المحتال

لم يكن راهباً .. كلا، ولكنه انتحل صفة راهب. تردد بين أعمال مختلفة ولكنه لم يوفق فى أى منهم، واختفى من بلدته تماماً ليظهر فى بلدة أخرى تبعد جداً عن قريته، واختار لنفسه كوخاً يقع فى منتصف الطريق من محطة القطار حتى القرية.

واتخذ هيئة راهب، وفى بداية تعرفه على الناس، وقف أمام الكوخ فى حياء مصطنع، فلما مر به بعض الناس، نادى على أحدهم وانتحى به جانباً، ثم أعطاه بعض المال ليشترى له به شيئاً من الخبز والخضر، فأحضره له فى المساء فى اليوم ذاته فشكره كثيراً فى وقار كثير مع بعض الدعوات غير التقليدية، وعرض عليه ذلك الشخص أن يقضى له حوائجه، كلما أتسع الوقت لذلك، فتمنع قليلاً قبل أن يظهر فرحه ورضاه بذلك.

وأحبه وصار صديقه …

فى البداية سأله كثيراً عن السبب فى مجيئه إلى ذلك المكان، ولماذا يسكن هذا الكوخ؟ فلم يجب بشئ وآثر الصمت، فاحترم مشاعره.

وسمع به الناس مع مرور الوقت تساءلوا عن هويته، وراحوا يمسحون كوخه بأنظارهم كلما مروا من قدامه، وبين آن وآخر كان يخرج ليسأل بعض المارة عن الوقت .. أو عن الشخص الذى يخدمه، وعرض عليه آخرون الاشتراك فى احتياجاته، واستجاب بحياء مصطنع لبعض منهم.

وفى إحدى مسامراته مع البعض عرف منهم عرضاً، أن زوجة أحدهم لا تنجب وأن لهذا الأمر أثراً كبيراً فى تعاسة تلك الأسرة مما قد يهدد استمرار الزواج، وتجاهل ذلك .. وكأنه لم يسمع شيئاً.

ومن بعد عدة أيام أرسل بيد ذاك الذى يخدمه شيئاً صغيراً ليسلمه للرجل الذى حرم من النسل، وكان ذلك الشئ هو ورقة صغيرة طويت بطريقة خاصة، وطلب منه أن يحرقها ثم يضع رمادها فى كوب ماء تشربه زوجته وستنجب ولداً تسميه (. . . .) وفعل الرجل وأنجبت زوجته طفلاً أسمته على اسم ذلك المحتال، تكريماً له!!

وانتشرت الأخبار بين الناس، ونسبوا إليه من المعجزات والأشفية ما لم يحدث مطلقاً، فينظرون إليه نظرتهم لقديس أنعم الله به على قريتهم ويتوافد عليه الناس ومعهم الهدايا والمال، وتسأله إحدهن:

– هل يعود زوجى من الجبهة ؟

– يعود .. (ثم بعد صمت قصير) ولكن بعد فترة .. الزوج بعد فترة يعود .

وتسأله أخرى : هل تلد البقرة؟ وينظر إليها طويلاً دون أن يجيب … فتقفل راجعة من عنده وهى متشائمة.

وتقاطر عليه الناس من كل جهة يسألونه فى أمور مختلفة، فها هوذا (رامى) يطلب إليه أن يفتح له الكتاب على الإمتحان يجئ من الموضع الذى يفتحه عنده .. وهوذا بعض التجار وبعض الحرفيين والمزارعين .. وهو يجيب بإجابات مختلفة حسبما تنزلق الكلمات على لسانه، فيصيب بعض الكلام ويخفق الآخر .. وعندما يراجعه البعض فى عدم تحقق نبؤته، يرجع ذلك إلى خطايا وشرور السائل!!

ويصدق نفسه.. يكذب ويبالغ كثيراً حتى يصدق أنه عالم بالغيب !!

وتتهمه بعض الأصوات بالاحتيال والخداع، فتهب أصواتاً أخرى لتدافع عن قداسة الرجل، ومصداقيته، فأحاط به السذج والجهال وتزداد سطوة الرجل.

ويسمع به بعض اللصوص فيهاجمونه ليلاً، ويصيبونه بجرح بسيط قبل أن يستولوا على المال الذى عنده ويفروا هاربين، ويسمع بهذا بعض الذين يترددون عليه من القرى المجاورة، فيقوموا ببناء حجرة له من الطوب ويجعلون لها باباً من الخشب!! .. ويستنفر فى البداية من السكن فيها، قبل أن يوافق مسروراً فى أعماقه، فقد تثبتت مكانته بينهم وقداسته قد شاعت، ومن ثم فقد وجد من يهتم بإعاشته وينقل إليه ألواناً من الطعام والشراب والفاكهة والهدايا، بل ويدافع عنه!!

وأصبح يمتهن ذلك النوع الحقير من العمل، بدلاً من أن يعمل فى مهنة شريفة، يبذل جهداً وعرقاً فى سبيل الحصول على قوته، ولكنه رأي فى ذلك مالاً يأتى بسهولة وكرامة بغير وجه وورعاً لا يكلفه إلا بعض النفاق، فراح يخدع الناس وينظاهر بالقداسة، فاستفحل أمره وتزايدت سطوته.

وسأله أحد السكان ذات مرة عما يجب عليه أن يفعله تجاه جيرانه الذين يزعجونه ويتربصون به.

فصمت طويلاً قبل أن يصف له وصفة غبية، قال له ضع هذه الورقة فى كوب ماء مدة ساعتين وبعد ذلك رش الماء على حائط جيرانك وبجوار الباب.

ولمحة جيرانه وهو يفعل ذلك فثارت ثورتهم وجذبوه إلى الداخل وراحوا يضربونه حتى كادوا أن يحطموا أضلاعه، وأما الورقة التى أخذها من المحتال فقد كانت فارغة وبيضاء!!!

واختلف الناس بخصوص رأيهم فيه وبعض المثقفين الشبان بدأوا فى محاورته ومعارضته، ولكن ذويهم راحوا يحذرونهم من مغبة معاداته، خوفاً عليهم من الأذى فقد يغضب عليهم!! بل أن بعض البسطاء من الأمهات، رحن يعتذرن له عما بدر من أبنائهن تجاهه، وقال لهن :

– كلنا خطاه.. الله يغفر للكل.. أنا أصلى لأجلهم ..

ولم يقل ذلك إلا ليزداد كرامة وتبجيلاً فى أعينهن فيقولون عنه أنه القديس ومتسامح مع أعدائه…

وخاف على مكانه .. وخاف على مكانته .. وراح يفكر فى حيلة كبيرة يجذب بها أنتباههم ويجمعهم حوله .. فيأمر فيهم وينهى .. وفاجأهم ذات صباح، وهو يقف أمام باب الحجرة يصرخ بأعلى صوته:

“من لم يتب فليتب .. ومن هو شرير فليتعظ .. قولوا لنسائكم وأولادكم .. استعدوا .. لقد راحت أيام المرح واللعب .. لينظر كل منكم إلى نفسه وإلى حاله.. عند تمام الشهر ينتهى العالم ويأتى المسيح !!

وذعر الناس وتقاطروا عليه يلتمسون مزيداً من التفاصيل ويمطرونه بوابل من الأسئلة والاستفسارات، وبدأ هو جامد الوجه، جاد القسمات، يقول بثقة وبالحرف الواحد:

“عند نهاية الشهر ينتهى العالم وتنقلب الدنيا ويأتى المسيح”. واختلطت أصوات سامعيه وسألوه؟

– كيف .. فى أى ساعة .. لماذا .. ؟

فأعاد ما قاله كلمة كلمة :

“عند نهاية الشهر ينتهى العالم .. تنقلب الدنيا ويأتى المسيح.”

وانتاب الناس قشعريرة وخوف ورعب لا قبل لهم بمثله، وتوقف الكل عن أعمالهم ولزموا ديارهم، وكست وجوه الناس مسحة من الكآبة، حتى الأطفال شعروا بالخوف، فتوقفوا عن اللعب والتصقوا بأمهاتهم.

قال إميل لأمه:

– حقاً يا أمى يأتى المسيح؟ هل سيهدم بيتنا وأين نذهب؟..هل ألعب.. وآكل الشكولاته…؟

فنظرت الأم بحسرة والدموع تترقرق فى عينيها، فأعاد سؤالها، وحينئذ ضمته بقوة إلى صدرها وبكت فخاف وبكى هو الآخر..

وتوقفت الأعمال فى البلدة، فقد ترك المزارعون زراعاتهم وجلسوا فى بيوتهم إلى جوار زوجتهم وأطفالهم، وأمتنع التلاميذ عن الذهاب إلى مدارسهم، وأغلق الباعة حوانيتهم، وتوقفت النساء عن إعداد الطعام وأكتفوا فى المنازل بالخبز وبعض الجبن والبقول، قالوا:

– لماذا نطبخ ونعمل ونزرع ونغسل .. إنها أيام وينتهى كل شئ ..

والعجيب أن تلك الأخبار لم تجعل الناس يتوبون عن خطاياهم، بل لقد شغلتهم عن التوبة!! لقد شغلوا فقط بما سيتركونه… وفكروا فى الرعب الذى سيحل عليهم فى ذلك اليوم وكيف سيموتون…الخ

وسمع الأب الكاهن فى القرية القريبة والتى بها الكنيسة حيث يذهبون للصلاة، وتضايق، وبعد قداس يوم الأحد، وكانت الكنيسة قد امتلأت عن آخرها بالمصلين، قال الكاهن:

– إن فكر الكنسية الذى تسلمته من السيد المسيح، بالتالى فعلينا أن نكون مستعدين دوماً لملاقاة المسيح، وقد لا ينتهى زمننا هذا ولكن كل من يموت منا فسوف يلتقى بالمسيح هناك والأمر فى الحالتين واحد، ولذلك أرجو أن تعتبروا نهاية العالم كل يوم فتتخلصون من السلبيات فى حياتكم وتنتهى الخصومات من بينكم وتجتهدون فى تقديم التوبة عن خطاياكم ..

أما إعطاء مواعيد لمجئ المسيح، فمن شأنه أن يجعل الناس يتبلدون متى جاء الموعد المحدد ولم يأتى المسيح، كما أن قلقكم هذا وتعبكم إنما يدل على عدم استعدادكم لأبديتكم.. انصرفوا الآن إلى دياركم وعودوا إلى أعمالكم وحوانينكم وزراعتكم والأطفال إلى مدارسهم .. إن مخافة الموت ترعب الرجل الناقص كما يقول الكتاب المقدس. و قاطعه أحدهم:

– هل يكذب إذاً من قال لنا ذلك؟

– لا أقدر أن أتهم إنساناً ولكن أرجو أن تحتاطوا دائماً وتسلكون بتعقل ولا تضطربوا لأى خبر.. ولا تسعوا إلى معرفة الغيب إنما عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح واجتهدوا، ثم ثقوا بعد ذلك فى عناية الله بكم ومحبته لكم، فإن كل من يجعل ثقته فى الله ويتكل عليه، يكون الله له عائلاً وضامناً ومسئولاً عنه. ثم باركهم وصرفهم بسلام.

وصلت أخبار توعية الكاهن بالشعب إلى مسامع ذلك المحتال، فصار فى ضيق و تخّبط .. فها هوذا الأيام تمر واحداً تلو الآخر، وانقسم الناس إلى عدة فرق .. والبعض صدّق النبوة الكاذبة، فخرج من القرية قبل الموعد بيومين يمشى فى المدينة بلا هدف .. ويسأل الناس هناك.. هل سمعتم بأن المسيح قادم يوم السبت.. فيندهشون ومنهم من يستفسر منه، ومنهم من يتجاهل قوله وينصرف عنه، ويرى الحياة فى المدينة تسير كما كانت دائماً .. فيتشكّك ويتعجب .. والبعض الآخر تبلدت مشاعره.. وأصبح فى غير مبالاة أو اكتراث، والبعض الثالث.. يتردد على الراهب يراجعه فيما أعلن، فيؤكد لهم من جديد ما قاله .. ويتخذ هيئة الواعظ والنبى الذى يتحسر على الشعب وينذر بالكارثة.

ولم تثمر هذه النبوة ثماراً روحية ..

واقترب اليوم الموعود، والناس ما بين مصدق ومكذّب، ولزم الناس بيوتهم عشية ذلك اليوم، والتصق أفراد الأسرة بعضهم بالبعض الآخر، وراحوا يتمتمون بكلمات توسل المرعوب، وساد سكون رهيب فى تلك القرية ولم ينم أحد طوال الليل، حتى إذا ما بلغت عقارب الساعة منتصف الليل راح الناس يتوقعون الكارثة بين لحظة وأخرى.. ومر نصف اليوم بسلام ومازال الناس يتوقعون انفجاراً هائلاً، ودوت فرقعة صغيرة خارج أحد المنازل فصدرت عن أفراده صرخة مدوية سمعت فى البيوت التى حوله فتجاوب صراخ سكانه .. ثم ما لبث الصوت أن تلاشى ليحل محله ذلك الصمت الرهيب. حينما حل المساء سرت فى الأبدان بعض الطمأنينة، غير أنه كان ما يزال باقياً من اليوم أربع ساعات قضوها متأرجحين ما بين الراحة و الذعر .

+++

وراح هو يسترجع سنين حياته منذ كان طفلاً والتعاسة التى مر بها في طفولته، والخلافات المستمرة فيما بينه وبين والديه من جهة، وبين كل من والده ووالدته من جهة أخرى. إنه يتذكر الآن الليالى التى قضاها مطروداً من بيته، والليالى التى مرت عليه دون طعام. ويتذكر ايضا الحرمان الذى ذاقه، وكيف أنه ترك تعليمه واتجه إلى العمل، فلم يستمر فى عمل واحد أكثر من أسابيع معدودة، وكان أصحاب تلك الأعمال يعذبونه كثيراً، ومنهم من أتهمه بالسرقة وسلمه إلى الشرطة التى اودعته فى مؤسسة الأحداث لمدة عامين، خرج بعدها ليتلكأ فى الطرقات يلتمس قوته فى مهانة وذلة.

كان كل مطمعه أن يصير غنياً مشهوراً غير أن ذلك لم يكن له ما يؤهله إليه من علم أو كفاءة أو حتى قوة جسدية، حقيقي أنه كان بديناً وطويل القامة لكنه كان مترهلاً من ذلك النوع الذى يميل إلى الاسترخاء، إلى أن سمع عن أحد النساك الذى يحيا فى مغارة بالجبل وكيف يحبه الناس ويوقرونه وينظرون إليه بكثير من الإحترام والوقار، بسبب قداسته الحقيقية. فحسنت فى عينه الفكرة، وجاء إلى هذا المكان ونجح كثيراً فى خداع الناس، غير أن شيئاً ما كان ينغص عليه حياته، وهو شعوره الدفين بأنه كاذب .. وليس له الحق فى هذه الكرامة وتلك الهدايا والأموال.. وعجز عن أن يواجه نفسه وينصرف إلى العمل الشريف، ولكنه سريعاً ما يطرد عنه أفكار التبكيت ليهنأ بمجاملات الناس وحبهم.

وها هو اليوم متورط فيما لم يحسب له حساب من قبل .. هل الله يريد أن يفضحه للناس ويكشف سره، وقد قارب ذلك اليوم من المجئ.. وعذبته الأفكار ولم يستطع الهرب من المكان.. فإلى أين يذهب…. واظلمت الدنيا فى عينه.. ولم يسع إلى التوبة واصلاح حاله.. فقرر التخلص من حياته.. فتناول السم فى عشية ذلك اليوم.

ومر اليوم بسلام و تنفس الناس الصعداء، غير أنهم خرجوا من بيوتهم فى الصباح واجتمعوا جمعاً غفيراً وهم مصممون على مواجهة ذلك المضل، وبالفعل فقد اتجهوا إلى حجرته على الطريق، ولشدة ما كانت دهشتهم عندما اكتشفوا هناك أنه قتيل فى حجرته!!

وأنتشر الخبر كالبرق بين الأخرين، وتقاطر الناس إلى هناك وأبلغ البوليس فجاء ثم تبعته النيابة، وبدأت التحقيقات.. واستدعى الطبيب الشرعى الذى أثبت أن الوفاة جاءت نتيجة الانتحار، وقرروا دفن الجثة هناك فى نفس الحجرة بعد أن رفض أى من الأهالى دفنها فى مقبرة عائلية أو مقابر الصدقة، ومن ثم فقد وضعت الحراسة على المكان الذى دفن فيه ولمدة ثلاثة أشهر.

لقد قرر التخلص من حياته، لأنه لم يكن قادراً على مواجهة الناس، متى جاء ذلك اليوم الذى حدده لنهاية العالم دون أن يحدث شئ فقتل نفسه، وهدأت مشاعر الناس بعد أن ثبت لهم كذبه وتحقق لهم خداعه.

واليوم يشيع بعض من مريديه ويصرون على قولهم بان قديسهم (ذلك المحتال) قد صلى بحرارة إلى الله لكى ينقذ العالم ويهب البشرية فرصة أخرى علهم يتوبون، وفى مقابل ذلك يموت هو بدلاً من الناس ليهبهم فرصة التوبة!!!

وهكذا استمر مخادعاً حتى بعد موته .

Advertisements

القرابني

القرابني

كان بشوشاً وكان لطيفاً معطاءا، نذكره جيداً حين كنا أطفالاً دون العاشرة بينما تخطى هو الثلاثين من العمر، إنه (عمو يوسف) كما كنا نطلق عليه في تلك القرية النائية في وسط صعيد مصر .

كنا نحبه .. وكان يعطف علينا إمّا بقليل من الحلوى أو تلك القطع النقدية الصغيرة التي كان يحتفظ بها في جيبه، وكنّا نحن نشاكسه ايضاً وهو جالس في وداعة أمام حجرة القربان عقب القداس ، عندما كنّا نسأله أسئلة بريئة كان يبتسم ويلاطفنا ، والأن أتذكّر أنه في كل مرّة كان يشرد قليلاً بذهنه قبل أن يصرفنا عنه بلطف .

وكان أبي ناظراً للكنيسة ، وهي كنيسة أثرية على اسم السيدة العذراء. وبين آن وآخر، وحين كنا نجلس إليه بعد العشاء كان يروي لنا شيئاً عن ذلك القرابني الجديد الذي جاء يعمل كخادم في الكنيسة ، كيف أنه رفض أن يتقاضى أجراً .. وكيف إكتفى بالطعام الذي يقدّم له ، وبتلك الحصيرة المتهرّئة لينام عليها بجوار (بيت لحم).

وإعتاد أن يدخل إلى حجرته عقب السابعة مساءا ولا يُرى إلّا عند الصباح بعد أن يكون قد قام في نصف الليل ليخبز القربان ، ويُدخل (طبق الحمل) في مكانه أمام الهيكل ثم يرتب المذبح ويعمر القارورة ويصلح الشمعدانين اللذين فوق المذبح ويملأ إبريق الماء الفخاري ودرج البخور وكل ما يحتاجه الكاهن ، وهو ماهر جداً في جعل الكنيسة وما يحيط بها ، في غاية الحسن والبهاء ، فقد غرس بعض الورود والشجيرات حول الكنيسة .. وكنا نلعب كثيراً بجواره، وكنا نهابه بقدر ما كنا نحبه..

كانت فى عينية نظرة شفقة وحب وسر عميق ، وكان من بيننا ونحن أطفال جورج وهو ابن كاهن الكنيسة ، وكان (عم يوسف) يخصّ جورج باهتمام أكبر إذا كان مكلّفا برعايتة، مثل مرافقتة إلى المدرسة ، والعودة به عند الظهر إلى بيته ثانية، وكنا نراه فى بعض الأحيان يجلس إلى جوارة أمام حجرته فى الكنيسة، يراجع معة بعض دروسه ، وكان يوسف يعرف القراءة والكتابة ، وكنا نلمحه فى بعض الأحيان يقرأ على شمعة وباب حجرته مفتوحاً.

وأذكر أن بعض الصبية ضايقوه ذات صباح ، إذا راحوا يهتفون فى سذاجة بما يضايقه ويهينه،وقد رأيتة فى ذلك الصباح وهو يشخص إليهم بعينين منكسرتين ثم يتراجع بهدوء إلى الخلف حتى يدخل حجرته ويسحب بابها وراءه فى هدوء، وما أن أغلق الباب حتى قذف أحدهم الباب بحجر كبير ، ثم هرول الجميع ضاحكين ، وفى المساء وجدته بشوشاً كعادته، وقد زالت من قسمات وجهه عبوسة ذلك الصباح .

وعندما تجاوز سنّه الخامسة والثلاثين، أشفق الكاهن على وحدة يوسف ومسكنته، فعرض عليه تزويجه من إحدى العاملات بمصنع النسيج، ولكن يوسف أعتذر فى أدب جّم ، بأنة لا يفكر فى الزواج ، ظن الكاهن وقتها أن المانع هو ضيق ذات اليد ، فطمأنه بأنه سيتكفّل بنفقات هذا الزواج ، ولكنه أعتذر مراراً.

قال إن أهله فى إحدى محافظات الوجه البحرى، حاولوا مراراً تزويجه من قبل ، ولكنه أحبّ أن يحيا وحيداً ، وقال الكاهن :

– فلماذا لم تترهب فى أحد الأديرة ؟

– أنا لا أستحق … إنى شرير ..

وتأثر الكاهن، ومنذ ذلك الحين حاول توفير حجرة صحيّة له، يؤثثها له، ولكنه أعتذر أيضاً مكتفياً بتلك الحجرة البسيطة التى تشبة الكوخ ، واكتفى أيضاً بالقروش القليلة التى تعود عليه من الأطباق الخوص التى يصنعها فى أوقات فراغه.

و أحبه أهالى القرية ، واعتبروه بركة ، وكانوا يراقبونه فى ارتياح ، وهم يسير بين آن وآخر يحمل شيئاً إلى بيت الكاهن ، أو وهو يرافق جورج ابن الأب الكاهن إلى مدرسته ، أو إلى خاله فى الحى الغربى من القرية ، كان طويل القامة، نحيفاً، هادئاً، وثابتا فى خطواته .. رأسه مطرق إلى أسفل قليلاً ، ينتعل فى قدمه نعلاً بسيطاً… ويعتمر طاقية بنيّة اللون وكانت له لحية خفيفة جداّ.

وفى ذات مرة فوجىء يوسف عند منتصف الليل، بأن القربان لم يختمر .. فلم تكن الخميرة نشطة بالقدر الكافى ، فإن خبزه على ذلك النحو، فسيخرج من الفرن وهو أشبه ما يكون بالفطائر لا القربان ، ولم يكن الوقت يتّسع لعمل قربان آخر، وتحيرّ فى نفسه وتضايق و أوشك أن يضطرب ويفقد سلامه ، وفى النهاية لم يكن من مفرً من وضعه فى الفرن كما هو .. وخرج القربان بشكل سيىء .. وباكراً جاء الأب الكاهن ومعه الشماّس ، فتلقاه يوسف بالترحيب ، وتردّد قليلاً قبل أن يعتذر له بأن القربان اليوم ليس على ما يرام.

وتغيرت ملامح الكاهن وزمجر وراح يعاتبه على إهماله بكلمات قاسية ولكزه بيده غاضباً، وراح يوسف يعتذر بعبارات كثيرة ويطلب الحل والصفح فتركه الكاهن مستاءاً، والحقيقة أنها لم تكن عادة الكاهن فى مثل تلك المواقف ولكن مزاجه لم يكن على ما يرام فى ذلك الصباح .

وطفرت الدموع من عينيه ولكنه تماسك وعالجها بسرعة ، انتهى القداس وخرج الكاهن من الكنيسة فتلقاه يوسف ببشاشة ، ولكن الكاهن لم يعتذر له، ولكنه تظاهر فقط بأنه قد نسى الأمر والتفت إلى أعماله ، وإذا تحدث مع يوسف فى شأن آخر .

وكبر جورج (ابن الكاهن) شيئاً فشيئاً، وألحقه أبوه بالكلية الإكليريكية أملاً فى أن يساعده مستقبلاً فى أعباء الكهنوت والخدمة ، وكان شاباً مشهوداً له بالفطنة والذكاء وإتضاع القلب والكل يحبونه أيضاً، وكثيراً ما كان يوسف ينتظره على محطة القطار عند زاياراته للقرية ليحمل عنه حقيبته وليصحبه إلى منزله ، وكان جورج يحمل ليوسف – كلما جاء إلى القرية – هدية لطيفة من البندر، مرة شالاً و أخرى طاقية أو علبة من الحلوى .

وتقدم الكاهن فى السن وشاخ واحتاج إلى أن يطلب من الأسقف أن يرسم له أبنه كاهناً معه – وكان قد تخرج منذ ثلاث سنوات – وفى إحدى الليالى المبهجة حضر الأب الأسقف ليبيت ليلته فى القرية وبصحبته بعض الكهنة والأراخنة ، ليقيم فى الصباح ذلك الشاب الفاضل كاهناً ، وسعدت البلدة بذلك. ومن ثّم بدأ يشترك مع أبيه فى حمل أثقال الخدمة ، وبدأ فى حملة افتقادات واسعة محاولاً أن ينهض بالكنيسة وأنشطتها.

واستمرّ يوسف فى عمله المعتاد، من صنع القربان إلى تنظيف الكنيسة وملحقاتها من مرافق مختلفة ، مع قضاء بعض أمور الكنيسة مماً يكلّفه به الأب الكاهن، ويقول الذين تردّدوا على كنائس أخرى أنهم لم يروا ، أفضل و أروع من القربان الذى يصنعة يوسف ، كان دقيقاً فى عمله، مهتماً بالعودة إلى حجرته بعد انتهاء أعماله ، ولم يزر إنساناً فى بيته ، حتى بيت الكاهن لم يدخله مطلقاً وإنما يقف على الباب يسلّم شيئاً أو ليأخذ شيئاً ، وبالتالى لم يزره أحد فى حجرته ولم تكن له دالة مع أحد.

وأمّا أكثر الناس تعقلاً، فقد رأى فيه إنساناً يؤثر العزلة والهدوء، بينما اعتبره الآخرون شخصاً يعانى من الانطواء ، فى حين حسده البعض وكرهه البعض الآخر واشتكى عليه بعض الأشرار فى القرية .

ويحكى والدى فى تأثر بالغ وحزن شديد ، كيف حاول هو نفسه ذات مرة أن يطرد يوسف من مكانه بسبب بعض التوسعّات التى كان يرغب إجرائها فى الكنيسة ، فحمل يوسف عدة كتب كانت له مع بعض حوائجه ووقف بجوار الحجرة من الخارج مسكيناً لا يدرى ماذا يصنع ، ولكن بعض المحبين توسلوا إلى الكاهن الذى قرر تأجيل تلك التعديلات إلى حيت آخر ومن ثم فقد أعاده إلى موضعه ، ولفترة كان يوسف كلما رأى والدى، ينظر إليه فى مرارة !

عندما مرض الأب الكاهن الكبير ، لزم منزله لا يخرج إلا نادراً ، واعتلت صحته وفيما أوصى أبنه ، أوصاه بيوسف ذلك القرابنى الطيب الذى رافقهما فى رحلة طويلة وأصبح مسئولا منهما بعد مرور عشرين عاما منذ وصوله إلى القرية .

وتنيح الكاهن العجوز..

واهتم الكاهن الصغير بشئون كنيسته الصغيرة ، وحاول الاهتمام أكثر بيوسف ، فكرر محاولة والده تزويجه ، فكرر بدوره الرفض مع إبداء شعوره بالامتنان ، وقام بعمل تعديلات كثيرة على مرافق الكنيسة ، وبالتالى فعرض عليه أن ينتقل إلى المبنى الملحق بالكنيسة ، فاعتذر أيضاً بلطف وحياء ، متمسكا بذلك المكان الذى بدأ فيه منذ خمسة وعشرين عاماً.

وتقدمت به الأيام وناهز الستين من العمر ، وما يزال مسئولا عن صنع القربان وإسراج القناديل فى الكنيسة وتنظيفها وترتيبها ، وكذلك الحديقة التى أصبحت بقعة جميلة تزينها الورود المتعددة الألوان وأصص الزرع المنسقة بيد فنان مرهف الحس ، مع قضاء بعض احتياجات الكنيسة وحتياجات الكاهن .

ولكنه لم يخرج من البلدة طوال تلك المدة .. حتى عندما ألّم به ألم فى كليتيه ونصحه البعض ممن يؤمّون عيادات الأطباء فى المدن بالذهاب إلى الطبيب . واكتفى بتناول بعض المشروبات المفيدة للكلى وتخطى آلامها..

ويروى لنا معلم الكنيسة ، أنه كثيراً ما كان يسمع يوسف يردد بعض الألحان الطويلة ، فيسأله متعجباً ولكن يوسف كان يرد مستخفا بنفسه ، وبأنه كان يحفظ الكثير منها لا سيما وهو حديث السن و لكنه أصبح وقد نسى أغلبها.

وفى ذات مساء فوجىء الأب الكاهن بطرق على الباب . ولما فتح الباب فوجىء بيوسف يقف فى حياء على بعد من الباب ، غير أنه كان فى صورة بهية ، لم يره عليها مطلقا من قبل خلال ثلاثين سنة مرت عليه معه ،فقد كانت ثيابه نظيفة ..و وجهه يلمع وقد دس قدميه فى حذاء جديد..

و دهش الكاهن , فهى المرة الأولى التى يأتى فيها إلى بيته دون أن يطلبه, فدعاه الى الدخول, فتردد قليلاً قبل أن يدخل فى حياء شديد , إذ كانت هذه هى المرة الأولى أيضا التى يدخل فيها داخل البيت, و جلس فى وقار أمام الكاهن الذى دعاه للجلوس .. و بعد فترة من الصمت تخللتها بضع كلمات متفرقة و تقليدية قال يوسف:

– جئت إليك الليلة فى أمر هام.

– خيرا…

– نعم, فأنت تعرف كم لى من السنين هنا و أنا معكم .

– بالطبع فأنت معنا منذ ما يزيد عن الثلاثين او الأربعين عاما.

– كيف كنت أخدم الكل بفرح و أتمم عملى بقدر ما استطيعه من أمانة محاولاً ألا أقصر فى شىء.

– نعم..و لكن ما هو الأمر ..ماذا تقصد…

– إننى أشعر بقرب رحيلى.

فقال الكاهن مداعبا:

– أنت ما تزال شبابا.. أطال الله فى حياتك ..أنت بركة لنا يا عم يوسف..

– عفواً ..بل إنى خاطىء و مسكين,ولكن لى طلب عندك  أرجو ألا تردنى عنه أو تتعجب له.

– إذا كان فى استطاعتى فلن أتردد فى تحقيقه لك.

– أود أن تسمح لى بأن أصلى القداس غداً.

و تخيل الكاهن أن يوسف يود التقدم للتناول, و لهذا يطلب إعفاءه من بعض الالتزامات , أو ربما يحتاج إلى “حلّ” , فقال له:

-طبعا و بكل سرور , يمكنك التناول غداً- محالل مبارك!

– كلا يا أبى..بل أريد أن أخدم القداس..أرفع أنا الذبيحة..

و دهش الكاهن .. وصدمته المفاجأة و ظن لأول وهلة ان الرخل قد أصابه مس من الجنون, و تمعّن فيه طويلاً,و سرح بفكره , و تذكّر بعض المواقف التى شعر فيها بغموض الرجل الجالس الآن أمامه, و بأنّ سرُّ ما يكتنف حياته, فقال:

– ماذا تقصد؟!

– أعنى ما قلت, ثم بلهجة فيها من الجديّة أكثر ممّا فيها من التوسُل:

أريد أن أكون الكاهن غداً..إنى راحل.. و لهذا أودّ أن أودّع المذبح.

و ازدادت دهشة الكاهن و همّ بأن يعيد الرجل إلى صوابه، فأنتهره بلطف, غير أن الرجل استطرد فقال:

– نعم يا أبى ..أنه السرّ الكبير الذى كنت أحتفظ به طيلة هذه السنين و أنا بينكم, و لم أبح به لوالدك.. و لم أكن أنوى الافصاح عنه لأحد , لولا أن الوقت قد حان.

و هنا شعر الكاهن بالخوف , فكلمات الرجل تنذر بمفاجأة خطيرة, و بدأ يظهر عليه القلق، فقال مضطربا:

– و ما هو السر؟

– نعم يا أبى , فأنا راهب قس و قمص.

و عقدت الدهشة لسان الكاهن, و قفز من جلسته , ووقف مشدوهاً لا يصدق و تفرس طويلا فى الرجل الذى أعاد ما قال, فى هدوء و ثقة و ثبات : كلمة كلمة…

و هنا تهاوى الكاهن فى مقعده و هو يتصبب عرقا, و طلب إليه بتوسل أن يقص عليه قصته, و ما الذى دفعه إلى هذا السلوك الغريب, و أردف طلبه بوابل من الاعتذارات عن كل ما صدر عنه مما ضايق الرجل.. فلم يخل الأمر طوال تلك السنين, من انتهار بين آن و آخر.. إلى تجاهل غير مقصود .. فان أفضل معاملة تلقاها يوسف ,هو معاملة غير قاسية لعامل طيب مخلص.

-2-

قال الرجل:

منذ ثلاثين عاما ,كنت قد ألتحقت بدير(…..) و كان لى هناك قلاية لطيفة عشت فيها ثمانى سنوات, فقد دخلت إلى هناك و سنى لا يتجاوز الرابعة و العشرين, و عشت فى سعادة غامرة, كان معى فى الدير ثلاثة من الرهبان كانوا من مدينتى و كنت أتعزى بهم .. و كان عملى  بالدير هو تصنيع الطوب الرملى و الذى كان له عندنا فى الدير , ماكينة بدائية الصنع, و كنا نستخدم الطوب فى بناء بعض القلالى و المرافق, ثم اتضح إن المبانى المقامة بمثل ذلك الطوب,غير صحيحة مطلقا, فقررنا فى الدير قطع الحجارة من الجبل لاستخدامها بدلا من الطوب.

صمت الرجل قليلا ..فراح الكاهن يحثه على مواصلة الحديث.

– كان المحجر الذى سنقطع منه الحجارة يبعد عن الدير مسافة كيلو مترين, و لم تكن إمكانيات الدير تسمح باستئجار قاطعى الأحجار, فكنت أبدأ عملى فى التاسعة صباحا لأقوم بعمل حفرة فى الأرض الحجرية على بعد متر واحد من الحافة, و من ثم أضع فى الحفرة وتدا خشبيا ضخما و نقوم بالضغط عليه قبل أن نشبعه بالماء و نتركه ليوم كامل , و حينئذ يزداد حجم الوتد فيضغط على الحجر فيحدث به شرخا طويلا فنقوم بتقطيع هذه الشريحة إلى قطع مناسبة و بعد ذلك نضعها فوق العربة الكارو.

و العربة لها قصة طريفة..

و هنا دخلت زوجة الكاهن و هى ترتجف من الخوف و فى يدها صينية الشاى و بعض الحلوى , فقد سمعت الحديث بكامله , و أشار إليها الكاهن لتجلس فجلست تستمع و ما تزال آثار دموعها على خديها..

ثم أردف الرجل..

نعم .. قلت لك أن الدير لم يكن به عمال, و كانت العربة الكارو ذو العجلتين يجرها حمار, و كنا قد مهدنا الطريق من المحجر حتى باب الدير , فبعدما أضع الحجارة فوق العربة , أوجه الحمار ناحية الدير, فيجر العربة إلى هناك حيث ينتظرها أب آخر يفرغ حمولتها ثم يفعل الشىء ذاته إذ يوجه الحمار ناحية المحجر و هكذا… و كنا نحب الحمار و نشفق عليه و نلاطفه كثيراً و نطعمه بقدر ما نستطيع , ولم نكن نعتبره مجرد حيوان أعجم بسبب أنه صار يفهمنا جيدا و نفهمه كذلك.

و كنت أعمل حتى الرابعة بعد الظهر فيما عدا يوم الأحد من كل أسبوع.

– من كان يبنى لكم إذن؟

– كان من بيننا اثنين من الرهبان ملمان بحرفة البناء, كلما رأيانى يلوماننى برفق و دعابة.

– حجارتك ليست مستوية.

فأرد معتذرا:

  • الاستقامة من عند الرب.

و كنت فى يوم الأحد من كل أسبوع , أخرج إلى البرية , و معى عصا طويلة تعيننى فى السير فوق الرمال.. و استمر فى السير حول الدير لساعتين أو ثلاثة..

و فى السنتين الأخيرتين لى هناك,كنت قد تشجعت فى أن أسير بعيدا عن الدير مدة أطول, و فى ذات يوم استأذنت أبى رئيس الدير فى أن أتغيب يوم الأثنين عن العمل وولفق لعلمه أن ذلك إنما من أجل رغبتى فى الهدوء و الخلوة , و طلب إلىّ أن أصلى عنه, و لكن أين ذهبت فى هذين اليومين؟ لقد سرت من صباح الأحد بعد القداس الإلهى , و بعدت عن الدير حوالى أربعين كيلو مترا, و عندما مالت الشمس للمغيب, و أضطررت للمبيت فى الصحراء, نمت فى ظل صخرة كبيرة بعد أن رشمت ذاتى بعلامة الصليب و رسمت دائرة حولى.

وصمت الرجل وشرد طويلا قبل ان ينتبه على صوت الكاهن وزوجته يحثانه على المواصلة … و كان الكاهن عندئذ يتخيل الرجل فى ملابسه الرهبانية !!

اردف الرجل قائلاً :

بكرت فى الصباح لاواصل سيرى ، و تلذذت بذلك ، واحسست بالغربة عن الجير واخوتى تجذبنى نحو الله و تهبنى الهدوء الذى انشده و تجعل ذلك الخط الذى يربطنى بالله سليماً غير منقطع ، فلم اعد الى الدير !! سرت هائماً على وجهى لمدة شهرين من الزمان ومن ثم و بعد صلاة طويلة ، قررت الا اعود ثانية للدير !!

– فأين ذهبت ؟ ( قال الكاهن بينما زوجته الطيبة تجلس الى جانبه خائفة )

– نزلت بكوخ احد الاعزاب الذى احتفى بى وترك لى كوخه ليسكن هو فى كوخ اخر بالقرب منه ، و عملت معه فى رعى الاغنام لمدة شهرين ، ارسلت خلالها الى ابى الروحى عن طريق البريد استأذنه فى ان اكمل حياتى على هذا النحو ، او على نحو مشابه ، وقلت له ان يرسل لى رده بأسمى العلمانى (يوسف) واعطاني الاعرابى عنواناً لاقاربه فى المدينة ، طلبت من ابى ان يرسل لى عليه و هنا قاطعه الكاهن

– ماذا كان اسمك فى الدير ؟

– توماس … كان اسمى القمص توماس.

– اكمل من فضلك …

– وصلنى خطاب ابى الروحى وكان مكتوباً فيه عبارة واحدة : (تشدد و تشجع و الرب معك) وكاد قلبى يطير من الفرح و احسست بلذة الحرية ، و اتساع الافق امامى وكأن ابواب غنى مجد الله قد انغتحت و لم يعد هناك من مانع لكى أخذ و أعترف .

واشتهيت ان اتناول من الاسرار المقدسة ، و سألت ذلك الاعرابى عن اقرب كنيسة فأشار إلى كنيسة هذه البلدة ، حيث تبلغ المسافة من الكوخ اليها حوالى خمسة عشر كيلو متراً ، فجئت الى هذه القرية وبالطبع فقد كانت ملابسى عادية و قد لبست طاقية مثل التى البسها الآن فلم يكن هناك فارق بينى و بين اى رجل اخر سوى هذه اللحية وهى صغيرة جداً كما ترون .

وفى يوم من الايام التى جئت فيها لاتناول تأخر القداس فى البداية طويلاً ، وعرفت – بطريقة عابرة – ان السبب فى ذلك يرجع الى تأخر عمل القربان ، فقد ترك القيم البلدة غاضباً و ليس من يحل محله و بنفس كفاءته .

وهنا هز الكاهن رأسه وتمتم ببعض كلمات مؤمناً بكلام الرجل .

و توجهت لفورى إلى والدك نيح الله نفسه ، وعرضت عليه القيام بتلك المهمة ، و سألنى هل تعرف فقلت له نعم فقد كنت اصنعه فى قريتى ، و يمكنك ان تجربنى و تختبر صدق قولى غداً فوافق لا سيما وأنه لم يكن هناك من بديل و قتها ، ففرح حينئذ ووافق ، و قمت بصنع القربان ليومين متتاليين ، سر به الاب أيما سرور ، وطلب الى ان احيا معهم وأعطانى هذه الحجرة بعينها ، ومن ساعتها عشت على هذا النحو ولم اكشف سرى لاى شخص حتى هذا اليوم …

الموكب

ما ان انتهى الرجل من كلامه ، حتى وقف الكاهن و صافحه كما يتصافح الكهنة ،

طلب الحل منه ثم دخل إلى الداخل ليعود سريعاً وهو يحمل ثياباً كهنوتية ليسلمها للرجل و لكن الرجل قال انه يحتفظ بملابسه  الكهنوتية و الرهبانية …إنها ماتزال معه فى صندوق يضعه فى حجرته ، فقال الكاهن .

– انزل الآن يا أبى إلى حجرتك ودعنى أنا الليلة اصنع لك القربان ، اسمح لى مرة واحدة نتبادل الادوار .

– أبداً إن هذا لن يكون مطلقاً ..فإنى اتمم عملى حتى النهاية …

– إذن قل لى انك حاللتنى يا أبى توماس و سامحتنى .

– من اجل ماذا ؟

– فلربما قد أسأت إليك عفواً او عمداً .

– لم يحدث شىء من هذا ، فقد كنتم لطفاء معى ، وإن كنتم قد أسأتم إالى عفواً فلا يحسب عليكم ، وإن عمداً فلكم العذر لانكم لم تعرفوننى ، كما إنى أنا الذى اخترت هذا المسلك .

وهذا قال الكاهن كمن يصدر أمراً و يقر قراراً :

– تصلى قدسك غداً ، و سأقوم أنا بالترتيب اللازم ..والآن تفضل إلى حجرتك ما دمت مصراً على صنع القربان حتى فى هذه الليلة النادرة و الحاسمة .

+++

كانت الساعة عند ذلك قد تجاوزت السادسة مساءاً حين خرج الكاهن يطوف بيوت تلك القرية وهو يلهث و تتلاحق أنفاسه ..تعالوا .. انظروا تلك الاعجوبة ..

يا من هنا ويا من هناك .. اسمعوا و تعجبوا و تحيروا كما يحلو لكم ، كيف أن صانع القربان هو راهب كاهن .

يوسف راهب .. يوسف كاهن ..هيا يا من ازديتم به و يامن اهنتموه ، هيا نالوا الصفح منه .. وإلتمسوا صلاته .

و تقاطر الناس على الكاهن ، يتسألون فى دهشة بالغة .. و الكاهن يروى القصة .. ويعود فيرويها بتفاصيل اكثر ، و وصرخت بعض النسوة و بكت أخريات ، كان مشهداً مؤثراً ..و عرف الجميع انه سيصلى قداس الغد لم تنم القرية فى تلك الليلة ، فقد راح الرجال يستعيدون كل ما كان قد دار بينهم و بين يوسف ففرح كل من كان قد احسن إليه و احبه ولاطفه ، بينما ندم كل من أساء اليه أو حتى احتقره فيما بينه و بين نفسه ، كذلك فقد راح الرجال يسترجعون كلماته و تعليقاته ..

أسرع بعضهم إلى الكنيسة فى تلك الليلة ليروا يوسف و لكنه كان قد انتهى من صنع القربان و أغلق حجرته و لو يفتحها و لم يستجب للطرق على الباب ، فقد كان يعرف أنهم إنما سيحضرون ليستطلعوا الآمر منه ، و يمطرونه بوابل من الآسئلة حول قصته .

و اجتمع كثير من النساء ، كل جماعة منهن فى منزل إحداهن ، يتسامرن و يتهامسن و يروون قصصاً كثيراً من نسج خيالهن عن يوسف و عما سوف يحدث فى الغد ..إلخ .

فى الصباح الباكر قام الاب توماس بخبز القربان وادخله الى الكنيسة قبل وصوصل مرتل الكنيسة (المعلم) وطلائع الشعب ، وكان مرتدياً الملابس السوداء ، وعلى رأسه طاقية سوداء تحتها الشريط الذى كان يلبسه الرهبان حتى الستينات ، وهكذا بدا فى هيئة مختلفة .

و حضر المعلم .. و بدأ فى ترديد بعض مقاطع من نهاية التسبحة اليومية و بعد ذلك جلس فى ركن ( الدكة ) يتمتم بعض صلوات …ثم قال – عل أحد الموجودين يرد عليه – ألم يحضر الآب بعد .

ورد صوت من داخل الهيكل ، سنبدأ الان يا معلم ، فتعجب المعلم لان الصوت القادم ليس صوت الكاهن الذى يعرفه ، وإنما هو صوت غريب ، وتخيل لاول وهلة ، انه واحد من الاباء الكهنة الذين يدعوهم للصلاة بدلاً منه حين يضطر هو للسفر ..او بسبب مرض يلم به ، غير ان الصوت لم يكن غريباً تماماً ..فأطرق بسمعه – ثم قال:

– من ؟!! من قدسك ؟!

– أنا يا معلم .

فهتف المعلم :

– يوسف ..عمو يوسف ..أهلاً .. وأجاب يوسف :

– لا يا معلم بل أنا الكاهن الذى سيصلى ، فصمت المعلم قليلاً ثم قال :

– ماذا تقصد .. ماذا تعنى  ؟!

– أعنى ما قلت ..هيا لنبدأ!

وهمّ المعلم أن يصرخ محتجاً ، وهنا دخل الكاهن وأخذ المعلم بلطف من يده و همس فى أذنه : إصمت .. إنه راهب .. إنه كاهن .. فصرخ المعلم بصوت مكتوم و بطريقته اللطيفة:

وىّ!

(كان المعلم قد نام فى بيته مبكراً و كان يحيا فى منزله وحيداً بعد وفاة زوجته و سفر إبنيه إلى المدينة ، وبالتالى فلم يعرق ما حدث بالامس). وخرج على الفور ، وراح يتمتم ببعض كلمات ليعود بعدها ، فيجد الأب توماس قد بدأ فى رفع بخور باكر . كان صوته جميلاً رخيماً معزياً ملائكياً، وقد صلى النصف الأول من القداس للقديس غريغوريوس أما النصف الثانى فقد صلاه للقديس باسيليوس ( نصفه غريغورى والآخر باسيلى) ورتل الشمامسة خلفه الأسبسمس الآدام والواطس، وبعد إنتهاء القداس تقدم جميع الشعب للتناول وكانوا حوالى ثلاثمائة فرد، وهو العدد الذى نادراً ما يلتئم فى القداس الإلهى، فى تلك القرية الصغيرة.

+++

وبعد القداس :

وقف فى وقار وريث وأناة يوزع لقمة البركة (الألوجية) وتقاطر الناس عليه يطلبون صلواته ويستفسرون منه، والبعض يطلب السماح والحل لما قد يكون ضايقه منهم و راحت الأمهات يرفعون أصواتهن يطلبن البركة و البعض رفعن أطفالهن وقدمنهم إليه ليباركهم فكان يرشم جباههم بإشارة الصليب، أمطروه بأسئلة كثيرة جداً، غير أنه لم يجب، ولم يفتح فاه بل كان ينظر إلى الجميع فى شفقة وحب.

وفى بعض أركان الكنيسة وقف البعض ينظر إليه باكياً، فلما أنتهى هو من توزيع البركة، وكان كاهن الكنيسة برفقته دخل معه إلى الهيكل ثم جذب الأب توماس ستر الهيكل ليفصل بين الكنيسة والهيكل ، وبعد قليل حرج برفقة الكاهن، واستأذن الناس الذين كانوا مايزلون فى الكنيسة، فى أن يمضى إلى حجرته ليسترح قليلاً، وبعد ساعتين تنيح فى حجرته .

+   +   +

واليوم لا يتذكر أهل البلدة أين دفن هذا الأب و أين قبره، البعض يقول أن جسده لايزال تحت أرض تلك الحجرة التى كان يعيش فيها، والبعض الآخر يقولون : لا، بل دفن قى الكنيسة مع بقية أجساد الآباء الكهنة الذين دفنوا هناك. هذه الواقعة حقيقية جرت أحداثها فى النصف الأول من هذا القرن.

فكرة

child

بعد أن قضى ساعات هائما شاردا، تقدم بخطوات بطيئة الى أبيه ثم قال فى توسل:

– بابا !

قال أبوه وهو لا يزال يدفن رأسه فى الجريدة :

– نعم حبيبى!

فشد الطفل الذى لم يتجاوز السادسة – الجريدة من يد أبيه وألقاها جانبا , فأخذه أبوه بين ذراعيه وطبع قبلة حانية على جبهته ثم كرر قائلا:

– نعم حبيبى!

– أريد أن أكون راهبا.

أجاب الاب بغير أكتراث:

– عندما تكبر يمكنك ذلك.

– انا كبير.

– عندما تكبر أكثر، وتصبح طبيبا أو مهندسا، يمكنك عندئذ أن تكون راهبا.

– أكبر هناك.

– كل الرهبان كبروا هنا أولا، ثم ذهبوا الى الدير.

ضرب قدمه فى الارض فى عناد قائلا:

– (ماليش دعوة)

وشعر الأب بإبنه جاداً في رغبته فقال :

  • ألا تحب أن تكون مهندساً ؟
  • أحب أن أكون راهباً.
  • هل رأيت الأب تكلا ونحن في الدير اليوم ؟

هز رأسه إلى أسفل بالإيجاب.

  • كان طبيباً.
  • ولكنه يصنع الخبز في الدير..أعطى كلينا أنا ومايكل خبزتين.
  • في الدير لا يقبلون الصغار.
  • لماذا ؟

تمتمت الأم الجالسة عن بعد، في سرور وراحت تتابع باهتمام صامتة ، وإستطرد الأب قائلاً:

  • في الدير سوف يقصون لك شعرك.
  • سوف أغطي رأسي .. كلهم مغطون رؤوسهم.
  • وفي الدير لن تستطيع أن تلبس البنطلونات الشورت، والقمصان الملونة ، والأحذية الكوتشي التي تحبها.
  • سألبس مثلما يلبسون.
  • ماما لن تكون معك.

وثبتت الأم وجهها على طفلها لترى رد فعله وتسمع جوابه .. إنه وحيدها وفلذة كبدها .. واختار رداً عفوياً ولكنه دبلوماسياً فقال:

  • ستأتي لزيارتي معك.
  • وأصدقاءك الذين يطلبونك كثيراً في التليفون وتقابلهم في المدرسة والكنيسة لن يكونوا معك.
  • سأصادق الرهبان.
  • لا شوكولاته هناك ولا جاتوه .. فول ، عدس ، خبز يابس.

فهز كتفيه في غير مبالاة واستطرد الأب :

  • كما أنه لا يوجد هناك لحوم ..

فأجاب بأسى :

  • ولا دجاج ؟!

وفرح الأب الذي كان قد تصبب عرقاً .. وظن أنه قد وجد العقبة الكؤود لإرغامه على الهزيمة وإنهاء الحديث فقال:

  • طبعاً لا دجاج هناك .. ولا أرانب وأنت تحب الدجاج (قالها في إغراء) أليس كذلك ؟ وجاءت إجابة الطفل كالصفعة فقال :
  • لا أحب الدجاج .أحب أن أكون راهباً.

وعاد الأب ليواصل الكفاح ..

  • هل يضربك المدرس في المدرسة ؟

فهز رأسه نفياً.

  • هل يخطف منك أحد ساندويتشاتك ؟
  • لا.
  • هل نُضايقك انا وأمك ؟

وقبل أن يجيب نادت عليه الأم فلم يستجب ، أغرته بأنها تحفظ له هدية اشترتها له ، فضرب الأرض بقدمه ، ثم وهو يهمّ بالبكاء :

  • أريد أن أكون راهباً.

وهمس الأب ناحية الأم :

  • من يدري !

ثم استطرد ناحية طفله قائلاً :

  • سوف أخذك مرة أخرى إلى الدير ونستأذن الأب الكبير هناك.

فرد في سرعة وعيناه تلمعان ببريق النصر :

  • وافق ، قلت له ووافق ..
  • ولكنه لم يقل لي.
  • قال سنسميك أبانوب .. وأعطاني صورة .. أنا أحب أبانوب.

وقامت الأم في هدوء وأخذته لتذهب به إلى حجرته، ولكن جسده الصغير تقلّص بين ذراعيها، وبحركة عصبية تخلّص منها، وقفز ثانية إلى جوار أبيه وفي مواجهتها، ولما لم يجد الأب مناص من المواصلة استطرد مكملاً :

  • ألا تخاف من الجلوس وحدك في الدير؟

ضرب بقبضته الصغيرة على ركبة والده وهو يقول في عناد .

  • لا.
  • حسنا، ماذا تحب أن نحضر لك عندما نأتي أنا وأمك لزيارتك ؟

فرفع عينيه نحو سقف الحجرة .. وفكر قليلاً ومازال أصبعه على شفته السفلى ثم قال :

  • لا شيء.

واستدارت الأم الناحية الأخرى لتمسح قطرات من الدمع طفرت من عينيها .. ثم وكأنما لم تعد تحتمل المزيد قالت له :

  • هل تأتي معي غداً ؟ إني ذاهبة إلى هناك .

فتهلل وجهه الصغير فزاد بذلك ملائكية، ووجدت بذلك السبيل لحمله إلى فراشه قائلة:

  • إذاً عليك أن تستريح الأن لنبكر في الصباح .

وما لبث أن غط في نوم عميق ، وأحلام الطفولة السعيدة تضفي على وجهه سيماء البراءة .

وفي الغدّ كان يتشاجر شجاره الطفولي المعتاد مع أمه حول ما سيحمله معه من سندويتشات إلى المدرسة!

واليوم .. هو طبيب متزوج وله ثلاثة أطفال ويعمل في بلد إفريقي أظن أنها الكاميرون!

الراهبة فى معسكر النازى

2015 - 1

مقـدمـة:

انتبه الشيطان فى بداية القرن الرابع، إلى أمر في غاية الخطورة، فقد فوجيء بانه تسبب فى (تصدير) مئات الالاف من الشهداء، إلى السماء، وذلك كنتيجة للأضطهاد الذى أثاره على الكنيسة، عبر ثلاث قرون!، وهى النتيجة التى جاءت عكسية، لما كان يأمله من الاضطهاد، وهو إجهاض المسيحية، والقضاء عليها فى مهدها .

ومن ثم فقد قام بإيقاف الإضطهاد!!، حين صدر مرسوم التسامح الدينى من قبل الملك قسطنطين فى سنة 313م، ومن هنا بدأت الكنيسة فى المعاناة من الشقاقات التى دبت بين أبناء الكنيسة الواحدة، فظهرت البدع والهرطقات وأطل آريوس وغيره برؤوسهم من الجحور! .

كانت الكنيسة أقوى ما كانت، عندما كانت دماء الشهداء ترويها، فقد كان كل رجل  أو إمرأة تقبل على الاستشهاد، يترك رسالة هامة ذات طابع إسخاطى (أخروى) للمجتمع الذى كان الششهيد يحيا فيه .

وتكرر نفس ما حدث فى القرن الرابع، ولكن فى روسيا وفى بدايات هذا القرن العشرين، حين أثار الشيوعيون على المسيحين إضطهاداً عنيفاً، فأفرخت الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، عدداً هائلاً من الشهداء، لكل منهم قصة إستشهاد، غاية فى التأثير والقوة من ناحية، والغرابة والعجب من ناحية أخرى، فقد كانوا يسخرون من الموت ويستهزءون بمضطهديهم، حتى الأطفال، أعطاهم الروح القدس ،  الشجاعة والقوة لإستعذاب الألم وتحدىالموت .

هذه قصة إستشهاد رائعة، لأم راهبة، تشرفت بنوال بركة الإستشهاد فى إحدى معسكرات الإعتقال بفرنسا فى عام 1945م .

نشأتها:

ولدت أليزابيث (هذا هو إسمها قبل الرهبنة) فى ديسمبر 1891م، من اسرة تمتلك  مساحات كبيرة من الحقول والمزارع، فى وقت كان فيه عامة الشعب يرزحون تحت ثقل الفقر، ويعانون من البؤس والشقاء، محرومين من ضروريات الحياة، فقد كان أولئك الفلاحين  يعملون فى مزارع الأغنياء، وكان الأخيرون يعاملونهم معاملة فيها كثير من الإزدراء والتحقير، فيهبونهم أقل الطعام واللباس فى حين أسكنوهم فى أكواخ حقيرة، إضافة إلى إرهاقهم بما لا طاقة لهم به فى العمل، وعنج أقل خطأ كان ينتظرهم عقاب قاسى .

فى ظل هذه الظروف السيئة من قهر وجوع وبرد لقى عشرات الألوف الموت فى كل عام ، بينما الأغنياء يحيون بطريقة مبالغ فيها(1) ، أثارت حقد عامة الشعب، فأحسوا بالقهر والقسر،  مما دفع الكثير منهم إلى التفكير الدائب فى الثورة، للإحاطة بالقيصر وحاشيته، فى حين عمل البوليس السرى من جهته على مطاردتهم وقتل المئات منهم ونفى عشراتالألوف إلى سيبريا

وأما اليزابيث، والتى كانت قد تربت تربية مسيحية فى الكنيسة الروسية الأرثوذكسية،  وبالرغم من ثراء عائلتها، فقد كانت متعاطفة مع الفقراء الذين حولها، وحاولت أن يكون لها دور بناء وإيجابى، بما يتناسب مع طبيعتها وإمكانياتها، مثل العطف عليهم، بأن تهبهم بعضاً من طعامها وملابسها، وكانت برقتها تشيع الأمل والرجاء فيمن حولها .

إن مجرد الرغبة فى عمل المحبة، امر يسر قلب الله، حتى القليل الذى نقدمه، يستسمنه الله ، شريطة أن يكون قد م بفرح. وقدم من الأعواز، لا من البقايا .

تلقت أليزابيث تعليمها الأساسي في منزلها، شانها في ذلك شأن الأغنياء في زمانها، الذين كانوا يجلبون المدرسين إلى منازلهم لتعليمهم، وفى سن الثامنة عشر إتجهت إلى جامعة القديس بيتر سبرج Petersburg، حيث تقابلت هناك مع بعض الطلبة الذين يخططون للثورة.

الثورة الإشتراكية :

ربما تكون أليزابيث قد ساورها الفكر فى الإنضمام إليهم، غير أنها فكرت بطريقة عملية،  تناسب طبيعتها فقد اتجهت إلى تعليم الأميين من الفقراء وذلك فى فصول مسائية، حيث لجأ إليها الفقراء والفلاحون ىنذاك فى بعض المصانع خارج المدينة .

كذلك فقد قامت أليزابيث بنظم بعض القصائد الشعرية، تطمئن بها الفقراء والمتألمين  من شعبها، وقد أتاح لها تعرفها ببعض كتاب وشعراء عصرها، بتنمية هذه الموهبة فصدر لها كتابان.

فى سنة 1917 م قام الفلاحون والعمال الروسيون ، بقيادة لينين وتروسكاي lenin and trotsky ، بالإنقلاب الذي أطاح بالقيصر وحُكم القياصرة في البلاد، ومن ثم بدأت الثورة الإشتراكية الشهيرة، وفي البداية شعر الناس كرد فعل أولّي للثورة – بالحرية، ولكن قليلاً قليلاً اكتشف الجميع أن الوضع مازال كما كان من قبل، من حيث الفقر والعري والقحط والقهر، مما دل علي وجود خطأ ما! فقد استُبدل الحكام المستبدون بآخرين أكثر استبداداً، ومن ثم.

1-كان القيصر مثلاً ، فى شم النسيم يهدى أولاده البيض المصنوع من الذهب والمرصع بالأحجار الكريمة ، والمحشو باللعب الفضية الصغيرة ، وكانت الأسرة المالكة تسكن فى أعظم خمس قصور فى روسيا ، حيث يحتوى كل قصر منها على أكثر من ألف غرفة .

فقد مات الآلاف من الجوع، وقبض علي عشرات الألوف، وكان مصيرهم القتل والنفي.

هذه هي الظروف التي ولدت فيها الأم ماريا (أليزابيث) وعاشت فيها سني شبابها، ويبدوأنها أحست أكثر بتفاهة العالم وأنه لا شيء ثابت فيه ولا أحد، ولكن الحقيقة الواحدة الوحيدة الثابتة وغير القابلة للتغيّر أو التطور، هي الله (الحق = الحقيقة) ولذلك فقد آثرت أن تربط مصيرها به لتضمن أبديتها وسعادتها.

رهبنتها :

تركت أليزابيث روسيا, واتجهت إلي باريس حيث تعرفت في الكنيسة هناك، إلي بعض الفتيات اللائي عزفن عن الزواج وآثرن البتولية، ومن ثم فقد قامت أليزابيث بالاشتراك معهن، في تأسيس جماعة رهبانية صغيرة أسمينها “Religious order” (الرهبنة الأخوية) حيث عشن حياة بسيطة، وعملن علي كسب قوتهم من العمل اليدوي، علي أن يقضين بقية الوقت في  الصلاة والتأمل، وأن يقمن بمساعدة الآخرين، وذلك بقدر ما تسمح به طبيعتهن وإمكانياتهن، وبحسب التقليد السائد فقد أستبدل اسمها إلي الراهبة ماريا “Mother Maria” كان ذلك في سنة 1932م (1) .

ومنذ ذلك الحين، وقد انحصر اهتمامها في محبة الفقراء، فكات تتردد علي أماكن سكناهم في باريس فعملت علي عيادة مرضاهم، وإعانة المحتاجين، بقدر ما تسمح به ذات يدها، من ثم صارت الشخصية الخادمة الباذلة في صمت وحب وفرح، الفلاحين الفقراء عبروا عن ذلك كثيراً بقولهم (أننا أبداً لن ننساها).

أما عن حياتها الشخصية، فقد اكتفت بالثياب السوداء الرثة، وحول رأسها إرتدت الشال البسيط حسب عادتهن، وكانت تلبس حذاء من النوع الرجالي، المتهرئ، ولكنها كانت سعيدة بحياتها، يمتلئ قلبها بالشكر والرضي.

ولم  يكن لديها الكثير لتقدمه للفقراء، ولكنها أعطتهم محبتها ولطفها وكلماتها الرقيقة المشجعة، وعندما تيسرت لها بعض الأموال القليلة من بعض الغيورين، قامت علي الفور بإنشاء مستشفي صغير لتعول فيه المرضي والأيتام، يساعدها في ذلك بعض الأمهات الأخريات، وبالرغم من التعب والمجهود المضني الذي كانت تبذله، كانت سعيدة بأن ترسم البهجة علي وجوه الآخرين، هي عبرت عن ذلك

بقولها (فرحتي وقمة سعادتي هي راحة وسعادة الآخرين)(2).

حب بلا حدود :

عندما سقطت فرنسا في يد النازيين بعد نشوب الحرب العالمية الثانية سنة 1940م، تعرض اليهود الذين فيها للإضطهاد العنيف، وتهدّدهم خطر الفناء الشامل، ومن ثم رأت الأم ماريا في ذلك فرصة لمساعدتهم بشتي الطرق المتاحة. فإن المحبة المسيحية لا تعرف حدوداً ولا تفرق بين شخص وآخر، فالمحتاج والمريض هو إنسان وحسب، بغض النظر عن جنسيته ومعتقده، إنه رمز البشرية المعذبة المحتاجة.

(1) بالطبع لم تلحق أليزابيث بأحد أديرة الكاثوليك ولكنها عاشت مع بعض الفتيات الأرثوذكسيات حياة رهبانية داخل إطار خاص بهن.

(2) هناك نوعان من الرهبنة، إحداها الرهبنة العابدة، والتي يلتزم فيها الراهب قلايته حيث يتحدد دوره تجاه العالم، في الصلاة لأجله، والثانية الرهبنة الخادمة وهي التي يضطلع فيها الراهب بالقيام ببعض الأعمال التطوعية مثل التدريس وخدمة المرضي ورعاية المحتاجين، ويغلب هذا الاتجاه علي معظم رهبنات الغرب.

فالله يعطي الكل بسخاء، فإنه يشرق شمسه علي الأشرار والصالحين ويمطر علي الأبرار والظالمين (مت 5: 45)، حتي أولئك الذين ينكرون وجوده، فعطية الله قائمة علي أساس تحننه لا علي أساس تحننه لا علي أساس احتياج الإنسان أو إستحقاقه أو طلبه !!!.

اضطهاد اليهود :

اعتقد هتلر ومعه القادة النازيين Hetler and Nazins، أن الشعب الألماني هو شعب متميز وسيد لكل الشعوب، فقالوا أنهم مخلوقون لحكم العالم لآلاف السنين، وأنهم سيدمرون أولاً كل من يقف في طريقهم ثم يحكمون مثل الآلهة، ومن ثم اعتبروا أن بقية الناس من الأجناس الأخري، يجب أن يكونوا عبيداً لهم، بل اعتبروهم جماعة من الفئران، ويتضمن هذا كل المعوقين جسدياً وذهنياً، والمجانين ذوي الأمراض المستعصية، وأكثر من كل هؤلاء وأولئك اليهود، كأنهم أعداء العالم، فبنوا  لهم المعتقلات في كل أنحاء أوربا، وطاردوهم في كل مكان وزجوا بهم في السجون وحظائر المواشي دون طعام أو ماء، وفي النهاية كانوا يساقون إلي الموت بطرق وحشية، رغبة منهم في إفناء اليهود من العالم، أطلقوا علي هذه السياسة (الحل النهائي لمشكلة اليهود). إن بشاعة المعتقلات كانت أشبه بالأساطير، من فرط ما كان يجري فيها من ممارسات يأباها الدين والعقل، فقد مات ملايين من الأطفال والنساء المسجونين، بسبب الجوع والبرد والتعذيب البشع عن طريق الجلد أو التعرض للتمزق بين أنياب الكلاب البوليسية المتوحشة والمدربة علي القتل، آخرون ماتوا شنقاً وآخرون ماتوا رمياً بالرصاص، وبالغاز السام في عنابر الموت فالنهاية واحدة لكل الجثث وهي الحرق في أفران كبيرة مجهزة لذلك. حوالي ستة ملايين ماتوا في تلك الأفران، وملايين آخرين من جنسيات أخري، قتلوا لمجرد الاشتباه في ذلك ! أو لمخالفتهم لأوامر الفوهرر هتلر. القبض علي الأم ماريا : هذه هي الظروف التي دفعت الأم ماريا، بأن تغامر بمساعدة اليهود المساكين، فحين أعلنت السلطات النازية مطاردة اليهود في باريس، قررت أن تجعل من المستشفي الصغير الذي أنشأته، ملجأ لأولئك المطاردين، وحاولت أن تجعل هذا العمل في غاية السرية، ولكن عدو الخير أهاج عليهم المضطهدين، ففي ظل التضييق الشديد للسلطات النازية، والنشاط غير العادي للمخابرات الألمانية، فيما يسمي بفريق الجستابو المخيف The dreaded Gestapo، تعرضت للخطر. فإنكشف أمر المخبأ (المستشفي) الذي إلتجأ إليه أعداد غفيرة من اليهود البائسين، فتم القبض علي كل من فيه وعلي رأسهم الأم ماريا، حيث أرسلت فوراً إلي معسكر الإعتقال المسمي رافنز براك- Ravens bruck، وذلك دون محاكمة، وبالتالي فقد حرمت من الحق الشرعي في التعبير عن الرأي والدفاع عن النفس (1)، وكان ذلك المعسكر من أسوأ المتعقلات الموجودة في ذلك الوقت.

الدولة التي يهان فيها الحق، مآلها إلي الفشل والتخلف (المترجم).

الحياة في معسكر رافنز براك Ravensbruck .

الإحساس العام الذي ينتاب كل من يدخل هذا المعسكر، هو الموت الرابض في أركانه وأروقته، ويتربص بنزلائه، بحيث يبقى المرء – بحد أقصي شهرين أو ثلاثة فقط- علي قيد الحياة في المعسكر. كان المعسكر محاطاً بسياج مزدوج من السلك الشائك، تقوم علي حراسته كلاب بوليسية وحشية مدربة علي القتل، وبين مئة متر وأخري أقيم برج للحراسة والمراقبة، محاط بمدافع ورشاشات، لكي يصبح حتي مجرد التفكير في الهرب أمر مستبعد بل مستحيل.

أما طعام النزلاء فقد كان قليل من الشوربة (المائعة) مع كسرة صغيرة من الخبز (في الغالب كانت عفنة) وفي مقابل ذلك كان يُلزم المعتقلين بالعمل لساعات طويلة فى المناجم المظلمة, منذ الصباح الباكر و حتى مغيب الشمس, و مع استمرار  هذا المجهود لعدة اسابيع, كان اكثرهم يسقطون موتى بسبب الإعياء الشديد. والبعض الآخر كان يعمل فى قطع الأشجار من الغابات, ليمدوا حراسهم بوقود التدفئة!!

غير أن أصعب الأعمال و أبشعها هى حفر خنادق كبيرة فى الجبال بعمق واتساع كبيرين, حتى إذا إنتهوا من حفرها, يتم تكديسها بآلاف من المعتقلين الآخرين, دون تفريق فى ذلك بين أطفال رضع فى أحضان أمهاتهم أو شيوخ, حيث يجبرونهم على القفز داخل الخندق, ليقوم فريق آخر من المعتقلين المساكين بردم الخندق عليهم ليموتوا أحياء(1) وكان إختيار المحكوم عليهم يتم بطريقة عشوائية.

وهكذا كان الحال بالنسبة للذين حكم هليهم بالموت خنقاً بالغاز السام، ففي الصباح ينادى الحراس على بعض الأسماء، ويوهمونهم بانهم ماضون إلى الحمام للإغتسال (حيث يظن المعتقلون البؤساء أنه نوع من الترفيه أو التخفيف بسبب حرمانهم من الإستحمام لشهور طويلة) ولكنهم كانوا يروعون عندما يكتشفون بأن تلك الحمامات، ما هى إلا غرف إعدام بالغاز السام، فعندما تمتلئ الحجرة (العنبر) عن آخرها، يتم إغلاقها بإحكام ومن ثم يطلقون فيها ذلك الغاز الرهيب فيلقون حتفهم فى دقائق معدودات. وبعد ذلك تحرق الجثث في افران كبيرة، وبسبب إستمرار إحراق الجثث كانت هناك غمامة كثيفة سوداء تغطي سماء المعسكر.

هذا هو المكان الذى أرسلت إليه الأم ماريا.

  شهادتها للمسيح داخل معسكر الإعتقال:

عملت الأم ماريا مع المعتقلين, وعانت معهم وحاولت التخفيف عنهم, ولتعطيهم مثالاً صادقاً فى الصبر على الضيقات فى شكر, محاولة بث روح الرجاء فيهم, وجذب انظارهم إلى الأبدية.

كانت لديها القدرة على أن تحيا فى فرح, وتشيع جواً من البهجة عى المعتقل, حتى الحراس العتاة الذين خلت قلوبهم من أى شفقة, أحبتهم وصادقتهم, كما أحبت اليهود و صادقتهم حتى قادتها محبتها لهم إلى ذلك

المكان الموحش فى إنظار الموت, ومن ناحيتهم فإن الحراس أنفسهم أحبوها وأجلوها رغم

(1) فى أغلب الأحوال كان المتعلقون الذين يقومون بردم الخندق يؤمرون بحفر غيره ومن ثم يلقون ذات المصير، مما كان يشكل عبئاً نفسياً لا طاقة لأحد بإحتماله،المترجم.

وحشيتهم, بقدر استطاعتهم كانوا يحاولون مساعدتها, فقد كانوا يعطونها نصيباً أوفر من الطعام, بالرغم من مخالفة ذلك للوائح وقتئذ, وهي بدورها كانت تقاسم المعتقلين في ذلك الطعام, كذلك فقد عاونها الحراس إلى حدود ما, فى الإختلاء  للصلاة بمفردها.

وعن محبتها للحراس تقول الأم ماريا (يسوع المسيح أحبنى بلا حدود فمات من أجلى, أفما يليق بي أن أعيش له).

أما الحراس أنفسهم فقد عبروا عن تأثرهم بها فى قول أحدهم (كانت معروفة لنا بالأم الراهبة الروسية الرائعة, ولم نكن نريد لها أن تموت, إن موتها كان خطأ منا, نحن آسفون عليه).

مرت سنوات والأم ماريا, تزداد روحها ابتهاجاً, فى حين يعجز جسدها الهزيل ويذبل أكثر, حتى صارت أشبه بهيكل عظمى تستره ملابس بالية, ويوخزه الكثير من القروح, في الوقت الذي كانت أسنانها آخذة في التساقط, إذا لم يكن لها حذاء يقيها من البرد, فقد لفت قدميها قى قطعتين من الخيش.

أحد المعتقلون الذين نجوا من الموت, يقول عنها (كانت قديسة, الجلوس معها كان عبارة عن جلوس مع الرب يسوع, هذا ما يجب على كل مسيحى أن يعمله).

هناك ثلاثة دوافع رئيسية, توفرت فى كل شخص مقدم على الاستشهاد, وبدون أحدها, لم يكن أحد ليستطيع الإقدام بفرح وشجاعة وسلام على الموت فى شتى صوره وما يرافقه من آلام رهيبة تفوق الوصف والاحتمال في اكثر الأحوال:

1- ألا يكون مغلوباً من شهوة ما.

2-ألا يكون مرتبطاً بأحد ما أو شئ ما (أكثر من الله أو بدلاً من الله).

3-أن تكون عينه مفتوحة على الأبدية (مترقباً لها).

وهذا يفسر لنا فى بساطة كيف أقدمت الأم ماريا على الإستشهاد على النحو الذى سنورده.

فقد حدث ذات صباح, وبينما كان بعض النسوة والفتيات يتهيأن ذلك الحمام الرهيب, حمام الموت, الذى كان يبدو من الخارج مثل الحمامات العامة, حتى لا يشعر المساقون إلى حتفهم فيه, بالحظ فتحدث منهم بلبلة ويتعطل عمل الحراس!

في ذلك الصباح سرت إشاعة سريعة بين المعتقلات بأن هناك خطر ما ينتظرهن..فى ذلك الحمام المزعوم, ومن ثم فقد أخذت صبية صغيرة فى الصراخ والتشنج, ثم البكاء الهيستيرى, مما كان يهدد بإشاعة جو من الفوضى وإفزاع بقية السجينات اللائى كن فى العادة يدخلن فى هدوء إلى حمام الموت, حيث يفاجئن فقط هناك بشبح الموت عقب إغلاق الأبواب وبدء تسرب الغاز السام.

ولكن إثنين من الحراس إنقضا كالوحوش الكاسرة نحوها, إلا أن الأم ماريا, كانت أسرع حين قامت بإحتضان الصبية وبدأت فى تهدئتها وملاطفتها.

غير أن العمل على تهدئة السجينة (لا سيما إذا كانت حديثة السن) مقبلة على عقوبة إضافية, أو إعدام, لهو أمر غاية فى الصعبة, وإن كانت مثل هذه المحاولات تحدث دائماً, ولكن المفاجأة الرائعة وغير المتوقعة, هى تلك التى أعلنتها الأم ماريا للصبية: (لا تخافى..أنا سآتى إلى الداخل معك..), قالتها بصوت يشبه خرير المياه الكثيرة, مجسدة بها حب الفادى للبشر مستعدة بها لبذل حياتها..

استشهادها:

وبالفعل, فقد دخلت معها إلى ذلك الحمام, وهناك إحتضنتها بقوة, وعندما أغلق الحراس الأبواب بإحكام من الخارج وبدأ الغاز السام فى التسرب كانتا قد صارتا جسداً واحداً, واستشهدتا معاً والحراس الذين أغلقوا الأبواب شهدوا كيف كان يكسو وجهها بهجة وسعادة غامرة وهى فى مواجهة الموت.

البعض قالوا أنها ماتت بدلاً من تلك الفتاة, وهو أمر كان مسموحاً به فى أغلب المعسكرات النازية, ولا سيما إذا  كان المطلوب هو التخلص من عدد معين من المعتقلين, بغض النظر عن الشخصيات(2), ولكن سواء كانت ماتت عنها, أو ماتت معها, فالأمر سيان, فالمهم أن حياتها لم تكن ثمينة عندها وأنها قدمت حياتها وقابلت الموت بفرح وشجاعة.

ولم تمضى سوى أيام وانتهت الحرب العالمية بهزيمة النازى بعد أن قبلت السماء ذبيحة الراهبة.. وحياتها..

2- مثلما حدث مع الأب ألكسندر الذى مات بدلاً من شخص آخر (فى غضون الأضطهاد النازى), وكان ذلك الشخص ما يزال حياً إلى وقت قريب (المترجم).

الطريق والطريقة

nun-new

   قالت ونشيجها يمزّق كلماتها:

إسمى (…..)

…أرجوكم لا تقاطعونى ..

ولدتُ فى إحدى المدن الساحلية.

حصلت على ليسانس الآداب ، قسم اللغة الفرنسية ، وكان ضمن دفعتى فى الكلية اثنتان من الطالبات وفدن أيضاً إلى القاهرة مثلى ربطتنا ببعضنا البعض علاقة روحية وطيدة ، وكنا قد اتفقنا على أن نتجه إلى الرهبنة، حالما تتهيأ لنا الظروف،ويساعدنا الله فى التخلص من العقبات المألوفة للرهبنة.

وقد كان..

فقد التحق ثلاثتنا بأديرة ثلاثة (كما نُصحنا سابقاً) وذلك بعد مرور عام ونصف العام على تخرجنا، حيث كنا خلالها قد التحقنا بأعمال مرموقة.

أما أنا فقد رحبوا بى كثيراً فى الدير، وفرحوا بقدومى، لاسيما الأم الرئيسة والتى كانت أقرب إلى الملاك منها إلى الإنسان، وقد أمضيت فترة الأختبار والتى وصلت إلى ثلاث سنوات بخير.

كنت جدّ سعيدة بحياتى الرهبانية الجديدة، أحببت أخواتى، وهن بدورهن احببننى، وكان عددنا فى ذلك الوقت حوالى العشرين راهبة أكثرهن جامعيات.

وكنت أنا ( فى حالى) كما يقولون، كنت أمينة فى تدريبى الروحى، مخلصة فى عملى، محبة لقلايتى، بل إنى اعتدت فى بعض الأوقات على أن أقوم بأداء بعض خدمات للأمهات دون أن يشعرن بذلك، وأقوم ليلاً – والكل نيام- بتنظيف الحمامات وبعض مواضع أخرى فى الدير، ولما عرضت على الأم الرئيسة أن تسمح لى بأن أتولى غسل ثياب الأمهات، اعتذرت لى وشكرتن، وأفهمتنى فى لطف بأن ذلك غير لائق رهبانياً، ولكن يبدو أنها خشيت على من المجد الباطل وأنا مازلت مبتدئة فى الحياة الرهبانية.

ومضت حياتى هادئة..سعيدة..لا شبع من السهر، ولا أرتوى من القراءة..ولا أملّ من الصلاة.

إلى أن كان يوم

حين جاء إلى الدير، شاب مهندس لإصلاح جهاز التدفئة فى عنبر الدواجن الذى أعمل فيه، فى ذلك اليوم لم يستمر إصلاح العطل أكثر من نصف الساعة، غادر بعدها الدير، ولكنه مع مغادرته، غادرنى أنا أيضاً شئ ما!.

فمنذ ذلك اليوم ، وأستطيع أن أقول ، أن حياتى إنقلبت رأساً على عقب ، إذا صليت طاردتنى صورة شاب..أى شاب، وإذا قرأت إكتشفت بعد نصف ساعة من القراءة أننى كنت شاردة!، وإذا نمت حلمت أحلاماً مختلفة..وجديدة ، نوع جديد من الأحلام.

“…أرجوكم لا تسرعوا بالحكم علىّ ، فلن تكونوا أقسى منى على نفسى..”

دموع… ثم استطراد…

ورحت فى الأيام التالية لذلك، أستحضر فى ذهنى أسماء بعض من صديقاتى من الجامعة، اللائى تزوجن وأنجبن، وبعض منهن زارنى فى الدير، ولا أنكر أنهن فاضلات يقمن بدور إيجابى فى المجتمع ودون أن تنال إهتمامهن من علاقتهن بالمسيح،بل كان للمسيح فى حياتهن (نصيب الأسد) بل اعترف أن أكثرهن، كن يفقننى فى نواح ٍ متعددة ، ولكن منذ ذلك الحين تحولت محبتى لهن وتقديرى لهن إلى شكل من أشكال الغيرة..وأحياناً الحسد ، مع مقارنة كاملة ومستمرة بينى وبينهن وحياتى وحياتهن.

وازداد شرودى ولاحظت الأم ذلك ، ولم أكن قد صارحتها بعد، لظنى أنها فترة عصيبة وستمرّ ، ولكن الأم بادرتنى بالحديث معى ، بحنان أم وحنكة مدبرة ، فهى أم بكل ما تحمل الكلمة من معانى ، بل هى لنا فى الدير كل شئ ، الأم والأب والأخت ، بل وأحياناً الإبنة!

فصارحتها بما يعتمل فى صدرى، وأننى أكاد أهوى من علو شاهق ، ولكن الأم طمأنتنى بكلام حلو ، وقالت لى أنها فترة وستمر ، وأشارت علىّ بمزيد من الصوم والصلاة والهروب من الفراغ ، بل طلبت منى طلباً عجيباً وهو أن أدون ملاحظاتى عن نفسى، كل يوم..ربما قصدت بذلك أن أفرغ توتراتى ومشاعرى وأفكارى فى تلك المذكرات.

وحاولت….ولكننى لم أحقق فى ذلك نجاحاً يُذكر.

وأحسست بعد ذلك ، أننى أتقلَّب فوق نار هادئة ، وكثر خروجى من القلاية ، وأصبحت أسترق السمع لأصوات الزائرين ، كلما سنحت الفرصة بذلك ، واتسقط أخبارهم ، وأحس براحة كبيرة فى وجودى بينهم ، ومع كل ذلك كنت فى الليالى

أصرخ بدموع حارقة لا لكى ينقذنى من هذا التغيير الطارئ وإنما لكى يدبر حياتى كما يشاء لأنى اصبحت فى الحقيقة لا أدرى ماذا اصنع .. كنت اشك فى اننى دخلت الرهبنة خلسة.!

وهكذا بدوت وكأنى قصبة تحركها الريح….

لم يكن يهمنى هل يليق بى ان اترك الدير ام لا او كيف سأعيش فى العالم إذا خرجت من الدير أم لا أو كيف سأعيش فى العالم ولكن أكثر ما كان يشغلنى هو التأكد من جدوى استمرارى فى الحياة الديرية

ولا اخفى عليكم أننى فزعت عندما لاحظت قلايتى بالدير قد بدأت أن اسلك بطريقة غريبة وهى الاهتمام بملابسى وشعرى واشياء اخرى تعد غريبة فى الحياة الرهبانية ولا سيما الراهبات.

بل كثيرا ما أطلقت لنفسى العنان فى التفكير فى الحيا الزوجية فتخيلت نفسى زوجة تعد الطعام لزوجها ثم ام ترضع وليدها أو تمشط شعر صغيرتها.

مع كل ذلك كنت أمينة فى أعترافاتى وكان أبى ينصحنى بالتحلى بالصبر ويصلى معى ولأجلى وأما الام الرئيسة فقد كانت قلقةجدا على

لا تألو جهد فى الاهتمام بى.

ولكنة لن يكن من السهل على أن استمر على تلك الحال ففى ذات صباح اتخذت قراراً خطيرا! أخطر من القرار الذى نقلنى من العالم إلى الدير.

لقد قررت ان اترك الدير .. أن اعود أدراجى إلى العالم..

أن أتزوج .. أن أعيش حياتى وشبابى وأمجد الله فى سلوكى(هكذا كان مضمون القرار)

ولن أطيل عليكم فقد كان يوما عصيبا بالننسبة لى بل بالنسبة للأمهات جميعا فى الدير إذا تسللت خلسة دون أن اصافح اى منهن حيث فتح ل الباب والبواب الطيب يتمم بوقار(صلواتك يا أمنا).

يومها شعرت اننى أساق إلى موضع تنفيذ حكم بعد تنفيذ آلمنى طوله وأختلطت المشاعر داخلى مابين فرح غامر وحزن غامض لم أكن فى حياتى فى حالة عدم اتزان غير ان الشعور الذى طفأ على السطح فى ذلك اليوم هو شعورى بأننى افلت من قبضة حديدية !

كانت محطة القطارات تبعد مسافة نصف ساعة سيرا على الاقدام قطعتها فى دقائق معدودة وفى المحطة واجهتنى مشكلة لم أكن أعمل لها

حساب شأن عدة مشاكل واجهتنى فى اليوم الاول لخروجى من الدير

هذه المشكلة هى ملابسى !! ماذا اصنع بها.. هل ادخل بها البيت وكيف سأتخلى عنها بعد ذلك .. هل استبدلها فى المحطة!! أم ماذا..

وعدت إلى البيت بعد خمس سنوات منذ تركتة.

هل تعلموا كيف قابلت امى هذا القرار؟

أمى بكت وشنجت يوم ذهابى إلى الدير؟

أمى التى وقعت مغشيا عليها وضعف بصرها بعد ذلك بسبب رهبنتى؟

أمى هذه ..صرخت حالما رأتنى وبكت ولطمت خديها مرارا وأبى..

أبى الذى حاول مستميتا أن يثنينى عن قرارى وقتها

أبى الذى إتحد فى مناقشتة مع الأم الرئيسة لكى ترفض قبولى بالدير وتقنعنى بالعودة للعمل والزواج؟

أبى هذا سلم على بفتور وقطب مابين حاجبيه!

وندمت أنى لم اعمل بنصيحة الذين نصحونى بأن أنزل أولآ إلى بيت عمتى.

المهم أننى شرحت لهم فى هدوء وجهة نظرى قلت لهم أنى مازلت فى مقتبل العمر وليس من اللائق أن يضيع عمرى كله

وقد فقدت سبيل الخلاص ثم أن احيا حياة زوجية هنا هذا أفضل من أن احيا فى الديربلا ثمر لقد كان جسدى فى الدير بينما كان فكرى فى عش زوجية لم اخترةبعد!

ودخلت حجرتى وحبست نفسى فيها مدة وصلت إثنى عشر يوما  كانت أمى خلالها تتردد كثيرا فى الإعلان عن عودتى من الدير ووجودى فى المنزل فقد كانت أمى من أهل الصعيد ممن ينظرون إلى مثل تلك الامور نظرة خاصة.

فى تلك الاتناء جرت إتصالات بين أبى وبين المكتب الذى كنت اعمل فية بشأن إمكانية العودة إلى عملى وعدت إلى عملى فى مكتب الترجمة فقد كان مديرة يمت لنا بصلة قرابة.

حاولت فى البداية أن أبدو طبيعية ولكن احساسا غريبا انتابنى وهو شعورى بأن زميلاتى فى المكتب يتهامسن على ويتغامرن وهن ينظرون

إلى خلسة بين أن واخر وسواء كان ذلك حقيقة أم مجرد إسقاط فقد كرهتهن فما كان منهن إلا أن بادلننى كرها بكره.

وتركت المكتب والتحقت بالعمل فى مكتب سياحة وحلت مشكلة العمل

بل أن شابا تقدم لخطبتى فى العام الاول، ذلك بعد أن تعرف علىّ بينما كنا على متن طائرة فى طريقنا إلى (بروكسل) فى واحدة من عدة رحلات قمت بها بعد ذلك.

وفرحت، ورقص قلبى طربا، وقلت أن حياتى سوف يكون لها معنى، وعدت إلى اسرتى أزف إليهم البشرى فجاملونى بكلمات مبتورة !!.

ولكن ولشد ما كان أسفى، فقد كان هناك من تبرع وروى لذلك الشاب ظروفى، فأرسل يعتذر لأسباب أخرى واهية دون أن يسمع تعليقى. وفهمت وإبتلعت الإهانة وصمت..

وتقدم إثنين وثلاثة اخرين لخطبتي، غير أن السبب الذى دفع الأول إلى التراجع والتخلى عنى، هو نفسه الذي دفع الباقين إلى اتخاذ نفس الموقف. وقد علّق أحدهم قائلا: إنسانة متذبذبة كيف ائتمنها على بيتى وأولادى ؟؟ ومن أدرانى فقد أفاجأ ذات صباح بهروبها من البيت!.

تصوروا..!

دموع تنهد تجفيف الدموع ..

وتحيرت، وكتمت غيظى، وشعرت كذلك بأن أفراد أسرتى يعاملونى بشئ من الحساسية، لاسيما أختى التى تصغرنى بسبع سنوات كانت تعاملنى بطريقة تجمع ما بين العطف والاحتقار والإستياء، وربما يرجع ذلك إلى أن أمى والتى إنحدرت من صعيد مصر تحمل الكثير من مفاهيم الشرف والعار والتشكك والتفاؤل والتشاؤم.

وتجاوزت الثانية والثلاثين من عمرى، وقطار العمر منطلقا لا يهدأ، وأنا ناجحة فى عملى ودخلى كبير .. كبير جدا وأصبح لى رصيد فى البنك عدا الشقة التى استطعت الحصول عليها، ولكن شعورى بأنى منبوذة قد ازداد، كان الجميع يعاملني وكأني إنسانة مرتدة عن الإيمان، وبعد مدة من التفكير أن أمى كانت تتباهى بأننى راهبة ! لقد كانت صديقاتها وقريباتها ينادينها ب”أم الراهبة”، ويمتدحونها كثيرا لأنها أحسنت تربية أولادها والدليل الدامغ على ذلك هو رهبنتى !! كما أن الصورة النادرة والتى كانت أخذت لى بزى الرهبنة قد طبعت منها نسخا كثيرة وزعتها على كثيرات عدا عدة نسخ زينت بها جدران شقتها. كل ذلك بالإضافة إلى احاديثها التى لم تكن تنقطع عنى وعن الدير وعن الراهبات.. والهدايا الكثيرة التى جلبتها من الدير ومازالت تحتفظ بها.

ورويت بؤسى لأب أعترافى، وقلت له فى صراحة: أننى آمل فى حياة زوجية هادئة وأن الوقت يمضى وأنا خائفة وهدّأ أبى من روعى، ووعظنى بكلام كثير حلو ومعزى، وقال لى: أن القداسة ليست وقفا على فئة بزاتها حتى ولو كانوا رهبانا. وأن الإنسان يستطيع أن يرضى الرب فى أى مكان بشرط أن يحفظ الأمانة .. ثم وعدنى أن يبحث لى عن شاب مناسب.

وجاء الشاب المناسب، كان أرملا له ابنان. ترددت كثيرا وأنا اخرج معه لأول مرة، ورحت ابحث عن طريقة مناسبة لكى أطلعة على قصتى ، وحاولت أن اخفى ذلك أو على الأقل أرجئ ذلك لوقت أخر، ولكنى لم استطع ان أكون مخادعة، ففى المقابلة الثانية بيننا صارحته بذلك فى تردد وحياء. وحالما سمع هو ذلك بهت.. وصمت وفهمت ماذا يعنى صمته هذا. لعلكم كذلك فهمتم، فقد ذهب ولم يعد على أن أكثر ما آلمنى هو التعليق الذى قاله أمام إحدى صديقاتى، لقد تشكك فى الزواج من راهبة لئلا تصب عليه اللعنة !..

فلما وصل سنى إلى الخامسة والثلاثين قررت أن أجازف وأقبل أى زوج ولو من خارج مصر من البلاد التى أسافر إليها منتفعة فى ذلك بالتذاكر التى تمنحنى إياها الشركة. ووجدت هذا الزوج فى (كوبنهاجن)، وكأنه كان ينتظرنى هناك. وفى الزيارة التالية اتفقنا على كل شئ: أن يأتى إلى مصر ونتزوج هنا، ومن ثم نسافر لنحيا هناك فى الدنمارك.

وعدت إلى مصر وأنا أشعر أن قدمى فى الأرض بينما رأسى فى السماء. ونسيت ماضىّ، وقلت أن اللعنات التى كانت تطاردنى قد تحولت إلى بركات، وأن الله قد نظر إلى صبرى وسيعوضنى عن كل ما فاتنى وكل ماعانيتة من حرمان وانتظار، وفرحت بالاكثر لأننى سأبتعد عن مصر بكل ما فيها من ذكريات مؤلمة .. وأهرب من ملاحقات التقاليد ونير الأفكار الراسخة فى أذهان الناس تجاه ظروفي.

وإشترك معى أفراد أسرتي فى تتويج فرحتى، ربما لشعورهم بطول تعبي وإنتظاري، أو لفرحتهم بسبب قرب تخففهم من عبئي عليهم، وسرحت بخيالي فى العالم الجديد الذى ينتظرني، وقلت وداعاً للحزن والكبت، وذهبت إلى (الشوبنج سنتر) القى نظرة على ما قد أحتاجه.

فلما عدت إلى منزلي وجدت هناك رسالة تنتظرني ، أرسلها مجهول ، كانت الرسالة والتى كتبت بالإنجليزية تقول: “.. إحذري فإن الشاب المزمع ان يتخذك زوجة له، هو رجل متزوج وله ثلاثة أطفال تركهم مع زوجته فى (بون) منذ عامين متخلياً عنهم..”. ويبدو ان التوقيع كان توقيع الزوجة نفسها !.

وصدمت، وحاولت أن أبكي فلم أستطع، وعرفوا فى منزلى فحوى الرسالة، فانزعجوا هم أيضاً ، ولكنهم شجعونى وطلبوا إلي أن أشكر الله أن أمر هذا الشاب قد تكشف قبل الزواج .

وجلست متهالكة .. أفكر وأغوص فى الماضى، وأسترجع كل ما مر بى، وإسترحت، واعتبرت هذا بمثابة عتاب لي من الله، على نكثي للعهد الذى قطعته معه على نفسي، ليس عهد البتولية فحسب، وإنما ان أحيا له بكليتي .

وفى غمرة شعورى بالذنب ، أرسلت إلى الأم الرئيسة فى دير الراهبات الذى كنت فيه راهبة، أسألها إن كنت أستطيع العودة إلى الدير ومواصلة مسيرتى الرهبانية من جديد، وانتظرت طويلاً قبلما ردت على تعتذر لى فى لطف شديد عن عدم إمكانية ذلك، والأسباب  كثيرة، غير أنها إقترحت على، إذا كنت قد غضضت الطرف عن فكرة الزواج، أن ألتحق بأي عمل خدمي بأي كنيسة، مثل بيوت الأرامل والأيتام والمسنات .

وراقت لي الفكرة.. على أهدا وأشعر بالراحة، ووافق أب إعترافي، فتركت عملى وتوجهت إلى احد الآباء الأساقفة أرسلنى إليه أب إعترافى، وتقدمت إليه مستعدة للقيام بأية خدمة، على ان احصل على مكان هاديء أسكن فيه ، ورحب الأب الأسقف.

واشتركت فى خدمات كثيرة بين افتقاد الأيتام والأرامل والمسنات، إلى تنظيم رحلات للفتيات، غير أنه لم يكن يؤلمني سوي تلك الرحلات المتجهة إلى الأديرة .

أذكر ان إحدي الفتيات وكانت فى الحادية والعشرين من عمرها، سألتني عن رأيي فى ان تترهب، ووجدت نفسي آخذ نفساً عميقاً، وكأني اجتذب به العشرين عاماً الأخيرة بعد خروجي من الدير، وجمعت كل مافي من حب ومن مرارة ومن تجربة وخبرة ، وقلت لها:أن تترهبى..هذا حسن، وأما أن تستمرى وتثبتى فى الطريق الرهبانى..فهذا احسن، ولكن أن تحفظى الأمانة إينما كنت فهذا هو كل شيء..”.

وازدات الاسئلة التى توجه إلى سواء أكان ذلك فى الاجتماعات التى أقوم بالخدمة فيها، أم فى الافتقاد، وحوصرت جيداً..

إلى أن سألنى طفل بريء فى الثامنة من عمره: “هل أنت حقاً راهبة ؟ ولماذا لا تلبسين مثل الراهبات اللائى رأيتهن فى الدير ولماذا لا تعيشين معهن هناك ؟”

والحقيقة أننى استطعت بحيلة بسيطة، الإفلات منه وتحويل نظره واهتمامه إلى موضوع آخر،ولكني لم احتمل أكثر من ذلك ، فقد كان سؤاله هذا هو القشة التى قسمت ظهر البعير(كما يقولون) فعدت إلى منزلى سراً، وأغبقت بابا حجرتى علي، لا أخرج إلا نادراً، لا أقابل أحداً ولا اتحدث مع احد .

وها أنا جالسة..أجتر فى آلامى واحزانى.. وبين الوقت والآخر أنظر إلى الوراء فتنتابنى إرتجافة ويعتصر الألم قلبى..واتساءل :

هل تسرعت فى الرهبنة.. وهل كان لزاماً على أن أكمل حياتى فيها، مهما كانت النتائج ؟

لست أعلم .. أنا متحيرة ..

محبة المسيح غربتى

Picture1

     تخرج (ياسر) في الخمسينات في كلية الهندسة, والتحق بالعمل في شركة اجنبية بالإسكندرية ، قد تجاوز راتبه الشهري آنذاك (المائة جنيه)، وكان وحيداً لأسرة موسرة لها أملاك واسعة وعدة أرصدة في البنوك، وربما كان هذا هو السبب خلف اعتياده أن ينفق ببذخ ويحيا حياة أرستقراطية مترفة، وأما البعد الروحي له فقد كان باهتاً .. كانت له اهتمامات أخرى، فقد ألف الحفلات و السهرات، يخرج في الثامنة مساءً ليعود عند الفجر، أما أفراد أسرته فقد كانوا لاهين، أحدهم عن الباقين – كان لكل منهم عالمه الذي يغوص فيه.

وعرف بعض الآباء الطريق إلى منزلهم ، وزلروهم مرة واثنين ، ونصحوهم بالالتفات إلى خلاص نفوسهم والاهتمام بحياتهم الروحية، وودوهم (أي الأسرة) خيراً، غير أن اهتمات العالم عادت لتحوطهم وتحاصرهم من جديد.

فى ذات مساء تقابل ياسر مع أحد الآباء الرهبان، كان الراهب واقفاً على رصيف إحدى المحطات في طريقه إلى مستشفى فيكتوريا، فرقّ قلبه له، وأوقف سيارته و دعاه ليركب معه ينقله إلى حيث يشاء، ولكن الراهب تمنع قليلاً في حياء قبل أن يصعد إلى جانبه, ولم يقل طوال الطريق الذي استغرق نصف ساعة, سوى أسم المستشفى، وحالما هبط الأب من السيارة، انطلق ياسر إلى حيث كان أصدقاؤه ينتظرونه، وأكمل ليلته كما اعتاد أن يقضيها.

في تلك اليلة، عندما لجأ إلى سريره لينام، داعبت مخيلته صورة الراهب، فتعجب.. وشرد بذهنه قليلاً, فتخيل لو أنه صار راهباً! ولكنه سرعان ما سخر من نفسه ضاحكاً، ولطم خده لطمة خفيفة، يعاتب بها نفسه.

كان أبعد ما يكون عن أن يترهب! لقد سمع عن الرهبان الكثير, فسمع أنهم يموتون ويدفنون بعيداً عن مدافن أسرهم وربما لا يدري أهل الراهب بموته إلا بعد مدة طويلة (شىء مؤلم) وعرف أنهم يحيون داخل جدران أربع, لا نزهات ولا حفلات ولا أصوات طرب و مرح .. بل ذرف دموع .. وقرع صدر .. سجود دائم .. حزن دائم .. مسوح .. رماد .. نحيب, والشعر مخفى, والملابس سوداء, .. شىء يفوق الوصف .. تعب لا ينتهي!

وانزعج وحاول طرد هذه الأفكار لينام .. فنام. لقد كان يشتري ملابس كاملة كل شهرين! حتى تكدس صوان ملابسه بعشرات الأطق ، ما أن يرى شيئاً جديداً على جسد آخر، أو في فترينات العرض، حتى يسارع باقتناء مثله، عدا العطور و المشغولات الذهبية وإسرافه في الطعام و الشراب، ولقد امتلأت حجرته الخاصة الفسيحة في منزلهم بكل ما تتخيله وما لا تتخيله.

وترهب ياسر !!!

وفوجئنا جميعاً بذلك، ولم نجد مبرراً لهذا التغيير الطارىء، ولا يمكن ان يقال أنه

أعد ذاته لتلك الحياة، والدليل على ذلك أن كل شىء في حياته الديرية كان جديداً عليه.

فقد سأل هناك – في اليوم الثاني أو الثالث لدخوله الدير- ماذا تعني كلمة ميطانية؟ وإذا صادفني راهب في الطريق فماذا أقول له، وماذا يقول الراهب لأخيه عندما يصافحه في الكنيسة ، إضافة إلى أسئلة كثيرة تتعلق بالبديهيات.

وقد تكّبد في الرهبنة أتعاباً شديدة, لقد أسند إليه المسئولين في الدير, أن يعمل في تنظيف حمامات الدير وبعض مواضع أخرى, فكان يقضي شطراً كبيراً من يومه في ذلك العمل، وشيئاً فشيئاً يبس جلد يديه وامتلأت ملابسه بالبقع واتسخ وجهه، لقد صرف ليلة كاملة حتى الثالثة صباحاً- حتي دق ناقوس التسبحة- وهو يقوم بتفريغ خزان الحمامات (الترانش).

كانت نفسه تصعب عليه كثيراً فينتحى جانباً ليبكي بمرارة ولا يكف قبل أن يشيع الله الطمأنينة في قلبه، لقد كان في حياته السابقة مدلل الى حد غير مقبول، وعندما شاهدته أمه على حين غرة وهو في ملابسه القذرة وبؤس حاله، بكت مشفقة عليه مما هو فيه، وقد قابل شفقتها بصمت مطبق وملامح هادئة وعينين مرخيتين.

فبعد أن كان يحيا في بحبوحة من العيش في منزل كبير عريق، تعمل فيه عدة خادمات وطباخ وسائق وعامل حديقة ، الآن يحيا حياة العوز فقد كانت قلايته هي الأكثر بساطة بين قلالي الرهبان ، وكنت تراه جالساً فيها فوق حصير بالٍ يرتق جورباً أو يركب زراراً لثيابه، وكان مايزال في الثامنة والعشرين من عمره.

أما أسرته والتي روّعت لخبر رهبنته، فقد كانت تحضر له بين الحين والحين يزورونه حاملين معهم طعاماً شهياً أعدوه، وملابساً مناسبة وبعض الهدايا له، مع هبات أخرى للدير، أضافة إلى دموع غزيرة يسكبونها في حضرته وهم جلوس معه.

وكان هو إزاء ذلك، متجلداً قوياً، يطلب أليهم في أتضاع أن يصلوا عنه، ثم يوزع كل ما أحضروه من طعام و ملابس وهدايا، مكتفياً بما يقدمه له الدير.

هذا وقد اتخذت الشياطين من هذا الفارق الشديد، بين حياته في العالم و حياته في الدير، مادة هامة و غزيرة و خطيرة، في حربهم معه، فقد استطاعوا أن يجمعوا كل مواقف حيلته الهائنة السهلة الناعمة منذ طفولته حتى تركه للعالم، وصاروا يوجهونها اليه كالسهام، بين الآن و الآخر لكي يقلقوه. مختارين أشد الأوقات حرجاً وضعفاً بالنسبة له.

وأما هو فقد كان مسكيناً يتألم ويبكي، وينظر إلى صورة السيد المسيح، تلك الصورة التي يرى فيها السيد المسيح واضعاً الكتاب في شماله ورافعاً سبابته اليمنى، ينظر إليها في صمت ودونما كلام.. ثم يهدأ ويبتسم حالماً يخيل اليه أن الله يطمأنه بأنه معه.

لقد كان يخجل من كثرة الطلب الى الله!.. يخجل من الإلحاح! .. فيكتفي بالنظر, أو بتقبيل الصورة فيسري السلام بين جنباته.

وكان بعض من أصدقائه، وكلهم من طبقة الأغنياء، يأتونه بين آن و آخر في سياراتهم الفارهة، ليس على سبيل الوفاء فقط بما تقتضيه الصداقة، وإنما رغبة منهم كذلك في الإطلال على تلك الحياة التي اختارها رفيقهم ودون مبرر مقبول في نظرهم، وحقيقي أن مثل تلك الزيارات كانت تحرك أوجاعه قليلاً، في بدايتها إلا أنها فقدت سلطانها عليه بعد ذلك.

في ذات مرة وبينما هو يجلس تحت أشعة الشمس يقرأ في الكتاب المقدس، ويضع خطوطاً خفيفة، جاءه من أخبره بأن عمه قد وصل في أمر هام، فلما انتحى به جانباً عرف منه خبر أنتقال والده،وفزع.. وصمت طويلاً، وتجلد لكي يخفي انفعالاته، غير أنها كانت أكبر من احتماله فبكى منتحباً.. ولما هدأ وعرض عليه عمه أن يرافقه ليخفف عن أمه وأختيه، اعتذر وتمنع في جدية و حياء.

وظل شارداً قلقاً، إلى أن جاء عمه مرة أخرى بعد مرور أربعين يوماً، ولكن بصحبته والدته وأختيه في هذه المرة، كانت آثار احزن بادية على ملابسهم ووجوههم وأصواتهم، وقبل انصرافهم طلبوا إليه أن يصحبهم لإنهاء إجراءات الإرث، ولكنه رفض بشدة قائلآً ” إن ميتاً لا يرث ميت، إمضوا واصنعوا ما يحلوا لكم، لأنه لا رأي لي في ذلك, بل إني مستعد للإقرار بتحويل كافة حقوقي لكم” وحاولوا ثانية،ولكنهم أمام إصراره تركوه و شأنه.

اتجهوا إلى رئيس الدير ، يعرضون عليه تقديم نصيبه إلى الدير ، وكذلك سيارته

التي كانت لا تزال موجودة، ولكن الأب الرئيس أبى ذلك بشدة.. وألحت الأسرة فلم يجنوا إلا مزيداً من الإصرار على الإعتذار مع مزيد من الشكر و الدعاء.

ومرت شهور وسنوات ..وصار راهباً محبوباً..نشيطا.. مطيعاً ، كان يذكر الآباء

بينيامين الابن الأصغر لأبينا يعقوب.. يأتي في هدوء  ويرحل فى هدوء ..

لا يشعر أحد بوجوده ولا برحيله.. تماماً مثل النسيم..مبهج فى حضوره ككوب الماء البارد فى قيظ الظهيرة..

ومع أنه لم يكن يفكر قط فى عامة المقبل أو غده ، يعيش يوماً بيوم ، إلا أنه صار هدفاً هاماً للشيطان.. الشيطان الذى يصطاد الضعفاء مثل صغار السمك.. بينما يقف طويلاً أمام سمكة كبيرة.. وهكذا تركزت علسه الحرب طوال الخمس سنوات التى قضاها فى الدير..

وهاجمته الأفكار الشريرة بلا هوادة.. فكر فى دراسته .. وفى عمله .. ثم فى الراتب الكبير الذى كان يتقاضاه ، ثم فى الفتاة التى أملت يوماً ما أن ترتبط به.. فى الكازينو الذى أعتاد – لفترة طويلة- السهر فيه مع مجموعة من أصدقائه..

كان ما يزال فى الثلاثين من عمره.. عندما تذكر ذلك انزعج، حين تصور انه

سيحيا على تلك الحال إلى سن السبعين مثلاً، وقال فى حرقة : إن لم يبن الرب داخلى بناءً مستمراً: فلن أستطيع المواصلة فى هذه البرية.

والحقيقة أن تلك الليلة، كانت من أقصى الليالى التى مرت به فى الدير، وقال ما

قاله القديس موسى الأسود حين مر بمثل تلك الحرب (يارب أنت تعرف أنى أريد أن أخلص لكن الأفكار لا تتركنى..).

ونظر إلى الصورة المعلقة على الحائط الشرقى لقلايته ، فلم يشعر بتلك المشاعر

اللذيذة التى كانت تسرى فيه كلما نظر إليها ، وزاد كآبة على ذلك السماء المكفهرة فى الخارج والريح الذى يزأر مولولاً ، والأمطار التى تهطل بغزارة فى ذلك الوقت المتأخر من الليل.

ووقف أمام الصورة يبث إلى سيده لواعج نفسه ، فلم ينل تلك الراحة التى  أعتادها فلما زاد قصف الرعد فى الخارج عاد إلى مرقده واندس فى فراشه البالى وجلس مسنداً رأسه إلى راحتيه المشتبكتين خلفها.. وظن أنه سينام ، ولكن النوم عصى عليه، فسحب كتاباً ليقرأ فيه، ولكنه سرعان ما اكتشف شروده فعاد وأغلقه ووضعه فى رفق بجانبه.

وجاءه فكر أن الشياطين تحاصر القلاية، وأنهم مستبسلون فى حربهم معه، مصرين على صرعه. فبكى .. ووجد راحة فى أن يبكى.. وعاد ينظر إلى الصورة مرة أخرى، ثم قال فى زفرة محرقة (لماذا تتخلى عنى يارب؟!)..

وبينما هو يكفف دموعه، إذا بخشخشة خلف الباب! ، فاضطرب وازدادت ضربات قلبه.. وجمد فى مكانه لا يبدِ حراكاً.. ثم إذا بالباب يفتح فى هدوء ، وشخص طويل مهيب ، يشع وجهه ضياءً ، وملابسه بيضاء فوقها وشاح أحمر.

فخاف وحبس أنفاسه ، وثبت عينيه على ذلك الشخص ، فإذا به يتحرك.. ولقدميه

حفيف كحفيف الشجر.. وكالنسيم الهادئ تحرك نحوه- ثم تقدم منه ، فصار مبهور الأنفاس ..

ووقف السيد المسيح إلى جواره وانحنى فوقه وهو لا يستطيع حراكاً..فربت على كتفيه فى حنان، ثم قال له بصوت عذب:”.. مالك تبكى.. أترانى قد تخليت عنك..ثق إنى أنا معك..”.

وبنفس الهدوء عاد إلى الباب وخرج منه ، ثم أغلقه برفق خلفه.

وانتبه إلى الشخص الذى كان معه داخل القلاية ،هو هو السيد المسيح  نفسه !!،

فانفجر باكياً.. ليس دموع صغر النفس، وإنما دموع التعزية.. وقد غسلته دموعه فى تلك الليلة.. وشعر أنه تعمد من جديد، وهدأ، وهدأت كذلك الأمطار فى الخارج.. وسكنت الرياح..وانتهى الرعد، وعادت السماء صافية..

ومنذ ذلك اليوم عاش هائماً على وجهه ، يأكل اى شىء وينام فى أى مكان ..

يعمل بلا كلل .. مقلاً فى الكلام.. شارداً حالماً.. منتظراً ذلك اللقاء.. بثقة.

في السجن

قبض عليهن الشيوعيون وزجوا بهن في إحدى معسكرات التعذيب , حيث كان يتحتم عليهن الاشتراك في أعمال شاقة لا تتناسب مع إمكانياتهن وطبيعتهن .. وقد استطعن أن يشهدن للمسيح هناك ولم يرضخن ، رغم ما تعرضن له من آلام وضيق .

ففي صيف سنة 1929 م أحضر إلى سلوفاكيا ، ثلاثون من الراهبات ، ينتمي أغلبهن إلى دير شاموردينو ، ولم يسمح المسئولون في المعسكر ، بأن ينزلن في سجن النساء ، ولكنهم وضعوهن في سجن منفرد .

ولما راح الحراس يطابقون بياناتهن على ما هو مدرج بقائمة الاعتقال التي جئن بها ، رفضت الراهبات الإدلاء بالبيانات الخاصة بهن، مثل بيانات عائلاتهن و أعمارهم وأماكن سكناهم ، وبعد صراع مع الحراس وتهديد وضرب ، تم عزل كل منهن في مكان منفرد ، حيث تعرضن للجوع والعطش .

ولكن الراهبات لم يتأثرن ، إنما على العكس من ذلك كن على قدر كافٍ من الشجاعة ، إذ رفضن العمل بالسخرة (أعمال التسخير)  .

وبعد أيام وصل أحد الأطباء (هو الدكتور زيزيلنكو Dr. Zhizhlenko طبيب سجن تاجانكا Taganka في موسكو ، قبل الرهبنة سراً ، بل أصبح فيما بعد أسقفاً باسم مكسيم) إلى المعسكر قادماً من سجن تاجانكا حيث يعمل هناك ، يصحبه طبيب آخر (هو طبيب آمن بالمسيح سراً وكان يعمل في المعسكر) يعمل في نفس معسكر سلوفاكيا ، حيث أمرهما القادة هناك بتوقيع الكشف الطبي على الراهبات ، لمعرفة مدى قدرتهن على العمل بالسخرة.

وقد قدم الطبيبان تقريراً يفيد بأنه لا قدرة للراهبات على العمل في مثل تلك الأعمال الصعبة، وهكذا وجدت الجهات الإدارية نفسها – ولأول مرة – في حرج شديد ، لأن التصرف المعتاد مع أولئك الذين يرفضون العمل بالسخرة هو التعرض للتعذيب ، ربما حتى الموت ، إذ كان المتمردون يرسلون للنفي إلى جزيرة أنزرسك ، التي لم يعد منها أحد حياً أبداً !

ومما يثير العجب أن أولئك الراهبات لم يرسلن إلى هناك ، وعندما وجّه الطبيبان المذكوران هذا السؤال إلى مدير القطاع الطبي في المعسكر أمرهم الالتزام بالصمت (يبدو أنه كان مسيحياً في السر ، وهو الذي أوحى إلى الطبيبين بإعفاء الراهبات من العمل بالسخرة) .

حين دخل الطبيبان إلى المعسكر حيث توجد الراهبات ، شد انتباههما الرصانة غير العادية للراهبات و سلامهن وتماسكهن ، وهن في ملابسهن الرهبانية البالية والمرقعة والنظيفة ! ، كان هناك حوالي ثلاثين منهن ، ويمكن تقدير عمر كل منهن بحوالي الثلاثين ، كانت وجوههن ملائكية ، فرح في الحزن ، حتى حزنهن كان حزناً مجيداً !! ، أما اتضاعهن فقد كان يشف جمالاً روحياً يستثير الشعور بالندم العميق (على أسرهن) والإجلال لهن .

يقول الدكتور المكلف بالمسئولية الطبية عنهن في المعسكر :

أن الطبيب المكلف و المنتدب من قبل القطاع الطبي في المعسكر والذي كان يرافقهن طلب أن يخرج لكي لا يسبب لهن أي مضايقة ، وبقيت أنا وحدي معهن .

– يوم سعيد يا ماتوشكي Matushki قلت هذا وانحنيت أمامهن .

وفي هدوء أجبنني بإنحناء أكثر حتى الوسط .

– أنا طبيب ، أرسلت لأفحصكن .

( أصوات كثيرة قاطعتني) .

– نحن بخير ولسنا في حاجة لكي تفحصنا.

– أنا مؤمن ، مسيحي أرثوذكسي ، وأنا هنا في المعسكر كسجين بسبب انتمائي للكنيسة.

( فقلن معاً ) :

– المجد لله .

ثم أردفت قائلاً : أنني أفهم سبب إضرابكن عن العمل ، وأنني سوف أصنفكن ضمن فئة غير القادرين على العمل ، وإلا فإن إدارة المعسكر سوف ترسلكن إلى عمل أصعب ، ولكنهن أفهمنني أنهن لن يعملن ، سواء أكان العمل سهلاً أم صعباً ،  فسألتهن في دهشة :

– لماذا ؟

– لأننا لا نريد أن نعمل لنظام ضد المسيح.

فسألتهن – وأنا مضطرب – عن السبب في ذلك، ثم أفهمتهن أنه في سولوفكي هنا، كثير من الأساقفة و الكهنة وكل منهم يعمل على قدر قوته ، وعلى سبيل المثال فإن أسقف (فياتكا Vyatka) يعمل كعامل مكتبة في مصنع للحبال ، وفي قسم الفضلات يقوم كثير من الكهنة بالعمل في نسج الشباك، وفي أيام الجمع كانوا يعملون 24 ساعة ينتهوا من حصتهم ، حتى يتسنى لهم الاستفادة بليلة السبت و يوم الأحد في الصلاة والتسبيح ، ولكن الراهبات مع ذلك ردَدْن بأنهن لن يعملن لنظام ضد المسيح، فهدأت من روعهن قائلاً أنني وبدون فحص سوف أصنفهن ضمن غير القادرات على العمل البدني الشاق ، فقلن:

سامحنا .. لا .. نحن في غير احتياج إلى مثل هذا التقرير ، فإننا سوف نقول للمسئولين أن التقرير غير سليم و أننا قادرات على العمل ولكننا لا نريد ، لأن هذا العمل هو لنطام ضد المسيح وأننا لن نعمل ولو إضطررنا إلى تقبّل الموت .

إنهم لن يقتلوكن ولكنهم سوف يعذبونكن حتى الموت (قلت هذا في همس وبوجع قلب ، لأن الخطر فوق الرؤوس) .

فقالت واحدة من الراهبات الله سوف يساعدنا على تحمل العذاب أيضاً. وعند ذلك طفرت الدموع من عيني وإنحنيت أمامهن في هدوء، بل إني أردت أن أنحني لهن إلى الأرض وأقبل أقدامهن.

في خلال أسبوع من ذلك الوقت ، دخل المسئول عن القسم الصحي ، إلى مكتب الأطباء ، وأثناء حديثه معنا ألمح إلينا أنهم قد تعبوا مع هؤلاء الراهبات ، وإنهم اتفقوا معهن أخيراً على العمل في الحياكة والترقيع ، للسجن الرئيسي ، ولكن تحت شروط (وضعتها الراهبات) أن يكن مع بعضهن البعض، وأن يسمح لهن بالترتيل أثناء العمل ( وقد وافق قائد المعسكر بالفعل على طلبهن).

وقد عشن في عزلة عن الجميع حسب رغبتهن ، حتى عنا نحن الأطباء ، الذين لهم حرية التنقل وعمل صداقات كثيرة بحكم عملنا الإنساني ، فقد ظللنا فترة طويلة لا نعرف عنهن شيئاً ولم يحتجن أي معونة طبية منا.

غير أنه قد تيسر لنا معرفة الفصل الأخير من مأساتهن !! ففي إحدى القوافل من الأسرى الآتين إلي سلوفكي، جاء كاهن ، أصبح الأب الروحي لبعضهن ، وبالرغم من صعوبة الاتصال بين الكاهن و الراهبات ، طبقاً لظروف وقوانين المعسكر ، إلا أن الراهبات إستطعن بطريقة ما الاتصال به لطلب الإرشاد والمعونة .

كان تساؤلاتهن منحصرة في الآتي ( ها قد أتين إلى المعسكر لنعاني ، وها نحن نعمل في هدوء ونرتل معاً ونصلي ونشعر بالمتعة والفرح ، ولكن ترى هل أصبنا في قبول العمل لغير حساب المسيح ؟ أم يجب علينا أن نعتزل مثل هذا العمل أيضاً ؟ ) .

أما الأب الروحي ، فقد أوحى إليهن بأنه من اللائق الامتناع عن العمل، وهكذا فقد تركن العمل بشجاعة وهدوء، ولما بحثت إدارة المعسكر عن السبب في هذا التغيير الطارئ ، توصلت إلى حقيقة ما حدث ، ومن ثم فقد أطلقوا النار على الكاهن فمات شهيداً للمسيح، وعندئذ صرّحت الراهبات بأنه ما من أحد الآن يستطيع أن يعفينا من قرار الإمتناع عن العمل .

أما إدارة المعسكر والتي مارست في الحقيقة الكثير من الصبر وضبط النفس تجاه هؤلاء الراهبات ، فقد قامت بعزلهن الواحدة عن الأخري، و عبثاً حاول البعض تتبع أخبارهن فقد اختفينا دون اثر. ولكن بعد سنوات استطعنا ان نستقي بعض المعلومات عن نهاية حياتهم عن طريق سجين أمريكي في معسكر آخر حيث ألقي لنا بعض الضوء علي أخبار بعضهن.

اللالىء الثلاثة:

( معجزة راهبات شاموردينو )

روى السجين الامريكى- وكان الحديث قد تحول بين الجلوس الى أمور الدين – فقال سمعت عن حديث عجيب يقولون عنه معجزة ! دثت لتوها فى فركوتا, رواها لى بعض الجنود بلهفة وعجب شديدين، أثبتا بلا شك أنه حتى الستار الحديدى لم يقدر أن يبعد الله عن البلاد وعن عقول وقلوب الشعب.

ففى شهر نوفمبر من عام 1950 م أى بعد وصولنا الى المعسكر بأيام, وصلت ثلاث راهبات محكوم عليهم بالأشغال الشاقة, جدير بالذكر ان الاف السجينات اللائى فى فركوتا , لم يعملن فى المناجم ولكن كن يعملن الاعمال البسيطة , وأما الراهبات فقد أسند اليهم العمل فى ورشة تصنيع الطوب المستخدم فى أعمال الانشاءات فى كل القطب الشمالى التابع لروسيا.

ولكن الراهبات الثلاث رفضن العمل, وقلن للمشرف على المصنع أنهن يعتبرن العمل للنظام الشيوعى عمل للشيطان, فى حين أنهن خادمات للمسيح ولذلك فلن يعملن, برغم أى تهديد أو عقاب فبعد أن تم تجريدهن من زى الرهبنة، أصبح سلاحهن هو الايمان وحده، وأصبحن مستعدات لمواجهة أى شئ للمحافظة على نذرهن.

كان العقاب أن يأكلن كسرة خبز وحساءا فاسدا, وقد أستمر هذا العقاب لعدة أيام , ومع أستمرارهن فى رفض العمل , كان بنتظرهن عقاب أشد , فقد أشتد غضب القائد, بسبب طول عنادهن , حيث خشى من تأثير ذلك على بقية السجينات وعليه فقد أمر بأن توضع كل منهن فى سترة من الخيش , وعلى أن تقيد أيديهن الى الخلف وكذلك أقدامهن , ثم قام الحراس بشد اليدين الى القدمين بقسوة , حتى أصبت أرجلهن مرفوعة للخلف و أكتافهن مرفوعة ومشدودة للخلف أيضا , فى وضع مؤلم للغاية.

تألمت الراهبات جدا، ولكن فى صمت مدهش لم يخرج منهن أية كلمة تذمر أو احتجاج، كان القائد قد زاد غيظة إبان هذا الاحتمال الصامت، فعمل على زيادة الآمهنّ, فقد أمر أن يصب الماء عليهن حتى أنكمش الخيش فأزداد الالم جدا حتى أغمى عليهن فنمن فى هدوء, بعد ذلك تم حل القيود , فلما تنبهن تم تقييدهن ثانية وفى هذة المرة أغمى عليهن , وكان ذلك بركة من الله حتى لا يشعرن بالالم وقد ظللن لمدة ساعتين هكذا حتى كادت الدورة الدموية أن تتوقف عند أطرافهم من شدة القيود ولما كدن يسلمن الروح , تم حل قيودهن.

ولكن النظام الشيوعى اراد عبيدا للعمل , لا هياكل عظمية فقد تم نقلهن كل هذه المسافة الى فركوتا ليبحثن عن الفحم فى المناجم, لا ليقتلن هناك. فى حالة واحدة كان يتم التخلص من السجينات , ذلك عندما يقل انتاجهن , ومن هنا فقد أراد القائد أن يعذبهن حتى يعملن وأخيرا قرر القائد قتلهن إن أصررن على عدم العمل , فقد أسند لهن عمل ما فى العراء , ولكن الراهبات رفضن ذلك أيضا , ومن ثم فقد أخذهن الى نتوء على جبل جليدى , حيث تركن هناك مقيدات فى الجو القطبى القارص طوال اليوم.

وعند غروب الشمس شوهدن راكعات , فذهب الحراس متوقعين أن يجدوهن متجمدات ولكن يا لدهشتهم اذ وجدوهن سالمات يصلين راكعات.

بعد ذلك أمر القائد أن يؤخذ منهم القفازات والقبعات , على أن يتركن لمدة يوم أخر فى العراء , وقد قضت الراهبات ذلك اليوم أيضا راكعات يصلين فى هدوء ودفء مع أن السجينات اللائى يعملن فى المعسكر يشتكين من شدة البرد , وقد توقع الحراس تجمد الراهبات , لكنهم أندهشوا عندما أكتشفوا أنهن سالمات تماما وتكرر ذلك لمدة يومين فى درجات حرارة تحت الصفر بكثير , وفى اليوم الثالث أخذوا منهن الوشاحات ومع ذلك عدن سالمات أيضا.

عندئذ تأكد الجميع أن الله قد صنع معجزة مع الراهبات الثلاثة , فقد ذاع صيتهن فى جميع المعسكرات وكان لا حديث للناس سوى الراهبات الثلاثة , حتى الحراس المتشددين من معسكرات أخرى كانوا يأتون الى المنطقى الواقع بها مصنع الطوب لكى يشاهدوا الراهبات ويتباركوا منهن بالقرب من جبل الثلج.

من هنا بدأت بقية السجينات , فى الصلاة ورشم علامة الصليب قبل البدء فى العمل أقتداء بالراهبات الثلاث , وقد أدرك القائد بعد ذلك ومعة بقية الحراس أن هناك قوة ليست أرضية تحمى الراهبات وتحافظ عليهن، لذلك تم رفع العقوبات عنهن , وتركوهن للصلاة والعبادة فقط , وكان يحضرن لأنفسهم الطعام وكذلك الملابس , ومع أنهن كن سجينات كانت لهن رية العبادة ولا أحد فى الاتحاد السوفييتى فى ذلك الوقت , وعندما تركت فركوتا بعدها بأربع سنوات ( يقول الطبيب الذى روى المعجزة ) كانت الراهبات ما زلن فى المعسكر , دون أن يعملن ليوم واحد فى مصنع الطوب , وقد بذلن الكثير من الجهد فى تثبيت الايمان فى قلوب وعقول الالاف من المساجين والحراس.

يقول الطبيب لنفسه, بعد ذلك بسنوات , عندما كانت تتاح لى الفرصة للتحدث مع الشيوعيين الاكثر تشددا عن أمور الدين , كلهم بدون إستثناء ذكروا معجزة الراهبات الثلاثة.