يوميات استير -6

ليلة واحدة مع الملك

اخيرا مرت السنة وجاء هيجاي يخبرني ان يومي جاء. بان الرعب على وجهي. سقطت على الارض مغشيا عليّ، ولما افقت بكيت بين يدي هيجاي والفتيات. التمست ان اعفى من المهمة البغيضة التي قدمت لي. ان كثيرات غيري يتمنين هذه الليلة. اعطوهن امنيتهن. انقذني يا هيجاي”.

اشفق هيجاي عليّ وراح يهوّن الامر عليّ قائلا:

“ان الملك انسان رقيق وهو عطوف وحنون. ”

وبعد ان هدأت، سألني ماذا اطلب من ثياب وعطور ، فقلت له ، لا شئ.

وتبسم هيجاي في وجهي وقال: “ما اعجبك! ان الفتيات الاخريات كن يستعجلن الوقت، ويركضن ركضا الى القصر، وكانت طلباتهن كثيرة، وكانت الاوامر العليا تقضي بأن مهما كانت طلباتهن تعطى لهن”.

قلت: “انا لا اطلب شيئا”

حملوني القصر، وادخلوني الى غرفة كبيرة كانت مفروشة بأثمن ما يمكن ان يخطر ببال انسان، واجلسوني على مقعد فخم، ووقفت الوصيفات يضعن اللمسات الاخيرة على وجهي وعلى ثيابي. كان قلبي ينبض بشدة وقد بان عدم الرضا على وجهي.

وجاء الملك، ووقفت في مكاني، وانصرفت الوصيفات وبقينا لوحدنا. ونظر الي الملك نظرة وقال لي فيما بعد، انه يرى فيّ اني كنت اختلف عن كل امرأة جاءت قبلي. قال لي انه رأى ابرع امرأة، وانقى جمال ، وابهى وجه. وانه رأى فيّ كبرياء وثقة بالنفس واعتداد بالذات.. قال لي ان السابقات كن يحاولن اغراءه بمفاتن اجسامهن وبحركاتهن الخليعة، ولكنه رأى فيّ “ملاكا”. قال انه كان لا يرى من السابقات الا جسدا، وقال انه شبع من الجسد، انه رأى فيّ شيئا يختلف كل الاختلاف حتى انه مال اليّ ليقبلني قال اته قبلني ، لا قبلة الشهوة، بل قبلة تبجيل، لانه رأى فيّ شيئا جديدا.

واستيقظ في الصباح ، ومال عليّ وقبلني. ثم دعا الخصيان والوصيفات والوزراء، ومن ثم وضع التاج على رأسي، واعلن ان استير مليكته المحبوبة، وامر فعملت وليمة عظيمة لجميع الرؤساء والعبيد. ووزع العطايا والهبات السخية وعمل راحة للبلاد وافرج عن المسجونين.

وسمعت البلاد كلها انه قد اختيرت ملكة للبلاد. لم اخبر عن جنسي بحسب وصية ابن عمي ، فلم يعلم احد اني من الجنس المحتقر.

وعلم ابن عمي مردخاي بما وصلت اليه، وقد سعيت من طرف خفي، فارتقى من مجرد حارس عادي الى ضابط حارس. صار احد الضباط القائمين على حراسة القصر الكبير، لم ينل الاحترام الكبير لانه لم يكن الا ضابطا صغيرا ، فوق انه كان معروفا انه من البلاد المغلوب على امرها. ولم يكن في نظر الاخرين اكثر من عبد. ولكنه لم يعبأ بذلك، بل كان نظير جنسنا ينظر الى الاخرين بتعال، ويرى انه ارفع من كل الشعوب الاخرى.. وهذا حقيقي لان شعبي هو الشعب المختار من الرب.

الاميرة و المرآة

%d8%a4%d9%87%d9%89%d9%8a%d8%ab%d9%82%d8%ab%d9%85%d9%85%d8%b4

كان يوجد اميرة صغيرة معجبة بنفسها، محبة لذاتها، وحاول والداها اصلاحها ولم يتمكنا، واخيرا ظهر لوالديها ملاك، واخبرهما انه يستطيع ان يصلح سلوك الاميرة واشترط ان يأخذها معه لمدة شهر فقبل الوالدان.
حمل الملاك الاميرة الى قصر كبير جدا وسط حديقة جميلة مملوءة بالاثمار الشهية، وكان في القصر نوافذ كبيرة تطل على الحديقة، وكان بين نافذة واخرى مرآة ، وانشغلت الاميرة بالمرايا فكانت لا تشبع من النظر الى نفسها في المرايا، ولكن امرا عجيبا كان يحدث كلما تطلعت الى المرآة فقد كانت المرآة تكبر والنوافذ تصغر الى ان جاء يوم واذا كل النوافذ والابواب تحولت الى مرايا، ولم تستطع الاميرة ان تخرج لترى الحديقة وتأكل من اثمارها. فصارت تركض من ناحية الى اخرى عساها تجد منفذا ولو واحدا فلم تجد.
ثم سمعت زقزقة جعلتها تقف وتتذكر عصفورا كانت قد رأته في قفص فتوجهت اليه وقالت له:
 “يا لك من مسكين! ايهاالعصفور الجميل! وهل انت ايضا مثلي سجين في هذه الغرفة المظلمة؟” ثم احضرت اليه ماءا في يديها من طبق ، ثم بحثت في جوانب الغرفة فوجدت قطعة من تفاحة جافة فحملتها الى العصفور لتطعمه اياها. وبينما كانت تقوم بهذه الامور، اذ بالنوافذ تنفتح قليلا قليلا، فلما انفتحت بدرجة تكفي لاخراج العصفور اطلقته حرا. وما ان انتهت من ذلك حتى وجدت النوافذ والابواب قد فتحت، فصار الاميرة حرة. وقد تعلمت من ذلك انه ان شاءت ان تتحرر فعليها ان تتحرر من محبة الذات. يجب اولا ان تتعلم ان تفكر في الاخرين قبل نفسها وتعمل على اسعادهم. يقول المثل: “ما عاش من عاش لنفسه فقط”.

العبد الناسك

the-rich

للقس تادرس يعقوب

العبد الغريب:

زار احد الاثرياء الرومان الاسكندرية، واشترى منها عبدا اخذه معه الى بلده. كان العبد غريبا في تصرفاته. كان يعمل بجد واجتهاد.. لم يكل قط من العمل، ولا تذمر من كثرته. كان يعمل في الخفاء ، ويساعد العبيد زملاءه في اعمالهم. لم تفارقه ابدا ابتسامته قط، بل كان دائم البشاشة، لكنه لم يكن مهزارا ولا يعرف الاسفاف. تبدو عليه الرقه واللطف لكن في وقار وجدية. حينما يكون بمفرده لا يراه احد الا وهو يترنم ويتغنى بالمزامير والتسابيح. احبه سيده جدا، حتى جعله رئيسا للعبيد. بل كان يتوق كثيرا الى مجالسته، وينجذب الى حديثه.. مع انه قليل الكلام محبا للصمت.

اما العبيد زملائه، فكانوا يحبونه كثيرا. كان كأب حنون يأتيه الكبير والصغير. يشكي له الكبير الامه، فيجد القلب المفتوح المملوء هدوءا الذي يفيض بالسلام. ويأتيه الصغار اذ يرون فيه ابوة حانية. تعلقت نفوس الجميع به ، اما هو فكان حديثه يدور حول شخص الرب يسوع. يفتح لهم الكتاب المقدس ليحدثهم عن يسوع الخادم المحب، والسيد الذي يقدم ذاته مذبوحا لاجل عبيده. يجمعهم ليصلي الكل معا بروح واحدة. وهكذا تغيرت ملامح وجوههم .. من العبوسة الى البشاشة. ومن حياة التذمر الى حياة الشكر، ومن التراخي والاهمال الى العمل والجد. حلت بركة الرب في القصر، وصار السيد يحب عبيده.. كان يراهم اخوته يجالسهم وينصت اليهم. كان يعتز بهم كاحباء واخوة اكثر منهم عبيدا وخدما، وخاصة ذاك العبد السكندري. فقد كان موضع اعتزازه يفخر به ويقدمه لضيوفه ليروا باعينهم ما لم يسمعوا به او يروه قط بين العبيد والسادة.. انسانا هو بحق رجل الله، سبب بركة لصاحب البيت وكل العاملين في القصر.

+++

وفي احد الايام جاء احد الاسكندريين لزيارة هذا الرجل. دخل القصر وتقابل مع صديقه الغني. اخذ الصديق يروي لصديقه عن عمل العبد الاسكندري في البيت، كيف حول حياته وحياة افراد عائلته وحياة العاملين في القصر الى حياة سعيدة، وكيف جذب الكثيرين الى التعرف على شخص الرب يسوع. فتاق الصديق ان يرى ذلك العبد.. فارسل صاحب البيت يستدعيه.

دخل العبد في حضرة الصديقين.. وبدأ صاحب البيت يقدم العبد لصديقه، لكن الصديق لم ينصت الى كلماته، بل تسمرت عيناه في وجه العبد. بدأ يحملق في ملامح وجهه. صار يفكر في نفسه قائلا: “ترى هل هو؟ كيف حدث هذا؟ وما الذي اتي به الى هنا؟!”

صار الرجل كمن هو في غيبوبة، مسترجعا في ذاكرته حياته الاولى. تذكر ما قد حدث منذ سنوات طويلة في احد الاحياء الفقيرة بالاسكندرية، يوم اجتمع مع اقربائه الفقراء في ليلة قارصة البرد.. وعندئذ بدأ يقول في نفسه: “لقد كنا حول النار المتقدة نستدفئ، حينما قال احد اخوتي الفقراء “لقد اخطأت اليوم اذ قابلت بطرس البخيل، وسألته صدقة، فطردني واخذ يلعنني ويسبني كثيرا”. عقب عليه اخر: “لعلك مجنون، لان المدينة كلها تعرف بخله، لماذا ذهبت اليه”. وقال ثالث: “ما اظن اننا نرى يوما بخيلا يضارع هذا الرجل”. فاجبتهم قائلا: “يا اخوتي .. لماذا نكثر الحديث عن هذا الرجل؟ لماذا ندينه على بخله؟ من يدري ربما يتحول قلب هذا الرجل ويصير سخيا؟ الم يغير الرب قلب زكا العشار ولاوي وغيرهما كثيرين؟” ضحك الكل مستهزئين. اجابني احدهم “انت طيب القلب.. لو انك قد اختبرت معاملته لما قلت هذا! ما اظن ان زكا او لاوي او احدا في العالم بلغت به القساوة ومحبة المال مثل بطرس هذا؟.. قال لي ثان: ان كنت تقدر ان تأتي منه بصدقة فاني اعطيك مثلها”. قال ثالث “وانا ايضا اعطيك..”.. وعندئذ احسست بخجل من كلماتهم ، لكنني تشجعت وقلت لهم “يا اخوتي .. انا لا اقدر ان اعدكم بانني قادر بان اخذ منه صدقة، لكنني … انا لا اقدر ان اعدكم بانني قادر بان اخذ منه صدقة، لكنني اعرف شيئا واحدا. اعرف ان سيدي قادر ان يغير من طباعنا. اخوتي ازروه بصلواتكم .. هو اخونا.. مسكين. صلوا من اجل نفسه.. فهو محتاج ونحن ايضا محتاجون ! الله يرحمنا ويرحمه!”.

وبعدما انتهت السهرة مع اخوتي الشحاذين، ذهبت الى كوخي وجلست مع زوجتي واولادي للصلاة كعادتنا. طلبت منهم ان تكون الصلاة مخصصة من اجل نفس اخينا بطرس ومن اجل نفوسنا. وفي الصباح خرجت .. وفيما انا سائر بجوار مكان الجباية رأيت بطرس الذي كان الكل يدعونه بالبخيل ، واذا به يقف هناك. طلبت منه صدقة ، وللحال تكدر وتغيرت ملامح وجهه واخذ يسبني وشتمني… وقفت لا ادري ماذا افعل. رفعت قلبي لالهي يسوع قائلا: “ايها الرب يسوع . اعن هذا الرجل وضعفي”. وفيما انا على هذا الحال اتفق ان غلامه كان اتيا اليه ومعه طعام الافطار .. فاخذ الرجل رغيفا وقذفه في وجهي. اخذت رغيف الخبز من الارض وقبلته وشكرته ، بينما هو غارق في سبابه وشتائمه.. تركته وانصرفت. وفي الطريق صادفت كنيسة.. دخلت وصليت وقلت: “اذكر يا رب عبدك بطرس فانك انت ابوه.. وانت وحدك الذي تحبه”. وفي اليوم التالي.. لم ادر ماذا حدث .. انما اذكر انه صار يعطي بسخاء انا ورفقائي من الشحاذين.. صار يحبنا جدا .. صار سخيا بلا حدود. وفي يوم لم نجده.. لم نعرف الى اين ذهب؟ .. ومن هذا الذي يجلس مقابلي؟ انه هو هو بطرس… كيف صار عبدا؟!! انني غير مصدق عيناي. ما الذي اتى به الى هنا؟!!

افاق الرجل من تفكيره ثم قام عن كرسيه لا شعوريا وسار نحو العبد وهمس في اذنيه “الست انت هو سيدي بطرس الاسكندري؟”واجابه العبد بكلمات لم يسمعها صاحب البيت. ارتمى الرجل على عنق العبد واخذ يقبله. اما صاحب البيت فقد صار مذهولا. لا يعرف كيف يفسر هذا الذي يدور حوله. استأذن العبد منهما.. واذ ادرك ان خبره سيعرفه صاحب البيت وسينتشر في القصر.. هرب للحال.

ركب مركبا وغادر البلدة الى الاسكندرية. ومن هناك ذهب الى بيت ابو مقار.

العبد في البرية:

في البرية التقى العبد الهارب بأحد الاباء الرهبان. قبّل العبد يدي الاب قائلا: “السلام لك يا ابي”.

اجاب الاب: “السلام ا ابني.. ما الذي اتى بك الى هنا يا ابني؟”

اجاب العبد: “لقد سمعت يا ابي عن اخباركم… فاشتاقت نفسي الى ترك العالم لاحيا متعبدا لذاك الذي احبني، واردت ان اكون بينكم لاتعلم منكم واكون خادما لكم”.

عندئذ بدأ هذا الاب يقول له:

“يا ابني هذا الطريق ليس بالطريق السهل.

اننا نعيش في برية قاحلة ، نعمل بأيدينا من اجل قوت يومنا. نأكل الخبز الجاف والقليل من البقول وبعض الخضروات. حروب البرية صعبة يا ابني. لا تظن انك تهرب من العالم لتجد راحة فان عدونا ابليس لا يغفل ليلا ونهارا عن محاربتنا. الطريق ضيق والصليب ثقيل. كثيرون ا ابني جاءوا وبدأوا.. لكن سرعان ما اكتشفوا ثقل الحرب والجهاد.. واذ كانوا هاربين من الام العالم لم يستطيعوا ان يبقوا هنا.. بل عادوا اليه مرة اخرى”.

كان العبد ينصت الى كلمات الاب الهادئة.. وعندما اكمل الاب حديثه، اجاب العبد.

يا ابني .. لي رجاء عظيم في محبة يسوع ان يعينني.. انني اريد ان احبه”

يا ابي .. ارجوك الا تحرمني .. فانني اريد ان احيا ليسوع.

جربني يا ابي .. وانا واثق من نعمة سيدي وتعضيد صلواتك لاجل ضعفي.

يا ابي ارجوك الا تردني.

واذ رأى الاب عزيمته ومثابرته عندئذ بدأ يسأله عن بلده وعمله وحياته.

+++

وافق العبد ان يفاتح الاب بكل اسراره بعدما تعهد الا بيح بسره لاحد الى يوم انتقاله من هذه الحياة.

بدأ العبد يسرد قصة حياته فقال:

“انني يا ابي كنت عشارا اجمع الضرائب في الاسكندرية. كنت بخيلا .. بخيلا جدا.. محبا للمال الى الغايية!.. كنت اعشق المال.. نعم بل كنت اتعبد له. كنت قاسي القلب ، لا اعرف الرحمة، ولا استجيب لدموع شيخ او توسل امرأة او صراخ طفل! كان اناس يرهبونني.. اما انا فكنت اسهر الليالي اراجع حسابات الجزية وافكر في كيف سأجمعها.. كنت دائم القلق. وبقدر مكا كان القلق يساورني كنت اسعى بكل قوة لتكديس المال .. لكن بلا جدوى.

وفي ليلة لا انساها قط. اطفأت السراج وحاولت النوم .. لكن كما العادة – كانت الارقام تتراءى امام عيني.. مرت ساعة وساعتين وثلاث.. احاول النوم لكن عبثا حاولت. واخيرا في الم شديد تنهدت من اعماقي وقلت “يا رب ااحرم حتى من النوم الذي تتمتع به الحيوانات غير العاقلة؟”

وبعد قليل لم ادر ان كنت قد نعست ام كنت في يقظة واذا بي اجد نفسي جائعا.. واذ مائدة عظيمة تنتصب امامي.. اسرعت اليها لاكل شيئا.. ولكن احد الحراس منعني: وبعد الحاح قال لي: “لك طبق واحد.”

اخذت الطبق فرحا ورفعت الغطاء عنه.. واذ بي اجد نفس الرغيف الذي ضربت به الفقير في ذلك اليوم!

قمت من نومي واخذت ابكي. لاول مرة في حياتي كنت اصلي ومن غير ان يعلمني احد الصلاة.قلت: “يا رب علمني ان احبك. هب لي قلبا رحيما”.. جاء الصباح وكنت قد عزمت الا يكون لي عمل الا الرحمة. خرجت من البيت واسرعت الى الكنيسة. وهناك التقيت بأحد الكهنة الذي تعجب لما رآني والدموع تسيل من عيني. سجدت وبكيت وامسكت بيديه وقلت:

“اخطأت يا ابي الى الهي. احببت العالم من قلبي .. والان صل من اجلي فاني اريد يسوع. اريده وحده”.

بدأ لكاهن يشجعني ويطمئنني وبعدها اعطاني ارشادات نافعة. رفع الصليب وبدأ يصلي علي بقلب منسحق فيما كنت انا ابكي بغزارة.

+++

خرجت من الكنيسة لانفذ ما تعهدته. ذهبت الى السجن ودفعت عن كل من حبستهم بسبب المال ظلما. دفعت ثمن الكثيرون من الاطفال الذي كنت سبب في بيعهم كعبيد.

بحثت عن الفقراء وبدأت اقدم لهم عونا بصفة دائمة منتظمة. ذهبت الى عمل … لاعمل باجتهاد وامان ولا اظلم احدا فيما بعد. اقول الحق يا ابي.. لقد شعرت بسعادة غامرة. حرمت منها لسنوات عديدة.

.. وفي احد الايام وانا سائر في السوق رأيت انسانا يرتعش من البرد، فخلعت ردائي وقدمته له. وفي الليل اذ بي ارى في منامي الرب يسوع وهو مئتزر بردائي. اسرعت وسجدت وقلت له: “كيف تقبل يا سيدي ان تلبس ثوب انسان خاطئ مثلي؟ ومن اعطاه لك؟” .. فقال لي “ما تفعله باحد اخوتي الاصاغر فبي قد فعلت”.. قمت فرحا وقلت: “يسوع يلبس ثيابي.. فلاعطيه كل شئ”.

+++

واذ كنت قد وزعت كل اموالي ولم اجد لدي شيئا .. وبعد تفكير ذهبت الى السوق وبعت نفسي عبدا واعطيت المال لاحد خدامي الذين كنت قد اعتقته وقلت له: “لاجل المسيح وزع هذا المال على الفقراء”.. ولكن جاء احد اصدقائي القدامى من الاسكندرية.. وعندما رآني وقع على عنقي وهو يسألني عن سبب مجيئ هنا .. لم اخبره بشئ . لكنني هربت خوفا من المجد الباطل.

وها انا يا ابي بين يديك. اقبلني لاكون خادما لكم.. وارجوك ان تحفظ سري الى يوم انتقالي. وهكذا كان الى تنيح بسلام. بركة القديس بطرس العابد معنا . امين

قصة قصيرة واقعية وردت في السنكسار تحت عنوان “بطرس العابد” يوم 25 طوبة

 

الساحر المحتال

%d9%88%d8%ad%d9%8a%d8%af

كان يسير في احدى الشوارع الشعبية، حين وجد جمهرة كثيرة، فجذبه حب الاستطلاع وفضوله لمعرفة سبب هذا التجمع، فأخذ يقترب حتى وصل وابتدأ يزاحم وسط هذا الزحام حتى وصل الى المقدمة.

هناك كان يقف الساحر. كان وجهه دميما وملابسه قذرة وصوته غليظ، وعلى الرغم من هذا التف حوله كل هؤلاء ليشاهدوا سخافات يعلمون انها سخافات، يعرفون انه يضحك عليهم بالعابه المبتذلة ، وعلى الرغم من ذلك يشاهدون وعلامات السرور تبدو واضحة في ملامحهم. يصفقون له بكل ما اوتوا من قوة. جذب انتباهه انه يعرف معظمهم، فهذا دكتور امجد وصديقه المهندس تامر، وهذه الاستاذة ليلى المحامية وزوجها الاستاذ ايمن مدير البنك، وابنهم امين الطالب الجامعي وهذا  وهذه و – هؤلاء كلهم معروفين لديه تمام المعرفة – وهذا ما ادهشه اكثر، ترى لماذا ترك كل هؤلاء المحترمين انفسهم لشخص جاهل يضحك بهم وعليهم، ويحولّهم الى جماعة من الحمقى التافهين؟

فسأل من بجواره: لماذا انت هنا وتتابع هذا الساحر الجاهل بكل هذا الشغف؟

فاجابه الرجل دون ان يلتفت اليه: لا اعلم .. في البداية جذبني الفضول ولم استطع الرحيل من وقتها.

فسأل الشاب بتعجب: اذن انت هنا منذ زمن طويل!!! منذ متى؟

وللمرة الثانية جاءته الاجابة: لا اعلم..

وقف يتفرج، وبعد ردحا من الزمن لا يعرف طوله، وللمرة الثانية عاد يسأل من بجواره – وكانت هذه المرة فتاة :

لماذا تتابعين هذا الساحر الجاهل؟

الا ترى كم هي بديعة حيله!

لا ، انا اراها سخافات والعابا مبتذلة..

تجاهلت ما يقوله واكملت حديثها: انا حزينة – اضحك وقلبي مملوء بالحزن- ابتسم ولكن عيناي دامعتان – اطلب دائما والساحر لا يكف عن اجابة طلباتي – انا وغيري من المتفرجين – انه يبهرنا بحيل جديدة وكثيرة على الدوام. انه يربطنا معه ، واصبحت انا بالذات اكثر ارتباطا به –  فقررت ان ابقى معه. فهل لي ان اطلب منك شيئا ايها الرفيق؟

اجبتها على الفور: اطلبي ماشئت. كم يسعدني ان اقدم لك اي خدمة.

قالت:انا اشعر بالبرد والخوف معا. هل تستطيع ان تخرجني من هنا؟ هل تستطيع ان تدفئني – هلا اخذتني بين احضانك – انا جد بردانة..

اسرع الشاب وضمها الى صدره واغمض عينيه وهو يقول: لطالما تمنيت ان اتكلم معك للحظات. لطالما تمنيت ان اراك في احلامي، وانت اليوم تحققينها لي، بل وتطلبين مني ما لم اكن حتى لاحلم به في اجمل واحلى احلامي.. يا لك من انسانة عظيمة و..

قاطعته: لا .. لست انا عظيمة . بل الساحر، الساحر هو العظيم لانه احضرك اليّ الى هنا.

كان يضع منهما رأسه على كتف الاخر وكانا يترنحان، حين سألها الشاب وهومازال مغلقا عينيه ظانا انه في حلم يخشى ان يفتح عينيه فينتهي الحلم. فسألها: كيف يا حبيبتي هذا.. كيف تقولين عظيما وانا اراه سبب لك الهم والغم.. انا اراه ما هو الا احمق يلتف حوله الحمقى مبهورين ببعض الحيل القديمة الحمقاء.

كان لا يزال مغمضا عينيه وهو يضمها الى صدره حين سمعها تقول: اذن انت انت واحد من هؤلاء الحمقى – لانك صدقت هذه الحيلة واستمتعت بها ايضا..

كان موقنا ان الصوت يخرج من بين شفتي حبيبته الملاصق لاذنه، ولكن الصوت كان لرجل ، رجل كان يسمع صوته منذ بضع لحظات.. افاق لنفسه، وادرك انه سقط هو ايضا في الخديعة.. سقط مثلهم جميعا.. سقط من ساحر كان يشمئز منه منذ بضع – لا يعلم، هل هي لحظات ام ايام ام سنوات-  بكى لانه شعر كم هو غبي. وهنا تملكه شعور بالغضب والانتقام..

عليه ان يفضح السائح والان..

عليه ان يتصارع معه ويغلبه.. فهو ساحر مغلوب ومهزومومقيد.. وهنا هم بالانقضاض عليه للانتقام، ولكنه في اللحظة الاخيرة توقف.. لقد ادرك انها الخدعة الثانية التي كان سيسقط فيها.. وهنا صرخ الساحر صرخة مدوية رافضا انكشاف خدعته.. وهنا ادرك الشاب ان عليه الهروب من وجه هذا الساحر الدميم.. عليه ان يهرب ولا ينظر الى الوراء.. عليه ان يهرب لحياته.. عليه ان يهرب من هذا الساحر الذي يضل حتى المختارين.. عليه ان يهرب، ففي هروبه انتصار.. ومجرد خروجه من دائرة سيطرته فوز ومجد..

جرى وجرى.. كان يلهث متعبا ، ولكنه كان فرحا، لانه كان يجري نحو الجعالة غير مضيّعا وقته.. لم يعد تحت سيطرة الساحر . لم يكن هروبه خزيا له، بل اعظم من انتصار.

بابا بانوف وهدية عيد ميلاد مميزة

061215-papapanov-4-638

للكاتب الروسي الكبير ”ليو تولستوي“

(كتبها سنة 1908م)

كانت ليلة عيد الميلاد. وبالرغم من أنَّ الوقت كان بعد الظهر، إلاَّ أنَّ أضواء العيد كانت قد بدأت تظهر في الحوانيت والبيوت في هذه القرية الروسية الصغيرة، لأن نهار الشتاء كان على وشك الأفول. وكان الأطفال المرحون بسبب العيد يجرون ويمرحون داخل المنازل، ولكن بحلول الظـلام، بـدأَت الأصوات تخفت، والثرثـرة والضحك يتوقَّفان داخل أبواب المنازل المغلقة.

أما العجوز ”بابا بانوف“، صانع الأحذية المعروف في القريـة، فقد ابتدأ يخطو خارج حانوته، مُلقياً نظرة أخيرة حوله. وكانت أصوات المرح والفرح، والأضواء المتلألئـة، وروائـح الطبخ اللذيذة لأطعمة ليلة عيد الميلاد التي بدأت تخبو؛ كانت تُذكِّره بأوقات أعياد الميلاد السابقة حينما كانت زوجته ما زالت على قيد الحياة، وأطفاله كانوا صغاراً بعد. والآن، ها الجميع قد مضى واختفى. أمـا نضـارة وجهـه المبتهج، بضحكاتـه القليلة، فقد تحوَّلت – مـع طـول السنين – إلى تجاعيد في وجهه تطلُّ مـن وراء مُحيَّاه المستدير المتجهِّم، ويُطِلُّ من ورائه بالحزن والأسى. لكنه رجع إلى بيته بخطواتٍ ثابتة، ثم رفع مزلاج الباب، ودخل ليُعدَّ لنفسه قدحاً من القهوة على موقد الفحم. وبتنهدة خرجت من فمه، جلس على الكرسي ذي المسندين.

و”بابا بانوف“ قلَّما كان يقرأ، لكنه في هذه الليلة جذب من على الرفِّ الكتاب المقدس القديم الذي كانت الأسرة تستخدمه، وأَخَذَ يتتبَّع بطرف إصبعه السطور ليقرأ قصة ميلاد المسيح. وقرأ كيف أن مـريم العذراء ويـوسف كانـا مُنهكَيْن بسبب رحلتهما الطويلة إلى بيت لحم، وكيف لم يعثرا على مأوى لهما في الفندق الصغير، حتى أنَّ وليد مريم وُلد في مذود للبقر!

وصاح بابا بانوف: ”يا حبيبي! آه، يا حبيبي! لو أنهما أتيا إليَّ ههنا، لكنتُ قد أعطيتهما فراشي! ولكنتُ قـد غطَّيتُ المولـود بلحـافي لكي أجعله يـدفأ“.

ثم قرأ عن الحكماء المجوس الذين أتوا من بلادٍ بعيدة، ليُقدِّموا للمولود هدايا ثمينة.

وأطرق بابـا بانوف برأسه إلى أسفل، وهو يُفكِّر بحزنٍ: ”ليس عندي هدية لأُعطيها له“.

ثم أشرق وجهه فجأةً، فوضع الكتاب المقدَّس إلى جانبه، ثم وقف ومدَّ ذراعيه إلى الرفِّ العالي في غرفته الصغيرة، وأَنْزَلَ من عليه صندوقاً يعلوه التراب وفتحه. وكان بداخله زوج حذاء صغير من الجلد الثمين! وابتسم بابا بانوف، وهو مرتاح البال. نعم! لأنه تذكَّر أنَّ هذا الزوج من الأحذية كان أفضل ما صنعه من أحذية. ثم قرَّر، وهو يضعهما بجانبه: ”إني لسوف أُعطيهما له“، ثم جلس مرة أخرى.

وفي ذلك الوقت، أحسَّ بأنه مُتعب، وعلى قدر مـا قـرأ قصة ميلاد الرب يسوع، على قـدر مـا غلب عليه النعاس. وأخـذت كلمات قصة الميلاد تتراقص أمام عينيه، حتى أنه أغلقهما، وفي دقيقةٍ غلبه النعاس. وهكذا سريعاً نام بابا بانوف.

وما إن نام حتى أتاه حُلم. فقد حلم بأنَّ شخصاً ما كان في غرفته. وعَلِمَ للتوِّ، كما يرى النائم في الأحلام، مَن هو هذا الشخص! فقد كان الرب يسوع!

وقد خاطبه الرب يسوع قائلاً: ”لقد كنتَ ترغب لو أنك تقدر أن تراني، يا بابا بانوف. إذن، فانتظرني غداً. إنه يوم عيد ميلادي، وأنا سوف أزورك. ولكن انظر بدقَّة، لأني لن أقول لك مَن أكون!“.

وحينذاك استيقظ بابا بانوف، وكانت أجراس الكنيسة تقرع، بينما كان نورٌ ضئيل يتسرَّب من بين مصاريع الباب. ورشم بابا بانوف نفسه بإشارة الصليب، ثم قال: ”فلتُبارِك نفسي الرب! إنَّ اليوم هو عيد ميلاد الرب يسوع“.

وأخيراً، حينما قام من فراشه، وقف يمطُّ نفسه، لأنـه كان ما زال مُتصلِّباً. وامتلأ وجهه بالسعادة، إذ تذكَّر حلمه الذي رآه. فهذا العيد قبل كل شيء، هو عيدٌ ذو خصوصية مُميَّزة، لأن الرب يسوع قادمٌ إليه ليزوره! كيف سيبدو يسوع؟ هل سيأتي طفلاً صغيراً كما كان في أول ميلاده؟ أم سيكون رجلاً نامياً، كنجَّارٍ أو كملكٍ عظيم، فهو ابن الله؟ ويجب على بابا بانوف أن يتنبَّه بمنتهى الدقَّة طيلة اليوم حتى يتعرَّف عليه، مهما كانت الحالة التي يأتي بها إليه!

وأعدَّ بابا بانوف قدحاً خاصاً من القهوة لهذا اليوم. ثم فتح مصاريع النافذة وأخذ يتطلَّع إلى الطريق. كان الطريق مهجوراً، ولم يأتِ أحدٌ، فيما عدا ”كنَّاس“ (عامل نظافة) الطريق! وكـان يبدو بائساً ومتَّسخاً كالمعتاد. فكيف يكون حال ذاك الذي يعمل يوم عيد الميلاد، وفي مثل هذا البرد القاتل، والجليد اللاذع؟

وفَتَحَ بابا بانوف باب حانوته، تاركاً فقط فتحة صغيرة ليدخل منها الهواء البارد، ونادَى صائحاً عَبْر الطريق على هذا الرجل بابتهاج: ”هَلُمَّ، ادخُل! تعالَ لتأخذ بعض القهوة الساخنة ليهرب منك البرد!“.

ونظـر الكنَّاس إلى أعلى، وبـالكاد صدَّق ما سمعه بأُذنيه. فقد صار فَرِحاً جداً لأنْ يركن المكنسة على الحائط ويدخل إلى الغرفة الدافئة. وبدأت ملابسه القديمة تمتص بهدوءٍ البخار المُحمَّل بسخونة الموقد. وأحاطت يداه المحمرتان بالقَدَح الذي يحوي القهوة الساخنة التي قدَّمها له بابا بانوف.

وكان بابا بانوف يتأمَّل في وجه الرجل بارتياح، ولكن نظره كان مُثبَّتاً على النافذة، إذ كان يحرص على أَلاَّ تضيع منه فرصة الزائر العزيز.

وأخيراً، سأل الكنَّاسُ بابا بانوف: ”هل أنت منتظرٌ أحداً؟“. وحينذاك أخبره بابا بانوف عن حُلمه.

وردَّ عليه الكنَّاس قائلاً: ”حسناً، أرجو أن يأتي. لقد مَنَحتَني تحية عيد الميلاد بما لم أكن أتوقَّعه. وأقول لك: إنك تستحق أن يتحوَّل حلمك إلى حقيقة“، ثم ابتسم وهو فَرِحٌ.

وبعد أن شرب القهوة، انصرف الكنَّاس. وأعدَّ بابا بانوف شوربة الكرنب ليحتسيها في الغذاء، ثم توجَّه مرة أخرى إلى الباب، وهو يفحص الطريق بتدقيق، ولم يَرَ أحداً؛ ولكنه كان مُخطئاً، لأن شخصاً ما كان آتياً من بعيد، وهو لم يَرَه.

papa_panov_detail2b1000

كانت فتاة تسير ببطء، وبهدوء، محاذية أسوار الحوانيت والبيوت، وهكذا كانت تسير بحيث لم يَرَها. وكانت تبدو مُتعَبَة، وهي تحمل في يدها شيئاً ما. ولما اقتربت أكثر فأكثر، استطاع أن يراها ويـرى أنها تحمل طفلة ملفوفة في شالٍ سميك، وكان الحزن يبدو على وجهها، والحرمان يبدو على وجه طفلتها، مِمَّا جعل قلب بابا بانوف يتمزَّق عليهما.

ونادَى على الفتاة، وهو يخطو خارجاً ليُقابلها: ”هلاَّ تدخلان، أنتما الاثنتان، فربما تحتاجان إلى دفء النار، ولتأخذا راحة“.

ووافقت الأُم الشابة على استضافتهما داخل البيت، ولتستَرِح على الكرسي ذي المسندين. وخرجت تنهدة عميقة منها تنمُّ عن الارتياح.

وقال بابا بانوف: ”سوف أُدفِّئ قليلاً من اللبن للطفلة. لقد كان لي أطفالٌ أيضاً، وأنا قادرٌ على أن أُطعمها بـدلاً منكِ“. وأخـذ اللبن مـن على الموقد، وبحرصٍ أطعم الطفلة بـالملعقة، ودفَّأ قدميها الصغيرتين على الموقد في نفس الوقت.

وقال بابا بانوف: ”إنها تحتاج إلى حذاء“.

وردَّت الفتاة: ”لا يمكنني شراء حذاء لها. لقد تزوَّجتُ برجلٍ لا يمكنه إعطائي نقوداً. وها أنا في طريقي إلى القرية القريبة لأجد عملاً“.

وفجأةً وَمَضَتْ فكرة في ذهن بابا بانوف. فقد تذكَّر زوج الحذاء الذي رآه في غرفته الليلة الماضية. ولكنه قد قرَّر الاحتفاظ به للرب يسوع. وعندما نظر مرة أخرى إلى قدمَي الطفلة اللتين تُعانيان من البرد، فكَّر في ذهنه فكرةً ما.

ثم نظر إلى الفتاة وطفلتها مرة أخرى، وقال: ”ها هو الحذاء“، وسلَّم للفتاة الفقيرة الحذاء الثمين.

وردَّت عليه: ”شكراً، إنه على مقاسها تماماً“! وسُرَّ بابا بانوف بهذا جداً.

ومـرة أخرى، عـاد إلى النافذة، باحثاً عـن الطفل يسوع، وهو في غاية القلق: هل هو آتٍ ليراه أم لا؟ أم هو تركه؟

وعَبَر كثيرون جداً على الحانوت في ذلك اليوم، وقدَّم لهم بابا بانوف: إما ابتسامة، أو إيماءة، أو انحناءة، أو تحية!

+ + +

وأرخى الليل سدوله، وصار العجوز مُحبَطاً في يأسٍ. فإن الرب يسوع لم يأتِ. وفي حزنه، انسابت الدموع من عينيه، وخَلَدَ إلى فراشه.

ومرة أخرى، سمع صوت الرب يسوع يسأله في الحُلم: ”أَلَم تَرَني؟ لقد كنتُ جوعاناً وأطعمتني. كنتُ عطشاناً وسقيتني، كنتُ غريباً فآويتني، عرياناً فكَسَوتني. كل هؤلاء الناس الذين استضفتهم اليوم، وكل ما فَعَلْتَه من أجلهم، فبِي فَعَلتَ!“.

العام القديم والعام الجديد

new-years-resolution

احس العام القديم بعد عيد الميلاد عند الغربيين انه واهن قليلا. و بعد ان ساءت حالته في اليوم التالي ارسل يستدعي الطبيب. وهذا بعد ان جس نبضه قال:

لست مريضا ، ولكنك ترى انك “كبرت”.. وفي الحقيقة – وهنا نظر الى التقويم وقال:

ارى من واجبي ان اخبرك ان ايامك معدودة!!

قال العاام القديم: “ايها الطبيب، ماذا سيحدث للعالم بعد ان ارحل؟”.

واجاب الطبيب: “ان هذا يتوقف على العام الجديد”.

وجلس العام القديم مدة طويلة في كرسيه صامتا ومفكرا – ثم نادى الخاتم وارسله برسالة الى العام الجديد الذي يقيم في الشارع القريب يرجوه بالحاح ان يتفضل بالزيارة لانه ينبغي ان يتحدث معه في امور هامة جدا!!

ولكن الخادم عاد عاد وحده وقال ان العام الجديد لا يمكنه المجئ!!

وسأل العام القديم: “هل رأياه؟”

فاجاب الخادم: “كلا، ولكنه ارسل يقول ان الطبيب اعطى اوامر مشددة ان لا يترك البيت لعدة ايام.. وقال ان خروجه قبل اول يناير يقلب الدنيا كلها رأسا على عقب.

وارتبك العام القديم.. ولكن ارتباكه لم يطل اذ طرق ذهنه فكرة فقام وجلس على مكتبه، وامسك ورقة وقلما وجعل يكتب:

صديقي العزيز.

بعد التحية – مع انه لم يسبق لي ان اتشرف برؤيتك واظن اني لن انال هذا الشرف . فاني اتجاسر واكتب لك لان مستقبلك يهمني كثيرا!

وحتى يمكنك ان تقدّر عمق اهتمامي بك. اخبرك ان في نيتي عندما اذهب ان اترك كل مالي لك!

والان اذا سمحت لي ارجو – بحق كبر سني عنك – ان اقدم لك نصيحة مؤلفة من اربع كلمات .. “لا تضيع يوما واحدا”.

عندما بدأت الحياة بثلثمائة وخمسة وستين يوما. قلت انها ثروة كبيرة لا نهاية لها ولكنني الان ارى – واسفاه – ان هذه الثروة على وشك الانتهاء.وقد علمت انه سيكون لك ثلثمائة وستة وستون يوما! ومع اني لا افهم سبب ذلك فانا متأكد ان لا احد يتذمر من ذلك اذا احسنت استعمال هذه الايام. انا واثق انك ستبدأ بداية طيبة. ولكن ما ارجوه هو ان تستمر في ذلك الى المنتهى!

وهنا صمت العام القديم قليلا وهو يفكر في الايام الثمينة التي طارت !

وعلى حين فجأة ذكر شيئا ، فقام عن كرسيه ، وجعل يقلب في اوراقه حتى عثر على رسالة قديمة فقرأها متمهلا . ثم جلس وعاد يكتب مرة اخرى:

قرأت الان رسالة ارسلها اليّ سلفي قبل مجيئ. وقد اخبرني فيه انه بالقرب من نهايته اظلمت ايامه باهوال الحرب – واودعني مهمة اقامة السلام في العالم. ولكني لم استطع ان اقوم بكل ما املت ، ولذلك اترك الباقي لك..

لا تخف ولا يسقط قلبك. يوجد اناس مدهشون في كل مكان. ان دول العالم تتطلع اليك منتظرة ان تصير هذا العالم احسن مما هو عليه. وفي الختام تقبل خالص تحياتي واماني الطيبة من اجلك.

صديقك المخلص

العام القديم

===

موضوعات ذات صلة:

عند ابواب العام الجديد

قصة الاورج العتيق

دعوة للسلام

سرب الاوز

core201_01

كان هناك رجل لا يؤمن بالله، و لم يتردد في اخبار الآخرين عن شعوره وافكاره الالحادية حول الدين والأعياد الدينية، مثل عيد الميلاد. لكن زوجة هذا الملحد كانت مؤمنة، وربت أطفالها على الإيمان بالله ويسوع.

وفي ليلة عيد الميلاد، اخذت الزوجة أطفالها إلى الكنيسة لحضور ليلة عيد الميلاد فيها. طلبت من زوجها أن يأتي، لكنه رفض. وقال انه “! عيد الميلاد ما هو الا هراء”. “لماذا يضع الله نفسه و يأتي إلى الأرض كإنسان؟ هذا كلام سخيف! “ذهبت هي والأطفال للاحتفال، وبقي الرجل في المنزل.

وبعد مدة، زادت الرياح وهبت عاصفة ثلجية. نظر الرجل من النافذة، كل ما استطاع رؤيته عاصفة ثلجية. جلس على اريكة بالصالة للاستدفاء أمام النار. وما هي الا لحظات حتى سمع دوي عال. كان شيئا اصطدم بالنافذة. ثم ارتطم شئ آخر. تطلع الرجل للخارج، ولكنه لم يتمكن من الرؤية الى مدى أكثر من بضعة أقدام. اصاخ السمع قليلا، ثم غامر للخروج الى خارج لمعرفة ما الذي اصطدم بنافذة منزله. وفي الحقل قرب منزله وجد سربا من الإوز البري. على ما يبدو أنه كان يتجه جنوبا لقضاء فصل الشتاء  في البلاد الدافئة ، ولكنه حوصر في عاصفة ثلجية واصبح غير قادر على مواصلة الطيران. اصبح سرب الاوز البري بلا طعام أو مأوى. كان الاوز يخفق بأجنحته ويطير في دوائر على مستوى منخفض حول المنزل ، وكأن جميع الاوزات اصبحت عمياء وبلا هدف.

“لا شك ان اثنتان من هذه الاوز هما اللذان ارتطما بنافذة المنزل”، هكذا فكر الرجل في نفسه.

شعر الرجل بالاسف لهذا الاوز وأراد مساعدته.

“ان الحظيرة تمثل مكانا رائعا بالنسبة لهم للبقاء فيه حتى هدوء الجو”، فكر الرجل في نفسه. “ان الحظيرة دافئة وآمنة. من المؤكد أن الاوزات يمكنها قضاء ليلة والانتظار حتى زوال العاصفة.

ذهب الرجل الى الحظيرة وفتح الأبواب على وسعها، ثم راقب ماذا يحدث، وانتظر قليلا على أمل أن الاوزات سوف تلاحظ الحظيرة المفتوحة وتدخل الى داخلها. لكن الاوز رفرفت باجنحتها بلا هدف ولا يبدو أن لاحظت الحظيرة أو انها تدرك ما قد تمثله بالنسبة لهم. عبثا حاول الرجل لفت انتباه الاوز، وعلى ما يبدو انه فقط عمل على اخافتها وابتعادها بعيدا.

دخل إلى البيت وخرج بعد لحظات ومعه بعض الخبز، وصار يفته الى فتات، ويضع فتات الخبز في مدخل الحظيرة. ولكن عبثا ما فعله.

الآن شعر انه محبط. وصل إلى الجانب الآخر من الحظيرة، وتطلع نحو الحظيرة وما تمثله للاوز من مكان دافئ وآمن، لكنها فقط خائفة وتحوم في كل اتجاه إلا نحو الحظيرة. لا شيء مما فعله قادها للذهاب الى الحظيرة.

“لماذا لا يتبعوني؟!” وقال الرجل. “ألا يمكن أن يروا ان هذا هو المكان الوحيد الذي يمكّنهم من البقاء على قيد الحياة والنجاة من العاصفة؟”

فكر لحظة، وأدرك أن الاوز لن يتبع انسان بل يتبع اوزة مثله. “لو كنت فقط أوزة، لتمكنت من إنقاذها” قال بصوت يجيش بالأسى.

ثم خطرت له فكرة. ذهب إلى الحظيرة واحضر أوزة من الاوزات التي يربيها، وحملها بين ذراعيه وسار في أنحاء فناء حول المنزل حتى يراها سرب الاوز البري مرة أخرى. ثم اطلقها لتطير. حلّقت الأوزة عاليا ولكنها ما لبثت ان عادت حالا الى الحظيرة ، وهكذا فعلت الاوزات البرية واحدة تلو الآخرى وهكذا جاء جميع الاوز إلى الحظيرة حيث الدفء والأمان.

core201_02

وقف الرجل صامتا للحظة وخطر له ما قاله منذ بضعة دقائق: “لو كنت فقط أوزة، لتمكنت من إنقاذ هذا الاوز!” ثم فكر في ما قاله لزوجته في وقت سابق. “لماذا وضع الله نفسه وأتي إلى الأرض كإنسان؟ هذا كلام سخيف! “فجأة ادرك المعنى. هذا ما فعله الله! كنا مثل الاوز الأعمى، تائهين، هالكين. ارسل الله ابنه وأصبح مثلنا حتى يمكن أن يرينا الطريق ويخلصنا. وكان هذا هو معنى عيد الميلاد.

بعد مدة توقفت الرياح العاصفة وتوقف هطول الثلج ، أصبحت روحه هادئة وفكر هذا الفكر الرائع. فجأة اصبح يدرك ماذا يمثل عيد الميلاد ، لماذا المسيح جاء. سنوات من الشك وعدم الايمان اختفت مثل عاصفة عابرة. سقط على ركبتيه في الثلج، وصلى أول صلاة له: “شكرا لك، يا رب، على مجيئك الى عالمنا في شكل انسان لإنقاذنا من العاصفة”.