يوميات وحيد #١٦

اقرأ العدد السابق . يوميات وحيد ١٥

امتدت يد خفية .. امسكت بي.. اوقعتني من فوق السلم! ارتطمت باﻻرض.. صدر مني صرخة الم واحدث ارتطامي صوت خبطة مسموعة.. بعد لحظات رفعت راسي ببطء .. اخذت اجاهد ﻻفتح عيني..
القت نتاليا قلم احمر الشفاه بسرعة في حقيبتها وهرعت نحوي .. سالتني:
وحيد، هل انت بخير؟
شعرت بحرج شديد..
لماذا ابدو دائما بهذا الغباء؟
لم تكن هناك يد خفية لتدفعني من فوق السلم.. انني ببساطة قد وقعت.. وهذا يحدث لي دائما كلما صعدت فوق سلم..
بعض الناس يتسلقون صعودا وانا اتسلق وقوعا!
والحقيقة انني لم اكن ارغب في ان ابدو مثيرا للسخرية امام صديقتي هايا وخاصة انني تعرفت عليها منذ فترة بسيطة.. وكنت اريد ان اترك لديها فكرة طيبة عني، ان ابدو امامها انيقا وذكيا .. وهذا هو السبب الذي دفعني للاشتراك في لجنة (المسرح).

قالت هايا: هيا نبدا العمل..
واخرجت من حقيبتها قلم احمر الشفاه وراحت تضع طبقة كثيفة فوق شفتيها التي كانت مخضبة بهما بالفعل..
نظر اليها صديقي مينا صامتا..
ومضت لحظات قبل ان تقول نتالي، اريد فرشاة وطلاء لرسم الخلفية..
واستطردت وهي تنظر اليّ:
وحيد، من فضلك احضر الفرشاة والطلاة من حجرة “وسائل اﻻيضاح” في الطابق الرابع..
وهرولت ﻻحضر اﻻغراض المطلوبة.. لا اعلم لماذا فعلت؟ هل ﻻنال اعجاب هايا؟! واندفعت خارجا من الباب.. واصطدمت بكل قوتي بفتاة كانت تقف في البهو…
“هيه!” صاحت الفتاة.. وقد سقطنا سويا على اﻻرض.
ومضت لحظات قبل ان اقف واقول: انني اسف!
ومددت يدي ﻻساعدها على الوقوف، ولكنها اطاحت بيدي بعيدا.. ووقفت دون مساعدة مني!
عندما وقفت اكتشفت انها اطول مني قدما على اﻻقل. طويلة عريضة المنكبين تشبه كثيرا المصارعات. نظرت الي بوحشية بعينين جامدتين.
نظراتها كانت مخيفة!
تقدمت نحوي بخطوات ثقيلة .. جعلتني اتجمد بجوار الحائط.
قلت متلعثما: ما.. ماذا ستفعلين؟
الصقت ظهري بقوة في الحائط! وكررت سؤالي.
زمجرت بحنق وقالت: ذاهبة الي بيتي..
وكظمت على اسنانها: اذا سمحت لي طبعا؟
انتظرت حتى اختفت تماما من المبنى.. واكملت صعودي.. حتى الغرفة المقصودة. كانت اللافتة تقول “حجرة وسائل الايضاح”. ادرت مقبض الباب.
ثم توقفت.. سمعت اصواتا داخل الغرفة.
دهشت.. وامسكت بالمقبض واستمعت! سمعت صوت فتى وفتاة يتحدثان في هدوء. كان صوتهما يشبه صوت هايا ومينا!
وتساءلت مندهشا: لماذا تبعاني؟ وكيف تمكنا من الوصول قبلي؟ وماذا يفعلان هنا؟
فتحت الباب وخطوت الى الداخل: صحت: ايها اﻻصدقاء.. هل انتم هنا؟
لم يكن مجيب. ربما كان سقوطي اثر في راسي باكثر مما تصورت. وراحت الخياﻻت تعصف برأسي. في الحقيقة، مضي وقت طويل قبل ان ادرك ان ما نقراه في قصص اﻻطفال الخرافية مجرد خيال وليس حقيقة. ﻻ شئ ثمة يسعفني لاميز الحقيقة من الخيال سوى عقلي. هكذا همست لنفسي.
مضت دقيقة قبل ان انتبه الى صوت احدهم يربت على كتفي: تعال !

التفت لاري شبحا عجيبا. تابع كلامه: تعال فاريك اختراع القرن الواحد وعشرون.
تناول زجاجة من رف صغير: نقطة واحدة منها تجعل انتاج اي نبات يتضاعف مرات ومرات. هذا هو حل مشكلة الجوع في العالم!
قلت بتلقائية: ليس الجوع في العالم الى الخبز بل الى الحب.

قهقه وقال: اما انك تتكلم بسذاجة او بفلسفة. من قال ذلك؟

قلت : هكذا قالت اﻻم تريزا بعد رحلة حياة عطاء في افقر بلاد العالم. وجدت فيها ان العالم لا تنقصه الثروات والموارد بل الحب.
قال مقهقها: تبدو رومانتيكيا وانت تكرر وراءها هذه الكلمات عن الحب. اين الله من اﻻﻻم التي يعانيها البشر، حروب وامراض ومجاعات..؟
قلت مقاطعا: الامر ليس مجرد اله غاضب بل اله قاض عادل قد اعلن مسبقا عن حيثيات الحكم الذي يصدره بحق الخطاة. ولقد ترك العالم الروح واصبحت المادية سمته الفجة.

رد: ولماذا لا يطلق للبشر الحرية، لماذا اعد جحيما كما تدعون لمن يذنبون؟
اجبته: الامر ليس انه اله دكتاتوري يهوى التحكم في حريات البشر، بل هو -تبارك اسمه- اله صالح لا يمكن ان يرى جزء من خليقته يسئ استخدام حريته ويفسد الارض دون وازع .. فالحرية الصحيحة هي الحرية المحكومة بحدود والا تحولت الى فوضى عارمة.
سال: ولماذا لا يقتص من الاشرار في الحال ، ان كان عادلا كما قلت ؟ لماذا يترك القاتل يقتل والمغتصب والظالم و..

قلت: مهلا يا صاح، الله ليس الها متسرعا في اجراء دينونته، بل قد تمهل على الخطاة سنوات هذا عددها. فالدينونة كانت وستظل فعله “الغريب عن طبيعته” كما يقول النبي اش28: 21. فافكار الله صالحة وبالخير نحو البشر دائما. وعلى ذلك فانه يمكنك أن ترى الاشرار ينعمون بينما الابرار يعانون! لكن في النهاية ينال الكل جزاءه الذي يستحقه. يجب ان تؤمن بان الله موجود وانه يجازي.. (عب١١).

وماذا عن الملحدين؟

اجبت: الإلحاد إما أن يرفض الله لسبب شهواني. أو لسبب اقتصادي. فالذين يرفضونه لسببه شهواني. يرون أن الله يقف ضد شهواتهم بوصاياه التي تمنعهم عن التمتع بخطايا معينة.
أما الإلحاد الرافض لسبب اقتصادي: فهو يدعي أن الله يسكن في برج عاجي. ولا يهتم بشئون الأرض.

ولكن لا تنس ان للالحاد الشيوعي وجهة نظر منطقية وعملية وعلمية. هكذا اراها اقرأ لماركس وسارتر ثم رد علي ان شئت.

بالفعل قرأت لهما. الفكرة ببساطة انه قد تبدأ مجموعة معينة من البشر بقدر واحد من المال لكل فرد منها. ولكن البعض قد يستثمر في ذكاء واجتهاد وأمانة في العمل. فيزداد المال الذي معه ويتضاعف. بينما البعض الآخر يخسر ما معه. أو ينفقه في الفساد. وينتهي الأمر بأن الذين بدأوا معاً بمساواة في المال، اي الاشتراكية كما قال ماركس تنتهي الي اسوأ حال. في النثال الذي ضربته لك بدأوا بقدر متساو من المال وانتهوا علي عكس ذلك تماماً…

ولكن اين الله؟ لم ﻻ يظهر علنا للبشر فيؤمنون؟
ومن الميسور ان نجد الله من تلقاء ذواتنا لاول وهلة. كما علم موسى ايضا: “والكلمة (اي كلمة الايمان) في قلبك”(تث30: 4).
اﻻيمان؟ اﻻيمان كلمة تخدرون بها عواطفكم المشبوبة بحب الخلود.
قلت محتجا: اﻻيمان ليس وهما. ان له وجود في الماضي وبالتالي في المستقبل. في كل مرة كان الله يعرف نفسه انه “اله ابراهيم واسحق ويعقوب”. ويذكرهم بتاريخ تعاملاته معهم. لا تحكم عل الله من خلال امر سئ حدث معك، او مع احد احبائك. فتساؤلاتي عن العناية الالهية نجد إجابتها في شخص الرب يسوع، وليس في الاحداث اليومية. عندما جاء ابن الله جلب معه الشفاء وليس المرض. وعندما ترك الارض وعد ان يستردها لقصد الله الاصلي.

اتكأت على البنش فندت مني صرخة حادة.
ماذا الم بك؟
رايت لطخة حمراء على يدي .. قلت متاوها:
جرح اصبعي بشظية.
ذهبت الى غرفة وجلبت اليود وصبغت الجرح. واخرجت بقية قطع الزجاج بالمنشفة.
يبدو انني مضطر الى المغادرة يا صديقي.

الحب المحرر -٥

كانت السماء صافية جدا. نجوم في كل مكان وقمر كبير جدا بحيث بدا كعين فضية مفردة تحدق الى اﻻسفل. وقف مايكل امام انجل ومسها برفق وقال “انا احبك.. احبك..”.
بفتور اجابت: “هل تدري كم مرة سمعت هذه الكلمة من قبل؟”.
“لكن يا مارة..”.
قاطعته “ليس اسمي مارة. انه انجل”.
“لا ليس هو ذلك. ثم انني سانايك باي اسم اراه. مارة، تعني من مررتها الحياة..”.
“اسمع يا مايكل، لو علمت نصف ما فعلت، لصرفتني الى براديس باقصى سرعة”.
“هيا تكلمي. جربيني. احكي وانظري ان كان يحدث فرقا”.
صعقت بهذه الفكرة. الذكريات المروعة. استطاع مايكل ان يرى شحوب وجهها في ضوء القمر. لم يدري بم كانت تفكر اﻻ ان علم ان ماضيها يعذبها.
“يا ليتني استطيع فتح ذهنك والغوص معك في اعماقه لكنا قد دحرنا الظلمة معا”.
وانكمش على نفسه “يا الهي كيف انقذها؟”.
باتت انجل على يقين بانها لو وضعت يدها على قلبها لعادت مضرجتين بالدماء. نظرت مدهوشة. بدا لها انها في برية مع هذا الرجل. وهى متلهفة الى معلم يرشدها الطريق. كانت في صراع. هل تخبره .. هل تقول الحقيقة والحقيقة سوف تحررها من ماضيها اﻻسود ومن ضميرها المثقل. وارادت ان تبكي، لكنها وجدت ان الدموع جفت من ماقيها. لقد حيرها هوشع و اربكها ..
“اما زلت تريدين ان تموتي؟”.
“ﻻ. ولكني ﻻ اعرف لماذا اريد العيش؟”. وادارت راسها نحوه وقالت:
“ربما كان لك دخل في اﻻمر. لست اعرف!”.
امسك بيدها فتشنج عضلها لكنه لم يفلتها. بدلا من ذلك مرر اصابعه برفق على راحتها حتى غطت يده يدها وقال “نحن في هذا معا”.
“ﻻ افهم”.
“امهليني”. ادار مايكل خاتم الذهب في اصبعها. لقد كانت زوجته. ان كانت ﻻ تعرف الفرق بين ممارسة الجنس واقامة علاقة الحب فسيكون عليه ان يبين لها ذلك. راقبته يتأمل الخاتم في اصبعها.
“اتريد ان تسترده؟”.
“كﻻ! اﻻمر انني.. ”. وشبك اصابعه في اصابعها.
“مايكل، ان ما اعرفه عن الزواج ليس مشجعا”.
“قد يكون”. وقبل يدها “انما اؤمن بان الزواج عهد”.
وجاءها صوت في داخلها “فكري في مالك الذي تودين استرداده. فكري في براديس. ﻻ تفكري في هذا الرجل. لقد تعودت ان تغلقي ذهنك .. ﻻ تفكري. ﻻ تشعري. ادي دورك فحسب. فهو لن يلاحظ ابدا.
غير ان مايكل لم يكن كباقي الرجال. وقد ﻻحظ ذلك فعلا. لقد اوصلته الى عتبات النعيم وصفقت اﻻبواب بوجهه.
“لماذا تصديني. اريد ان اقترب منك”.
فضحكت “ما مقدار القرب الذي تريده؟”.
فكر، لماذا كان عليه ان يتطفل ويتدخل في افكارها فما برح يشوش مشاعرها.
“اريد ان احبك. ان اصير جزءا منك وانت مني”.
“بهذه الطريقة”.
“بكل طريقة”.
“ﻻ”.
“بل نعم. انه ﻻ يعني ما قد تعلمتيه. هو بركة”.
فكرت، كيف يعقل ان يعتقد ذلك. ﻻ ارى سوى انه قذرا وتافها! عند ذلك تعاظم الصوت القاتم داخلها: اهربي منه. انقذي نفسك، واهربي!

الحب المحرر -٤

تردد في عقل انجل كلمات قد سمعتها قبلا مرارا “دعيهم يتذوقوا قبلة فيطلبوا الوجبة كاملة”.
قالت بهدوء ممض:
“انظر يا مايكل ﻻ يمكنني ان اقرا افكارك. عليك ان تقول لي ما تريد”.
حاولت ان تبقي مسافة بينها وبينه، اﻻ ان هوشع كان يملأ السرير مثلما كان يملأ الكوخ.. بل مثلما كان قد بدا يملأ حياتها.
واخيرا استسلمت للنوم.
“ انجل!” جاءها الصوت من بعيد، “هل ظننت انك ستهربين مني؟”. فيما مال عليها وضحك ضحكا خفيضا وهو يقول “ظننت ان اربعة اﻻف ميل ستفصلك عني؟”. قاومته اﻻ انه لم يكن مادة بل ظلا، شبحا يخيم عليها ويشدها الى حفرة سوداء عميقة، واحست جسمها يمتصه وهي تهوى الى القعر. اخذ يتغلغل في جميع مسامها حتى بات السواد داخل كيانها. وشرعت تنهش لحمها بيدها “ﻻ .. ﻻ”.
“مارة مارة!”.
استيقظت فجاة، وقد فغر فمها بصرخة صامتة. فقال هوشع بلطف “كان كابوسا”. واردف وهو يمسد كتفها برفق “عم هو؟”.
قالت كاذبة:
“ﻻ ا تذكر.”.
وضع يده على صدرها فانقبض عضلها. فقال مازحا “اذا ازداد خفقان قلبك فسيخرج خارج صدرك”. واردف بنبرة جادة
“قومي سنخرج في نزهة قصيرة!”.
خرجا سويا، كان البرد قارسا والظلام دامسا.. ونظرت انجل النجوم واذا هي جواهر منثورة على مخمل اسود..
انسكب نور الصباح على كل جبل وواد .. واحست شفتيه على شعرها “هذا هو ما انا مقدمه لك. اريد ان املا حياتك دفئا ولونا. اريد ان املاها نورا”.
احست ثقلا يتعاظم في داخلها. كانت لديه كلمات حلوة، لكن الكلمات ليست الحياة. فما كانت الحياة بتلك البساطة..بل كانت مشتبكة ملتوية متعوجة منذ الوﻻدة. لم يتات لها ان تمحو السنين العشر اﻻخيرة من حياتها، وﻻ حتى الثماني السابقة لها..
لقد كانت مذنبة بكونها قد ولدت.
لقد اراد اباها ان تسلخ من رحم امها.. وكان من شان امها ان تفعل لو علمت انها ستفقد اباها جراء تحديها له. ذلك ما قالته ﻻنجل كل تلك السنين الحافلة ببكاء غير منقطع.
ﻻ ﻻ مئة فجر كهذا وﻻ حتى الف يمكن ان تغير ما سبق. فقد كانت الحقيقة تماما كما قال لها دوك في الحلم “ﻻ تستطعين اﻻفﻻت مني”.
ارتسمت على وجهها ابتسامة كئيبة وابتاست في نفسها وتالمت. ربما كان مايكل على ما بدا عليه. لكن اﻻمر لن يتم بلاطريقة التي يريدها. لا يمك ان يتم وكفى. لقد كان حلاما. وسيبزغ عليه الفجر ايضا فيستيقظ.

كانت كل ليلة محنة.. لكن بقى الجواب هو اياه يتردد صداه في قلبه: انتظر!
فان الحب ﻻنجل كان كلمة كريهة من حرفين.
صبرا يا محبوب!
رباه كيف تطلب مني ان اعلمها الحب؟
وسمع صوتا اخر قويا وقديما قدم الزمان.
متى ستتصرف تصرف اﻻقوياء..؟
لقد راق ﻻنجل اﻻقامة في الكوخ. شعرت بالراحة واﻻمان ما عدا هايكل. فهي لم تحب المشاعر التي بدا يثيرها فيها.. بدات تصغي الى القصص التي يقصها كل مساء اﻻ انها لم تصدق اي واحدة منها.
كلما اسرعت باﻻفلات كان افضل.
حسبت ان لديها عملا غير منجز غي براديس. ثم كان عليها ان تحوز بذهبها كوخ كهذا.
وذات مساء سالته على العشاء: هل تظن ان الخضر التي نزرعها كفي لشراء كيس من الذهب في براديس؟
ربما اكثر..
وفكرت. عليها ان ترجع الى براديس .. سياتي اليوم الذ يمكنها فيه ان تنزع خاتم امه وتنسى امره تماما.
كانت تكنس وتكوي الثياب.. وشرد ذهنها. لماذا هذا الثقل في صدري؟
وجاءها صوت داخلي: لن يزول حتى تعودي الى براديس وتاخذي حقك من تلك العجوز المشاكسة.
وفكرت: لن تنجو تلك العجوز بفعلتها.
ذلك اﻻحساس غمرها يوم غادر مايكل في عربته:
انجل، لن تتحرري ان لم ترجعي. ستحصلين على مالك. ستتحررين.
عا مايكل في المساء .. كانت تقوم بكي الملابس فيما عضعضت شفتيها وهي تشتغل.
التفتت وقالت: متى ستعود الى براديس؟
لن اعود.
على اﻻقل حتى تحوز الثمن الذي دفعته في. لقد غششت من قبل العجوز الشمطاء.
لماذا تفعل بي يا رب هذا؟ لماذا اعطيتني تلك المراة العنيدة انها تثير جنوني وتفقدني صوابي؟
ثم ﻻح له فكرة يمكنه ابقاءها من خلالها اسبوعين علها تعود الى رشدها.
اريدك جمع الجوز المتساقط من تلك الشجرة هناك.
عادت بعد ساعتين ونظرت الى يديها:
اريد ان اعرف كيف تزيل هذا؟
انه الصبغة من قشر الجوز؟
اتعني ستبى؟
نحو اسبوعين.
تكورت يداها المصبوغتين في صورة قبضتين. وﻻحت لمايكل الحرارة صاعدة الى وجهها..
عقد الغضب امامها غمامة حمراء. ثم التفتت وخرجت شاتمة اياه همسا بلقب بذئ.
تبعها وادارها نحوه قائلا: “ﻻ تتمتمي بهذا همسا، هيا قليه لي بوجهي”
افلتت منه وزعقت بشتائم وما اكثر ما كانت تعرفه منها. “هيا اضربني. لعل ذلك يجعل منك رجلا”
وقد تخوف من مشاعره الثائرة من دمه الحار الجائش. راح قلبه يخبط كمحرك قطار. ثم زفر “ستكون حربا مفتوحة منذ اﻻن. هذا افضل من ﻻ مباﻻتها”.
طوت انجل يديها “عندي شئ اقوله. لن ابقى هنا معك الى اﻻبد”
فابتسم وهو يلتفت اليها بتلك النظرة الغامضة الفاترة والتي اعتادتها منه مؤخرا.
“انني ﻻ انتمى الى هذا المكان”.
“فيم تظنين تنتمين؟”
“ذلك خياري. تلك حرية شخصية”.
“انك ﻻ تعلمين بوجود خيار بعد. كما لم تعرفى معنى الحرية. انت تحسبين ثمة طريقا واحدا تسلكين . وانا اقول لك انه ينحدر مباشرة الى الجحيم”.

الحب المحرر -٣

+*+
توقعت انجل ان تشعر باﻻرتياح لغياب مايكل، غير ان ذلك لم يحصل. بل عم فراغ داخلي جعلها تشعر بانها تنجرف في فضاء خاو.
وقف مايكل يراقبها. لم تشعر بوجوده. رجعت بعد حين الى الكوخ متثاقلة. ما لو كان غير مرئي. لقد كانت مكتنفة بشقائها وافكارها السوداء اعمتها عن رؤية كل شئ اخر.. وﻻ سيما هو.
حين عادت وجدته يشعل نارا. اقتربت منه وقالت بشغف:
“علمني”
ماذا؟”
“اريد ان اتعلم كيف اقدح نارا”.
بعد عدة محاوﻻت منها اخفقت. وضعت قبضتيها على عينيها شاتمة جهرا.
مسّ مايكل شعرها بيده فاحس اجفالها. لقد سئمت هدوءه كما كرهت كفاءته. وارادت تدمير كليهما، وليس بيدها اﻻ سلاح واحد تحسن استخدامه.
قالت وهي تقعد: “اعتقد انن في كتفي وجع. هلا تمسجهما لي؟”
فعل مايكل ما طلبت فبدد تشنج عضلها، فيما ضاعف تشنج عضله. وقالت بلهجة مثيرة:
“ما احسن ذلك اﻻحساس”.
راح يفكر باكتئاب “هكذ اذا. تصورت! انها لم تستطع اشعال النار في الموقد، فلذلك ابتغت ان تضرم اخرى في داخلي”. فانكفأ متراجعا.
عندما ادار وجهه، كانت انجل مستعدة، فهي تعرف كيف تقوم بدورها، وتعلم كل الكلمات. كلمات رقيقة فاترة.. كلمات محسوبة لتمزق قلبه.. لتشعره ان رفضه اذاها. لتبعث فيه الشعور بالذنب مع دمه الحران.
راقبته يغادر.
مضى اكثر من ساعة ومايكل لم يرجع.
لما انفتح الباب وراءها اخيرا. كان شعره اﻻسود مبللا. فافترضت انه استحم في الجدول البارد جدا. واحست وخزة شعور بالذنب وشك. وبينما جال في انحاء الكوخ متململا، ظلت تسرح شعرها باصابعها منتبهة الى كل حركة من حركاته.
“اعتقد انني تذوقت ما كانت عليه حياتك”.
رمقته بنظرة مفاجئة: “ماذا تعني؟”
كان هوشع نبي طلب اليه الله ان يتزوج بمومس”.
“هل طلب الله منك ان تتزوج بي؟”
“نعم قال لي”.
ازداد هزؤها “ايكلمك شخصيا؟”
انه يكلم كل انسان شخصيا. انما معظم الناس ﻻ يكلفون انفسهم اﻻصغاء اليه”.
اسفة لمقاطعتك. كنت تحكي لي قصة نبي. ماذا جرى تاليا؟ هل تزوج النبي بالمومس؟
نعم”.
وتابع:
“اتصور انه كان لديه سبب وجيه”.
فكرت انجل، لعله السبب الذي دفعه هو بالزواج بها. فسالت:
“ولكن هل تمكن هوشع هذا من استئصال الخطية من زوجته؟ اعتقد انها انحنت على قدميه وقبلتهما ﻻنه انقذ روحها”.
“ﻻ. بل رجعت الى البعاء”
وكان ينبغي له ان يصغي الى الرب ويرجع اليها. كان ينبغي ان يسحبها خارجا من هناك مهما رفست وزعقت.
“اذا ﻻزمت النبي بعد ذلك؟”
ﻻ بل غادرته حتى” انه ولدت اوﻻدا من سواه”.
احست انجل ثقلا على صدرها وتهكمت “واخيرا رجمها بالحجارة وارسلها الى حيث تنتمي؟”
لم يجبها.
“ما مقصدك؟”
“انجل، سيكون عليك ذات يوم ان تتخذي قرارك”.

الحب المحرر -٢

.

اخذ مايكل ينفق ذهبه حتى اوشك على النفاذ. لم يعرف كيف يصل الى انجل. ورفع نظره للسماء ” ربي، لدي من الذهب فقط ما يكفي لمحاولة واحدة بعد. فدعها تصغ لي!.
.. ماذا انا فاعل هنا؟ لقد حاولت وانت تعرف. انها ﻻ تريد ما اعرضه عليها. ماذا تراني فاعلا؟ ااسحبها بشعرها خارجا بها من هنا؟”.
قرع الباب مرتين، وتردد في الرواق المعتم صدى قرعه. فتحت انجل الباب، ورمقته بنظرة خاطفة، وقالت: “اوه، هذا انت مرة اخرى؟”
نعم، هل لديك مانع؟! سأظل احاول الى اخر درهم معي!
قالت بهدوء:
ليست غلطتي في تبديد ذهبك. لقد حذرتك اول ليلة.
وانا لن اتركك في هذا المكان الموبوء.
ليس هذا شانك.
صار شاني يوم رايتك..
و سترت فمها اذ تثاءبت. وتنهدت قائلة : “هيا تكلم، فكلي اذان صاغية”.
“ايهدهدك كلامي لتنامي”.
فكرت. سيلقي كلمته ويمضي. انما كل ما ينبغي ان تتحقق منه هو اﻻ ياخذ معه جزءا منها خارج الباب.
ايعطيك شعورا بالقوة ان ازايد عليك ﻻحظى بك كل كل ليلة؟
لست اطلب منك القيام بذلك؟
ﻻ. لست تطلبين.. ﻻ تحتاجين الى شئ. لست تشعرين بشئ.
ﻻ فائدة.
اندفع خارجا ثم واصل المشي لعل هواء الليل يبرد حرارة جسده المشبوب وقبله روحه الثائرة. سار شارع او اثنين ثم تساءل:
يا رب، لماذا هي؟ قل لي! لماذا ليست فتاة حسنة التربية. فتاة تعمل معي في الحقول..
جاءه الصوت: هذه هي المراة التي اخترتها لك.
ثم توقف ساخطا وزعق في الفضاء المظلم ..
ارجع الى انجل!
ﻻ. لقد عبرت عن فكرها بوضوح. يمكنني ان احوزها باي طريقة شئت. من عنقها فنازﻻ. ما عدا قلبها.
ﻻ شئ ينفع. اخر شئ اريده انا هو امراة ﻻ تشعر بشئ”.
ثم شرع يمشي من جديد.
واذا صلى ثانية الى الله طالبا ان يرسل اليه امراة تشاركه في حياته، فسيكون اكثر دقة في تحديد نوع المراة التي يريدها.

كانت انجل واقفة عند نافذتها اذ شاهدت هوشع يغادر.
حسنا، لقد نجحت اخيرا في طرده.
لكن لماذا تشعر بهذا الحرمان الشديد؟
في تلك الليلة جلست وشدت ركبتيها على صدرها. ثم ضغطت براسها على ركبتيها، وراحت تترجج.
كان المطر يرسم على زجاج النافذة خطوطا طويلة كانها دموع غزيرة.
*
تنهدت ﻻكي ورجرجت السائل الكهرماني في كاسها. “اتمنى لو اني اغادر من هنا”.
امسكت انجل بيد ﻻكي: “ﻻكي، حاولي اﻻ تسرفي في الشراب، واﻻ طردتك الدوقة”.
“ﻻ تقلقي، فامام كل واحدة منا عشرون رجلا ينتظرون خارجا. اعتني بنفسك انت”.
سرحت انجل. فكرت بماضيها. كان ﻻ باس بحياتها قبل قدوم ذلك الفلاح. وكان مثل سابقه جوني تماما. مد اليها يده حاملا طعم اﻻمل. رسم لها صورة الحرية، ووعدها بها. حقا انها كفت عن تصديق اﻻكاذيب.. كفت عن اﻻيمان بالحرية.. كفت عن ان تحلم بها.. الى ان.. الى ان جاء هوشع. وها هي اﻻن ﻻ تستطيع اخراجها من فكرها.
تشبثت بستارة النافذة. “عليّ ان اخرج من هنا”. ولم يعنيها الى اين تذهب. اي مكان اخر سيكون افضل من هذا المكان.
كانت قد كسبت انذاك من عملها في الماخور ما يكفي لبناء بيت صغير. كل ما تحتاجه اﻻن هو الجراة للنزول الى السيدة ومطالبتها به.
نزلت الدرج بتؤدة تفصح عن ترددها. ﻻحظها بت تهبط الدرج شاردة فسألها “هل من خطب يا انجل؟”
“ﻻ، ليس من خطب”. “يحسن ان انهي اﻻمر اﻻن”، فكرت في نفسها.
حاولت تبديد خوفها، غير انه ما لبث داخل صدرها كعقدة محكمة.
كانت السيدة قد فرغت للتو من تناول عشاءها وكان بقايا بيض بالجبن بالصحن.
“اه من تلك البقرة المخادعة”.
تضاءل خوف انجل بتفاقم استياؤها. واستجمعت شجاعتها وقالت:
“اريد مالي”.
قالت السيدة بهدوء “قل لي ما تريدين شراؤه وساحرص ان تناليه”.
“اريد بيتا صغيرا”.
تغيرت ملامحها واكفهرت.
“انجل، نحن جميعا نمر بتلك النزوات. هذا ريف وتحتاجين الى شخص يرعاك ويحميك”.
نقرت انجل ذقنها نقرا خفيفا. “حسنا، يمكنني استئجار حارس شخصي”.
اذ ذاك ضحكت ضحكة خافتة.
“يحتمل ان اتزوج”
تتزوجين. هذا امر مسل!”.
“لقد طلبت يدي”
“اوه، انا على يقين بانك قد طلبت. حتى صديقتك الضئيلة السكيرة لاكي طلبت يدها. لكنها ذكية كفاية حتى تعرف ان اﻻمر لن ينجح”.
.. “ثم ان الزواج لن يروقك.. عليك ان تكنسي البيت وتعدي الطعام وتنظفي الثياب..”.
“على اﻻقل اكون مشتغلة عند رجل واحد لا رجال كثيرين”..
“حسنا يا عزيزتي. كم تريدين؟ ثلاثين بالمئة؟”.
ودون ان تنتظر ردا تنهدت وقالت بمكر “لكن عليك ان تنتظري. لقد وظفت مالك”.
قعدت انجل ساكنة ساكتة. فيما الخيبة والسخط يتراكمان داخلها.
“الغي توظيفه”. ثم تابعت بلهجة جادة “اني اعرف ان الذهب يملأ خزانتك. ذهبا كافيا لتسوية حسابي”.

***
رفعت ﻻكي نظرها الى مايكل بتضرع: “اخرجها من هناك يا سيدي. حتى لو لم يعد اﻻمر يهمك. حتى لو كانت هي ﻻ تريد. انما اخرجها من هناك”.
تنبه مايكل فجاة الى خطر ما. فامسك بذراعيها اذ دارت لتمضي: “ما حالها يا ﻻكي؟ ماذا تحاولين ان تقولي؟”.
عليه الذهاب الى انجل وانقاذه بعد ان اضحت شبه ميتة من شدة الضرب الذي انزل بها كعقاب.
***
بعد ايام كثيرة من وجودها في كوخ مايكل تعافت بعض الشئ. حاول مايكل ان يعلمها بعض الاعمال البسيطة في المزرعة، وامور منزلية اخرى، لكنها فشلت فيها جميعا. وفي احد الايام كان قادما من العمل بالحقل. فوجئت به
بهرع اليها ويمسك بيدها ويجذبها بشدة.
“ماذا تفعل؟”
“تنورتك تدخن. دقيقة واحدة بعد، ويتصاعد منك اللهيب”.
فقالت بتاسف “اضطررت الى اﻻقتراب من النار ﻻحرّك اليخنة في القدر”. وبغير تفكير امسكت بالقدر وهي ساخنة، فزعقت وسبت سبابا ثقيلا، وتراجعت الى الخلف تاركة اياها تملا الكوخ برائحة مريعة منبعثة من اليخنة المحترقة.