فرومنتيوس #5

احضر الحرس ثلاث رجال اشداء. وما ان مثلوا امام الزعيم وقدموا التحية حتى امرهم بلهجة صارمة:

– هيا! احكوا له ماذا فعل النمنم بزملائكم!

اجاب الثلاثة في صوت واحد:

– النمنم، يا لهم من وحوش، لقد هجموا علينا في وحشية وقبضوا على اربعة منا وذبحوهم واكلوهم.

اما فرومنتيوس الذي ادرك كذبهم فقد قال للقائد:

– اطلب من سيدي ان يأذن لي بخروج اثنين من هؤلاء الرجال الى الخارج.. وافقه القائد. وعندئذ وجه فرومنتيوس اسئلته للرجل :

– متى حدث هذا ايها الرجل الشجاع. اخبرني في اي وقت حدث هذا؟

– حدث هذا منذ اسبوع في الصباح الباكر عقب شروق الشمس بقليل.

– كم عدد المهاجمين من النمنم؟

– حوالي 25 رجلا.

– ولماا قبضوا على الاربعة فقط وتركوكم انتم؟

– لقد تمكنا من الفرار.

– كيف تهربون وتتركون اخوتكم دون ان تدافعوا عنهم. اين شجاعتكم؟

صمت الرجل..

– كيف اكل النمنم الاربعة رجال؟

– لقد اشعلوا اليران والقوهم فيها وهم احياء وبعد قليل اخرجوهم وصنعوا وليمة بهم ونحن نراقبهم.

طلب فرومنتيوس من القائد ان يعزل هذا الرجل بمفرده، ويأمر باحضار الرجل الثاني. حضر الرجل الثاني وبدأ فرومنتيوس يسأله:

– في اي وقت حدث الهجوم؟

– وقت غروب الشمس.

– كم عدد الرجال الذين هاجموكم؟

– كانوا 10 رجال.

– كيف اكل الرجال زملاءكم؟

– لقد اوثقوهم وذبحوهم قدامنا. ثم اشعلوا نارا ووضعوهم فيها فلم نحتمل واسرعنا بالهرب.

اندهش القائد واتسعت عيناه، وعلم انه قد وقع فريسة كذبة كبيرة.. طلب فرومنتيوس ان يسمع الرجل الثالث، وسأله نفس الاسئلة، فبدأ قائلا:

– في اي وقت من النهار حدث الهجوم؟

– وقت الظهيرة.

– كم عدد الرجال المهاجمين؟

– لقد كانوا بالمئات على الارض .. وكان كثيرون ايضا فوق الاشجار. لقد كان كالجراد في العدد.

– وكيف اكل الجراد، اقصد النمنم زملاءكم؟

– لقد انقسم النمنم الى اربعة فرق. كل فرقة حملت رجلا حيا ، وركضوا به في اتجاه القبيلة فعلمنا ما سيكون.

لم يحتمل القائد اكثر فصرخ:

– ايها الرجل الجبان. لقد كذبتم علي. ان اقوالكم تضاربت.

– ما هي الحقيقة؟

– خاف الرجل وارتعب واعترف قائلا:

– بينما نحن في الطريق ثار نزاع بيننا حتى اننا انقسمنا الى فريقين، وعلى حين غرة هجمنا نحن الثلاثة على الرجال الاربعة فقتلناهم ودفناهم تحت شجرة ضخمة، وخوفا من العقاب اتفقنا على القاء التهمة على قبيلة النمنم.

امر القائد باعدام القتلة، وامر كبير حرسه شنشن ان يضرب البوق ليعلن التوقف عن القتال. وبالفعل انطلق شنشن الى جبهة القتال . كان القائد الميداني في الصفوف الامامية قد وضع خطة الهجوم واتفق مع باقي القادة عليها. وهي ان يطلق سهما مشتعلا فتهجم اربعة فرق: الاولى من اليسار والثانية من اليمين، والثالثة من الوسط تتبعها الرابعة لانهاء المعركة.

كان القائد قد فوّق السهم المشتعل في الوتر وعلى وشك الاطلاق، حين رأى شنشن رئيس الحرس الخاص بزعيم قبائل الزولو على جواده وهو يصرخ:

– توقف. لا تطلق اشارة بدء الهجوم.

– ماذا بك يا شنشن؟

– لقد اصدر الزعيم شنتو اوامره بالانسحاب.

– كيف هذا؟ لقد وضعت خطة محكمة لابادة النمنم؟ ان رجالي الشجعان على اتم الاستعداد وفي قمة الحماسة لخوض المعركة ثأرا لاخوتنا. امهلني ساعة واحدة فقط.

– لا استطيع . ولا يستطيع احد منا ان يخالف اوامره، كما اننا نثق في حنكته، ونعرف انه يعمل لصالح قبيلتنا، ومؤكد انه اعلم بالامور..

انتظر رجال الزولو اشارة البدء، فلم تكن وبدلا منها انطلقت الابواق تعلن الانسحاب.

وانتظر النمنم الهجوم الوشيك فلم يكن . واكدت قوات الاستطلاع الامر ورصدت انسحاب رجال الزولو. وحينما وصل الامر الى اركاديو قال:

– انها خطة خبيثة. انهم يتظاهرون بالانسحاب حتى نطمئن ثم يباغتوننا.. لاحظ ارغاديو ان ابنه غير متواجد.. وبعد حوالى الساعة شاهد ابنه ارغاديو وفرومنتيوس مقبلان من جبهة الاعداء.

– يا ابي .. افرحوا ان الزولو قد ذهبوا الى الابد وبدون رجعة ولن تكون هناك حرب ولن تسفك الدماء.

– ماذا تقول يا ارغاديو؟

– الفضل يرجع الى فرومنتيوس. .. وحكى لابيه عما حدث في مخيم الاعداء.

هتف اركاديو:

– يحيا فرومنتيوس.. يحيا فرومنتيوس.

ورددت القبيلة صدى صوت الهتاف ودقت طبول الفرح. بينما وقف فرومنتيوس يردد هذه الكلمات:

– انا لم افعل شيئا ايها الاخوة. الفضل كله يرجع الى الرب الذي يحبكم.. لكن كانت حماسة وفرحة النمنم تفوق الوسط وغلبت اصواتهم وهتافهم صوته:

– انك من انقذتنا من الزولو.

واخذوا يرتلون بحماس بعض اناشيدهم التي خصصوها لتمجيد الالهة… اشعلوا النيران فبدت الوجوه التي كانت من قبل عابسة غاضبة صارت فرحة مستبشرة. كان بعض الرجال قد صنعوا محفة فاحضروها ليجلس عليها فرومنتيوس، واحضروا تاجا صنعوه من بعض نباتات الغابة، كما احضر كثير من الرجال بعض الهدايا: ماعز، ثمار جوز الهند، الموز، والملابس المزركشة، وتحف صنعوها من العاج، وتحف اخرى من معادن مختلفة كانوا قد اخذوها من ضحاياهم الغرباء ..

هوذا كل شئ قد اعد. ولكن فرومنتيوس لم يظهر الان.. بحثوا عنه فلم يجدوه.. انطلق اركاديو برفقة ابنه ارغاديو وتبعهما رجلان اخران الى قلب الغابة الى المكان الذي يحب فرومنتيوس الاختلاء فيه.. فماذا رأوا؟

لقد رأوه راكعا ورافعا يديه ، ومستغرق في صلاته العميقة من اجلهم.. لم يشعر فرومنتيوس بمن حوله ولا سيما ان هؤلاء الرجال يتمتعون بحركات خفيفة.. انتظروه حتى انتهى من صلاته، ثم قال اركاديو:

– هيا يا فرومنتيوس، ارع لأن القبيلة كلها في انتظارك.

وصل فرومنتيوس الى القبيلة وسط صياحات الفرح، وارتفعت المشاعل ودقت طبول الفرح ثم ارتفعت اصواتهم باناشيد الثناء والتمجيد لفرومنتيوس ..

– سامحوني يا اخوتي. اني لم افعل شيئا، ولكن الذي خلصكم من الموت والحريق والدمار هو الهي يسوع المسيح.

– احضره لنا يا فرومنتيوس ونحن ننصبه ملكا علينا.

– انه ملك السموات والارض . جميع ملوك العالم هم عبيد له.. نراه بعين الايمان وهو الان قائم في وسطنا.. لا يخلو منه مكان او زمان.. هو خالق كل الاشياء.. لقد جبلنا من العدم لانهيحبنا..

قال ارغاديو: لقد لمست اليوم عمل اله فرومنتيوس معنا عندما انقذنا من الهلاك.

وقال اركاديو: وانا اعرف اله فرومنتيوس واؤمن به، ورأيت كتابه المقدس الوحيد الفريد.

قالوا: عظيم الهك يا فرومنتيوس . نرجوك ان تكلمنا عنه.

تحدث فرومنتيوس معهم عن الله ومحبته العظيمة للانسان، وكيف خلق ادم وحواء بعد ان خلق لهما كل شئ هم في حاجة اليه، وكيف اسقط الشيطان الانسان فوقع تحت حكم الموت، والله من محبته لم يترك الانسان فريسة للموت، لذلك تجسد وتأنس ومات على الصليب نيابة عن البشر جميعا.

قال ارغاديو: ما دام الهك قد مات يا فرومنتيوس، اذا فهو ضعيف.

– لو ان الهي مات على الصليب فقط وانتهى الامر عند هذا الحد لكان فعلا الها ضعيفا، ولكن الحقيقة ان الهي يسوع المسيح بعد ان مات ودفن في القبر 3 ايام ليؤكد حقيقة موته قام من بين الاموات ، وانتصر لحسابنا على الموت والشيطان والخطية.

دعوني احكي لكم بعض المواقف قبل واثناء الصليب.. عندما هجم عليه الجنود في بستان جثسيماني، قال لهم: “من تريدون؟”. وكان ردهم : “يسوع الناصري.”. اجابهم: “انا هو.”

فماذا حدث؟ لقد عادوا الى الخلف وسقطوا على وجوههم. وكان امامه الفرصة ليهرب،ولكنه من اجل هذه الساعة قد جاء فانتظر حتى قاموا واعاد عليهم السؤال، واشترط تسليم نفسه اليهم ان يطلقوا التلاميذ، وفعلا اطلقوا التلاميذ.. وفي اثناء هذه المحاولة استل بطرس سيفه وضرب ملخس عبد رئيس الكهنة فقطع اذنه .. لم يشجعه المسيح بل امره بان يرد سيفه الى غمده، لان طريقه هو طريق السلام البعيد كل البعد عن السيف والقتل والانتقام. لقد اندهش بيلاطس من شجاعة الرب يسوع وعدم رهبته الموت، وعندما علق على الصليب لم تحتمل الشمس النظر اليه فحجبت اشعتها فصار ظلام دامس على المسكونة 3 ساعات. والارض لم تحتمل الصليب والسيد المسيح عليه يتأوه ويتألم فتزلزت وارادت ان تهرب لولا انها ممسوكة بكلمة الله. والصخور تشققت، واكثر من هذا: كثير من القديسين الذين ماتوا عادوا الى الحياة، وحجاب الهيكل انشق وقائد المئة عندما شهد هذا قال: “حقا كان هذا الانسان ابن الله”.

واليهود الذين صلبوه عادوا وهم يقرعون صدورهم قائلين: “حقا كان هذا الانسان بارا”.

اما في لحظة تسليم روحه صرخ بصوت عظيم: “يا ابتاه في يديك استودع روحي”.

فرومنتيوس #4

في اليوم التالي خرج فرومنتيوس واختار مكانا مناسبا لا تزحمه الادغال وبدأ يصنع حوله سياجا .. اقبل عليه بودي قائلا:

ماذا تفعل يا فرومنتيوس ؟

انني اصنع سياجا حتى نضع فيه الخيل فتأخذ حريتها في الحركة افضل من ان تظل مقيدة في الاشجار.

وهل اذن لك الزعيم بذلك؟

الزعيم قال لي بالامس “اعتبر نفسك ابني” وتصرف كما يحلو لك”

حسنا، دعني اساعدك!

اقام فرومنتيوس وبودي السياج وعملا له بابا من الاغصان الجافة ، ووضعا فيه الخيل التي فرحت بحرية الحركة بعد ان كانت تربط في الاشجار.

اراد فرومنتيوس ان يكافئ بودي على معاونته له، فاخذه معه الى الكوخ حيث منحه بعض الهدايا البسيطة التي افرحت قلب بودي، ثم قال له:

ما دمت انت عريس اليوم يا بودي دعني اهندمك.

وفتح فرومنتيوس حقيبته واخرج مقصا ومشطا للشعر ومرآة نحاسية .. واجلس بودي وامسك بالمقص وحلق له شعره.. وبعد ان انتهى اعطى بودي المرآة ليرى فيها نفسه. تعجب بودي من المرآة وسأل:

هل هذه من الماء الصافي؟

كلا، انها مرآة من النحاس المصقول تعكس الصور التي امامها.

تماما مثلما ارى صورتي على صفحة المياه!

دقت دقات طبل بعثت السرور. تمنى فرومنتيوس لصديقه حياة سعيدة مع زوجته..

في اليوم التالي تحدث الزعيم الى افراد قبيلته واعلن قراره بمنع ذبح انسان واكل لحمه. وان عليهم جميعا التقدم الى فرومنتيوس لقص شعورهم التي تنمو فيها الحشرات.

اطاع الجميع امر الزعيم. وعمل فرومنتيوس مقصه في رؤوسهم جميعا وكانت فرصة ليتحدث مع كل فرد منهم عن الله محب البشر والذي لا يريدنا ان نؤذي احدا من خليقته.

وفي يوم بينما يجلس في كوخه مع اركاديو واذ برجل اقبل يركض ويصرخ:

– ايها الزعيم، اننا نتعرض لهجوم!

ركض اركاديو تجاه القبيلة فوجد هجوما ضخما .. انه طوفان من رجال الزولو المسلحين بالاقواس والرماح والخناجر والسيوف، اما المشاعل التي يحملونها فانها كافية لحرق المنطقة بالكامل.. القوات المهاجمة تبلغ 5 اضعاف عدد قبيلة النمنم.. انهم يأتون لتأديب القبيلة بل للقضاء عليها، وكانت نيتهم الا يتركون شارد او هارب.

انه طوفان من رجال الزولو المسلحين بالاقواس والرماح والخناجر والسيوف

صرخ اركاديو صرخة مدوية .. صرخة الحرب التي اهتزت لها كل القبيلة فرددوا صداها، ودقت الطبول عالية بحماس منقطع النظير يصم الاذان، فاصبح المكان يرتج ..

في لحظات كان كل فرد في مكانه.. انتشر الرجال باسلحتهم مع الفتيان فوق الاشجار العالية وبين الحشائش الصغيرة، حتى النساء استعدوا جميعا للحرب الطاحنة والزود عن القبيلة.

في هذه اللحظات العصيبة احتار فرومنتيوس ماذا يفعل، هل يترك نيران الحرب تشتعل فتأكل الاخضر واليابس؟ هل يترك الدماء تسير انهارا؟ ماذا عساه ان يفعل؟ لمعت امامه وصية الانجيل “طوبى لصانعي السلام لانهم ابناء الله يدعون” ولمعت امامة صورة المسيح المصلوب لكى يصنع سلاما بين الله والبشر.. رفع قلبه للرب يسوع يستغيث، فألهمه الله خطة.

***

نادى فرومنتيوس ارغاديو وطلب منه ان يتبعه.

نادى فرومنتيوس ارغاديو وطلب منه ان يتبعه. اطاع ارغاديو بدون مناقشة لثقته الكبيرة في رجاحة عقل فرومنتيوس . اقتحم فرومنتيوس كوخ رئيس القبيلة وحمل كمية ضخمة من افضل الهدايا ولا سيما تاج مرصع بالفصوص. كما اعطى ارغاديو بعض الهدايا، وفي ثوان كان كل منهما على ظهر جواده يحاولان اختراق حصار الزولو، وكلما يقتربا من الخروج من ارض القبيلة يجدان رجال الزولو فيعودان ادراجهما، يحاولان في اتجاه اخر حتى كشف الله لهما عن ثغرة فرا منها.

وكلما يقتربا من اختراق الحصار يجدان رجال الزولو فيعودان ادراجهما، و يحاولان في اتجاه اخر حتى كشف الله لهما اخيرا عن ثغرة استطاعا الفرار منها.

هل هرب فرومنتيوس من ارض الموت، وكل ما استطاع ان يفعله ان ينقذ معه صديقه ارغاديو؟

كلا، لقد انطلق فرومنتيوس الى قائد قبائل الزولو، وقال لارغاديو “كل ما تراني افعله افعل مثلي..”.

ما كاد الاثنان يقتربان من مقر القائد حتى قبض عليهما حرس الزولو وارادوا ان يودعوهم سجن القبيلة ولكن تحت توسلات فرومنتيوس والحاحه بانه قادم في امر خطير لقائد القبائل ستأذن الحرس من القائد واخذوهما اليه.

بصوت اجش سأل قائد القبائل:

– من انتما؟ وماذا تريدان؟

تقدم فرومنتيوس وانحنى على الارض ونهض وهو يحمل هديته ومثلما فعل فرومنتيوس  فعل ، ارغاديو وعندئذ قال فرومنتيوس :

– انا عبدك فرومنتيوس ، لقد ارسلني الله الى قبيلة النمنم منذ عدة اشهر لانه يشتاق الى خلاصهم، وهذا ارغاديو بن اركاديو زعيم القبيلة.. ان القبيلة كلها تحت امر سيدي.

ما كاد القائد يسمع اسم النمنم حتى صاح غاضبا:

– لن يبق بعد اليوم احد يسمى بهذا الاسم.. اننا سنقضي عليهم مهما كانت التضحيات.

اخذ فرومنتيوس يصوب صلواته السهمية الى السماء ويصرخ من اعماق قلبه، فهذه هي فرصة النجاة الوحيدة الباقية. وجاءت الاستجابة سريعا اذ بدأ القائد يهدأ وصراخه تخف حدته وهو يتفحص الهدايا المقدمة ثم وجه كلامه الى فرومنتيوس :

– كيف يتجرأ النمنم ويأكلون اربعة رجال من رجالي الاشداء ؟

– ان النمنم يستسمحون سيدي ويطلبون عفوه ولا سيما انهم ابرياء تماما من هذه التهمة لانهم قد توقفوا عماما عن اكل لحوم البشر.

– يا حرس! .. احضر الرجال الثلاثة الذين شهدوا مذبحة زملائهم ليرووا لنا ما حدث امام رسول السلام هذا.

افرومنتيوس #3

استيقظ افرومنتيوس هذا الصباح وقد غمره احساس بالسعادة جعله يبدو وكأنه يحلم. قلبه يدق اسرع من المألوف. عينه اليسرى ترف رفيفا طفيفا. لا شئ يثير الازعاج، لا شئ . وكأن ذلك رسالة قادمة من السماء، اما من النواحي الاخرى، فهو يوم اعتيادي كبقية الايام. كانت الشمس قد اقتربت من المغيب والطيور تزعق وتصيح. بدا الزمن وكأنه قد توقف وانتشر في الجو عبق نباتات عطرية قوية الرائحة. حين سأل ارغاديو افرومنتيوس ان يصحبه الى قلب الغابة ليكملا حديثهما السابق:

لم يكن في ملامح ارغاديو سوى التواء قسمات وجهه بين الحين والاخر التواءا خفيفا حين يسأل سؤالا او يسمع اجابة تثير دهشته. هبت ريح خفيفة بعثرت بعض اوراق الاشجار الى الامام والخلف كما داعبت خصلات شعر ارغاديو الطويلة فيما هو يسأل:

– لكن من هو المسيح الذي ذكرت اسمه المرة السابقة؟ هل هو احد الكتّاب الاربعين الذين كتبوا الكتاب المقدس؟

– لا، ولكنه هو الذي تحدث عنه كل الكتّاب. هو الله الخالق الذي حدثتك عنه. من محبته لنا نزل الى الارض وظهر في شكل مثلي ومثلك  وصنع معجزات لا حصر لها: فتح اعين العميان وشفى المرضى واقام الموتى ..

ظل فرومنتيوس يتحدث الى اركاديو الذي اعطاه اذانا مصغية وقلب مفتوح بشكل كبير، وبدى ان الروح القدس ينير له قلبه.

وفجأة سمع فرومنتيوس الطبول تدق بشكل متتابع سريع حمسي الى درجة بيرة. انتفض فرومنتيوس واراد ان يتيقن من سبب هذا القرع، والذي اعاد الى ذهنه ما حدث قبلا حين التهموا رفيقه، ولم يحتمل مجرد التفكير في انهم يأكلون شخصا اخر. اراد ان يسأل ارغاديو، لكن الكلمات اختنقت في حلقه. اسرع ارغاديو نحو الاكواخ، بينما سار فرومنتيوس بتثاقل مسافة قليلة ثم استند الى جذع شجرة وشرد عقله مجددا في مدى الظلام الذي يعم هذه القبائل، كان ينقل كل لحظات ثقل جسمه من قدم الى اخرى واخيرا تنبه عندما استبد به الارهاق، وشعر بالدوار وهو يرنو الى المياه التي تجرى في النهر المتدفق. امامه كانت الشمس برتقالية تماما، في حين انتشر فوق التلال البعيدة نثار من اللون الذهبي والاخضر الزاهي، تناقض غريب بين جمال الطبيعة ووحشية البشر وظلام الجهل الذين يرزحون تحته.

انتبه حين اقترب اليه شاب وسيم يدعى بودي وقال برفق:

– ما بالك يا فرومنتيوس منزعجا هكذا؟

– ارجوك يا بودي .. ارجوكم لا تفعلوا هذا. ان هذا العمل يغضب الله الذي يحبكم.

– وهل الهك يبغض الزواج يا فرومنتيوس؟

كلا، ولكن ما علاقة الزواج بالقتل واكل لحوم البشر.. لماذا تدقون القبول بهذه الطريقة؟

ضحك بودي وقال:

دقات القبول هذه تعلن زواجي غدا من “زوبا” ابنة عمي. ومن ادراك ربما اليوم او غدا يرسل لنا الله الطعام الذي نحبه (يقصد صيدا اخر من البشر)!

دقات القبول هذه تعلن زواجي غدا من “زوبا” ابنة عمي

اقبل اركاديو زعيم القبيلة يسأل فرومنتيوس:

ماذا بك يا فرومنتيوس؟ وماذا المّ بك؟

انني اسف جدا يا اركاديو ، ولكنني ظننت حين سمعت قرع القبول انكم قد اجتمعتم لتأكلوا صيدا اخر.

اطمئن. فمن اقرب فرصة سأجتمع مع قومي لنتشاور معا في طقوسنا هذه. ثم سأصدر امرا بتحريم اكل لحوم البشر. لقد انرت لي بصيرتي وانني اعتبرك مثل ابني ارغاديو تماما. وكل ما لي هو لك. فقط لا تتركنا وترحل.

غدا سأجتمع مع قومي لنتشاور معا ، ثم سأصدر مرسوما بتحريم اكل لحوم البشر.

شكر افرومنتيوس اركاديو، وشكر الله الذي اعطاه نعمة لدى افراد هذه القبيلة، وبدأ يدرك الهدف الذي لاجله سمح الله بغرق السفينة ومن ثم وجوده في هذه القبيلة، هو نقل لهم نور كلمة الله.