يوميات مختار #8

كان وقت التجربة قد انتهى وتوجهت لاحضار الطبقين من داخل الحضانة وبرغم وجود دكتور “عادل عارف حنين” معي الا انني لم استطع ان امنع فضولي واختلست النظر داخل الطائرة فوجدت ما اسعدني في البداية ، فلقد نهض السيد “فخري” وذهب للخلف للاطمئنان على “ي” وقبل ان يصل مر على مقعد “مختار” في المؤخرة. وطبعا تعرف عليه – فلقد اعددته مسبقا لهذا واطلعته على صورته فتبادلا التحيات وكنت اود ان اكتب بعض كلمات على فم مختار يطلب فيها مختار ان يرافق السيد فخري للامام ولكن لم تتسنى فرصة، كان الدكتور عادل ينتظرني.

بدأت اجهز الخلايا للعرض المجهري. اثناء ذهابي مع دكتور عادل الى غرفة المجهر لمشاهدة نتيجة التجربة، لاحظت باسى “مختار” وهو يخبر السيد “فخري” الذي كان يسند “ي” متأبطا وعائدا الى مكانه بالامام بانه مستمتع بمكانه ولا يريد تبديله. كدت اجن منه ورغبت ان انهي دور “ي” هذا تماما من القصة ولكني لم استطع فكيف ابرر ما افعله للدكتور عادل الذي اوصاني ان اترك الاحداث تسير، لذا ظل قلمي ملقى بجوار اوراق القصة عاجزا وغير قادر على دخول الطائرة لتغيير الاحداث.

حدثت مفاجأة غير متوقعة في النتائج كادت تدمر تجربتي اليوم، فخلايا الفأر “ب” المحرومة من اعضاء تدريبها اعطت نتائج مساوية لنتائج الفأر الصحيح تماما “ا”. كيف يكون هذا؟ كان يجب ان تكون نتائج “ب” سالبة (منهارة ومدمرة)، فماهي الاسباب؟

خشيت ان اكون قد اخطأت في فصل الانابيب وخلطت بين الدماء ولكن الدكتور عادل اوضح لي حقيقة علمية مفادها بأن هناك دائما نسبة للخطأ في التجارب وان اجهزتنا العلمية مهما بلغت من الدقة لا يمكن ان تقيس مدى نمو او انهيار القدرة المناعية للجسم الحي او تحكم عليها. فهذا شئ ما زال لا يعلمه الا واحد وهو الله.

نظرت اليه مستغربا فتلك كلمات تصدر من كاهن او واعظ ولكن ليس من دكتور علمي ولكنه اوضح بأن قياس القدرة الحيوية او البيولوجية للخلايا مهما بلغ من اتقان يظل بعيدا عن واقعها الحقيقي القابل للتغيير والذي لا يمكن الاطلاع عليه الا بعيني فاحص القلوب والكلى والذي تصل الى مفارق النخاع والمخاخ والنفس والروح.

كنت حزينا وكان دكتور “عادل عارف” باسما وقال انني سعيد فهذه التجربة ستفيدك في حياتك فهذا هو الله يا ولدي . الله الذي ما يزال مسيطرا على قوانينه فهو ضابط الكل.

تركته ودلفت الى غرفة تربية الحيوانات ، كان الفأران هناك. من الشكل الخارجي استطيع ان اميز تماما بين الصحيح والمريض ولكن من يصدق بأن هناك صحيحا في الشكل ومريضا بالداخل، من له اسم انه حي وهو ميت.

عدت للمعمل والقيت بنفسي متهالكا على الطاولة امام الاوراق وامسكت بالقلم.. ولمحت مختار يسر بكلمات في اذن جليسته المستهترة ، استرقت السمع وصعقت فلم اتوقع ما يقوله ولا استطيع كتابته هنا. تحولت الي “ي” فوجدته يقر معترفا باشياء فظيعة هو الاخر ولكنه كان يتكلم والدموع تملأ عينيه . بينما كان السيد “فخري” يربت عليه ويطمئنه بانه حتى في ارض الغربة توجد كنائس واباء اعتراف يستطيع ان يعترف على ايديهم كل شخص يريد بصدق التغيير الحقيقي بعيدا عن الشكلية والتدين الظاهري. احسست بكلمة ارخني العزيز وهي تنطلق من الورقة لتصيب عيني انا مباشرة. احسست وكأنه بدأ يرفع وجهه ويحدق خارج الطائرة نحوي انا شخصيا، واكمل كلامه قائلا: ان الرب يسوع صديق العشارين والخطاة صنع سوطا وطرد الباعة من الهيكل ، كما انه صب الويلات على الكتبة والفريسيين المرائين. فاشد ما لا يطيقه الرب هو الرياء اي مظهرية العبادة او الحياة بوجهين. وان الرب يخاطبني : اريدك ان تكون باردا او حارا ، اما لانك فاتر فانا مزمع ان اتقيأك من فمي.. ارتجفت .. ما هذا ايها الارخن؟ اتوجه كلماتك الصعبة تلك نحوي؟ وانا الذي صنعتك من خيالي بل وقد نسجت كل خيوط تلك القصة اصلا!

ولكن كلمات الانجيل الفاحصة الكاشفة الصادرة من فم الارخن لم ترهبها مكانتي او وضعي العلمي بل على العكس شعرت انها اوقفتني عاريا امام الرب وفي نوره العجيب حيث سقطت اوراق التين التافهة التي كنت استتر بها وظهر نفاقي وتمسكي الهش بمبادئي والفرق الواضح بين وضعي الداخلي المنهار والكلمات البراقة التي اكتبها  فانحنيت واطرقت برأسي خجلا.

دخل “عبد الواحد” وسألني عم الم بي ، وعرض على صنع فنجان قهوة لي ولكنني لم ارد لانني كنت مستغرقا في افكاري بخصوص كلمات السيد “فخري” ولم اعد اهتم لا بالتجربة ولا بكلام عبد الواحد ولا بكلام الناس ولا حتى بمختار فقد كان كل ما اود ان افعله هو ان ازيح “مختار” واجلس مكانه لكي ما يساعدني، فلقد اكمل مهمته بنجاح مع السيد “ي” وحان دوري انا الآن.

يوميات مختار #7

كدت اجن من “ي” لأنه بدأ في مقاومة فكرتي لتطور الاحداث، فها هو قد تأثر بكلام الارخن وبدأ يتوب، بسرعة قررت ان افعل اي شئ حتى امنع تدمير قصتي، وذلك بأن لا اعطيه اية فرصة لتجديد حياته وبالطبع تغيير سير الاحداث الذي قررته منذ بدأت في كتابة القصة. قررت ان اصيبه بمغص حاد، ويبدو انني ضغطت – نظرا لشدة غيظي منه – على وصف المغص بالشديد القاسي فاحتاج “ي” لتلقي بعض العناية الطبية بالطائرة. فاراحوه ، واعطوه دواءا مسكّنا في غرفة المضيفين بالخلف، لانه كان يتلوى من الالم.

فرحت وقلت في نفسي: ربما هذا عطّله قليلا حتى اجد حلا لهذه المشكلة التي لم اضعها في الحساب، ولكن ما العمل اذا زال المغص وتابع عملية التغيير وتدمير قصتي؟ فلم اجد بدا من اقتحام “غرفة المضيفين” بقلمي مهما كان الموقف محرجا.

كان “ي” يتلوى من الالم، قررت ان ابث فيه روح الكبرياء والرفض لما سمعه من استاذ فخري من كلمات روحية، لكنه لم يستجب. لذا قررت ان اسفّه واسخر من سرعة اقتناعه بكلماته، فكيف يحدث هذا فجأة؟ كيف يتحول من منحرف في صالة الترانزيت الى ان يعود بقلبه الى الله في مقصورة الطائرة؟ ولكنه لم يعر افكاري اهتماما بل رد بكلمات متقطعة غير مفهومة من شدة الام المغص مثل نية القلب، مشاعر التوبة الحقيقية، الرغبة الصادقة في الحياة مع الله.

غمغمت: نعم ؟! ماذا تقول؟ نية القلب.. فهذه هي غلطتى من البداية، لقد اهتممت بتشويه شكله الخارجي فقط ولكنني لم التفت الى استعداد قلبه ، فربما كان به بصيصا من الايمان. ولكن لماذا الحزن ؟ المسألة بسيطة جدا وما تزال تحت السيطرة ، سوف اعبث بمشاعر قلبه البسيطة تلك، واقلبها، انها عملية سهلة.

ولكن قبل ان اوجه قلمي لقلبه لكي اصيغ الكلمات المناسبة وجدت “ي” يرفض ادنى تدخل مني في نية قلبه. يرفض بصلابة عنيدة.

تفكرت: من اين اتى هذا الهش بتلك الصلابة؟! من اين له هذه القدرة على المقاومة؟! وابتسمت ساخرا وكلي اسى وانا اقارن في ذهني بين موقفه الصارم تجاه افكاري المحبطة، وبين موقف مختار المتخاذل امام تلك الفتاة المتحررة.

ولكن يجب ان يكون هناك حلا. يجب ان اوقف هذا ال “ي” .. يلزم ان اتدخل انا مباشرة واكلمه وجها لوجه.

صرخت فيه بحدة :

– اسمع يا “ي”. لن اسمح لك بتغيير احداث القصة وشغل مكان بطلي “المختار” فانت قد وضعت في هذه القصة اصلا لاظهار عظمته وليس لسرقتها منه. اتفهم؟ ..

اجاب وهو يتلوى من الالم وتقريبا غائب عن الوعي:

– لا ادري يا سيدي ماذا تريد مني؟.. و لا افهم ما تقوله؟ .. ولكنني اعلم شيئا واحدا، اني كنت اعمى والان ابصر الوضع المريع الذي كنت فيه ، وبصدق اريد ان اتوب.

فقلت بعصبية:

– هذا ليس شأني. فانت لا تهمني على الاطلاق. وقصتي مركزة على “مختار”. مختار فقط، اتسمعني؟

صرخ وهو لا يزال يتلوى:

– وانا ؟.. ألست انا وليد افكارك ايضا؟ فلماذا لا تهتم بي وبخلاص نفسي ايضا؟

تنهدت وقلت متفكرا:

– ربما في قصة اخرى.. ولكن ليس الان.

صرخ “ي” بتظلم:

– لا، هذا ليس عدلا!

اثارتني كلمته فاصبحت اكثر حنقا عليه وقلت بلهجة فيه الكثير من التعالي:

– كيف لك ان تجاوبني هكذا يا ولد؟ انا الذي صغتك، وقصة حياتك من بنات افكاري، ويجب ان تنفذ ما اكتبه حرفيا والا فاني استطيع بجرة قلم قصيرة وبكلمات اقصر ان انهي دورك في القصة نهائيا. اتعي ما اقوله؟

بكلمات تخرج هامسة وبانفاس لاهثة واهنة تمتم:

– الله عادل حقا، ولكنه رحيم ايضا! ويعلم خفيات القلب ولن يسمح لك ان تعبث بمصيري ومصير اولاده هكذا.

ابتسمت ساخرا وقلت:

– اولاده؟ ما شاء الله! اتتكلم انت عن الله وتنسب نفسك اليه ، وتحسب نفسك انك من ابنائه؟ يا لك من وقح! انت انسان خاطئ.. اتسمع؟ خاطئ. ولا تستحق لقب الابن هذا! الخطاة امثالك يلقون خارجا مع الكلاب!

ثم سحبت نفسي مع القلم من الغرفة وغادرت الطائرة.

خيّل لي وانا اضع علامة التعجب بعد كلمة “الكلاب” انه كان يتمتم بما يشبه :

حتى الكلاب ايضا تقف تنتظر ان تأكل من الفتات الساقط من موائد البنين.

اغتظت منه ، فلقد عرفت الى ماذا يشير، وكدت اعود اليه ولكن لم يكن لديّ الوقت الكافي لاضيّعه في نقاش مع هذا الفتى السخيف. هرعت بقلمي بسرعة نحو مقاعد مؤخرة الطائرة، وقبل ان اقوم بحمل “مختار” عنوة من مجالسة تلك الفتاة السخيفة واجلاسه بجوار الارخن الفاضل”فخري” عنوة، فوجئت ان الدكتور “عادل حنين” يقف امامي مباشرة.

القيت بالقلم ونهضت بسرعة مصافحا ومعتذرا باني لم اتمكن من رؤيته اثناء دخوله المعمل لانشغالي. ابتسم مقدرا ظروفي، ثم سألني عن سير التجربة، فطمأنته، لكنه طلب مني مراجعة نتائج بعض التجارب فاسرعت لاحضارها من مكتبي.

وعند عودتي وجدته ممسكا باوراق القصة ويطالعها باهتمام. فتنحنحت خجلا. فرفع عينيه نحوي بحزم وجدية ولم يلتفت نحو نتائجي بل سألني مباشرة وبوضوح شديد وصارم :

– هل تريد ان تقول لنا في قصتك هذه ان الشاب “ي” هذا هو نفسه “يهوذا الاسخريوطي” الذي بعد ان اسلم المسيح لليهود مضى وشنق نفسه؟

فقلت متصنعا الابتسامة:

– بالطبع لا!. ولكني اخترت الاسم “يهوذا” لكي يعبر عن الخيانة والنهاية المؤسفة للخطاة الذين لا توبة لهم.

فاعاد دكتور “عادل” السؤال بحزم اشد:

– وهل شنق الشاب “ي” بطل قصتك نفسه؟

قلت:

– لا، ولن يفعل!

فسأل مستفسرا:

– وهل يئس من موقفه الخاطئ واستسلم للشيطان في قنوط وفقدان للرجاء في عمل الروح القدس فيه؟

فصمت واومأت برأسي بالنفي.

استطرد الدكتور عادل قائلا:

– انني ارى انه يصارع ويجاهد من اجل الرجوع الى الله ويغيّر من نفسه وسلوكه، وانت الذي تضع العراقيل امامه.

فقلت متعجبا:

– يا سيدي انه “يهوذا الخائن” بائع سيده.

فرد بسرعة: ولكنه ليس “يهوذا الاسخريوطي” اليائس والذي لا توبة له. اسمع يا ابني! القديس بطرس الرسول انكر وكذلك يهوذا خان ولكن الفرق ان بطرس كان لديه رجاء وبكى بكاءا مرا نادما. فرده المسيح الى مرتبته الاولى واما يهوذا فيئس وخجل خجلا مريضا من خطيته وكتمها ومضى مستسلما للشيطان وشنق نفسه، وعندما انهى حياته لم يعد لديه فرصة للتوبة فنزل الى الجحيم هالكا. الفرق واضح وكبير بين يهوذا الاسخريوطي و “ي” الخاص بك، فحياة الاخير لم تنتهي بعد وهو يريد ان يتوب ويتغيّر..

فقلت مقاطعا:

– ولكن مختار افضل منه. وانا قد اعددته لمكانة سامية، وهو بطل قصتي من البداية، اما “ي” هذا فهو ابن الهلاك، وللهلاك سيدعى.

رفع الدكتور يده مقاطعا، وقال بحزم شديد لم اره فيه من قبل:

– انتظر، ولا تحكم الان – قبل الوقت – فالسيد “مختار” كما يبدو قد يخفق في الاختبار.

فقلت بتأكيد ممزوج بالكبرياء:

– لا، لن يحدث هذا فانه مختار ولا يمكن ان يرسب في الامتحان مطلقا.

هز دكتور حنين رأسه متابعا كلامه بأسى شديد:

– الم تسمع ابدا كلمات الرب يسوع “انه في الايام الاخيرة سيضل ولو امكن المختارين ايضا”، وان هناك “اولون سيكونون اخرين واخرون اولون”. المهم نتائج الامتحان، ماذا سيفعل في صراعه مع الخطية التي تقاتله؟ هل سيقاوم وينتصر ثم يكلل ام سيهزم ويستسلم لها ويخسر كل شئ. لا تركن يا بني على انه “مختار” وابن لابراهيم، فالله قادر ان يقيم من الحجارة اولادا لابراهيم.

كنت غاضبا وقلت بنبرة واثقة مؤكدة:

– يا دكتور عادل، ان “ي” منحرف وقد امضى عمره كله بلا ادنى التزام نحو الله ونفسه والمجتمع، اما “مختار” فكان خادما ملتزما في الكنيسة. فكيف يتساويان؟

نظر الى بثقة وهو يحصى الاسماء على اصابع يده الثلاثة:

– اسمي الكامل هو “عادل”، “عارف”، “حنين”. أليس كذلك؟.. لا تحكم بحسب الظاهر بل احكم حكما عادلا، وبما انك لا تعرف دواخل القلوب فلن يكون حكمك منصفا. الرب وحده يعرف فهو “وازن الارواح” و “فاحص القلوب والكلى”. اترك الاحداث تستمر ودعهما يتصرفان معا ولا تستبق الاحداث وتحكم على ردود الافعال الاولية، فالتجربة الحياتية – ان صح التعبير – مثل مباراة الشطرنج الطويلة قد تخسر بعض القطع المهمة في البداية بل وقد يقال لملكك “كش” عدة مرات ولكن العبرة بالنهاية ، من سينتصر؟ من سيحتفظ بملكه الى النهاية؟ اذن لا يهم كم خسرت ، كم سقطت، كم ارتكبت من خطايا في الماضي او كم اضعت من وقت. المهم هو ان تنهض وتقوم وتعود الى ابيك معترفا بذنبك وطالبا الغفران، فالمسيح حي وهو ملك الملوك وينتظر عودتك وسيستقبلك من خارج البيت بعيدا حتى ينتشلك وتحتضنك يداه، سيغير من وضعك ويعيدك ثانية الى بنوته ويفرح بانتصارك ويشركك في وليمته فرحا لعودتك ونجاتك قائلا لك: اليوم تكون معي في الفردوس. اذن اترك التجربة تستمر بهم و لا تتدخل في النتائج. فان الباحث الامين يسجل ما يحصل عليه من نتائج فقط ، لا يغيرها ولا يعدلها لتوافق ما يظن او يبتغيه هو. فهذا يسمى غش وتزوير وعدم عدل. أليس كذلك؟

اومأت برأسي موافقا بخجل شديد.

يوميات مختار #6

تركت القلم – بينما كانت الطائرة تحلق فوق السحب الكثيفة – واسرعت نحو الانابيب. بدقة متناهية وتركيز شديد ولفترة دامت قرابة الساعة تمكنت اخيرا من وضع خلايا الدم البيضاء المنزوعة مع فيروس المرض لكلا الفأرين ثم اودعتهم بمنتهى الحرص داخل المحضن على درجة حرارة وضغط محددين بدقة.

جلست ارتشف القهوة بهدوء. الان سوف تتضح حقيقة قوة الخلايا المناعية وليس شكلها . فاما ان تقتل الفيروس وتنتصر او يقتلها الفيروس ويستعبد الباقي منها ويجعلها تعمل لحسابه وتنتج اعدادا لا نهائية منه فيتدمر الجسم تماما

ارتشف رشفة اخرى بينما ادون في جدول بعض البيانات توضح سير التجربة بدقة: درجة نمو الخلايا، شدة تعليمها ، تدريبها داخل جسد الفأر. تحدد تماما طريقة تعاملها مع المرض خارج جسم الكائن الحى. فالخلايا الصحيحة القوية المدربة تقتل المرض. اما من هي عكس ذلك فسيقتلها المرض ويدمر الجسم الذي تنتمي اليه تماما.

عندما كانت الخلايا في جسد الفأر الاول “أ” او السليم تغذت جيدا من غذائه وتعلمت كيف تقاتل الفيروسات في داخل اوكارها – اقصد الاعضاء – المناعية فاكتسبت القوة والخبرة ، ومن المفترض فيها ان تقتل الفيروس وترد عليه بقوة اكبر بكثير من الفأر الثاني “ب” الذي استؤصل منه الغدد المناعية.

هنا تذكرت ابطالي في مقصورة الطائرة فهرعت بقلمي لاجد ما لم اتوقعه تماما . فمختار متورط في حديث رومانسي مع تلك الفتاة الاجنبية والتي لا يعجبني تبرجها ولا ملابسها غير المحتشمة ولا طريقتها السخيفة في الحوار وتحررها الزائد.

لمحت في عيني مختار للاسف مشاعر الاعجاب والانبهار. كنت احاول اقناعه بأن تضييع الوقت مع مثل هذه الفتاة التافهة والانبهار بكمبيوترها المحمول “لابتوب” وبما يحويه من ملفات سواء صور او مقاطع فيديو وافلام لن يفيده في ارض غربته ، ولكنه كان مستغرق معها في الحوار بطريقة تعجبت معها وتساءلت من اين له هذه الطلاقة في الحوار؟ مع انني رسمت شخصيته في البداية لتوح بانه خجول مقل الكلام.

من الضجر كدت انسى ذلك ال “ي”   فألتفتت نحو الامامي لاجده يصغي بهدوء غريب عن طبعه – الذي وصفته من قبل – الى ما يقوله ارخني العزيز “فخري”، والذي صغت شخصيته وزودتها بالارشادات والنصائح الدينية والتي تحتاجها حياة مختار القادمة في ارض الغربة. ولكن للاسف فان كلماته تصب الان في اذني “ي” وانا واثق تماما انه لن يستفيد بكلمة واحدة منها.

دق جرس الهاتف. التقطت السماعة لاجد ان الذي يهاتفني اخطأ في الرقم.

عدت وامسكت القلم ولكن قبل ان اكتب كلمة واحدة دخلت طالبة من السنة الدراسية السابقة ، سألتني عن بعض المسائل في مقرراتها الدراسية. اجبتها بطلاقة. انا شخصيا ضد الدروس الخصوصية في الجامعة – وادينها بين الزملاء علانية في كل مناسبة تجمعنا، اصفها بانها غش مستتر وتدني ولكني لا امتنع في نفس الوقت عن مساعدة بعض الطالبات – مثل هذه الطالبة – كما لا امتنع عن قبول هداياهم الثمينة والتي يقدمونها لي لأنهم يعلمون مدى كرهي للدروس الخصوصية.

عند رحيلها التفتت للرواية لاجد ارخني الفاضل ما زال يفاضل بين الحياة الانجيلية في احضان الرب يسوع والحياة العالمية تحت براثن ابليس وبين انيابه. وبين النهايتان المتضادتان من ملكوت وامجاد وحرية وبحيرة نار وعبودية.

ثم اتبعها موضحا ل “ي” بأن الحرب الروحية صعبة في ارض الغربة فالخطية والشر منتشر وادنى انحراف او ميل قلبي كفيل بأن يضيع العمر كله.

هنا هز “ي” رأسه وكان مقتنعا بالكلام. وكاد ان يتكلم بما يشبه الموافقة. فخفت بأن اسمح له بهذا الرد. فمن الممكن ان تغيّر كلماته تلك من سير الاحداث او تحسن من موقفه في اعين القراء. فأملت القلم بسرعة للخلف نحو مختار محاولا نقله ليجلس في مقعده في الامام – ويا لخجلي وجدته غارقا حتى اذنيه في كلمات تلك الفتاة المستهترة. نظرت اليه بتعجب صارخا:

– ما خطبك يا رجل! ألم تحادث فتيات من قبل؟

ولكنه لم يسمعني فقد كان غائبا في عالمها ويتتبع شاشة كمبيوترها بتركيز ويستمع لحوارها بانقياد كبير. مصدقا اياها في كل كلمة تقولها. وعندما يستطيع التقاط انفاسه والرد عليها، كانت كلماته تخرج واهنة جدا، تنم عن مشاعر كبت واستسلام تام لمنطقها المغلوط للاسف.

ما هذا الذي يحدث.. غضبت وقررت ان اتدخل وامسك انا بزمام الامور وتوجيهها نحو الجهة التي اريدها. يجب ان اجد وسيلة لالقاء هذه الفتاة المنحلة بعيدا عن “مختاري” ووضعه بجانب السيد فخري “الارخن المبجل” حتى ينهل من خبرته الروحية وحياته التقوية الطويلة. بدلا من تلويث مسامعه بكلمات تلك الفتاة الغريبة التي لا اعرف من اين هبطت ولماذا لم تجلس منذ البداية بجانب “ي” وتريحني.

عقدت العزم على الايعاز لتلك المضيفة التي تمر الان بين المقاعد ، بأن تقوم هي بعملية التغيير هذه وتصحيح اماكن جلوس المسافرين. كان “ي”في تلك اللحظة يرد : نعم يا سيدي كلامك صحيح. اي تفكير منطقي يقارن بين طريقين متضادين-طريق الله وطريق ابليس يصل الى تلك النتيجة بسهولة، ولكن كيف يكون تصحيح المسار لمن ضل زمنا طويلا؟

قال فخري بابتسامة لها القدرة ان تشيع السلام في وجه اي شخص ينظر اليه:

– التوبة. فالتوبة تستطيع ان تشفي جرح الخطية. التوبةُ تجعل الزناةَ بتوليين، كما تنظف الوعاء الذي علاه الصدأُ.  إنها تجتذبُ الخطاة من اماكن الدنس ليشتركوا في عملِ الملائكةِ. هي تَدخلُ إلى مخادع الزناة، وتلدهم من حضنها بتوليين للمسيحِ.  بيدها وضعت مفاتيحَ ملكوت السماواتِ، فكلُّ من أحبها وعشقها جعلته أميناً. سمُّ الموتِ واللهو بيد الشيطان، أما التوبةُ فهي ترياقُ الحياةِ بيد اللهِ.  وكلُّ من سبق وشرب من كأسِ القاتلِ، يتقدم ويشرب من كأسِ المحيي للكلِّ، فيعيش بلا نهايةِ.

– ولكني اعتقد ان التوبة امر ليس سهلا، فهي تحتاج لدموع وسهر وكل هذا جهاد لا اجد في نفسي قبولا له او القدرة على ممارسته.

– التوبة لا تحتاج سوى الرغبة القلبية الصادقة والامانة في طلب نعمة وقوة من الله. نعم، ان اعتمدت على ذاتك لن تنجح ولكن ان طلبت من الرب حتما يستجيب لأنه وعد بذلك. ما عليك سوى ان تردد ما قاله ارميا النبي قديما في (ار31: 31) “توبني يارب فاتوب”.

تابع “ي” بتأثر:

– هل تعلم يا سيدي بانني لم اكن سيئا هكذا في الماضي.ولكن التردي في الشر يمكن ان يكون بسرعة البرق.

ربت فخري بيده على يد “ي” بحنان وحب شديد وهو يقول:

–  وكذلك اشراقة نور المسيح في القلب يا ولدي تضئ مثل البرق ايضا. الا تذكر ظهور الرب لشاول الطرسوسي في طريق دمشق.

– نعم، ولكن تغيرا عظيما مثل هذا صعب.

– طبعا صعب، فالحياة مع الله تتطلب جهاد وتعب ولكن هناك ايضا النعمة التي تعين الانسان في جهاده.

اطرق “ي” برأسه:

– ولكن لا تنسى يا سيدي ان ابليس يحاربنا.

في تلك اللحظة اقتربت المضيفة ملفتة انتباه “ي” انه لا يجلس في مقعده. فرحت جدا فأعصابي لم تعد تحتمل حديثهما. فاذا كنا ونحن بعد في الطائرة يرفض الالتزام بالنص المكتوب فماذا سوف يحدث عندما يصل الى امريكا؟

ولكن للاسف لم تجدي كلمات المضيفة نفعا، لأن “ي” اقنعها ان بقاءه على هذا المقعد بجوار “فخري” لا يسبب للسيد “مختار” اية مشكلة والا كان قد اعترض منذ بداية الرحلة- وفعلا – بنظرة واحدة من المضيفة الى استغراقهما في الحديث معا تركتهما، ومضت ومضت تتفقد باقي الركاب.

يوميات مختار #5

كان هناك نداء بلغة اجنبية يعلن بأن على جميع المسافرين الى الولايات المتحدة الامريكية سرعة التوجه الى بوابة الخروج رقم “سبعة”. كان مختار من اوائل المستعدين للمغادرة، جعلته ينظر الى السماء الزرقاء ويتأمل في سحبها البيضاء المنثورة بنعومة جو الشتاء الرائع. لم اكن قد انتهيت بعد من وصف حالة مختار هذه حتى فاجأني “ي” بتقدمه المتسرع واقترب مترنحا ومزاحما حتى اصطدم جسمه بمختار وتواجه بطلا قصتي وجها لوجه لاول مرة.

وضع عبد الواحد القهوة باسما فعاتبته لبطئه في احضارها، وعدت لاجد مختار يرمق “ي” بنظرة لا اعرف من اين اتى بمثلها ،  فأنا لم اكتبها له. بها الكثير من التعالي والتقزز من شكله وهيئته واخبره بأن مكانه هو في اول الصف. بينما بدا لي بأن “ي” قد تجاهل ما حدث بينهما وتراجع للخلف كما طلب منه حتى وقف في مكان ما بالصف صامتا. فحمدت الله لاني لم اخطط ان تحدث بينهما اية احاديث علنية مكشوفة فنصائحي وتوجياتي لقرائي الشباب يجب ان تأتي بشكل غير مباشر، حتى لا تفقد قصتي تشويقها وتحترق النهاية.

تخطى مختار رجل الامن الاخير وصعد الى الحافلة التي ستقله الى الطائرة. ولكن عندما جاء دور “ي” امام الرجل سمعت صوت صافرة الجهاز تعلن عن مرور نصف الوقت. واحسست بأن هناك مشاكل قد تحدث مع “ي” فلقد وضعته هكذا في صالة “الترانزيت”  مباشرة، ونسيت كالعادة استكمال باقي اوراقه ولكن الشرطي عرض جواز سفره على رجل امن اخر بجانبه – يفوقه كثيرا في الرتبة- ليستشيره فهز الاخر رأسه موافقا وصرح للشاب “ي” بالخروج.

على سلم الطائرة جعلت مختار يتطلع للخلف وينظر بوداع لكل ما حوله من سماء وهواء ووطن واغرورقت عيناه بالدموع، دموع الفراق وألم الغربة الذي سيبدأ، فأعجبت به وطفقت ازيّن مشاعره الجياشة واصف للشبيبة رقة وشاعرية ووطنية بطلي. ولكن كاد القلم يتوقف عندما لمحت نفس المشاعر في “ي” دون تدخل مني، وتعجبت مما يحدث امامي ، فهو بهذا الموقف قد يكسب بعض التعاطف ولكنني قررت بأن اقلب وضعه هذا تماما داخل مقصورة الطائرة فسوف اصيغ الاحداث في اتجاهات مختلفة جميعها في مصلحة مختار فقط.

ولكن فجأة حدثت مشكلة مع جهاز الفصل وبدأت انواره الحمراء في الاشارة، وكذلك صفارته في الانطلاق المتقطع، وكان يجب ان اتحرك بسرعة والا ماتت الخلايا بداخله وانهارت التجربة المعملية. فتركت القلم واحداث القصة بينما كانت محركات الطائرة تهدر والركاب بالداخل يبحثون عن اماكن جلوسهم.

وانا افتح غطاء الجهاز لاقوم باكتشاف سبب التعطل لمحت سلم الطائرة وهو يبعد عنها بعد ان اغلقوا الباب بينما توجهت بمقدمتها ناحية مجرى الاقلاع بثبات . كان كل تركيزي منصب في محاولة تصليح سبب الجهاز باقصى سرعة خوفا على حياة الخلايا. فلم اتبين بدقة ما حدث بداخل الطائرة. وعندما تمكنت من اصلاح العطل البسيط ومواصلة العمل كانت الطائرة تحلق في السماء فعلا. بينما اصبح فنجان القهوة بارد وغير صالح للشرب.

طلبت من عبد الواحد الحضور فورا لتنظيف الطاولة من بقايا العمل وحمل الفأران لحجرة تربية الحيوانات وتغذيتها هناك جيدا لتعويض الدم المفقود واحضار فنجان اخر من القهوة. وقبل انتهي من طلبي هذا كان الهاتف يرن.. بهدوءه المعهود اخبرني دكتور “عادل حنين” بأنه سوف يمر بنفسه ليرى نتائج التجربة . اعرف ما يعنيه – فلقد نسيت الاتصال به تماما – فشكرته بخجل ممتنا لاهتمامه.

نظرت للاطمئنان على الجهاز وعدت للقصة بسرعة ولكنني عندما امسكت بقلمي تكدرت. فلقد وجدت لدهشتي الشديد مختار يجلس في مؤخرة الطائرة واختار مقعده بجوار فتاة مجهولة بالنسبة لي. في غير المقعد الذي كنت قد حددته له مسبقا في النصف الامامي فوق جناح الطائرة. وكذلك “ي” كان يتحدث من فوق مقعد مختار مع الجالس بجانبه وهو رجل وقور من المفترض حسب النص الذي كتبته لهذه القصة ان يكون جالسا بجوار مختار الذي كان يتبادل الحوار مع الفتاة الاجنبية والتي لا يوجد لها مكان في قصتي- بكثر من التركيز والانصات وضع عبد الواحد الفنجان ، بينما كنت احاول الايعاز لمختار ان يتوقف عن الكلام ويترك مكانه هذا ويذهب لمقعده اي يتبادل مع “ي” المقاعد. فذلك الرجل الوقور بالذات هو هدفي فهو ارخن فاضل من ابناء الكنيسة المرموقين في المهجر. اعددته لكي يقلبله في الطائرة لكي يسهل الكثير امام خدمة مختار المقبلة في ارض الغربة، كما انه من العبث ان اضيع وقت السيد “فخري” الثمين في حديث مع هذا “ي” التافه.

ثم بماذا سينتفع “ي” من هذه المناقشة الروحية الجادة التي بينهم اصلا – بالمناسبة وقع اختيار على اسم “فخري” لانها تشير لمعنى الفخرولكنها تعني ايضا “شفاء” في اللغة القبطية او دواء او ترياق. ولكن محاولاتي لتبديل الاماكن وقعت سدى وبدأت المضيفات بتقديم الوجبات الخفيفة والمشروبات بينما كانت الطائرة تحلق. وعندها دوت صافرة الجهاز معلنة انتهاء عمله.

في رأيك هل ستكون نتائج التجربة كما توقعها مختار؟

في رأيك هل ستدور احداث القصة كما خطط لها مختار؟

يوميات مختار #4

لتمضية الوقت فتحت حقيبتي واخرجت اوراق القصة ثم ارتديت نظارتي الطبية. كان مختار يجلس واضعا ساقا فوق الاخرى ويحتسي مشروبا ساخنا في انتظار موعد اقلاع الطائرة. تأملته من بعيد- كم هو رائع. انا معجب به جدا. كما كنت اتخيله تماما. الخادم الملتزم المحترم. ملابسه منسقة مهندمة، ملامحه مملوءة بالجدية والوقار.

استعددت وقررت ان اعبئ قلبه بمشاعر دافئة ولكن قبل ان اكتب اي حرف خاص ب “مختار” لمعت في ذهني فكرة رائعة، لماذا لا اجعل هناك مسافر اخر مع مختار وليكن شاب مثله، ولكنه مختلف عنه تماما في كل شئ . مستهتر، منحرف ، قليل الذهاب الى الكنيسة، سئ السلوك. ولكنه متجه معه الى نفس الوجهة وهناك على ارض غربتهم اكتب الاحداث التي تمر في حياتهما، فالاشياء لا تظهر الا بتضادها، فبوججود الظلمة يتضح النور. وحياة مختار الملتزمة الناجحة ستتضح بالحياة الفاشلة المنحرفة لـ .. توقفت وفكرت للحظات متريثا لاختيار اسم لهذا الشاب الاخر. مرت طوابير طويلة في عقلي لاشخاص غير ملتزمين وفاشلين اعرفهم جيدا بل واصادق بعضهم. تحيرت فيمن سوف اختار اسمه منهم لكي اشهّر به في قصتي وافضح اعماله واكشف خفايا قلبه على الورق لالاف القراء. قررت التدقيق في الاختيار فتلك عملية بها الكثير من الخزي والتشهير.

كلما توقف الطابور عند شخص ما ازحته بيدي جانبا فلقد كنت متأكدا من وجود من هو احق بهذا التحقير. اخيرا وجدت الاسم، انه يهوذا ، هذا الاسم الذي جعله يهوذا الاسخريوطي رمزا للخيانة والخسة، ولكن هذا الاسم ليس منتشر بين الناس الان فمن من الناس يسمي ابنه يهوذا؟ .. لا يهم، فالقصص مهما تطابقت مع الحياة ما يزال بها جزء مؤلف وافتراضي وحتى خيالي.

اذن ليكن المهندس الشاب “يهوذا” جالسا في مكان ما في نفس الصالة التي يجلس بها مختار وكان يحتسي البيرة مثلا – فهذا يناسب انحرافه- وبسرعة كتبت بأنه كان يدخن السجائر ايضا. وبمثل هذه السهولة طفقت في تشويه مظهره الخارجي تماما.

وجدت بعد قليل انه من الافضل للحفاظ على واقعي القصة ان اكتفي بذكر الحرف الاول من اسمه “ي” بدلا من كتابة اسم “يهوذا” واعجبت اكثر بالفكرة عندما تبينت ان حرف “ي” يقع في اخر الابجدية العربية وهو المكان المناسب جدا لمثل هذا الشاب. تابعت صياغة الاحداث. فوجدت ان مختار يشرب فنجان شاي وهو يقرأ في كتاب جعلته كتابا روحيا وزينته بالكلمات الوعظية والاشادات الهامة. وجعلته يهز رأسه معجبا ومتأثرا تماما بكل ما يقرأه. وعندما اطمئننت عليه انتقلت الى يهوذا اقصد “ي” حتى احشو قلبه بكل ما هو سئ. قررت تعبئته بمحبة العالم من شهوة الجسد، وشهوة العين وتعظم المعيشة حتى ينطبق شكله الخارجي الظاهري الذي كونته على باطنه تماما.

ولكن قبل ان املئ قلبه تماما بكل هذه الافكار الشريرة رأيت صاحب المطحنة يلّوح لي، فبسرعة تركت القلم يسقط على الطاولة بجانب الكأس التي امام”ي”  وهرولت لاحضار حاجياتي. عند رجوعي بالسيارة وجدت مختار يطلب فنجانا اخر من الشاي ويتابع القراءة في هدوء بينما كان ي يتجاذب اطراف الحديث المرح مع الناذلة الحسناء . لم اشأ ان اغيرّ مما يقع امامي من احداث ، فهذا قد يلوح للقراء من بعيد انه شاب نزق وله علاقات شائنة . كنت قد تأخرت فعلا على موعد الكلية فتركت حديثهم هذا يستمر ولكنني وضعت في نهاية السطر علامة تعجب مقصودة وبعض النقط ولممت اوراقس ودسستها داخل حقيبتي، وانطلقت بالسيارة وانا ارجو ان يخف زحام المرور قليلا.

طلبت من عم “عبد الواحد” تل من الطلبات المحفوظة فابتسم وهو يخبرني ان الدكتور “حنين” المشرف على رسالتي قد سأل علي ويريد ان.. في حدة قاسية التفت اليه وافهمته مقاطعا اسمه يا بني ادم دكتور “عادل عارف حنين” وليس دكتور “حنين” فقط ، فهل فهمت؟ فهز المسكين رأسه بطريقته المعهودة.

قبل ان ارتدي معطفي الابيض الخاص بالمعمل (البالطو) كانت قهوتي السادة على طاولة المعمل الطويلة وبجوارها الفأران الخاصان بالتجربة بداخل اقفاصهم المعنونة بوضوح واحد بحرف “أ” واخر بحرف “ب” وبجانبهم ادوات التشريح العديدة. ادرت عدة اجهزة معملية سوف احتاجها فيما بعد وامسكت بجدول سير التجربة وقرأت. الخطوات في غاية البساطة والسلاسة.

  1. تخدير الفأر الاول “أ”
  2. سحب قليلا من دمه
  3. عزل كرات دمه البيضاء وهي المسؤولة عن المناعة.
  4. تعريض الخلايا المعزولة لفيروس حي لمرض ..
  5. وضع الخلايا المصابة في طبق خاص في حضانة خاصة لفترة معينة من الوقت ثم مشاهدة نتيجة المعركة التي ستحدث بينهم تحت عدسة المجهر الضوئي (الميكروسكوب).

وفي نفس الوقت وبنفس الطريقة تماما نكرر العملية مع الفأر “ب”  و1ذلك لتوضيح الفرق بين قوة الخلايا السليمة للفأر السليم “أ” بالمقارنة مع الخلايا غير السليمة للفأر المريض “ب”  والذي قمنا قبل شهر بنزع او استئصال جراحي لبعض غدده المناعية فاصبح الفأر بالتالي غير قادر على الدفاع عن نفسه.

التجربة سهلة ولكن خطورتها تكمن في ضرورة تمييز نتائج كل فأر بدقة وتفريقها عن نتائج الاخر . وحتى نمنع تداخل النتائج او الخلط بينهما لاي سبب قمت بالكتابة على الانابيب والاطباق الحرفين “ا” او “ب”.

بدأت اقترب من الفأران. بمجرد النظر العادي الخارجي استطيع ان اؤكدا من منهم المريض ومن السليم. واستطيع بناءا على ذلك ان استنتج النتيجة حتى بدون اخذ اية قياسات. ولكنني للامانة خدرتهم وبدأت اسحب الدم بحرص . اقتحم الفراش”عبد الواحد” المعمل واخبرني ان الدكتور “عادل عارف حنين” قد اتصل بي مرة اخرى ويود لو احادثه في الهاتف عندما اقدر.

هززت رأسي دون ان انطق . فقد كنت افصل الخلايا واغسلها بمحاليل طبية خاصة وهي عملية هامة وضرورية فالخلايا خارج جسمها تكون ضعيفة وفي حاجة الى محاليل مغذية وظروف معيشية معينة حتى تستطيع مواصلة الحياة الطبيعية اثناء غربتها في الخارج. ثم وضعت الانابيب بداخل جهاز الطرد المركزي الذي يدور بسرعات عالية حتى يقوم بفصل الخلايا عن بعضها. وهذا سوف يستغرق وقتا طويلا – ولذلك عندما ادرت الجهاز اخرجت اوراق القصة وصرخت في عبد الواحد طالبا فنجان اخر من القهوة.

القواعد

راجعت ما كتبت بسرعة .. نسيت ان اذكر انني احببت تسمية البطل بنفس اسمي، فربما اضمّن القصة جزء من سيرتي الذاتية و خبراتي الشخصية –  رحت اكتب:

“.. دلف المهندس “مختار” بسرعة الى قاعة السفر في مطار القاهرة الدولي. حقيبته الشخصية في يد وجواز سفره في اليد الاخرى.. وتقدم بثقة نحو حاجز التفتيش. بمجرد ان رفع بفخر تذكرة الطائرة في وجه الحارس حتى تنحى الرجل جانبا وسمح له بالدخول الى داخل الصالة المزدحمة بخليط عجيب من البشر وحقائب السفر والعربات التي تحملها والحواجز والاوراق واللافتات الضوئية والاصوات المتداخلة المربكة، ولكنه بجدية وتركيز توجه من فوره الى الموظف المسؤول عن وزن الحقائب وتحديد ابواب الخروج”..

لم اكتب اكثر من هذا وظلت بقية الجمل معلقة مبتورة. نظرت الى ساعة يدى. ما زال امامي بعض الوقت. امسكت القلم لكي اكمل. فالافكار كانت حاضرة مشعة بداخل ذهني: ان “مختار” ذاهب الى الولايات المتحدة الامريكية في بعثة علمية لدراسة الهندسة الالكترونية، ونظرا لتدينه – فهو من خدام مدارس الاحد في الكنيسة المجاورة لمنزله – اقنعه اب الاعتراف بانه سوف يكون ذو فائدة كبيرة لتعليم الاولاد في المهجر. الالحان والطقوس القبطية الاصيلة. ولذلك تجده فخورا ومعتزا بمهمته وكذلك فان امريكا تعد من الدول الكبرى ومجرد الذهاب للدراسة بها يعتبر فرصة عظيمة. وهناك احداث يجب ان اجعلها تقع لبطلي “مختار” في داخل الطائرة لكي تسهل له حياته في ارض غربته. وعندما يصل سوف يكون هناك عقد امامه تحتاج الى حل ومشاكل وتجارب صعبة ستصاغ لاختباره. حتى نصل الى نهاية القصة الرائعة بنجاحه الواضح الاكيد في كل التجارب فقد كان مختارا منذ البداية طالبا متفوقا وملتزما ويجب ان يداوم ذلك حتى يتوج بنجاحه في نهاية القصة.

رحت اكمل الكتابة هكذا..

“مد الموظف يده لاخذ جواز السفر. ولكن ما حدث بعد ذلك كان غريبا. فلم يكد الرجل يقرأ سطر منه حتى اعاده في عصبية عجيبة الى مختار قائلا :

– اين بقية الاسم وباقي البانات من عنوان وتاريخ المؤهل؟ ثم امسك التذكرة بيده وسأله بحدة هل انت متاكد من اسم الولاية التي تنتي السفر اليها؟

احتار مختار جدا وتلفت حوله في ذهول ولم يجد جواب .. ضربت مقدمة جبهتي بيدي قائلا:

كم انا غبي! لقد نسيت ان اكمل باقي بيانات جواز سفر مختار واكتفيت بان اعطيه اسمه الاول فقط، كذلك لم ابين له ابدا اي الولايات سوف يسافر اليها، ولذلك وقف المسكين محتارا امام الرجل واسقط في يديه ولم يجد جوابا.

بسرعة كبيرة بدأت في ملء خانات جواز السفر بالمعلومات. حاولت ان اكتب بعجلة حتى لا يلاحظ الموظف ما يحدث. ولكن قبل ان اقول لمختار اسم المنطقة، دق جرس باب الشقة بالحاح. حاولت ان انهض لكي افتحه، ولكن عيني الموظف ذات النظرة الحادة المتسعة الغاضبة جعلت اقدامي تتخشب ويدي تواصل الكتابة . دق جرسالباب مرة اخرى فبسرعة البرق اوضحت لمختار همسا بان يعتذر لهذا الرجل ويلملم اوراقه من امامه ويمضي ليبحث عن المكان الخاص بالسفر الى الولايات المتحدة الامريكية ريثما اقوم بفتح الباب، ومن ثم اعو اليه ثم نهضت بسرعة.

وجدت جامع القمامة الشاب المبتسم دائما – ولعجبي – على هذا في ايامنا الصعبة هذه – وهو يمد يده يطلب صندوق كل صباح. ركضت واعطته اياه وعقلي مستغرق مع مختار خائفا من ان يخطئمرة اخرى، فهو في المطار وهذا مكان متسع شائك وممتلئ برجال الامن واي خطأ اخر قد يوقع ببطلي في مأزق حقيقي ولن استطيع ان اصلحه مرة اخرى.

اعاد الشاب الصندوق بعد ان افرغه وظل مبتسما ايضا – من غيظي منه، سألته:

– علام تبتسم؟ ما هو الشئ المفرح في حياتنا حتى تصاب بهذه السعادة؟

رد الشاب الطيب وهو يقبل يديه ظهرا وبطنا:

– الحمد لله على كل شئ يا دكتور. طالما ربنا موجود، وستر ربنا موجود، فكل شئ سيكون خير ان شاء الله.

تعجبت من بساطته وسذاجته الواضحة.

ما ان ادار ظهره حتى صفعت الباب بسرعة وركضت وارتميت على الاريكة وامسكت القلم باحثا عن مختار . لحسن الحظ كان يقف امام الموظف الصحيح هذه المرة. فحرّكت الاحداث بسرعة. خاصة لأن الوقت قد ازف وحان الذهاب الى المعمل. انهيت المشهد بأن “مد الموظف الاوراق بلطف وحدد لمختار بوابة الخروج رقم “سبعة” وانهى كلامه قائلا له:

– امامك يا فندم ساعة ونصف حتى ميعاد اقلاع الطائرة.”.

حمدت الله كثيرا فهذا وقت كافي لي جدا للذهاب الى الكلية – ابتسم مختار بسعادة حقيقية ومرق بثقة كبيرة الى الصفحة التالية من القصة.

كان شابا والمستقبل امامه كبير. احبب ان اضخ واشحن بعض المشاعر الايمانية في قلبه. ولكن كان وقتي قد انتهى فتركته واقفا وحيدا في قمة الصفحة البيضاء ةوالقيت بالقلم جانبه ونهضت منزعجا ابحث بسرعة عن هاتفي المحمول ومفاتيح السيارة.

قررت في اللحظة الاخيرة ان احمل اوراق القصة معي فالتجربة اليوم تستلزم انتظار تشغيل عدة اجهزة معملية وانتظار ظهور نتيجة التحاليل وقد يسمح هذا الوقت بمتابعة تأليف الاحداث .

من موقعي على باب الشقة لاحت مني التفاتة الى رقعة الشطرنج في الركن الخاص باللعب. كان ملكي الابيض ما زال واقفا وهو يكاد يصرخ من موقفه المحرج الصعب،ولكن ما باليد حيلة، فمحاولة انقاذه الان تتطلب ني وقتا واهتماما وتركيزا وهم من اندر الاشياء في حياتي كلها.

بينما العامل يمسح زجاج سيارتي الامامي في وسط ضجيج الشارع، اخبرني بواب  العمارة بحزن ان ابنته الصغيرة مريضة جدا، وبأن الدواء باهظ الثمن، وانا انسحب بهدوء راجعا الى الخلف بالسيارة وضعت في جيبه مبلغا بسيطا، فرفع يداه الى السماء امام المارة داعيا لي بالبركة.فابتسمت لنفسي وانا راض عنها تمام الرضى فربنا اوصانا ان نعطي في الخفاء حتى لمن لا يستحقون مثل هذا البواب عصبي المزاج.

كانت حركة المرور فظيعة. وكانت هناك كوكبة من الافكار تتخبط في عقلي بلا انتظام. تتداخل مع صوت عال لبعض الترانيم التي احب تشغيلها في كاسيت السيارة بينما اقود، ليسمعها الناس من حولي ويستفيدوا حتى لو كنت انا لا انتبه اليها كثيرا.

صرخت بشدة وعنف في قائد احدى السيارات لانه توقف جانبا برغم الزحام الشديد- لانزال ابنه الصغير امام المدرسة المقابلة ووصفته باوصاف معينة صعبة بل وحنقت عليه وتمنيت وجود شرطيا في هذه اللحظة ليقيض عليه.

من الغيظ فقدت التركيز وكذلك المنعطف الذي كنت اريد الدوران منه فوجدت نفسي وقد وقعت في بحر من السيارات التي تسير ببطء شديد في الاتجاه المعاكس لوجهتى. كدت انفجر غيظا من هؤلاء الذين لا يراعون القانون او النظام او حتى قواعد الذوق ومشاعر الاخرين. من اصعب الاشياء ان يكون الطريق هو الذي يقود الانسان وليس العكس. ولكن لم يكن امامي مفر. اضطررت لمتابعة السير مع التيار منطلعا لاية فرصة للهروب.

بالمصادفة السعيدة لمحت على الجانب مطحنة البن.فانحنيت جانبا بسرعة – غير عابئبقواعدالمرور او ظروف الزحام الشديد، فقدكنت متعجلا.

ركنت السيارة وهبطت بسرعة شديدة. اخبرت التاجر انني محتاج لعبوة من “البن المحوج” الخاص طلبت منه سرعة اعداده لأن سيارتي تركن في “الممنوع”. لكنه اخبرني ان سيستغرق ربع ساعة لاعداده.

يوميات مختار #2

قبل ان يغلي الماء واثناء تجهيز فنجان النسكافيه فتحت الانجيل لكي اقرأه. كنت قد شارفت على نهاية سفر الرؤيا.. قرأت الاتي: “اخرجوا منها يا شعبي لئلا تشتركوا في خطاياها ولئلا تأخذوا من ضرباتها”… سمعت صوت العصافير تنادي جائعة، يجب عليّ ان اطعم هذه العصافير الجميلة المسكينة.. “في يوم واحد ستأتي ضرباتها. موت وحزن وجوع وتحترق بالنار”.. تثاءبت.. “ويبكي تجار الارض وينوحون عليها لأن بضائعهم لا يشتريها احد فيما بعد.. تململت وغيرت وضعية جلوسي.. “بضائع من الذهب والفضة ..”.  كنت قد انتهيت تقريبا من قراءة الاصحاح عندما سمعت صوت غليان الماء،  فقلت بسرعة: “ولربنا المجد الدائم الى الابد”، واغلقت الانجيل مقبلا اياه وقفزت الى المطبخ بينما كان المذيع يقدم الفقرة الرياضية وحالة الطقس.

وانا واقف ارتشف من الفنجان بلذة واستمتع بمشهد جيراني وهم يتصايحون داخل غرفهم الخاصة. كانت يديّ تلقي بالحبوب الصغيرة للعصافير الجائعة. الذكر له لون سماوي وهو عصبي المزاج كثير الحركة بينما الانثى بيضاء هادئة ساكنة ولكنها في نفس الوقت غادرة ماكرة فكثيرا ما كانت تنقره في خبث بقسوة وتسبب له الالم والمشاكل. ابتسمت وتذكرت بطل احد الافلام.

تركت الشرفة وتوجهت للصالة وبالذات الى الركن الذي خصصته من شقتي للتأليف والكتابة القصصية. اثناء مروري  التقطت بعض قطع الملابس والمتعلقات الشخصية. القطع النظيفة غير متناسقة الالوان مع بعضها نهائيا. ولكن ما العمل فلا وقت لديّ للغسيل المنتظم. من سيراني بهذه الملابس لا يمكن ان يتخيل مركزي العلمي ابدا. وحتى على احسن تخمين. ولكن من حسن حظي اني نجحت في التقاطهم بسرعة اليوم. ففوضوية الاكوام حولي مريعة. تعجبت من كل هذه الفوضى التي اعيش فيها. فكم من مرة قمت بتنظيف وترتيب الشقة ولكن هذه الاشياء اللعينة تعود من تلقاء نفسها الى ما كانت عليه من قبل – دون ان اتمكن من منعها – وبسرعة عجيبة محبطة.

امسكت باوراق القصة التي لم اكتب منها سوى عدة سطور فقط. تذكرت اعجاب جميع اصدقائي وتلاميذي في الخدمة من الموهبة القصصية عندي والتي تتيح لي ان انشر قصة قصيرة كل شهر في المجلة الدينية الخاصة بالشباب. اجتماع الموهبة الادبية الى جانب وضعي العلمي البحت ومركزي الجامعي جعلني ابتسم لنفسي بثقة فهذا شئ امتلكه ولا اعرف  له سببا، فقد يكون شعاعا من العبقرية مثلا او نوعا من انواع تهدئة العقل من التفكير العلمي الجاف والجنوح به لمجال اكثر هدوءا وشاعرية اعني مجال الادب.

راجعت ما كتبت بسرعة .. – احببت تسمية البطل بنفس اسمي، فربما اضمّن القصة جزء من سيرتي الذاتية و خبراتي الشخصية – .. دلف المهندس “مختار” بسرعة الى قاعة السفر في مطار القاهرة الدولي. حقيبته الشخصية في يد وجواز سفره في اليد الاخرى..