يوميات استير -10

-10-

هامان يقدم مشروعه

انني اكتب هذه الكلمات بعد ان علمت من عمي بتدبير هامان الشرير. علمت منه بالخبر وها انا اكتب قصة التدبير ويدي ترتعش.

قال هامان للملك زوجي انه موجود شعب ما مشتت ومتفرق بين الشعوب في كل بلاد مملكتك. وسننهم مغايرة لجميع الشعوب، وهم لا يعملون سنن الملك فلا يليق بالملك تركهم. انهم لا يساعدون في بناء الدولة اذ لهم ايام مقدسة كثيرة يعتكفون فيها فلا يعملون شيئا. يكرسون الساعة الاولى من كل يوم للصلاة اسمع يا شعبي. الرب الهنا رب واحدوالساعة الثنية للاغاني الدينية ، واليوم السابع يصرفونه كله للعبادة، لا يشتغلون شيئا، بل يقضونه في مجامعهم يقرأون كتبهم، وكتب الانبياء واثناء ذلك يمجدون الههم ويلعون الهتك ايها الملك، انهم يختنون اطفالهم، وبذلك هم مختلفون عن باقي الشعوب، وفي شهر نيسان يحفظون عيدا يدعون الفصحينزعون الخمير وهم بذلك يشيرون الى نزع الملك الاجنبي عنهم.. انهم يطلبون قتلك وسقوط مملكتك.

ولقد قام يوما ملك هو نبوخذ نصر ملك بابل، وحاصر مدينتهم، واخرب هيكلهم وقتل العدد الكبر منهم وسبى الباقين الى بابل. ونقلنا نحن بعضهم الى فارس عبيدا، انهم متعظمون متمردون. ليس للبلاد منهم اي فائدة بل هم سبب كل البلايا.

هذا ما بغني ان هامان قاله للملك. لست اعلم ان كل ما سمعته ، هو حقا ما قاله، ام انه قال اكثر من ذلك. على كل حال ان ما قاله هامان فيه كثير من الحقيقة لكن هل يبرر ذلك ما طلبه من الملك اذ انه ختم كلامه قائلا : “انه لا يليق بالملك تركهم. فاذا حسن عند الملك فليكتب ان يبادوا وانا ازن عشرة الاف وزنة من الفضة في ايدي الذين يعملون العمل ليؤتى بها الى خزائن الملك“.

وقد اخبرني من اخبرني اكثر من ذلك . قال ان الملك خلع خاتمه من يده واعطاه لهامان الشرير هذا وقال له، لقد اعطيتك هذا الشعب الشرير لتفعل به ما يحسن في عينيك“. ولكن احد الوزراء احتج وقامت بينه وبين هامان مناقشة طويلة لم تنته.. علمت ايضا ان الملك لم يكن راضيا كل الرضا عن ذلك، لكن هامان ظل يلح يوما بعد يوم ويقدم التهم والشكايات الباطلة قائلا للملك: “ان اليهود انما يمتصون دماء الشعب ويغتنون على حساب الاخرن وانهم قد اصبحوا اصحاب النفوذ المالي والاداري. وليس من المستعبد ان يزعزعوا اركان المملكة حينما تسنح لهم فرصة لذلك

ضاق صدر الملك فامر بعقد اجتماع للمجلس الكبير، وعرض عليهم مشورة هامان، وطلب منهم ابداء الرأي.

وكان جواب المجلس باجماع:

ان ابادة ذلك الشعب هو ابادة للعالم. ان شرائعهم وقوانينهم هي اسمى القوانين التي ترسي عليها قواعد اي مجتمع. ان باقي الشعوب انما يتعلمون منهم فيأخذون الكثير من قوانينهم ليطبقوها في حياتهم.. ويدرسون فلسفتهم ليصيغوا بناءا عليها فلسفتهم، ان الههم قوي، وهو قد استطاع ان ينتصر على الهتنا. الا تسمع بقصة شدرخ وميشخ وعبدناغو ، وقصة بلطشاصر لا زالت حديث الناس، وقد سمعنا قصة فرعون وقصة شق البحر الاحمر وتجفيف نهر الاردن وسقوط اسوار اريحا.

لم يسكت هامان بل قال:

ان الاله الذي انتصر على فرعون يبدو انه قد اصابه وهن الشيخوخة. نعم فارقته قوته. الم يذهب نبوخذ نصر الى اورشليم ويهدم هيكله؟ الم يحضر ملكهم مسبيا الى بابل؟ الا يعيش اتباع ذلك الاله عبيدا هنا في فارس؟

استطاع هامان ان يدير الدفة الى صفه بحججه الخبيثة.

في اليوم التالي دعى كتّاب الملك ، وكان اليوم الثالث عشر من الشهر الاول وكتب حسب كل ما امر به هامان الى نوا الملك في الاقاليم والبلدان: كل شعب ككتابته وكل امة كلسانها. كتب باسم زركسيس وختم بخاتم الملك. وارسلت الكتابات بيد السعاة الى كل البلاد لاهلاك وابادة جميع شعبي من الغلام الى الشيخ والاطفال والنساء في يوم واحد هو اليوم الثالث عشر من الشهر الثاني عشر اي شهر اذار وان ينهبوا غنيمتهم.

ارسلت صورة الكتابة الى جميع الشعوب ليكونوا مستعدين لهذا اليوم. فخرج السعاة وامر الملك يحثهم. واعطى الامر في شوشن القصر، وجلس الملك وهامان للشرب واما اليهود بالمدينة شوشن كان بينهم اضطراب عظيم.

يوميات استير -9

هامان

وماذاعساني اكتب عن هذا الرجل؟ كيف ظهر وكيف تألق نجمه وكيف صار ثاني الملك. لا اعلم. لقد قيل الكثير عنه. كان من نسل عيسو. ابوه همداثا بن ساراخ بن كوزا …. بن اجاج بن سومكي بن عماليق بن اليفاز بكر عيسو.

هذا كان اكبر دساس ، وقد استطاع نتيجة مؤامرات ان يصل الى اعلى مكان في الدولة، وامر الملك ان يقدموا له نفس الاكرام الذي يقمون له. من الغريب ان الملك اعطاه هذا المقام وهو من امة مغلوبة وقد ملأه هذا المقام بالكبرياء والعجب وخصوصا عندما كان يرى الناس يسجدون له. على ان عمي رفض ان يفعل ذلك. وسأله رجال القصر لماذا لا يجثو لهامان. وكان جوابه لهم “انتم حمقى. اسمعوا لي: هل يجوز للفاني الذي سيعود الى اصله التراب ان يطلب مجد السماء؟ هل انحني امام مولود المرأة معدود الايام؟ كلا اني اسجد لاله السماء. الاله الحي الازلي. الاله الذي يحمل الارض بكفه ووضع حدا للبحر وَهُوَ صَنَعَهُ، وَيَدَاهُ سَبَكَتَا الْيَابِسَةَ.. يداه سبكتا اليابسة وكَالَ بِكَفِّهِ الْمِيَاهَ، وَقَاسَ السَّمَاوَاتِ بِالشِّبْرِ، وَكَالَ بِالْكَيْلِ تُرَابَ الأَرْضِ، وَوَزَنَ الْجِبَالَ بِالْ‍قَبَّانِ، وَالآكَامَ بِالْمِيزَانِ..

وسمع هامان واشتعل غيظا. وصاح قائلا: “ويحك ايها المخلوق الحقير! لماذا تغلظ عنقك ؟ الم ينحن ابوك الاول لابي؟”

واجاب عمي وقال:”كيف ذلك؟ من من اسلافي سجد لاسلافك؟”

وقال “سلفك الاول يعقوب سجد امام عيسو سبع سجدات”

وتبسم عمي “انك مخطئ يا سيدي. انني ابن بنيامين وعندما انحنى يعقوب لم يكن بنيامين قد ولد بعد”

وزأر هامان وتهيأ ليهجم على عمي ليخنقه بكلتا يديه، ولما خشى ان عمي يستطيع ان يدافع عن نفسه تراجع قليلا ثم فكر ان يأمر الجند ان يمزقوه بسيوفهم ولكنه عاد الى نفسه. ان قتل عمي لن يشفي غلته. لقد اهانه عمي امام الكثيرين. فليكن الانتقام مروعا على قدر الاساءة. ليذهب اذا الى بيته ويفكر في هدوء.

حين عاد الى بيته رأته زوجته الخبيثة زرش مكتئبا وعلمت ما صار، نصحته مع بعض اقربائه ان يتقم وليكن انتقامه شديد البأس على قدر مركزه. قالوا له … “يجب ان يموت اشنع ميتة”

وختم هامان الحديث “اه لو علم ذلك الاحمق مردخاي ما نويت له، لمات رعبا قبل ان امد يدي اليه”

لا اعلم ما الذي يحفزني للكتابة عن هذا الامر..

سأسجل هذه الاحداث لاظهر اعمال الله العجيبة. جاءني اخبار تقول ان هامان ينوي شرا بعمي وكذلك ببعض الغرباء المسبين. لقد حاول الملك ان يعرف من هم قومي ولكني استطعت ان اهرب من الجواب بلباقة. وقد اخبرني عبيدي ان معاوني هامان جلسوا في شهر نيسان يلقون قرعا امامه. من عادة رؤساء الامم الوثنية ان يستعينوا بحكمائهم ليعلموا الوقت المناسب. وكان هؤلاء الحكماء يتبعون بعض الطقوس الوثنية منها استشارة الهتهم لمعرفة هل ستساعدهم وما هو الوقت المناسب: من هذه الطقوس سؤال العصا، والقاء القرعة وقراءة خريطة البروج وغيرها من الطقوس.. فالقوا قرعا من يوم الى يوم ومن شهر الى شهر ليعرفوا الوقت الذي ترضى عنه الالهة ويناسب تنفيذ الانتقام الدموي من مرخاي والشعب الذي ينتمي اليه.
القوا قرعة في الشهر الاول نيسان (ابريل) ولكن الجواب كان لا.. هكذا فعلوا بالشهور التالية: ايار (مايو)، سيفان (يونية)، تموز (يوليو) ، آب (اغسطس)، ايلول (سبتمبر)، تشرين الاول والثاني (اكتوبر ونوفمبر)، كسلو (ديسمبر)، ثيبيت (يناير)، شباط (فبراير)، اذار (مارس).. جاء الجواب بالقبول. هتف هامان: “لقد وجدتك”. كانت علامات كوكب اذار  في خريطة الابراج الفلكية سمكتين. تفاءل هامان وحسب هذا الشهر شهر نحس لليهود وحظ له.. نعم استراح هامان الى القرعة، ولم يعلم ان الله رتب شيئا اخر. لقد رتب الله الامر هكذا لتكون فسحة كبيرة للشعب، عام كامل ليعود الشعب الى الهه بالصوم والتذلل والتوبة.

يوميات استير -8

تسعة اعوام

انشغلت بامور كثيرة داخل القصر. لم اجلس الى مكتبي لادون مذكراتي. لست بعد تلك الفتاة الخجولة المنعزلة. الظرووف صنعت مني امرأة اخرى. صرت اتكلم بحساب وابتسم بحساب واعبس بحساب. كان وجود عمي في القصر بالقرب مني سبب تعزية لي. ما اكثر ما طويت من الام في صدري. ما اكثر ما صبّرت نفسي على اذى الى ان جاءت الساعة، ما اكثر حاسدي. انهم يغبطونني على القفص الذهبي الذي انا حبيسة فيه. نعم انا الملكة ولكن افقر امرأة في شوشن اسعد مني.

اين تلك الليالي التي كانت تجمعني حول مائدة عمي وتلك الكلمات المخلصة لزوجة عمي .. ها هي تسع سنوات اقضيها في القصر . كان الملك في المدة الاولى لا يكاد يتركني ليلة ، كنت الزوجة الاثيرة. كنت العشيقة المحبوبة. ولكن الحال اختلف الان. لا اقول انه هجرني ، ولكني احسست اني لا املك قلبه، لم انجب له ولدا ومع ذلك فقد ظل يحبني. ولكن محبته لم تكن ساخنة جدا كما كانت، على انني كما قلت لم استأ من ذلك. لقد احببت خدمي فاحبوني وبالاكثر احبوني احبوا الهي.

كانت القصور ملأى بالنساء والخصيان، ولم تكن تسمع الا حديث الجنس، ازيد من خمسمائة امرأة لرجل واحد. كل امرأة تتطلع الى ان يكون لها حظ الوجود في جناح الملك ليلة واحدة.

يوميات استير -7

مؤامرة

ها انا الان في قصري الكبير احيا حياة تنعم – حولي الخدم والحشم، العبيد والجواري والوصيفات. كنت اعيش في جناحي الخاص المستقل يفصل بين جناحي وقصر الملك ممر انيق ارضه من اثمن المرمر وسقفه من اثمن الزجاج الملون.. وكان الملك يعيش تحت حراسة مشددة. كل الذين يذهبون الى الجناح الملكي بدون اذن يقتلون في الحال. على انني كنت مستريحة الى ذلك. كنت اعلم ان الملك ليس زوجي وحدي.. وكانت الحاشية التي معي منتقاة. حاولت ان اطهرها من الجواسيس. وكان كبير الخصيان اكثر من خادم. نعم كان هتاخ صديقي. ثم ان عمي كان يتصل بي كثيرا. كنت اخبره كل شئ. كان يعرف عني كل كبيرة وصغيرة. وكان هو بدوره يطلعني عن اخبار الدنيا بالخارج.

وقد حدث ان ضابطين من الحرس الملكي هما بغشان وترش ارادا ان يقتلا الملك. وقد تحدثا معا بلغة اجنبية ووضعا خطة قتل الملك. وقد تكلما في حضرة عمي. كانا يظنان انه لا يعرف تلك اللغة. لم يكونا يعلمان ان عمي كان احد كبار العلماء. لم يخطر ببالهما ان هذا الضابط الصغير الذي لا ينتسب الى شعب معروف او الى عائلة كبيرة، ةوالذي كان يبدو انه من اجهل الجهال، ولم يخطر ببالهما انه يلم بلغات كثيرة.

وارسل عمي الي تفاصيل المؤامرة، وانا اخبرت الملك بها وذكرت ان الضابط “مردخاي” هو الذي ارسلها اليّ. اتخذ الملك احتياطه وحينما هما بتنفيذ خطتهما القى القبض عليهما واعدما صلبا. وامر الملك ان تدون الحادثة في السجلات الرسمية في اخبار الايام لملوك مادي وفارس فكتبت القصة بحذافيرها وذكر “مردوك” (النطق الفارسي لاسمه) في السجلات ولكن الملك لم يكافئه.

وقد استاء عمي كما استأت انا، ولكننا لا نستطيع ان نعمل شيئا. وارسل عمي يقول لنه يثق ان لله حكمته، وان تدبيره صالح وان خفى عنا.

يوميات استير -6

ليلة واحدة مع الملك

اخيرا مرت السنة وجاء هيجاي يخبرني ان يومي جاء. بان الرعب على وجهي. سقطت على الارض مغشيا عليّ، ولما افقت بكيت بين يدي هيجاي والفتيات. التمست ان اعفى من المهمة البغيضة التي قدمت لي. ان كثيرات غيري يتمنين هذه الليلة. اعطوهن امنيتهن. انقذني يا هيجاي”.

اشفق هيجاي عليّ وراح يهوّن الامر عليّ قائلا:

“ان الملك انسان رقيق وهو عطوف وحنون. ”

وبعد ان هدأت، سألني ماذا اطلب من ثياب وعطور ، فقلت له ، لا شئ.

وتبسم هيجاي في وجهي وقال: “ما اعجبك! ان الفتيات الاخريات كن يستعجلن الوقت، ويركضن ركضا الى القصر، وكانت طلباتهن كثيرة، وكانت الاوامر العليا تقضي بأن مهما كانت طلباتهن تعطى لهن”.

قلت: “انا لا اطلب شيئا”

حملوني القصر، وادخلوني الى غرفة كبيرة كانت مفروشة بأثمن ما يمكن ان يخطر ببال انسان، واجلسوني على مقعد فخم، ووقفت الوصيفات يضعن اللمسات الاخيرة على وجهي وعلى ثيابي. كان قلبي ينبض بشدة وقد بان عدم الرضا على وجهي.

وجاء الملك، ووقفت في مكاني، وانصرفت الوصيفات وبقينا لوحدنا. ونظر الي الملك نظرة وقال لي فيما بعد، انه يرى فيّ اني كنت اختلف عن كل امرأة جاءت قبلي. قال لي انه رأى ابرع امرأة، وانقى جمال ، وابهى وجه. وانه رأى فيّ كبرياء وثقة بالنفس واعتداد بالذات.. قال لي ان السابقات كن يحاولن اغراءه بمفاتن اجسامهن وبحركاتهن الخليعة، ولكنه رأى فيّ “ملاكا”. قال انه كان لا يرى من السابقات الا جسدا، وقال انه شبع من الجسد، انه رأى فيّ شيئا يختلف كل الاختلاف حتى انه مال اليّ ليقبلني قال اته قبلني ، لا قبلة الشهوة، بل قبلة تبجيل، لانه رأى فيّ شيئا جديدا.

واستيقظ في الصباح ، ومال عليّ وقبلني. ثم دعا الخصيان والوصيفات والوزراء، ومن ثم وضع التاج على رأسي، واعلن ان استير مليكته المحبوبة، وامر فعملت وليمة عظيمة لجميع الرؤساء والعبيد. ووزع العطايا والهبات السخية وعمل راحة للبلاد وافرج عن المسجونين.

وسمعت البلاد كلها انه قد اختيرت ملكة للبلاد. لم اخبر عن جنسي بحسب وصية ابن عمي ، فلم يعلم احد اني من الجنس المحتقر.

وعلم ابن عمي مردخاي بما وصلت اليه، وقد سعيت من طرف خفي، فارتقى من مجرد حارس عادي الى ضابط حارس. صار احد الضباط القائمين على حراسة القصر الكبير، لم ينل الاحترام الكبير لانه لم يكن الا ضابطا صغيرا ، فوق انه كان معروفا انه من البلاد المغلوب على امرها. ولم يكن في نظر الاخرين اكثر من عبد. ولكنه لم يعبأ بذلك، بل كان نظير جنسنا ينظر الى الاخرين بتعال، ويرى انه ارفع من كل الشعوب الاخرى.. وهذا حقيقي لان شعبي هو الشعب المختار من الرب.

يوميات استير -5

في القصر

مرت سنة او لعلها اكثر من سنة ، وانا اكتب الان في الجناح الذي اقيم فيه في القصر تحت حراسة هيجاي، كان هيجاي احد عبيد الملك، وكان خصيا، ولكن نفوذه كان يفوق نفوذ اقوى رجل في المملكة!

لم اكتب شيئا خلال السنة ، لاني كنت اجتاز اقسى ازمة نفسية في ذلك الوقت. جاءني عمي منذ اكثر من سنة واخبرني ان علاقته بهيجاي جعلته موضوع ثقة، وانه اي هيجاي رأى فيه غير ما رآه في الاخرين.

وفي احدى الليالي قال هيجاي لعمي، لماذا لا تحضر ابنة عمك الى القصر فهي حسناء بل اجمل حسناء رآها، وذهل عمي وسأل كيف عرف ذلك. واجاب هيجاي انه يملك لا عينين فقط كما يملك سائر الناس. انه يملك الوف العيون في كل مكان، يقصد جواسيسه. وقال هيجاي ايضا انه رآني ورأى فيّ اكثر من جمال الجسد، وهو يوقن اني سأحوز رضوان الملك. وذعرت من الخبر. ولكني تجلدت وقلت لعمي، لا شك انك تعللت بمختلف العلل حتى لا تستجيب لطلب هيجاي. وقال عمي انه فعلا عمل ذلك، وانه استطاع فعلا ان يؤجل القدر مدة، ولكنه اضطر ان يرضخ اخيرا. وقبل ان اتكلم قال:

“ان الترتيب الذي نظمه الحكماء ان الفتاة بعد ان تجتاز ما دعوه “سنة التجميل”، ان تزف الى الملك الذي يقضي معها ليلة واحدة ثم يصرفها في الصباح. ان قصور السراري في حراسة شعشار، وتبقى هناك منسية بالطبع. وها قد مرت ثلاثة شهور لم يذكر الملك من السبعين فتاة الا واحدة – دعاها اليه في احد الليالي ثم صرفها. كانت العذراء الجميلة تعد لزواج ليلة واحدة. وقد احسست ان هذا ليس زواجا. انه نوع من الفجور. وفي نفس الوقت هو سجن مؤبد “للزوجة” او “السرية”. حسناء يتزوج منها الملك ويقضي معها ليلة واحدة، ثم توضع في بيت السراري بعد ذلك الى اخر حياتها. واذا مات الملك يرثها الملك الذي يليه.

ان هذا لا يكون. على ان هيجاي لم يتركني في راحة. فذهبت استشير اخوتي ابناء وطني، وكان من رأيهم ان اخضع للامر، فمن يعلم فربما كانت ارادة الله الصالحة لشعبنا – ان يكون لنا ظهير في القصر. وقد علمت ان رجال الملك سيأتون ويأخذوني بعد ايام الملك. كان وقع الخبر عليّ كالصاعقة وسقطت عند قدمي عمي، اضرع ان يحميني من هذا المصير المفزع. انني افضل ان اتزوج من افقر رجل من ابناء جنسي على ان “اتزوج” من حيوان لا يطلب من الزواج الا اشباع شهوته. وبكيت ما استطعت البكاء ، وحاول عمي ان يهدئ من روعي وقال اننا في يد الله يا بنيتي وارادته للخير دائما وسيعطيك الله نعمة فتلبسين التاج. فصرخت قائلة: “انني اكره هذا التاج!.. نني اكرهه!. انه ليس تاجا. انه قيود مخيفة. انني سأكون عرضة لاكثر مما تعرضت اليه وشتي النبيلة”.

وقال عمي: “انه لا يتفق معي في عنادي ، ان دخولي القصر سيكون خدمة لابناء جنسي. نعم ان ابناء جنسنا محتقرون مذلون ولكن من يعلم لربما تقدمين خدمة يوما ما، ومع ذلك لا داعي لان تخبري انك من جنسنا المحتقر..

وجاء اليوم. جاءت فرقة من الخصيان وحملتني حملا الى القصر، وتسلمني هيجاي كبيرهم، وكان لطيفا معي، رأى دموعي فواساني، وعلم اني غير راغبة في هذا المجد الذي تتهافت عليه الوف الفتيات. احسست انه ينظر اليّ بتقدير وحب، وكأنه اب لي. فرتب لي سبعة من الوصيفات الجميلات، وعيّن لي جناحا بعيدا عن بقية الفتيات، كان من احسن الاجنحة في القصر، بل احسنهم جميعا. وسأل ماذا اطلب من الاطياب والادهان والعطور وادوات الزينة. فقلت له اني لا اطلب شيئا بالمرة.

بدأت خدمة تجميلي ستة شهور عطروني فيها بزيت المر، وستة شهور بالاطياب وادهان تعطر النساء، على اني عشت في القصر غريبة لم اختلط باي من العذارى الاخريات، لم يكن معي غير وصيفاتي الحلواتالرقيقات. كانت اياما قاسية عليّ ، لاني كنت انظر برعب الى اليوم الذي يقتادوني فيه في طريق الحديقة الى جناح “الحيوان” الذي يدعونه الملك. على ان صورة الحزن التي كانت منطبعة في وجهي كستني بحلاوة جعلت الجميع يحبونني، وجعلت هيجاي يوليني عناية خاصة. وكان عمي يسأل اليّ بين حين واخر ليطمئن على احوالي.

لا استطيع ان اكتب ما رأيت داخل القصر، انني لم ارى بالطبع كل شئ لاني كنت في شبه عزلة، ولكن ما رأيته جعلني ابغض القصر وسكان القصر. لم يكن القصر ازيد من “زريبة خنازير” كبيرة. كان الناس يقولون انه قصر جميل ، وكنت انا اراه “زريبة” مملوءة بالوحل. كان الناس يقولون ان المقيمات فيه حسناوات العالم بل ملائكة النعيم – اجمل الاجسام، ارق النساء، انعم الاصوات. اه، لو رآهن الناس على حقيقتهن لرأوا احقر الكائنات، اجسام مشتعلة بالشهوة والحديث لا يزيد عن اوقح ما تتكلم به الزانيات. كنت اسد اذنيّ اذا حدث ان بلغ الى سمعي احاديثهن. لا شئ الا الجنس وما يحيط بالجنس من كلام كان يصيبني بالغثيان، ثم التكتلات والمؤمرات والدسائس. ولقد حاكت لي كثيرات من الدسائس ما كان يكاد يوردني موارد التهلكة، ولولا عطف الرحمان لكنت الان في خبر كان. لولا قدر الله لي هيجاي الخصي النبيل وخادماتي المخلصات اللواتي كن بمثابة اخوات لي لبلغت حتفي.

يوميات استير -4

البحث عن ملكة

مرت ثلاثة شهور على الحوادث السابقة. كان الملك في حالة عصبية شديدة. كان وجهه يحمل سمات الغضب. حاول رجال الحاشية ان يهدئوا من ثورته ولكنه ظل في حالة ثورته الاولى. على انه بدأ يهدأ. كان في اول الامر لا يطيق ان ينطق احد باسم وشتي، وشتي العاصية، انه نادم انه لم يقتلها. ثم ما لبث ان بدأ يحن الى ايامها الحلوة. كنت وشتي اجمل حسناء. ليس لها نظير في كل انحاء الامبراطورية. ان جميع الحسناوات التي يقمن في قصوره ليسوا اكثر من قرود بالنسبة لها.

وقال رجال الحاشية انهم سمعوه يعنف نفسه انه غضب عليها وانه لم يجد من وزرائه من يدلي بالنصيحة الحكيمة. انه لا يستطيع ان يعيد لوشتي مقامها لانه اصدر مرسوما مختوما بخاتمه. صار الامر شريعة لا يمكن الغاؤها. ها هو يغضب على وزرائه. انه يود لو يقتلهم جميعا، ولكنه يذكر انهم نصحوه بعدم قتلها.. وساءت حالة الملك فاصبح يثور لاتفه خطأ بل لاتفه ما ظنه انه خطأ.

ورأى رجال الحاشية انه اذا استمر الملك في حالته النفسية هذه، فان الامر معهم سيسوء. وكان اول ما فكروا فيه ان يجدوا امرأة تحتل مكانة وشتي في قلبه، فتقدموا اليه قائلين، ان موضوع الملكة يشغلهم كثيرا ، وانهم انتهوا اخيرا الى ان يبحثوا في كل انحاء المملكة عن اجمل الحسناوات من العذارى، ويسلمونهن الى هجاي الخصي حارس النساء ، وان تبقى العذارى في حراسة هيجاي سنة كاملة، تجري في اثنائها عمليات تدليك وتطييب وتجميل وتدريب ، حتى يصبحن اهلا للوقوف امام الملك. ووافق الملك على مشورة حكمائه ، وارسلت الرسائل الممهورة بخاتم الملك الى كل بلاد الامبراطورية من حدود اليونان الى بلاد الحبشة- كل امة بلسانها وكل شعب بلغته، لكي يجمعوا اجمل العذارى الفاتنات. وجعل رجال الحاشية يستقبلون اولئك الحسناوات ويسلمونهن الى هجاي ، الذي كان يخصص لكل فتاة جناحا خاصا في قصر الملك ، لتقيم فيه مع وصيفاتها. اخضعت الفتيات لتداريب قاسية حول كيفية الوقوف والجلوس والحركة والانتصاب كما اخضعن لعمليات التدليك لكل اجزاء الجسم بانواع مختلفة من الزيوت العطرية، وكان الاهتمام يفوق الخيال بالشعر والوجه والعينين والصدر.

سأترك القلم الان فان الحوادث تتوالى باسرع مما يستطيع المرء ان يتابعه، فكم بالحرى ان يفكر في تدوينه.

لا يزال طوفان العذارى يغمر قصور الملك ولا يزال النساء يتساءلون قائلين: وبعد ؟

وانا ايضا اتساءل قائلة: وماذا بعد؟