المرأة، ذلك الكائن العجيب

الصورة:

لاريسا واترس، عضو حزب الخضر من كوينزلاند، أستراليا، وقفت تحت قبة البرلمان فيما كانت ترضع طفلتها جويز البالغة من العمر 14 أسبوعا . ناقشت لاريسا أمراض الرئة السوداء، وهو مرض يؤثر على عمال مناجم الفحم.

عبود فايز: عندما خلق الله المرأة استغرق الأمر معه فترة طويلة … فتقدم ملاك الرب مستغربا وسأله :

لماذا كل هذا الوقت في صنع هذا الكائن ؟

أجابه الله :

هل نظرت لكل هذه المميزات والمواصفات التي وضعتها فيها ..

يجب أ ن تمتلك أكثر من 200 جزء متحرك لتؤدي كل ما هو مطلوب منها

يجب أن تكون قادرة على عمل كل أنواع الطعام …

قادرة أن تحمل بالأولاد ولعدة مرات …

تعطي الحب الذي يمكن أن يشفي من كل شيء ابتداء” من ألم الركبة انتهاء” بألم انكسار القلب …

ويجب أن تفعل كل ذلك فقط بيدين اثنتين …

اثنتين فقط ..

تعجب الملاك …. وقال … بيدين اثنتين؟ …اثنتين فقط؟!!! … هذا مستحيل …!!!

استمر الله بالعمل حتى آخر ذلك اليوم … ثم قال للملاك:

انتظر فقط حتى الغد وسأكون قد أنهيت كل شيء … أو انتظر قليلا” لقد اقتربت من الانتهاء من ذلك المخلوق … والذي سيكون الأقرب لقلبي ………… إنها تداوي نفسها عند مرضها … وقادرة أن تعمل 18 ساعة يوميا”

اقترب الملاك من المرأة ولمسها … وسأل الله :

لكنك قد جعلتها ناعمة ورقيقة جدا …

نعم إنها رقيقة لكنّي جعلتها ” قوية جدا”. إنك لا تستطيع تصور مدى قدرتها على التحمل والثبات ….

سأل الملاك : هل تستطيع أن تفكر ؟ …

أجابه الله ليس فقط التفكير … يمكنها أن تقنع بالحجة والمنطق … كما يمكنها أن تحاور وتجادل …

لمس الملاك خدود المرأة واستغرب …

لماذا خدودها مثقبة …؟!!

أجابه الله :

أنها ليست الثقوب …إنها الدموع … لقد وضعت عليها الكثير من الأعباء والأثقال …

ولماذا كل هذه الدموع …سأل الملاك ؟؟؟؟

أجابه الله : الدموع هي طريقتها الوحيدة للتعبير … التعبير عن حزنها وأساها … شكها … قلقها … حبها … وحدتها … معاناتها فخرها…

هذا الكلام كان له الانطباع البليغ لدى ملاك الرب … فقال بأعلى صوته …:

حقا” أنك لإله عظيم … لقد فكرت في كل شىء … حقا” أن هذا المخلوق الذي تدعوه المرأة مذهل جدا” .. المرأة تمتلك قوة يدهش لها الرجال … يمكنها أن تتعامل مع المشاكل … وتحمل الأعباء الثقيلة … تراها تبتسم حتى وإن كانت تصرخ … تغني وإن كانت على وشك البكاء … تبكي حتى عندما تكون في قمة السعادة .. وتضحك حتى عندما تخاف … تدافع عن كل ما تؤمن به … وتقف في مواجهة الظلم.. لا تقول كلمة لا ابدا عندما يكون لديها بصيص أمل بوجود حلّ أفضل … حبها غير مشروط . تراها تبكي في انتصار أولادها … أو في حزن يصيب أحد من حولها … لكنها دائما تجد القوة لتستمر في الحياة … تؤمن أن القبلة والعناق يمكن أن تشفي كل قلب منكسر ……….. لكنها دائما” تقع بخطأ واحد … أنها لا تعرف قيمة نفسها … ولا تعرف كم هي ثمينة ونادرة ………….

أرسلوا هذه الكلمات لكل السيدات لتعرف كل منهن كم هي عظيمة… وأرسلوها لكل الذكور لأنهم يحتاجون أحيانا أن يتذكروا عظمة المخلوق الذي يسمى “المرأة

بقلم راهب من دير أنبا مقار

موضوعات مرتبطة:

اسطورة هندية عن المرأة

اسطورة هندية عن المرأة

deathbed

هناك اسطورة شائعة عند طائفة من الهنود . تروي الاسطورة ان معبودهم افرغ في خلق الرجل كل ما لديه من مادة. وضاق صدره حين اقبل على خلق المرأة فخطر له ان يكوّنها من بقايا اخري فعمد الى لطافة الزهر وكمال البدر ولحظات الريم وهبوب النسيم ونعومة الريش ووداعة الحمل وقسوة الاسد وحنان البقرة وحرص النملة وخيلاء الطاووس والتواء الافعى وحر النواء ودموع السحاب وهذر الببغاء ونغم البلبل .. من هذا كله صنع المرأة وقدمها للرجل واوصاه بها خيرا. وبعد اسبوع اتاه الرجل يتضرع ويقول :

“ايها المعبود العظيم خذها مني فلا صبر لي معها، انها تغضب من لا شئ وتبكي من لا شئ وتشكو الداء بلا داء وقد اضاعت اوقاتي وسلبتني راحتي . استعدها يا رب فانا في غنى عنها”.

فاستعادها الخالق ولم يمضى وقت حتى شعر الرجل بالجزع فاسرع الى معبوده يهتف ويقول:

“رحماك ربي لقد خانني الصبر ولم يهنأ لي عيش بعدها. ما غابت عن فكري لحظة من الزمان، فهي مالئة فؤادي مبهجة حياتي محبوبة في حركاتها وسكناتها. جذابة في حديثها”،

فقال المعبود:

“غريب امرك يا رجل! فقل لي ماذا تريد؟”

فقال الرجل:

“اريد المرأة التي وهبتها لي لتشاطرني حياتي”

فقال المعبود

“ولماذا رددتها لي؟”

فبادر الرجل واخذها وهو يتمتم قائلا:

“لا عيش لي معها ولا عيش لي بدونها”!..

القديس فنسنت دي بول

326
هو مؤسس نظام البنات الحسنات اي الذين يهتممن بالفقراء وتقديم الرعاية للمرضى. وقصته قصة عجيبة. اشترى احد الصيادين فنسنت، وبعد تسخيره في اعمال البحر لم يسترح الى عمله فباعه مرة اخرى. واخيرا اشتراه رجل فرنسي كان فرنسيسكانيا، ولكنه وقع في الاسر، وحصل على حريته باعتناق الاسلام، وقد صار بعد ذلك فلاحا غنيا واهتمت زوجة الفرنسيسكاني السابق ان تعرف شيئا عن ديانة العبد الجديد فنسنت، وطلبت منه ان يرنم لها ترنيمة، فرنم المزمور 137 الذي يقول “سألنا الذين سبونا كلام ترنيمة ومعذبونا يسألون فرحا قائلين: رنموا لنا. كيف نرنم ترنيمة الرب في ارض غريبة؟”.وتأثرت السيدة غاية التأثر واخطرت زوجها عن مقدار خطأه في تركه دينه. وتأثر ضمير الرجل وقرر الهروب مع فنسنت وسنحت لهما الفرصة بعد عشرة شهور، فأخذوا سفينة عبروا بها البحر الى فرنسا.ومنذ ذلك الوقت قرر فنسنت ان يقضي وقته في معاونة كل متألم كما تألم هو في تونس. وقد رأى فنسنت ان يخفف الام ارقاء المجذاف كما انه جاهد لمعاونة المسجونين.
وبذل فنسنت الكثير للعمل في المستشفيات ، وكانت مستشفيات ذلك العصر مخيفة، فقد كانوا يضعون اصحاب المرض البسيط مع المشرفين على الموت، وكان الجو الملئ بالجراثيم كافيا لقتل الاصحاء.وقد رأى القديس فنسنت ان يكلف الشابات المؤمنات بالخدمة كممرضات دون ان يصبحن راهبات منتظمات، فلم ياخذن اي عهود على البقاء طيلة الحياة في هذا العمل. وقال لهن فنسنت “ديركن بيوت المرضى، وصومعتكن حجرة للايجار، وكنيستكن الابروشية كلها، وموطنكن شوارع المدينة، والحوائط التي تجلسن خلفها هي الطاعة، والبوابة التي تحرسكن هي مخافة الله، وبرقعكن هو التواضع”.

يوميات الاب كارول 4

poland_x_reader___two_faced__2_2__by_etiheline-d8it4zm

اخذت تراود اندريه ذكريات صباه في موسكو مجددا. فبدت امام عينيه كصفحة طويت منذ امد بعيد. اصبح المهم عنده هو حياته الجديدة، وقد دخل في زمرة الجيش ، ولا هدف له اليوم الا كسب المجد بهذه الصفة، واحتلال مكانة مرموقة.

“هيا تعال من هنا .مرر الكرة. لن يمكنك ان تلعب بمفردك.  افتح اللعب يا باولو. تقدم على الجناح يا جيرسي. اللعنة.. على الكرة. اجل امر سئ!..  اقذف الكرة.”

دوت صفارة المدرب في الملعب.. وهتف في اللاعبين:

– “انتهي وقت التمرين اليوم.  حان وقت تعليم الشفهي”.

علا التذمر من بعض الافواه. قال ستيف:

– اوه. لا هذا مؤسف.

وقال دان مستنكرا:

– كيف هذا؟ لم لا نعطى وقتا اضافيا؟

وقال ميشا “لا يهم يا جرسي. اسمع، سألعب حارس مرمى، وبامكان احدكم ان يسدد ركلة جزاء. فاذا نجح في التسديد سيعفى اليوم من التعليم الشفهي.

قالت جيرسي:

– ولكنهما لم ينجحا في ذلك المرة السابقة.

قاطعها على الفور:

– اذا لم تنجح هذه المرة سيعاقب.

قالت ساخرة: هو لا يعرف كيف يتصدى للكرة.

اوه. لا. هذا غير معقول.

همهم وهو يتذكر كل ما جرى “اه! اه!..”

ووفاه خياله من جديد بكل تفاصيل المباراة السابقة، وبوضعه كمدرب للفريق، وبالهزيمة التي مني بها وهو ما كان يعذبه اكثر من اي شئ اخر.

ويستفيق من ذكرياته على صوت الاجراس تدق. نقل بصره من وجه الشيخ الى ارض الغرفة، ثم تتبع ببصره قدمى الموحلتين اللتين تركتا اثارهما في الارضية. وفكر في نفسه ان صوفيا لم تعرني اذانا صاغيا. لم هذا؟ لم لم تسمع لي.. جلس الى مكتبه يتصفح احد الكتب وبين الحين والاخر يمسك بالقلم ليخط بعض المسودات في ورقة بيضاء، حين سمع صوت طرق. وحينما فتح وجد امامه ستيفاني. حيا كل منهما:

– اهلا ستيفاني..  اهلا صوفيا..  مرحبا بكما!

تنهدت صوفيا:

– كنا نبحث عنك ايها الاب.

اجاب متأسفا:

– هل بحثتما عني طويلا؟

– اجل ايها الاب. فلدينا مشكلة!

– لعلها شيئا بسيطا. اخبراني ماذا بكما؟

ناوله ستيفاني مظروفا.

اخرج الاب الرسالة من المظروف، وراح يقرأ بضع كلمات. اشرق وجهه بابتسامة عريضة ثم حدق ببصره فيهما وقال لهما:

– ستيفاني.. صوفيا.. اعلما انكما في سن الشباب هذا سوف تكتشفان انه لا معنى للحياة الا لو جعلتماها هدية للاخرين. سوف تكتشفان انكما خلقتما لترتبطا معا طوال حياتكما.

وبدا على وجه الاب ان ستيفاني وقغ منه موقعا حسنا وربت على كتف ستيفاني في مودة فائقة قائلا:

– ستيفاني، ان الله  خلقك، وهو الذي خلق صوفيا ايضا.

ونقل بصره الى صوفيا واستطرد:

ان الخالق هو من وضع في كل منكما الشوق لصاحبه. هذا نداء الطبيعة والخالق هو من دفعكما اليه. وعندما تتزوجان ستنجبان وسيرتبط جسدكما ونفسيكما ضمن وحدة مقدسة على صورة الخالق.

اما صوفيا فاطرقت رأسها في خجل لبرهة ثم استأذنت للحظات. وفي الردهة لبثت واقفة امام مرآة صغيرة لدقائق تصلح منديلها الذي تعصب به رأسها. فادرك ستيفاني ما يخامرها. وسأل الاب:

– ابتي ، ترى هل هو الوقت المناسب لاطلب يدها للزواج؟

فغمز الاب بعينيه ولكزه بمرفقه مبتسما:

– الست انت متعجلا.

واردف:

انك شاب خفيف الدم ذو مكانة ممتازة. وهي ايضا جميلة في جمال الملائكة. انها حقا جوهرة مصونة ودرة مكنونة. لكن لا تنس ان الزواج يحتاج الاعداد الجيد له.

**

نظر الى الجدار .. اساءه ذلك فمضى الى حجرة المدخل، وهي ممر بسيط صغير ينتهي بباب يطل على السلم. لم تلبث ان القت الشمس بنورها على المدينة كلها. كانت ماريا قد انتهت للتو من اعداد حقيبتها، وخرجت لتنضم الى الاصدقاء المتأهبين لقضاء يوم في احضان الطبيعة ما بين التزلج وصيد الاسماك في بحيرة الماء المتجمدة..

لفت نظر الاب شئ .. وسرعان ما وجه الجميع ابصارهم الى كتابة خطت بالطلاء على جدران الكنيسة:

وصمت الاب كارول. وكان واضحا انه لا يريد ان يفصح عن شئ. بينما ابتسم باولي فجأة وصاح:

– واو . هذا رائع.

سأل كرامتش :

– من هو هذا الشجاع الذي فعل هذا؟

اجابه اندريه بنبرة غريبة بعض الشئ:

– جين بالدو.. اين ذهبت بك الظنون؟

اراد ان يضيف شيئا اخر، ولكنه امسك عن الكلام حين القى نظرة على القائد الذي كان يحدق من مكانه الى الجدار. ساد صمت للحظات ثم سأل:

من هذا الذي كتب  هذا؟. “الحرية لبولندا” ! يا لهم من اوغاد.. ولكن من اين اتى بالطلاء ؟ وكيف تمكن من الكتابة على جدار المبنى بهذا الشكل؟ .. ثم هتف:

– لا يمكن احتمال اعتداء سافر كهذا. اعثروا على من فعل هذا. اريده هنا امامي مع حلول المساء.

فقال اندريه :

– ولكننا لا نعرف من هو؟

وعاد كرامتش يصر باسنانه:

– في وسعك ان تتصرف.

– حاضر سيدي.

انصرف اندريه.. استطاع في خروجه ان يسمع صياح القائد الذي صار محتدما وهو يتمتم:

يا لهم من اوغاد..

. واذ صار في السيارة تمتم:

تفتيش! سيقومون يتفتيش! يا للحمقى!

  شهيد السراديب

استشهاد بولليو

“كن امينا الى الموت فسأعطيك اكليل الحياة”(رؤ2: 10)

كان الحكم على بولليو سريعا ومؤكدا فقد كان سيقام في اليوم التالي استعراض في الكوليزيوم. وكان مزدحما كالعادة حتى اعلى المدرجات بجموع الرومانيين المتعطشة للدماء. وسارت الامور في نفس التتابع المقيت للاهوال بالطريقة المعهودة.

تصارع المصارعون وذبحوا احدهم الاخر اما فرادى او جماعات. وكان يعرض هناك كل انواع المصارعات المألوفة في الحلبة. وطبعا كانت اكثر المصارعات تفضيلا لدى المشاهدين هي المصارعات الدموية.

ومرة ثانية تكررت نفس مناظر الدماء والعذاب. وبطل هذا اليوم ها هو ينال تهليل الجماهير. ومرة ثانية يقاتل الانسان الانسان، او يدخل في مصارعة اقوى مع احد النمور . ومرة ثانية ينظر المصارعون المجروحون في يأس طلبا للرحمة، ولكنهم لا يرون الا اصابع المتفرجين المقلوبة الى اسفل ، اشارة الى الموت بلا رحمة.

وشهوة المتفرجين التي لا تشبع من الدماء تتطلب الان مناظر اكثر للذبح، فقد فقدت المصارعة جاذبيتها من رجال لهم نفس القوة وكان معروفا ان هناك جماعة من المسيحيين محفوظون الى نهاية العرض. والان اخذت الجماهير تطالب بظهور هؤلاء بدون صبر.

ووقف لوكيوللوس بين الحرس بقرب كرسي الامبراطور وكان يبدو عليه التفكير العميق وقد فارقه مرحه المعتاد.

وهناك، في المقاعد العالية في الخلف كان يجلس وجه شاحب جامد، وكان مميزا بين كل من هم حوله بسبب نظراته القلقة المركزة على الحلبة.

وبعد لحظات ارتفع صوت البوابات الضخمة الخشن واندفع نمر للى داخل الحلبة، وكان يهز رأسه ويحرك ذيله، وهو يتطلع الى هذا التجمع الضخم من الناس.

وسرعان ما ارتفعت همهمة بين الجمهور ، واذ بهم يدفعون الى داخل الحلبة بغلام ذي وجه شاحب وجسم نحيل ، كان منظره الرقيق كلا شئ بجانب حجم الوحش الهائج الضخم. وفي سخرية بالغة كانوا قد البسوه ملابس مثل احد المصارعين.

ولكن بالرغم من صغر سنه وضعفه، لم يكن على وجهه او سلوكه ما يفصح عن اي خوف، فان نظراته كانت هادئة ومجردة. ومشى بهدوء الى منتصف الحلبة.

وهناك على مرأى من الجميع ضم ذراعيه ورفع عينيه الى فوق واخذ يصلي، وبعد قليل تحرك النمر دائريا كما من قبل، لقد رأى الغلام ولكن لم يبد عليه اي تأثير. لقد استمر ماشيا رافعا عينيه نحو الحوائط العالية وكان يزأر زئيرا وحشيا عاليا.

وكان يبدو انه لا يوجد عند النمر رغبة لمهاجمة الصبي الذي استمر في صلاته.

اما الجماهير فقد اصبحت قلقة وليس لديها صبر، فاخذوا يصيحون ويصرخون محاولين ان يثيروا النمر ويستحثوه لمهاجمة الصبي.

ولكن الان في وسط هذه الحلبة، يأتي صوت عميق ومخيف:

“حتى متى ايها السيد القدوس والحق لا تقضي وتنتقم لدمائنا من الساكنين على الارض”.

ساد سكون عميق بعد هذه الكلمات، ونظر كل واحد بدهشة الى رفيقه، ولكن قطع السكون نفس الصوت الذي اخذ يرن بتأكيد مروع:

“انظروا! انه سيأتي على السحاب.. وستراه كل عين.. والذين طعنوه.. وتنوح عليه كل قبائل الارض.. نعم هكذا! امين

انك بار ايها الرب،.. الكائن والذي كان والذي سيكون، لانك حكمت هكذا. لانهم سفكوا دماء قديسين وانبياء وانت اعطيتهم دماء ليشربوا لانهم مستحقون. نعم هكذا ايها  الرب الاله القدير حق وعادلة هي احكامك!”

وتصاعدت الان الصيحات والصراخ في كل مكان وعرفوا مصدر هذه الجلبة:

– “انه مسيحي مجنون. انه سنا المهووس. لقد سجنوه 4 ايام بدون طعام”.

– “احضروه الى هنا”.

– “القوه الى النمر”.

وارتفع صراخهم وصياحهم الى السماء واختلط في هدير واحد عال. وقفز النمر في هياج.

ولما سمع البوابون صياح الجماهير وهديرهم اسرعوا لاجابة طلبهم.

وحالا رفعت البوابات ودفعوا بالضحية الى الداخل، وكانوا قد اجاعوه بطريقة رهيبة، وكان يبدو كشبح باهت. وتقدم الى الامام بخطوات مترنحة، ولكن عينيه كانتا تلمعان ببريق سماوي واندفع الدم الى وجهه، وصار شعره المهمل الطويل ولحيته كتلة واحدة. ورآه النمر وسار اليه، وزأر الوحش الهائج وهو على مقربة منه. فقام الصبي من على ركبتيه واخذ يتطلع المنظر.

ولكن سنا لم يرى النمر، لقد ثبت عينيه على الجمع وهزّ يده النحيلة الى فوق، وصرخ بنفس النبرة السابقة:

“الويل ! الويل ! الويل لساكني الارض”

وما هي الا لحظات حتى غرق صوته في دمه، لقد قفز النمر فوقه وسقط سنا وانتهى كل شئ.

واستدار النمر نحو الصبي وقد اثار الدم شهوته الوحشية جدا! ورأى الغلام ان نهايته قد اتت. فسقط ثانية على ركبتيه. وغرقت الجموع في صمت رهيب وهي تتطلع بقلق عميق جدا الى منظر الذبح.

وقف الرجل الذي كان يحملق في الحلبة وارتفعت اصوات خلفه اخذت تتزايد:

“اجلس! اجلس! انك تحجب عنا الرؤية”.

ولكن الرجل اما انه لم يسمع او انه لم يهتم.

فازدادت الجلبة جدا..

ولكن الان ارتفعت همهمة بين الجماهير لان النمر الذي كان يسير حول الصبي استعد ليقفز قفزته المميتة.

ووقف الصبي يغطي وجهه نور سماوي.

لم يعد يرى الحلبة ولا الحوائط العالية المحيطة بها ولا المقاعد المتراصة ولا الوجوه العديدة، لم يعد يرى العيون العديمة الشفقة للمتفرجين القساة ولا حجم الوحش العملاق، بل كان يبدو كأن روحه قد حلقت ودخلت الى الابواب الذهبية لاورشليم الجديدة. وكان يبدو كما لو ان مجد نور النهار الجديد في السماء، غير المنطوق به، يشع على محياه.

“اماه. اني ات اليك. ايها الرب يسوع اقبل روحي اليك”.

ورنت الكلمات بوضوح وحلاوة في اذان الجموع .. وساد الصمت.

وقفز النمر قفزته ، وفي اللحظة التالية، لم يكن يوجد شئ سوى كتلة تقاوم وقد اختفت خلف سحابة من التراب.

انتهت المقاومة ورجع النمر الى الخلف. واصبح الرمل محمرا بالدم. وعلى الرمال كانت توجد بقايا لبولليو الصادق القلب والنبيل.

وفي وسط الصمت الذي تبع ذلك، اذا بصراخ ازعج كل من في الحلبة:

“اين شوكتك يا موت. اين غلبتك يا هاوية”؟

+++

هذه كانت قصة لمؤلف مجهول الاسم وعنوانها “شهيد السراديب” وهي قصة عن روما القديمة.

شهيد السراديب -1

wp-1492186020595

​محاكمة بولليو

كانت هذه حجرة كبيرة في مبنى ليس بعيدا عن القصر الامبراطوري، وكان بلاطها من الرخام اللامع، واعمدتها الرخامية تحمل القبة المرتفعة. وفي اح الاركان اقيم المذبح الوثني تعلوه تماثيل لالهة وثنية. في الناحية الاخرى كان القضاة باثوابهم التقليدية يجلسون على مقاعد مرتفعة ، وامامهم بعض الجنود يحرسون احد المسجونين.

وكان هذا المسجون هو الغلام “بولليو”.

كان وجهه شاحبا ولكن مظهره كان منتصبا وثابتا، وذكاؤه الواضح الذي كان يتميز به دائما لم يخنه في ذلك الوقت. تطلع بعينيه الحادتين الى كل شئ حوله، عالما المصير المؤلم سيواجهه ولكن لم يكن عنده اي اثر للخوف او التردد.

لقد كان يعلم ان الرابطة الوحيدة التي تربطه بالارض قد انقطعت ، فقد وصلت اليه اخبار موت امه باكرا  في هذا الصباح، حملها اليه رجل كان يعلم ان هذه الاخبار ستقوي ايمانه! كان ذلك الرجل هو “مرسيللوس” وكان لتعطف لوكيوللوس صديق القائد الروماني ايضا انه سمح بمحاكمته. وكان تقدير مرسيللوس للامور صحيحا، فطالما كان بولليوس يعلم ان امه على قيد الحياة فقد كان التفكير فيها يضعف من تصميمه، ولكن الان واذ علم انها ماتت فقد كان هو الاخر يشتهي ايضا ان يرحل. وكان الفتى في ايمانه البسيط يؤمن ان الموت سوف يجعله يتحد لتوه مع امه الحبيبة. وبهذه المشاعر كان ينتظر المحاكمة المقبل عليها:

“من انت؟”

“ماركوس سيرفيليوس بولليو”.

“ما عمرك؟”

“13 سنة”.

وعند ذكر اسمه ، سرت همهمة من التعاطف بين المجتمعين لان ذلك الاسم “سيرفيلليوس” مشهور في روما.

“انت متهم بجريمة انك مسيحي، هل عندك ما تقوله؟”

“انا لست مجرما في شئ. انا مسيحي وانا سعيد انني قادر ان اعترف بذلك امام الناس!”

فقال احد القضاة:

“نفس الشئ معهم كلهم. كلهم لهم. كلهم لهم نفس اسلوب الكلام”

“هل تعلم طبيعة الجريمة التي انت متهم بها”.

فرد عليه بولليو:

“انا لست مجرما. ان ايماني يعلمني ان اخاف الله، وان اكرم الامبراطور، وانا اطيع كل قانون عادل وانا لست خائنا”.

“ان تكون مسيحيا فهذا معناه انك خائن”.

“انا مسيحي ولست خائنا”.

“ان قانون الدولة يمنعك ان تكون مسيحيا والعقوبة هي الموت. اذا كنت مسيحيا فانك يجب ان تموت”.

فرد عليه بولليو باصرار:

“انا مسيحي”.

“اذا يجب ان تموت”.

“ليكن كذلك!”.

“هل تعل ايها الغلام ما معنى ان تواجه الموت؟”.

“لقد رأيت الموت كثيرا خلال الاشهر القليلة الماضية وكنت اتوقع دائما ان ابذل حياتي من اجل الهي”.

“انك صغير، ايها الصبي، ونحن نشفق على عمرك الغض وعدم خبرتك بالحياة. ومن الواضح انهم غسلوا مخك حتى انك تعتبر غير مسئول عن الحماقة التي تبديها الان، ولاجل هذا فاننا نطيل صبرنا عليك. هذه الديانة التي تفتنك لا تزيد عن كونها حماقة: ان تؤمن ان يهوديا مسكينا صلب منذ 200 سنة هو الله. هل هناك حماقة اكثر من هذه؟! اما ديانتنا نحن فهي ديانة الدولة الرسمية والان دع عنك اعتاداتك الحمقاء وعد الى ديننا القديم الحكيم”.

“لا استطيع”.

“انك اخر سليل لعائلة نبيلة. اطرح عنك هذه العقيدة المرذولة التي حتما ستحرمك من كل شهرتهم العظيمة”.

لا استطيع”.

“لقد عشت تعيسا مطرودا، وان افقر شحاذ في روما يحيا افضل منك ويحصل على طعامه بجهد اقل منك وبمذلة اقل منك. ارجع الان عن غيك وستنال الثروة والراحة والاصدقاء وتكريم الدولة ورضا الامبراطور”.

“لا استطيع”.

“انك صبي متهور. وسترى ان غضب الامبراطور مخيف”.

“ولكن غضب الخروف اكثر رعبا من ذلك”

“انك تتكلم كلاما غير مفهوم! ما هو غضب الخروف هذا؟”

“لقد احتمل اصدقائي ورفاقي كل في امكانكم ان تصبوه عليهم من غضب. وانا واثق ان عندي ثباتا مثلهم”.

“هل يمكنك ان تحتمل اهوال حلبة المصارعة؟”

“انا عندي امل ان احصل على ما هو اعظم من القوة البشرية”

“هل تستطيع ان تواجه الاسود المتوحشة والنمور التي سوف تهجم عليك؟”

“ان ذاك الذي اثق فيه لن يهملني في ساعة احتياجي اليه”.

“انك واثق في ذاتك، اذا”.

“انا اثق في ذاك الذي احبني واسلم نفسه للموت لاجلي”.

“وهل فكرت في الموت حرقا بالنار؟ هل انت مستعد لملاقاة السنة اللهب في الساحة؟”

“اذا كان يجب ان احتمل فانني لن ارتد، وهي على اي حال ستمضي وسأبقى انا بعد ذلك مع الرب الى الابد!”

“لقد استولى التطرف والوهم. من السهل ان ينطق الانسان بكلمات الشجاعة، ولكن ماذا يكون الامر معك عندما تواجه الحقيقة المرعبة؟”

“انه سيعطيني قوة اغلب بها الموت. اني انظر الى الموت على انه انتقال من الحزن الى الفرح الدائم. والموت الذي تهددوني به ليس مرعبا لي. ولكن الحياة التي تدعوني لان احياها ، هي مرعبة لنفسي اكثر من الموت الف مرة”.

“اننا نعطيك فرصة اخيرة. ليس عليك سوى ان تأخذ هذه الكاس وتسكب الخمر التي فيها على هذا المذبح القريب. خذها. ان هذا عمل بسيط. اعمل بسرعة وانقذ نفسك من العذاب والموت”.

وتسمرت كل العيون على بولليو ، ولكن الدهشة ملات اذهان المتفرجين اذ وجدوه لم يتحرك البتة.

وقف بولليو بوجهه الشاحب ولكن بارادة ثابتة ازال الكأس جانبا. وقال

“انا لا انكر مخلصي ابدا”

وعندما قال هذا ساد صمت للحظة، صاح بعدها رئيس القضاة:

“لقد نطقت بالموت على نفسك. خذوه من هنا”

قال هذا مخاطبا الجنود.

امل في النافذة

cropped-cca2c05098bb2e7f52dc0bb6bb199f62.jpg

كانت الشمس تبسط اشعتها على الارض المنحدرة الخضراء والطيور تنطلق من اوكارها باحثة عن ارزاقها وهي تنشد نشيد الصباح ، والرجال يسيرون تعلو وجوههم بسمة السعادة واشراقة التفاؤل. وازاح سعيد ستار النافذة ولصق وجهه بزجاجها وراح يتطلع الى الدنيا وهي تنفض عن نفسها غبار النوم والكسل لتتطلع في امل الى يوم جديد. لكنه سرعان ما ابعد وجهه واسدل الستائر. ولم تفارق وجهه مسحة الحزن والكآبة ولم تغادر عيناه نظرة اليأس والتشاؤم. الدنيا من حوله ضاحكة مرحة وهو وسط هذا الضحك والمرح لا يشعر الا بما في قلبه من يأس يبحث في قلبه عن بقية من امل .. فلا يجد!

وتحول يسير في حجرته بخطى وئيدة مضطربة. واتجه نحو دولاب صغير معلق في الجدار فتحه بهدوء والقى نظرة سريعة بداخل الدولاب. ثم مد يده بداخله. واخرجها وبها عبوة صغيرة اخرج منها عددا كبيرا من اقراص بيضاء صغيرة اذابها في كوب ماء والقى بالعبوة على الارض .. نعم كان يعلم انه ينتحر . كان يعلم انه بعد ان يتجرع هذا الكوب ينتقل هو من هذا العالم الى عالم اخر. حمل الكوب بيد مرتعشة واقترب من النافذة وازاح الستار ثانية. والصق وجهه بالزجاج. ما زالت الدنيا ضاحكة مرحة. ما زالت الشمس تبسط اشعتها على الوادي الاخضر البعيد. ما زالت الطيور تغرد. وما زال الرجال يروحون ويجيئون وعلى وجوههم بسمة وفي قلوبهم امل.

ولكن! ولكن كل هذا لم يؤثر في سعيد! كل هذا لم يبعث في قلبه املا ولا في نفسه سعادة! القى على العالم نظرة اخيرة. ثم اخذ الكوب بيده وافرغه في جوفه جرعة واحدة. وسقط الكوب من يده وتحطم. ونظر الى الكوب المحطم تحت قدميه. ثم سقط على الارض بجانبه..

اناس يتشبثون بالحياة باسنانهم لا يريدون مغارقتها فاذا بالقدر يسخر منهم، واذا بهم في لحظة واحدة يغادرون عالمهم. واخرون يجتهدون في محاولة الهرب من الحاة. ولكن القدر ريسخر منهم ويعيدهم اليها ثانية.

فتح سعيد عينيه ونظر حوله. كان يتوقع ان يرى اشياء جديدة عليه. كان يتوقع ان يرى “ما هو وراء الحياة” لكنه لم ير شيئا. وعرف انه ما زال في الدنيا. على ان ذويه انقذوه وطلبوا له الاسعاف، وها هو الان ممددا على فراش بالمستشفى ، وقد علقت به قسطرة متصلة بكيس دم يضخ في شرايينه دماءا نقية بدلا من تلك التي افسدها.

لماذا؟ لماذا فعلوا هذا؟ لماذا لم يتركوه يموت؟ هل يظنون انهم انقذوه ؟ انقذوه من ماذا؟ من الموت؟ ما احب الموت الى قلبه.. كان يحب الموت بقدر بغضه هو للحياة، او قل بقدر محبة الاخرين للحياة!

واستراح قليلا من افكاره وراح يتلفت حوله، ووجد ابتسامة حلوة بجانبه. ابتسامة ترتسم على وجه ملاك ابيض كان يعني به. ودخل ملاك ابيض اخر.. دخل الطبيب واقترب من السرير وقال:

-هيه، نهارك سعيد يا سعيد! كيف حالك اليوم؟

شكرا لله يا دكتور.

وقاس الطبيب الحرارة والنبض.. وفتحت الممرضة النافذة، ثم خرجت في اثر الطبيب واغلقت الباب في هدوء. همس الطبيب للمرضة قائلا:

وفاء. عندي ما اقوله لك.

خير يا دكتور

انت تعلمين ان سعيدا ليس مريضا عاديا . تعلمين انه حاول الانتحار، والان صحته تحسنت كثيرا، ولكن ما الفائدة؟

ما الفائدة؟ ماذا تقصد يا دكتور؟

اقصد ما فائدة ان ننقذ سعيد. ويخرج من المستشفى وفي لحظة واحدة ينتحر ثانية. انسيت ان سبب انتحاره ما زال قائما. ونحن لم نفعل سوى اننا ارجأنا موته قليلا. ولكنه سنتحر ثانية. ما دام حاله لم يتغير والسبب الذي دفعه للانتحار اول مرة سيدفعه للانتحار مرة ثانية وثالثة..

فهمت يا دكتور. لكن ما العمل؟

وتمهل الدكتور قليلا وقال وهو يتفرس في وجه الممرضة:

والان جاء دورك انت. فرسالة الممرضة ليس فقط اعطاء المريض الدواء في ميعاده وانما اكثر من ذلك. نعم. انت يا وفاء بابتسامتك الدائمة ، بحديثك اللبق الطيب، بعملك النبيل تستطيعين ان تخلقي في قلب سعيد الامل. تستطيعين ان تعيدي اليه ثقته في نفسه وفي الحياة. ابعثي في نفسه الايمان والعزيمة. اخلقي في قلبه الارادة والتصميم. انت يا وفاء تستطيعين ان تحيي انسانا ميتا. وتنقذي بائسا وتنتشلي ضائعا.

فهمت يا دكتور. سأبذل جهدي.

شكرا يا وفاء. وفقك الله.

**

تسللت خيوط الشمس الذهبية من خلال الستائر البيضاء وغسلت وجه سعيد النائم فايقظته. فتح عينيه وارسلهما تبحثان حوله فطالعه وجه ملاك يبتسم . وقالت وفاء:

صباح الخير يا سعيد.

صباح النور

قالها سعيد في صوت خافت ثم انّ انينا ارتسمت فيه كل علامات الشقاء، وقال:

ارايت يا وفاء من هو اتعس مني في هذا الوجود؟ ابحث عن الحياة فتسد ابوابها في وجهي. اهرب منها الى الموت فيهرب الموت مني. ولا اجد مستقرا او سلاما لروحي الضائعة.

لا يا سعيد.! الحياة لم تسد بابها في وجهك. لا تظن ان الاقدار تترصدك انت وحدك وتضع العراقيل في طريقك. الدنيا لا تسد ابوابها الا اذا انت رأيتها هكذا. هذا لانك يائس خائر القوى ، تطرق بابها في تردد ووهن. ولكنك اذا فتحت صدرك وملا قلبك الايمان ومضيت تدق بابها بيد قوية وساعد نشط فستنفتح الابواب الموصدة وتتحطم اقوى السدود.

ونظر سعيد نحو النافذة وهو يتامل مناظر الطبيعة الساحرة، وقال:

اه، صدقت ا وفاء.

ومضت وفاء تقول:

لا تنظر الى الحياة من خلال نظارة سوداء لتراها سوداء. بل اخلع عنك نظارة اليأس والاحباط السوداء . واطلب من الله ان يعطيك ايمانا. قل مع داود في مزمور الراعي “الرب يرعاني فلا يعوزني شيئ”. بل صل الى الله واطلب منه “قلبا نقيا اخلق في يا الله. وروحا مستقيما جدد في احشائي”. انظر يا سعيد! هل ترى هذه الشجرة العجوز؟ هل ترى هذا العصفور؟

ونظر سعيد الى العش ورأى عصفورا صغيرا يرقد في العش فوق احد الاغصان وهو يرقد بلا حراك.

هذا العصفور كان قد جرح من مدة بسبب رصاصة صياد. هل تراه الان؟ لقد استعاد نشاطه .. صبر على المحنة التي المت به حتى انتصر عليها.

سمع سعيد هذا الكلام الجميل وراح الامل يتسل الى نفسه وتتشرب روحه الايمان كما تتشرب الارض المشققة الماء المنهمر عليها.

لقد انتصر العصفور على محنته. وهل هو اقل من العصفور؟ لا. انه هو ايضا سينتصر على محنته. ونهض سعيد من فراشه واتجه الى النافذة. والصق وجهه في الزجاج. وجد الدنيا ضاحكمة مرحة. الشمس تبسط اشعتها. الطيور تغرد. الناس يذهبون ويجيئون وفي وجوهم بسمة الامل. نفس المنظر الذي رآه من نافذته يوم اراد الانتحار. لكنه الان يراه وهو يشعر بالسعادة لاول مرة.