الصمت الطويل

في اخر الزمان، كان مليارات البشر منتشرين على سهل فسيح جدا امام عرش الله. انكمش اغلبهم، كل على نفسه من شدة الضياء الباهر المشع امامهم، الا فئة قليلة اخذ افرادها ، هنا وهناك، يتحدثون بحماسة خالية من الخشوع وطغى عليهم التحدى والتذمر.
زعقت صبية سمراء بشئ من الوقاحة: “كيف يديننا الله؟ هل تراه يعرف معنى الالم؟” ثم شمرت عن ساعدها فظهر رقم موسوم عليه، ومضت تقول: “هذا الرقم وسمه لي معذبيّ في احد معتقلات النازية، حيث كابدت الاهوال والضربات والعذاب والموت”.
في حلقة اخرى كشف شاب زنجي عن عنقه، فظهر اثر حبل ثخين، ثم قال: “وماذا تقولون في هذا؟ لقد اعدمت بلا محاكمة لا لجرم الا لكوني اسود البشرة”.
وفي حلقة ثالثة ظهرت طالبة حبلى منتفخة العينين، وراحت تمتم: “ولاي سبب اتعذب انا؟ لم تكن الغلطة غلطتي”.
على مدى السهل الفسيح انتشرت

استمر في القراءة

في مؤتمر الكرازة

كان ماهر شابا وسيما يجيد الانجليزية. كان الطريق ممهدا امامه ليشغل وظيفة “مندوب دعاية” في شركة عالمية للادوية. تعرف في عمله على د. امير وهو يكبره بعامين في التخرج، ولكنه يكبره باعوام كثيرة في النمو الروحي.
حادثه يوما قائلا: دعايتي لشركة الادوية تشبه الشهادة المجروحة، شهادة مغرضة، شهادة لاجل تكسب المعيشة، شهادة قد تتغير غدا ان عملت بشركة اخرى. اما شهادتي للمسيح فلا اتربح منها، وهي شهادة لا استطيع ان اتنصل منها “انها كنار محرقة محصورة في عظامي”(ار20: 9). ورغم ان ماهر اعجب كثيرا بشخصية امير الا انه كثيرا ما كان يتساءل:
هل امير شخص متطرف في تدينه؟ وهل يريدنا الله ان نكون هكذا.. ؟
وفي احد الايام دعاه امير لحضور احد المؤتمرات الروحية معه .. وبدا ماهر يشعر بالخجل من الاستعفاء.. لكنه بدا يتبع تكتيك اخر في محاولة لرفض الدعوة، فساله:
ما هو موضوع المؤتمر؟
الكرازة.
الكرازة؟ ان كل علاقتي بالكرازة هي تلك المجلة التي اشتريها كل اسوع ولا اجد ما يشدني فيها على الاطلاق، الا انها عادة!
المؤتمر لا علاقة له بالمجلة. تعال وانظر! لن استطيع ان اشرح لك. على العموم المؤتمر 48 ساعة فقط.
انني اشعر بالملل خلال 48 دقيقة. اتريد ان تجعلني احضر مؤتمر 48 ساعة؟

استمر في القراءة

الحمام الطائر

قصة ارمينية واقعية تمت احداثها في القرن العاشر بارمينيا

نقلا بتصرف
توقف الشاب كرياكو ليجفف عرقه، وياخذ شيئا من لراحة فقد ثقلت قدماه جدا، واحس انه غير قادر على حمل الحقيبة البسيطة التي لا تحوي الا قليلا من ملابسه، وظهرت علامات الانهاك الجسدي على ملامحه..
عاد الشاب يكمل طريقهوهو يردد اسم يسوع المسيح، مطمئنا نفسه انه اقترب جدا من بلدة ناريج حيث يتمتع ببركة الدير والوجود بين اباء الدير.. وبالفعل بدات قباب الدير تظهر من بعيد، وقد علت عليها الصلبان،

استمر في القراءة

قصتي مع الله #1

502017173_univ_lss_lg

بقلم: فيبي فارس

انصتَ لاتسمع الهمسات التي كانت تدور بحجرة الطعام في بيت السيد ريفر، فقد كان الحديث الذي يدور بين السيد ريفر وزوجته واولاده يهمني جدا، وذلك لانه كان يدور حول طلبي اخذ اجازة، ولو لمدة اسبوع، لاعود الى قريتي العزيزة “دهاستون” التي لم ازرها منذ حوالي تسعة اشهر او اكثر.

سمعت اسمي يتردد على ألسنتهم ، فاصغيت السمع جيدا، ولما لم تسعفني اذناي تذرعت ببعض الاعذار كاحضاري ملح الطعام او زجاجة ماء لادخل حجرة الصالون حيث كانوا يتحدثون وهم يتناولون وجبة الغذاء. ولكنهم كانوا يتوقفون عن الحديث بمجرد دخولي. ولكن عندما حملت اليهم بعض ثمرات التفاح في نهاية الطعام سمعت السيد ريفر يقول:

لقد قلت قولي في هذا الامر ولا مجال للنقاش.

كان هذا القول كافيا لان يملأني بالامل، فالسيد ريفر اكثر لينا من السيدة ريفر القاسية حادة الطباع. كانت السيدة ريفر ترفض سفري، لان ابنتها الكبرى شارلوت لم تنجح في اجتياز اختبارات بعض المقررات الدراسية وبات عليها ان تدخل اختبارا بعد شهرين وهذا يتطلب مجهودا كبيرا من السيدة وبالتالي يتطلب مساعدة مني في بعض شؤن المنزل. كان ذلك في صيف 1882.

عدت الى المطبخ وقد علت وجهي ابتسامة لم استطع اخفاؤها فقد كان تعبيرا صادقا عن الفرحة التي غمرتني فكم اشتقت الى دهاستون قريتي العزيزة، حيث ابي المريض، وحيث امي المسكينةالتي ترعاه نهارا وليلا. كم اشتقت الى صديقات الطفولتي خاصة صديقتي فيفيان“!..

ما هذا يا روزالين؟ أتحدثين نفسك؟!

التفتّ ورائي فوجدت ماري ابنة السيد ريفر الصغرى وهي تعتبر صديقتي الوحيدة في منزل السيد ريفر.

واصلت ماري كلامها وهي تمسح بيدها فروة قطها كاتو“:

بم تكافئينني؟ لقد شرحت لابي ظروفك وحقك في زيارة والديك وقد اقتنع تماما.

قلت ضاحكة:

اجازة لمدة اسبوع تستحق ان احيك لك رداءا جديدا ترتدينه في حفلة توزيع جوائز النجاح.

واذا كان لمدة عشرة ايام؟ استمر في القراءة

سر المندولينة #2

-2-

رحيل سبستيان

في صباح يوم جميل من ايام الصيف كان سبستيان مستعدا للرحيل. كان يحمل على ظهره حقيبة جل، وكان جده يحملها معه في خروجاته الكثيرة مع بنطلون وقميص وجوارب للغيار وككان يحمل مندولينة معلقة على كتفه.

خرجت لينا لتودعه:

الوداع يا ولدي. كن امينا دائما.

ثم ضم المرشد العجوز يد الصبي الصغير بشدة وقال:

الى اللقاء. اذكر الله دائما. واحفظ محبته وخوفه في قلبك.واذا وجدت نفسك في ضيق رنم ترنيمة جميلة.

تمسّك سبستيان لحظة اخرى بيد العجوز ثم انصرف. لقد شعر بضيق ولكنه لم يكن يريد ان يلاحظ جده ذلك.

بخطوة سريعة نزل المنحدر ومن قرية جستجاخذ الطريق الكبير الى قرية انترلاكن”. من بعيد لمح الفنادق الكبيرة. قال في نفسهمع هذا الجمع الكبير لابد ان يكون هناك فرصة عمل“.

سأل النادل:

هل يوجد عمل لي هنا؟ يمكنني ان اساعدك اذا شئت.

فالتفت اليه النادل وقال بلهجة تهديد:

اذهب من هنا بسرعة. نحن لا نعرف ماذا نصنع بالمتشردين.

اندفع سبستيان خارجا. وعلى بعد خطوات راى بناء ذو نوافذ طويلة. انه فندق. ولمح رجلا في باب البناء. قال سبستيان: “لابد انه صاحب الفندق“.

اقترب منه وساله اذ شجعه هدوء الرجل:

هل يوجد لديكم عمل لي؟

وبدون كلمة فحص الرجل الصبي من فوق الى اسفل ثم من اسفل الى اعلى، واذ هزّ رأسه اجاب اخيرا:

لا يوجد عمل لدينا، لا للصبيان ولا للموسيقيين.

لم تحرك سبستيان. لقد تكلم صاحب الفندق ببطء حتى ظن سبستيان انه لم يقل كل شئ . وانه سوف يضيف شيئا الى ما قاله.. ولكن هذا لم يحدث. فقد اخرج الرجل ببطء يده من جيبه ثم اشار الى الشارع. وكان هذا تعبيرا عن القول اغرب عن هنا“.

ثم مر بحديقة وقبل ان يقترب، صاحت امرأة تقف بالنافذة:

لا لا نريد موسيقي!

فأحاب سبستيان مدافعا عن نفسه:

اني ابحث عن عمل ولم آت لاعزف الموسيقى.

لا شئ عندي لك. هيا اغلق البوابة وابتعد.

على طول الطريق كان سبستيان يتوقف عند كل بيت ليسال عن عمل ولكنه لم يوفق. وهكذا عبر القرية ووصل الى المزارع.

ربما ستكون الفرصة سانحة لدى المزارعين، فلابد انه يوجد عمل في فصل الصيف حيث الحصاد. ان المزارع الكبيرة وسط المراعي بدت مرحبة به.

اقترب من احد المزارعين وقال:

هل يوجد ما اقوم به؟ يمكنني ان اساعد في جمع التبن.

اجاب المزارع وهو يلقي نظرة احتقار الى المندولينة:

نعم نعم نحن نعلم قيمة العمال امثالك.

واصل سبستيان طريقه في ياس. وكان يتوقف هنا وهناك للسؤال عن عمل. ولكن دائما بأكثر خشية لانه كان دائما يلقى نفس الاجابة.

شعر الان انه قد جاءت اللحظة ليرنم ترنيمة جميلة كما اوصاه جده.

ولكن مثلما اختبر الجد العجوز قبله لم يكن الامر سهلا. لم يستطع ان يخرج لحنا وكان الصوت محبوسا في حنجرته. فاخذ المندولينة ظنا انه بذلك سيسهل الامر. ولكنه تذكر نظرات الاحتقار التي وجهت الى مندولينته خلال النهار. فاخذ يتحدث معها وهو يربت عليها انا احبك كما تعلمين. هم يحتقرونك اما انا فلن اتركك حتى لو كان بسببك لا يريدني احد في اي مكان“. ثم اخذ يضغط على الاوتار التي حتى هذه اللحظة لم يسبق لها ان اصدرت اصواتا حزينة بهذه الكيفية.

يوميات كاهن #٣

عن كتاب؛ مذكرات كاهن في الارياف للانبا يوحنا قلتة

مضى شهر والكاهن الشاب يحاول التاقلم مع حياة القرية، اعد سكنه بقدر المستطاع ، لكنه لم يستطع التخلص من “الكنبة” لانها عهدة. والامر الغريب انه حتى اليوم – وبعد اربعين سنة – لا يزال يحن الى النوم على هذه الكنبة، ويبدو ان علاقة حميمة تتاصل مع الزمن بين الاشياء والانسان، وجمع بضع كتب حملها معه من القاهرة، منها الكتاب المقدس طبعة اليسوعيين، وقد عشق عشقا هذه النسخة لانه اهديت له يوم سيامته كاهنا، وعشقه لها ليس لانها عمل عظيم لليسوعيين ولكنها لانها ترجمة عربية من اجمل ما كتب العالم “اليازجي” – انا قطعة من الادب والشعر واصالة اللغة العربية، واحتفظ بكتاب “الاقتداء بالمسيح”، لم يذكر مؤلف الكتاب اسمه تواضعا وزهدا، وهو انشودة روحية في كلمات بديعة، وهناك بضع كتب اخرى في الادب العربي يذكر منها ديوان ابي العلاء المعري، يذكر منها بضع ابيات خالدة، مثلا:
خفف الوطء فما اظن الاديم الارض الا من هذه الاجسام

استمر في القراءة

يوميات كاهن #٢

عن كتاب: مذكرات كاهن في الارياف للانبا يوحنا قلتة
من اروع التقاليد القبطية التي توارثناها عن اجدادنا وعن قديسي كنيستنا تقليدا تضمن تعليما لاهوتيا ويفسر لنا سر الفداء. الا وهو جمع حبات القمح – والقمح اثمن الحبوب واجملها طعما – كل عائلة تجود به بقدر طاقتها في زمن الحصاد، فيقدم القادرون للكنيسة جوالا، بينما الفقراء يقدمون قدحا او حفنة. ويجمع كل تلك التقدمات في صومعة الكنيسة او احد المؤمنين المؤتمنين على اموال الكنيسة ليخبز منه القربان على مدار العام. يتحول القربان وقت القداس الى جسد المسيح. خبيز القربان له طقوس خاصة، وله خاتم يحفر عليه رمز جراح المسيح، وله نكهة طيبة مميزة يختلف بها عن نكهة الخبز. واغلب الظن ان فن الحفر برع فيه القدماء المصريون وورثتهم الاقباط ولدينا تراثا يبهر العالم من دقة الحفر على الحجر والذهب ..
يصوم الفلاحون من منتصف الليل استعدادا للتناول من سر القربان المقدس. وبعد القداس يكون القربان الذي يوزع عليهم هو افطارهم قبل العودة الى البيت، واي رمز اجمل واعمق من هذا الرمز اذيتحد اهل القرية في لقمة البركة كما يتحدون في تقدماتهم من القمح او الدقيق، فالقربان من قمحهم، وهو رمز لوحدتهم في شخص المسيح – وحدة الايمان والرجاء، والمساواة بينهم حين يتناولون خبزا واحدا “نحن الكثيرين .. جسد واحد لاننا نشترك في الخبز الواحد”(1كو10: 17)،
حان وقت التناول وتقدم العم ميخائيل وقد انبعثت من فمه رائحة الفول والبصل، تردد الكاهن قبل ان يساله في صوت خافت:
انت فطرت يا عم ميخائيل؟
اجاب في غير حرج او قلق وبتلقائية بريئة: نعم انا

استمر في القراءة