل كممرضة . ورفضت بالتالي أن تتزوج من شاب كانت تحبه ويحبها ، اذ كيف تتزوج وتترك “الخدمة” التي دعاها اليها صوت من السماء .

ماري كوري

marie_curie

-1-

نشأتها:

ولدت “ماريا سكلودوفسكا” في مدينة وارسو عاصمة بولندا في سنة 1867م. وكان ابوها يعمل مدرسا في احدى مدارس البنين، بينما كانت امها تعمل ناظرة لاحدى مدارس البنات.

كانت الاسرة بولندية ونشأت ماريا منذ طفولتها على حب وطنها بولندا.. وكانت مثل هذه المشاعر الوطنية محرمة على البولنديين انذاك لان روسيا كانت تحتل جزا كبيرا من بولندا. وحرم على المدرسين تعليم اللغة البولندية وكذلك تاريخ بولندا .

-2-

طفولتها

وحين بلغت ماريا العاشرة من عمرها، ماتت امها فكانت صدمة شديدة وقعت عليها وعلى الاسرة كلها.

وبذلت الاخت الكبرى “برونيا” قصارى جهدها لتحل محل الام .. واما ماريا فلم تفهم من معنى الموت في تلك السن المبكرة الا انه حادث محزن..

ودفنت ماريا جميع هذه الاحزان في الانغماس في دروسها..

وكانت تتميز بميزتان: الاولى انها كانت تفهم جميع دروسها بمنتهى السهولة، وكانت تتميز بذاكرة قوية جدا فبمجرد قراءة قصيدة من الشعر مرتين فقط. كانت القصيدة مهما كانت طويلة تنطبع في ذاكرتها بحيث تتمكن من تلاوتها غيبا بعد ذلك. استمر في القراءة

لنكولن #6

 

-21-

تحرير العبيد

كان ابراهام لنكولن يكره نظام العبودية الى اقصى حد. ولكنه كان يدرك عدم امكان اطلاق حريات العبيد دفعة واحدة. ودون ان يتم تعويض ملاك العبيد.. وكان يعرف جيدا ان مثل هذا القرار سيغضب الولايات الجنوبية.

وكان الهدف الاول هو اعادة توحيد الامة وعدم انقسامها، وكتب في هذا الشأن: “ان اهم اهداف هذه الحرب الاهلية هو اعادة توحيد الامة. ولو كان في استطاعتي ان احقق هذا الهدف دون تحرير العبيد لفعلت.. ولو كان في استطاعتي ان احقق الهدفين معا لفعلت على الفور؟.

وبينما كانت الحرب مستمرة كان لنكولن يقول دائما ان من المستحيل ان تكون هناك دولة موحدة نصفها من العبيد ونصفها الاخر من الاحرار..

وكان عليه ان يتخذ قرارا  شجاعا..

فبينما كانت الحرب دائرة.. وقع على وثيقة في غاية الاهمية. اعلن فيها تحرير جميع العبيد في الولايات المنفصلة التي اعلنت الحرب على الاتحاد. وكان معنى هذا القرار هو اعلان تحرير نحو 3 او 4 ملايين من العبيد عند انتهاء الحرب لصالح الاتحاد.

-22-

خطبة جتسبورج

وقعت اشرس معارك هذه الحرب في منطقة جتسبورج .. وقد نظم اجتماع كبير في نفس المكان الذي دارت فيه تلك المعركة الكبيرة، وذلك لتكريم الجنود الذين قتلوا من الجانبين. وحضر الاجتماع عدة الاف من المناطق المجاورة وذلك للاستماع الى الخطب التي سوف يلقيها مستر ايفريت ممثل الجنوب وابراهام لنكولن رئيس الولايات المتحدة الامريكية.

وكان مستر ايفريت عميدا لاحدى الكليات.. وعلى علم واسع متمكنا في فن الخطابة.

ووقف مستر ايفريت والقى خطبة جاوزت الساعتين.

ولم يكن امام لنكولن كثير من الوقت ليعد خطبته.. لدرجة انه انتهى من كتابة خطبته قبل ان يشرع في التوجه الى جتيسبورج بدقائق قليلة.

وقف لنكولن امام هذا الجمع الحافل بجسمه الطويل النحيف ووجهه الذي ترتسم عليه ملامح الحزن .. ظل صامتا لحظة. ثم بدأ يتكلم كما لو كان لا يرى كل هذا الجمهور امامه.. تكلم ببطء ولكن بصوت مرتفع لمدة 3 دقائق ثم جلس على مقعده!

وعندئذ التفت احد الرجال الجالسين جوار “مستر ايفريت” وقال له: “يبدو انه فشل في الرد على خطبتك.. اني اسف له اشد الاسف”.

ولكن لنكولن قدم اليهم الخطبة مكتوبة .. وما ان قرأوها حتى تبين لهم وتبين لجمهور الحاضرين نبل المعاني التي تضمنتها.

كانت مكتوبة بلغة انجليزية رفيعة المستوى .. وقد اعتبرت هذه الخطبة من اعظم الخطب السياسية والوطنية في العالم. وقد اشتهرت خاتمتها التي تقول:

“ستشهد هذه الامة برعاية الله مولدا جديدا للحرية.. وان الحكومة التي اوجدها الشعب لصالح الشعب لن تختفي من على وجه الارض!”.

-23-

نهاية الحرب

وفي سنة 1864 اعيد انتخاب لنكولن مرة ثانية رئيسا للولايات المتحدة الامريكية .. وكان له اعداء كثيرون كانوا يعملون على اسقاطه.. ولكن الاغلبية من الناس العاديين كانوا يثقون به. وفي بداية فترة رئاسته الثانية كانت هناك بوادر لانتهاء الحرب لصالح جيش الاتحاد.

وعندما ادرك لنكولن ان الحرب على وشك ان تنتهي شرع يضع الخطط لما بعد الحرب. كان عليه ان يقرر كيفية اعادة الولايات الجنوبية المهزومة مرة اخرى الى الاتحاد.. وكيفية اعادة السلام بين الشمال والجنوب.. وبين الذين كانوا يكرهون بعضهم ويقتلون بعضهم ليعيش الجميع كامة واحدة ..

-24-

اغتيال الرئيس الامريكي

ولكن كانت تيارات لا تريد لكل تلك الاحلام ان تتحقق. كان هناك شاب جنوبي يدعى “جون بوث” يكره الشماليين كلهم . وقد وضع هذا الشاب خطة لقتل الرئيس منذ مدة.. وفي مساء 14 ابريل 1865 ذهب الرئيس ومعه زوجته الى احد المسارح.. وتسلل بوث بهدوء الى المقصورة وصوب مسدسه الى رأس الرئيس من جهة الخلف وقفز الى خشبة المسرح وانطلق الى حصان كان ينتظره عند الباب الخلفي..

ولا يمكن وصف مشاعر الناس وحزنهم على اغتيال الرئيس.. ونقلت جثته في قطار حملها الى مسقط رأسه “سبرنج فيلد” بولاية الينوي. وما زال ذكراه موضع احترام وتبجيل الشعب الامريكي ويعد احد الرؤساء الثلاثة العظام: واشنطن، وابراهام، وروزرفلت.

لنكولن #5

-17-

لنكولن ودوجلاس

سافر لنكولن ودوجلاس الى جميع انحاء اولاية الينوي، وعقدا عدة اجتماعات حضرها الاف من الناس، وفي كل اجتماع من هذه الاجتماعات كان كل منهما يخطب في جماهير الحضور لعرض افكاره ومبادئه ومعتقداته.

وكانت الجماهير تصغي الى كل منهما بدهشة وانبهار. فقد كان دوجلاس خطيبا بارعا مفوها. كما كان لنكولن خطيبا بسيطا وقويا في نفس الوقت وكلامه يدخل الى القلب مباشرة.

وانقسم الناس حيال هذين الخطيبين. فكان بعضهم يؤيد افكار دوجلاس، وبعضهم يؤيد افكار لنكولن.. وقد اجريت الانتخابات الرئاسية سنة 1860م. وعندما اعلنت النتيجة علت الدهشة وجه لنكولن ووجوه كل اصدقائه ومؤيديه، لقد اصبح ابراهام لينكولن ذلك المحامي الريفي البسيط الذي لم يكن معروفا منذ سنوات قليلة رئيسا للولايات المتحدة الامريكية.

-18-

في البيت الابيض

وفي 11 فبراير 1861م غادر لنكولن بلدته سبرنج فيلد ليبدأ رحلته الى واشنطن مصطحبا زوجته وابناءه الثلاثة الصغار.. وفي واشنطن تقلد منصب لرئيس في جو تكتنفه اصعب الظروف. فعلى اثر نجاحه في الانتخابات اعلنت 7 ولايات جنوبية الانفصال وكونت اتحادا كونفدراليا واختارت لنفسها رئيسا اخر.. كان معنى السماح لهذه الولايات بالانفصال انهيار الدولة ولن تكون هناك امة امريكية موحدة..فما العمل؟

كان على الرئيس لنكولن التعامل ع هذه المشاكل البالغة الصعوبة والتعقيد.. وذلك بالرغم من انه كان قلي الخبرة بمثل هذا النوع من المشاكل، وبالرغم من انه كان محاطا بمجموعة من المستشارين الضعاف.. بينهم مستشار كان يظن في نفسه القدرة على حل كل تلك المشاكل وكان يرغب في ان يترك له الرئيس حرية التصرف في كل شئ.

-19-

وبدأت الحرب الاهلية

وتلاحقت الاحداث بسرعة شديدة.. كان هناك قلعة اسمها “فورت سومتر” تقع في احدى الولايات الجنوبية.. وكان يشغلها جنود تابعون للولايات الشمالية.. وطلب جنود الجنوب من جنود الشمال ان يسلموا القلعة لهم ويرحلوا..

رفض جنود الشمال هذا الطلب. فهاجم جنود الجنوب القلعة لمدة يومين متواصلين حتى سقطت القلعة في ايديهم. وهكذا بدأت الحرب الاهلية الكبرى بين الولايات الشمالية والجنوبية.

واستنفر الرئيس لنكولن جيش الشمال، كما اعدت الولايات الجنوبية جيشها وجهزته للحرب .. وسرعان ما نشبت المعارك بين الفريقين.

استمرت هذه الحرب 4 سنوات، سقط فيها مئات الالاف من الفريقين. ولم يعد سوى اخبار الموت.

وازداد الامر سوءا حين انقسمت العائلات على نفسها، واصبح بعض افراد العائلة الواحدة يؤيدون الشمال والبعض الجنوب، وكان كل فريق ينضم الى الجيش الذي يؤيده. وهكذا حارب الاخ اخاه.

كانت الولايات الشمالية سيئة الحظ في بدء الحرب، خصوصا بالنسبة لسوء اختيار الضباط. وجاء وقت اصبح فيه جيش الجنوب قريبا من واشنطن نفسها ولكنه سرعان ما اجبر على التقهقر. وهكذا استمرت المعارك تدور حتى ظنها الكثيرون بلا نهاية..

وكان الرئيس لنكولن يدير الامور من مقره في البيت الابيض وقلبه مفعم بالحزن العميق.. لكنه كان ثابت الجأش. يثق تماما ان السلام سيعود مرة اخرى الى الولايات المتحدة .

كان كثيرون يشتكون من تصرفاته واوامره، ولكنه كان يستمع اليهم بهدوء وصدر رحب… بل والبعض يقفون ضده علنا ولكنه لم يتخذ ضدهم اي اجراء غاضب.. كان قلبه الكبير يتسع لكل تلك المتاعب .. وزداد تمسكه بان تصل الامور الى نهايتها المحتومة وهي اقرار السلام وعودة الامور الى نطاقها السليم.

ورويدا رويدا بدأ الناس البسطاء العاديون في كل الولايات يشعرون ان الرئيس الجالس في البيت الابيض رئيس عظيم ورجل من اعظم الامريكيين المخلصين.

ولكن لنكولن كان له عيب خطير وحيد، كان يسبب قلقا لدى معظم ضباط الجيش.. فقد كان يحب الناس حبا جما، وكان يقدر الضعف البشري ، ولذلك فقد كان يعفو عن الاخطاء . كان لنكولن يعارض مثلا في منح قادة وحدات الجيش حق انشاء محاكم عسكرية ميدانية لمحاكمة الجنود الذين يفرون من المعركة او الذين يضبطون نائمين اثناء نوبتهم في الحراسة واصدار الحكم باعدامهم. وكان يقول دائما يجب العفو واعطاء المذنب فرصة اخرى.. ولكن ضباط الجيش كانوا لا يفضلون هذه الطريقة الرحيمة في معالجة هذه الاخطاء العسكرية التي كانوا عتبرونها من الجرائم الخطيرة التي تستحق الاعدام.

-20-

لنكولن والجندي

والقصة التالية تعتبر نموذجا لما سماه البعض “ضعف الرئيس”. ففي احد الايام وصل ضابط برتبة كابتن ومعه بعض الجنود الى البيت الابيض ليعرض على الرئيس موضوع احد الجنود الشبان الذي ضبط نائما اثناء نوبة الحراسة وقرر قادة الوحدة اعدامه رميا بالرصاص.

واستعطف الكابتن الرئيس لكي يتدخل في الامر لانقاذ هذا الجندي من الاعدام..

وبعد بضع ساعات قليلة اندهش هذا الجندي المحبوس حين رأى الرئيس امامه . سأله عن بيته واسرته ومزرعة الاسرة، وشاهد صورة الام التي كان الجندي يحتفظ بها. وقال له الرئيس:

لقد نشأت انا نفسي في مزرعة مثل مزرعة اسرتك. واذا قررت ان اعفو عنك فلابد ان تدفع ثمنا غاليا. فتهلل الجندي:

اني متأكد يا سيدي ان ابي سيفرح لذلك وانا على استعداد ان يبيع جزءا من المزرعة ليدفع الثمن المطلوب.

وقال الرئيس:

لا .. ليس هذا كافيا.. ان عليك وحدك ان تسدد الثمن. وهو ان تثبت انك جندي شجاع مخلص لجيش الاتحاد.

ووضع الرئيس يده على الجندي حين اقسم انه سيكون مخلصا للجيش وسيكون محل ثقة الرئيس..

ودفع هذا الجندي الثمن فيما بعد.. فقد اثبت شجاعة نادرة وبينما كانت المعركة مع العدو على اشدها ، قفز هذا الجندي الى النهر لينقذ بعض الجرحى من زملائه وظل يقوم بهذه العملية الى ان اصيب برصاص العدو اصابة بالغةلا .. وحين كان يحتضر ويلفظ انفاسه كان يشكر الرئيس الذي اتاح له هذه الفرصة لكي يستشهد بشجاعة في سبيل وطنه.