يوميات استير -12

في حضرة الملك

صام معي جميع جواري ورفعنا الصلوات الحارة لله. لم نذق شيئا من الطعام او الشراب مدة 3 ايام كاملة. كنا نتضرع الله، وكانت الليلة الاخرة اقسى الليالي عليّ. نام من معي وظللت وحدي اصارع. توسلت الى الله بدموع كنت احاول ان اخذ قوة للغد لاني سأدخل الى جناح الملك خلافا للقوانين. لقد تذكرت الليلة الاخيرة التي قضيتها تحت حراسة هيجاي منذ تسع سنوات، كنت استعد للقاء الملك لكن شتان بين الليلتين، لو انني لم اجد نعمة في عين الملك تلك الليلة لعدت الى بيت عمي لاعيش معه حياتنا الفقيرة الراضية. اما هذه المرة فاني اذا لم اجد نعمة في عيني الملك سيكون جزائي القتل.

وجاء الصباح فلبست اجمل ثيابي. الثياب التي كان الملك يرغب ان يراني فيها وانطقت في طريقي .. اجتزت ذلك الممر الجميل الى جناح الملك، كنت اسير بخطوات بطيئة متئدة من الضعف وقد اتكأت على ذراع وصيفتي، وكانت وصيفة اخرى ترفع ذيل ثوبي حتى لا يلمس ارض المكان. ولما وصلت الى غرفة العرش كان الملك جالسا غارقا في افكار كما بدا لي، فلما ابصرني تجهم وظهر الغضب في ملامح وجهه، فازداد وجي شحوبا وكدت اسقط على الارض لولا اني اتكأت على ذراع وصيفتي بشدة، ولاحظ الملك اضطرابي واذ ذاك لان وجهه. وظهر انه اشفق عليّ او اني وجدت نعمة في عينيه فمد لي صولجان الذهب فلمسته وملت وقبلته. وهنا حدث امر غريب، فقد وقف الملك واحاط خصري بذراعه، ومال على وجهي وقبلني، وقال لي: “لماذا انت مضطربة ايتها الحبيبة، ان قوانين القصر ليست لك ايتها الزوجة النبيلة”. وقد قال لي فيما بعد، انه عندما رآني في اول الامر غضب، ولكنه عندما رأى اضطرابي تذكر الليلة الاولى التي رآني فيها. وعندما هدأ قال لي: “ما لك يا كوكب الصباح وما هي طلبتك؟ الى نصف المملكة تعطى لك”.

رفعت عيني الى الله وشكرت ، وطلبت الارشاد. لم يكن من الحكمة ان اتكلم في الحال، ان الزمان والمكان لا يصلحان لبسط الموضوع بما يجعله مقبولا لدى الملك. انني افكر تفكرا صائبا – هل كان التفكير ابن ساعته؟ هل كنت قد بلغت من النضج ما جعلني ارسم خطتي بمقياس دقيق؟ لا شك ان الله هو مصدر الحكمة. انه هو الذي ارشدني الى الخطة المثلى. ان الامر يتطلب مكانا اخر ووقتا اخر. ولذلك تقدمت الى الملك لاقول له “انما جئت لادعوك وصفيك هامان لتناول الطعام على مائدتي اليوم. وبدا سرور واضح على وجه الملك. قرأت ما في صدره كما في كتاب مفتوح، اعتقد انه كان يفكر في نفسه هكذا:

“لقد مر ثلاثون يوما لم ادعهاالى حجالي. كانت ايام قطيعة. تركتها وحيدة واستعضت عنها برفقة هامان. وهي تحس بذلك ولذلك تعرض نفسها للقتل لكي تعيد حبل المودة. يا لقلبها الطيب! انها لا تنقاد بدافع الغيرة فتدس ضده، بل انها تدعوه معي… يا لها من امرأة نبيلة! ويا لها من امرأة شجاعة!”

هذا ما قرأته على وجه الملك. ونجحت خطتي واجاب الملك دعوتي ، وارسل الى هامان يستدعيه.

شكرا لله ، نحن نسير في طريق صالح.

يوميات استير -11

-11-

ابن العم

ترى هل كانت المؤامرة ضدي، لماذا لم اسمع بخبر المرسوم الملكي، يبدو ان هامان كان يعرف ان ثمة علاقة ما بيني وبين ابن العم، يبدو انه استطاع ان يقيم ستارا حديديا بيني وبين العالم الخارجي. علاقة الملك بي ليست مقطوعة لكنها فاترة نوعا ما. ها قد مر اكثر من شهر منذ ان دعيت اخر مرة لادخل الى الملك، وقد علمت انه يجلس مع هامان للشرب كثيرا.

لما علم ابن عمي كل ما عمل، شق ثيابه ولبس مسحا برماد وخرج الى وسط المدينة وصرخ صرخة عظيمة.. وفي كل بلد كانت هناك مناحة عظيمة بين اليهود.

دخل اليّ جواريّ وبعض الخصيان واخبروني عن ابن عمي وهم يعرفون اني اعطف عليه، لكنهم لم يخبروني عن سبب لبسه للمسوح. كان غمي شديدا، لابد ان كارثة حلت به، ارسلت له ثيابا ليلبسها وينزع مسحه عنه فلم يقبل، واذ ذاك دعوت كبير الخصيان هتاخ وكنت اعامله كصديق لا كعبد واعطيته وصية لابن عمي لاعلم ماذا ولماذا؟ وخرج هتاخ الى ساحة المدينة الى امام باب الملك ووجد ابن عمي في مسحه وسأله عن الامر فاخبره بكل ما اصابه وعن مبلغ الفضة الذي وعد به هامان لوزنه الى خزائن الملك لاتمام ابادة شعبنا. واعطاه صورة الكتابة ليريها لاستير ويخبرها انه يطلب منها ان تتوسل عند الملك لاجل شعبها.

ماذا استطيع ان اعمل. ان كل الابواب مغلقة في وجهي. اذهب يا هتاخ وتحدث مع السيد مردخاي” . قل له ان الامر اعظم من ان تستطيعه ملكة“.

يوميات استير -10

-10-

هامان يقدم مشروعه

انني اكتب هذه الكلمات بعد ان علمت من عمي بتدبير هامان الشرير. علمت منه بالخبر وها انا اكتب قصة التدبير ويدي ترتعش.

قال هامان للملك زوجي انه موجود شعب ما مشتت ومتفرق بين الشعوب في كل بلاد مملكتك. وسننهم مغايرة لجميع الشعوب، وهم لا يعملون سنن الملك فلا يليق بالملك تركهم. انهم لا يساعدون في بناء الدولة اذ لهم ايام مقدسة كثيرة يعتكفون فيها فلا يعملون شيئا. يكرسون الساعة الاولى من كل يوم للصلاة اسمع يا شعبي. الرب الهنا رب واحدوالساعة الثنية للاغاني الدينية ، واليوم السابع يصرفونه كله للعبادة، لا يشتغلون شيئا، بل يقضونه في مجامعهم يقرأون كتبهم، وكتب الانبياء واثناء ذلك يمجدون الههم ويلعون الهتك ايها الملك، انهم يختنون اطفالهم، وبذلك هم مختلفون عن باقي الشعوب، وفي شهر نيسان يحفظون عيدا يدعون الفصحينزعون الخمير وهم بذلك يشيرون الى نزع الملك الاجنبي عنهم.. انهم يطلبون قتلك وسقوط مملكتك.

ولقد قام يوما ملك هو نبوخذ نصر ملك بابل، وحاصر مدينتهم، واخرب هيكلهم وقتل العدد الكبر منهم وسبى الباقين الى بابل. ونقلنا نحن بعضهم الى فارس عبيدا، انهم متعظمون متمردون. ليس للبلاد منهم اي فائدة بل هم سبب كل البلايا.

هذا ما بغني ان هامان قاله للملك. لست اعلم ان كل ما سمعته ، هو حقا ما قاله، ام انه قال اكثر من ذلك. على كل حال ان ما قاله هامان فيه كثير من الحقيقة لكن هل يبرر ذلك ما طلبه من الملك اذ انه ختم كلامه قائلا : “انه لا يليق بالملك تركهم. فاذا حسن عند الملك فليكتب ان يبادوا وانا ازن عشرة الاف وزنة من الفضة في ايدي الذين يعملون العمل ليؤتى بها الى خزائن الملك“.

وقد اخبرني من اخبرني اكثر من ذلك . قال ان الملك خلع خاتمه من يده واعطاه لهامان الشرير هذا وقال له، لقد اعطيتك هذا الشعب الشرير لتفعل به ما يحسن في عينيك“. ولكن احد الوزراء احتج وقامت بينه وبين هامان مناقشة طويلة لم تنته.. علمت ايضا ان الملك لم يكن راضيا كل الرضا عن ذلك، لكن هامان ظل يلح يوما بعد يوم ويقدم التهم والشكايات الباطلة قائلا للملك: “ان اليهود انما يمتصون دماء الشعب ويغتنون على حساب الاخرن وانهم قد اصبحوا اصحاب النفوذ المالي والاداري. وليس من المستعبد ان يزعزعوا اركان المملكة حينما تسنح لهم فرصة لذلك

ضاق صدر الملك فامر بعقد اجتماع للمجلس الكبير، وعرض عليهم مشورة هامان، وطلب منهم ابداء الرأي.

وكان جواب المجلس باجماع:

ان ابادة ذلك الشعب هو ابادة للعالم. ان شرائعهم وقوانينهم هي اسمى القوانين التي ترسي عليها قواعد اي مجتمع. ان باقي الشعوب انما يتعلمون منهم فيأخذون الكثير من قوانينهم ليطبقوها في حياتهم.. ويدرسون فلسفتهم ليصيغوا بناءا عليها فلسفتهم، ان الههم قوي، وهو قد استطاع ان ينتصر على الهتنا. الا تسمع بقصة شدرخ وميشخ وعبدناغو ، وقصة بلطشاصر لا زالت حديث الناس، وقد سمعنا قصة فرعون وقصة شق البحر الاحمر وتجفيف نهر الاردن وسقوط اسوار اريحا.

لم يسكت هامان بل قال:

ان الاله الذي انتصر على فرعون يبدو انه قد اصابه وهن الشيخوخة. نعم فارقته قوته. الم يذهب نبوخذ نصر الى اورشليم ويهدم هيكله؟ الم يحضر ملكهم مسبيا الى بابل؟ الا يعيش اتباع ذلك الاله عبيدا هنا في فارس؟

استطاع هامان ان يدير الدفة الى صفه بحججه الخبيثة.

في اليوم التالي دعى كتّاب الملك ، وكان اليوم الثالث عشر من الشهر الاول وكتب حسب كل ما امر به هامان الى نوا الملك في الاقاليم والبلدان: كل شعب ككتابته وكل امة كلسانها. كتب باسم زركسيس وختم بخاتم الملك. وارسلت الكتابات بيد السعاة الى كل البلاد لاهلاك وابادة جميع شعبي من الغلام الى الشيخ والاطفال والنساء في يوم واحد هو اليوم الثالث عشر من الشهر الثاني عشر اي شهر اذار وان ينهبوا غنيمتهم.

ارسلت صورة الكتابة الى جميع الشعوب ليكونوا مستعدين لهذا اليوم. فخرج السعاة وامر الملك يحثهم. واعطى الامر في شوشن القصر، وجلس الملك وهامان للشرب واما اليهود بالمدينة شوشن كان بينهم اضطراب عظيم.

يوميات استير -9

هامان

وماذاعساني اكتب عن هذا الرجل؟ كيف ظهر وكيف تألق نجمه وكيف صار ثاني الملك. لا اعلم. لقد قيل الكثير عنه. كان من نسل عيسو. ابوه همداثا بن ساراخ بن كوزا …. بن اجاج بن سومكي بن عماليق بن اليفاز بكر عيسو.

هذا كان اكبر دساس ، وقد استطاع نتيجة مؤامرات ان يصل الى اعلى مكان في الدولة، وامر الملك ان يقدموا له نفس الاكرام الذي يقمون له. من الغريب ان الملك اعطاه هذا المقام وهو من امة مغلوبة وقد ملأه هذا المقام بالكبرياء والعجب وخصوصا عندما كان يرى الناس يسجدون له. على ان عمي رفض ان يفعل ذلك. وسأله رجال القصر لماذا لا يجثو لهامان. وكان جوابه لهم “انتم حمقى. اسمعوا لي: هل يجوز للفاني الذي سيعود الى اصله التراب ان يطلب مجد السماء؟ هل انحني امام مولود المرأة معدود الايام؟ كلا اني اسجد لاله السماء. الاله الحي الازلي. الاله الذي يحمل الارض بكفه ووضع حدا للبحر وَهُوَ صَنَعَهُ، وَيَدَاهُ سَبَكَتَا الْيَابِسَةَ.. يداه سبكتا اليابسة وكَالَ بِكَفِّهِ الْمِيَاهَ، وَقَاسَ السَّمَاوَاتِ بِالشِّبْرِ، وَكَالَ بِالْكَيْلِ تُرَابَ الأَرْضِ، وَوَزَنَ الْجِبَالَ بِالْ‍قَبَّانِ، وَالآكَامَ بِالْمِيزَانِ..

وسمع هامان واشتعل غيظا. وصاح قائلا: “ويحك ايها المخلوق الحقير! لماذا تغلظ عنقك ؟ الم ينحن ابوك الاول لابي؟”

واجاب عمي وقال:”كيف ذلك؟ من من اسلافي سجد لاسلافك؟”

وقال “سلفك الاول يعقوب سجد امام عيسو سبع سجدات”

وتبسم عمي “انك مخطئ يا سيدي. انني ابن بنيامين وعندما انحنى يعقوب لم يكن بنيامين قد ولد بعد”

وزأر هامان وتهيأ ليهجم على عمي ليخنقه بكلتا يديه، ولما خشى ان عمي يستطيع ان يدافع عن نفسه تراجع قليلا ثم فكر ان يأمر الجند ان يمزقوه بسيوفهم ولكنه عاد الى نفسه. ان قتل عمي لن يشفي غلته. لقد اهانه عمي امام الكثيرين. فليكن الانتقام مروعا على قدر الاساءة. ليذهب اذا الى بيته ويفكر في هدوء.

حين عاد الى بيته رأته زوجته الخبيثة زرش مكتئبا وعلمت ما صار، نصحته مع بعض اقربائه ان يتقم وليكن انتقامه شديد البأس على قدر مركزه. قالوا له … “يجب ان يموت اشنع ميتة”

وختم هامان الحديث “اه لو علم ذلك الاحمق مردخاي ما نويت له، لمات رعبا قبل ان امد يدي اليه”

لا اعلم ما الذي يحفزني للكتابة عن هذا الامر..

سأسجل هذه الاحداث لاظهر اعمال الله العجيبة. جاءني اخبار تقول ان هامان ينوي شرا بعمي وكذلك ببعض الغرباء المسبين. لقد حاول الملك ان يعرف من هم قومي ولكني استطعت ان اهرب من الجواب بلباقة. وقد اخبرني عبيدي ان معاوني هامان جلسوا في شهر نيسان يلقون قرعا امامه. من عادة رؤساء الامم الوثنية ان يستعينوا بحكمائهم ليعلموا الوقت المناسب. وكان هؤلاء الحكماء يتبعون بعض الطقوس الوثنية منها استشارة الهتهم لمعرفة هل ستساعدهم وما هو الوقت المناسب: من هذه الطقوس سؤال العصا، والقاء القرعة وقراءة خريطة البروج وغيرها من الطقوس.. فالقوا قرعا من يوم الى يوم ومن شهر الى شهر ليعرفوا الوقت الذي ترضى عنه الالهة ويناسب تنفيذ الانتقام الدموي من مرخاي والشعب الذي ينتمي اليه.
القوا قرعة في الشهر الاول نيسان (ابريل) ولكن الجواب كان لا.. هكذا فعلوا بالشهور التالية: ايار (مايو)، سيفان (يونية)، تموز (يوليو) ، آب (اغسطس)، ايلول (سبتمبر)، تشرين الاول والثاني (اكتوبر ونوفمبر)، كسلو (ديسمبر)، ثيبيت (يناير)، شباط (فبراير)، اذار (مارس).. جاء الجواب بالقبول. هتف هامان: “لقد وجدتك”. كانت علامات كوكب اذار  في خريطة الابراج الفلكية سمكتين. تفاءل هامان وحسب هذا الشهر شهر نحس لليهود وحظ له.. نعم استراح هامان الى القرعة، ولم يعلم ان الله رتب شيئا اخر. لقد رتب الله الامر هكذا لتكون فسحة كبيرة للشعب، عام كامل ليعود الشعب الى الهه بالصوم والتذلل والتوبة.

يوميات استير -8

تسعة اعوام

انشغلت بامور كثيرة داخل القصر. لم اجلس الى مكتبي لادون مذكراتي. لست بعد تلك الفتاة الخجولة المنعزلة. الظرووف صنعت مني امرأة اخرى. صرت اتكلم بحساب وابتسم بحساب واعبس بحساب. كان وجود عمي في القصر بالقرب مني سبب تعزية لي. ما اكثر ما طويت من الام في صدري. ما اكثر ما صبّرت نفسي على اذى الى ان جاءت الساعة، ما اكثر حاسدي. انهم يغبطونني على القفص الذهبي الذي انا حبيسة فيه. نعم انا الملكة ولكن افقر امرأة في شوشن اسعد مني.

اين تلك الليالي التي كانت تجمعني حول مائدة عمي وتلك الكلمات المخلصة لزوجة عمي .. ها هي تسع سنوات اقضيها في القصر . كان الملك في المدة الاولى لا يكاد يتركني ليلة ، كنت الزوجة الاثيرة. كنت العشيقة المحبوبة. ولكن الحال اختلف الان. لا اقول انه هجرني ، ولكني احسست اني لا املك قلبه، لم انجب له ولدا ومع ذلك فقد ظل يحبني. ولكن محبته لم تكن ساخنة جدا كما كانت، على انني كما قلت لم استأ من ذلك. لقد احببت خدمي فاحبوني وبالاكثر احبوني احبوا الهي.

كانت القصور ملأى بالنساء والخصيان، ولم تكن تسمع الا حديث الجنس، ازيد من خمسمائة امرأة لرجل واحد. كل امرأة تتطلع الى ان يكون لها حظ الوجود في جناح الملك ليلة واحدة.

يوميات استير -7

مؤامرة

ها انا الان في قصري الكبير احيا حياة تنعم – حولي الخدم والحشم، العبيد والجواري والوصيفات. كنت اعيش في جناحي الخاص المستقل يفصل بين جناحي وقصر الملك ممر انيق ارضه من اثمن المرمر وسقفه من اثمن الزجاج الملون.. وكان الملك يعيش تحت حراسة مشددة. كل الذين يذهبون الى الجناح الملكي بدون اذن يقتلون في الحال. على انني كنت مستريحة الى ذلك. كنت اعلم ان الملك ليس زوجي وحدي.. وكانت الحاشية التي معي منتقاة. حاولت ان اطهرها من الجواسيس. وكان كبير الخصيان اكثر من خادم. نعم كان هتاخ صديقي. ثم ان عمي كان يتصل بي كثيرا. كنت اخبره كل شئ. كان يعرف عني كل كبيرة وصغيرة. وكان هو بدوره يطلعني عن اخبار الدنيا بالخارج.

وقد حدث ان ضابطين من الحرس الملكي هما بغشان وترش ارادا ان يقتلا الملك. وقد تحدثا معا بلغة اجنبية ووضعا خطة قتل الملك. وقد تكلما في حضرة عمي. كانا يظنان انه لا يعرف تلك اللغة. لم يكونا يعلمان ان عمي كان احد كبار العلماء. لم يخطر ببالهما ان هذا الضابط الصغير الذي لا ينتسب الى شعب معروف او الى عائلة كبيرة، ةوالذي كان يبدو انه من اجهل الجهال، ولم يخطر ببالهما انه يلم بلغات كثيرة.

وارسل عمي الي تفاصيل المؤامرة، وانا اخبرت الملك بها وذكرت ان الضابط “مردخاي” هو الذي ارسلها اليّ. اتخذ الملك احتياطه وحينما هما بتنفيذ خطتهما القى القبض عليهما واعدما صلبا. وامر الملك ان تدون الحادثة في السجلات الرسمية في اخبار الايام لملوك مادي وفارس فكتبت القصة بحذافيرها وذكر “مردوك” (النطق الفارسي لاسمه) في السجلات ولكن الملك لم يكافئه.

وقد استاء عمي كما استأت انا، ولكننا لا نستطيع ان نعمل شيئا. وارسل عمي يقول لنه يثق ان لله حكمته، وان تدبيره صالح وان خفى عنا.

يوميات استير -6

ليلة واحدة مع الملك

اخيرا مرت السنة وجاء هيجاي يخبرني ان يومي جاء. بان الرعب على وجهي. سقطت على الارض مغشيا عليّ، ولما افقت بكيت بين يدي هيجاي والفتيات. التمست ان اعفى من المهمة البغيضة التي قدمت لي. ان كثيرات غيري يتمنين هذه الليلة. اعطوهن امنيتهن. انقذني يا هيجاي”.

اشفق هيجاي عليّ وراح يهوّن الامر عليّ قائلا:

“ان الملك انسان رقيق وهو عطوف وحنون. ”

وبعد ان هدأت، سألني ماذا اطلب من ثياب وعطور ، فقلت له ، لا شئ.

وتبسم هيجاي في وجهي وقال: “ما اعجبك! ان الفتيات الاخريات كن يستعجلن الوقت، ويركضن ركضا الى القصر، وكانت طلباتهن كثيرة، وكانت الاوامر العليا تقضي بأن مهما كانت طلباتهن تعطى لهن”.

قلت: “انا لا اطلب شيئا”

حملوني القصر، وادخلوني الى غرفة كبيرة كانت مفروشة بأثمن ما يمكن ان يخطر ببال انسان، واجلسوني على مقعد فخم، ووقفت الوصيفات يضعن اللمسات الاخيرة على وجهي وعلى ثيابي. كان قلبي ينبض بشدة وقد بان عدم الرضا على وجهي.

وجاء الملك، ووقفت في مكاني، وانصرفت الوصيفات وبقينا لوحدنا. ونظر الي الملك نظرة وقال لي فيما بعد، انه يرى فيّ اني كنت اختلف عن كل امرأة جاءت قبلي. قال لي انه رأى ابرع امرأة، وانقى جمال ، وابهى وجه. وانه رأى فيّ كبرياء وثقة بالنفس واعتداد بالذات.. قال لي ان السابقات كن يحاولن اغراءه بمفاتن اجسامهن وبحركاتهن الخليعة، ولكنه رأى فيّ “ملاكا”. قال انه كان لا يرى من السابقات الا جسدا، وقال انه شبع من الجسد، انه رأى فيّ شيئا يختلف كل الاختلاف حتى انه مال اليّ ليقبلني قال اته قبلني ، لا قبلة الشهوة، بل قبلة تبجيل، لانه رأى فيّ شيئا جديدا.

واستيقظ في الصباح ، ومال عليّ وقبلني. ثم دعا الخصيان والوصيفات والوزراء، ومن ثم وضع التاج على رأسي، واعلن ان استير مليكته المحبوبة، وامر فعملت وليمة عظيمة لجميع الرؤساء والعبيد. ووزع العطايا والهبات السخية وعمل راحة للبلاد وافرج عن المسجونين.

وسمعت البلاد كلها انه قد اختيرت ملكة للبلاد. لم اخبر عن جنسي بحسب وصية ابن عمي ، فلم يعلم احد اني من الجنس المحتقر.

وعلم ابن عمي مردخاي بما وصلت اليه، وقد سعيت من طرف خفي، فارتقى من مجرد حارس عادي الى ضابط حارس. صار احد الضباط القائمين على حراسة القصر الكبير، لم ينل الاحترام الكبير لانه لم يكن الا ضابطا صغيرا ، فوق انه كان معروفا انه من البلاد المغلوب على امرها. ولم يكن في نظر الاخرين اكثر من عبد. ولكنه لم يعبأ بذلك، بل كان نظير جنسنا ينظر الى الاخرين بتعال، ويرى انه ارفع من كل الشعوب الاخرى.. وهذا حقيقي لان شعبي هو الشعب المختار من الرب.