الهدية المخفية

the-gift-3

في صباح يوم شتوي دافئ اشرقت الشمس بنورها الساطع، وغردت العصاقير تغريدا مطربا فوق الشجيرات القريبة من باب المجمع. لم يكن اليوم سبتا حيث يزدحم المجمع باهل المدينة الذين يأتون للعبادة بقراءة التوراة والانبياء وترتيل المزامير.

كان كل مجمع ملحق به كتّابا يتلقى فيه الصبية الدروس الدينية. في هذا اليوم تحلّق حوالي عشرين صبيا حول الرابّي “سمعان”، وكان من بين هؤلاء الصبية “يشوع” الذي بعد ان تعب من الدرس شخص بعينيه، بعيدا نحو الباب، يتطلع في الوادي المنحدر، حيث اشجار الزيتون تمايلت اطراف اغصانها لتتحرك مع هبات ريح خفيفة لطيفة، وكأنها تدعوه للخروج من الكتّاب، ليمتّع نفسه بالعالم الواسع ذو الطبيعة الجذابة، التي تدعو كل من يتطلع اليها لتسبيح يهوة الخالق العظيم.

كانت طريقة الرابي (المعلم) سمعان في التعليم غير مشوقة. اذ كان يهتم فقط بتحفيظ تلاميذه فصولا من التوراة دون ان يشرح معاني الكلمات الا قليلا. وفي تلك الساعة كان يتلو على الاولاد بنغمة طنانة ، خارجة من انفه اكثر مما هي من شفتيه.ويجعل الاولاد يرددون وراءه اكثر من مرة مزمو 72 وهو لسليمان الملك ويقول:

“اَلَّلهُمَّ، أَعْطِ أَحْكَامَكَ لِلْمَلِكِ، وَبِرَّكَ لابْنِ الْمَلِكِ.

يَدِينُ شَعْبَكَ بِالْعَدْلِ، وَمَسَاكِينَكَ بِالْحَقِّ.

تَحْمِلُ الْجِبَالُ سَلاَمًا لِلشَّعْبِ، وَالآكَامُ بِالْبِرِّ.

يَقْضِي لِمَسَاكِينِ الشَّعْبِ. يُخَلِّصُ بَنِي الْبَائِسِينَ، وَيَسْحَقُ الظَّالِمَ.

وكان في الخارج كلب جاء وجلس على الطريق ، وعيناه نحو باب المجمع كأنه ينتظر شيئا فاخذ يشوع يلاحظه، وقلبه الرقيق يتمنى ان يقدم له شيئا ليأكله، بينما كان صوت المعلم يرن في اذنيه ويغالب النعاس ولكنه افاق على جملة رددها المعلم واثارت انتباهه:

“‏مُلُوكُ تَرْشِيشَ وَالْجَزَائِرِ يُرْسِلُونَ تَقْدِمَةً. مُلُوكُ شَبَا وَسَبَأٍ يُقَدِّمُونَ هَدِيَّةً.

وَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ الْمُلُوكِ. كُلُّ الأُمَمِ تَتَعَبَّدُ لَهُ.

شرح المعلم مكان ترشيش ، انها في غرب البحر الكبير، والجزائر هي مجموعة الجزر التي تقع فيه، اما شبا وسبا فهي في جنوب بلاد العرب.

كان لهذه الصورة تأثير في نفس يشوع، فتنبه كأنه استيقظ من نوم ليرسم في عقله الصغير صورة ملك عظيم يجلس على عرش من العاج وامامه رجال بل وملوك ايضا يقدمون له هداياهم الثمينة.

وامام هذا المنظر المهيب نسى الكلب الذي كان رابضا امام الباب. وتحولت عيناه الى المعلم واصغى الى بقية اقواله الى ان جاء القول:

لأَنَّهُ يُنَجِّي الْفَقِيرَ الْمُسْتَغِيثَ، وَالْمَِسْكِينَ إِذْ لاَ مُعِينَ لَهُ.

يُشْفِقُ عَلَى الْمَِسْكِينِ وَالْبَائِسِ، وَيُخَلِّصُ أَنْفُسَ الْفُقَرَاءِ.

زادت هذه الاقوال اهتمامه. أليس هو وامه من الفقراء والمساكين؟ أم يكن افطاره هذا الصباح رغيفا من الشعير، خبز الفقراء الرخيص ؟

ولولا تعلمه القناعة من امه لما استطاع تحمل شظف العيش هذا.

“يَكُونُ اسْمُهُ إِلَى الدَّهْرِ. قُدَّامَ الشَّمْسِ يَمْتَدُّ اسْمُهُ، وَيَتَبَارَكُونَ بِهِ. كُلُّ أُمَمِ الأَرْضِ يُطَوِّبُونَهُ.

هذه العبارة رددها المعلم ورددها التلاميذ من بعده. واذا بصوت اتي من طرف الدائرة يسأل متلهفا: “يا معلم، اين هذا الملك؟”

القى المعلم نظرة امتزجت بالضيق والدهشة وقال بصوت زاجر:

“اسكت يا مكدر السلام، الا يكفيك ان تتعلم اقوال الكتاب المقدس وتحفظها، حتى انك تطلب ايضا فهم معانيها؟

استغرب يشوع من رد المعلم، وبالرغم من هذا فقد منعه ادبه ان يظهر استياءه لمن هو اكبر منه. ومع هذا فقد اصرّ على تعطشه للمعرفة فاكمل كلامه ولكن بوداعة:

“من هو هذا الملك الذي .. ينجي الفقير..” وهنا اختنق صوته بنبرات تخالطها لجلجة البكاء فصوب التلاميذ كلهم نظرهم اليه وهم يهزأون من ردائه البالي المشدود حول كتفيه ليقيه البرد القارس. لم يأبه يشوع ومنعته فطرته السليمة من السقوط في بالوعة الاحساس بصغر النفس.

تلطف المعلم قليلا وقال “الملك الذي يتكلم عنه سليمان هنا هو مسيا. ومتى جاء ذلاك فان الملوك يقدمون له افخر هداياهم”

انتهز يشوع شفقة المعلم فسأل “ومن هو المسيا؟” اجابه “هو الشخص الذي تحدث عنه الانبياء ، انه سيخلص شعبه”. تساءل “ولماذا سمى بالمسيا؟” اجاب المعلم بعد نفس عميق، معبرا عن محاولته لاطالة اناته “انها كلمة تعني المسيح او الممسوح بالدهن المقدس. الست تعرف ان ملوكنا كن يمسحن به؟”

سكت يشوع للحظات ثم همس “وهل سنراه؟

تطلع المعلم سمعان الى السماء الصافية وقد ارسلت الشمس اشعتها القوية من خلال باب الفصل وقال “اه! يا ابني من يدري؟”

وتأوه باشتياق واكمل “ليتنا نراه، فان البعض يقولون ان وقت مجيئه قريب. انني مثل كل اجدادي ننتظر قدومه بفارغ الصبر.”

هنا نظر المعلم نظرة عطف الى ذلك المخلوق الصغير الملتف بشاله البالي فقال في نفسه “يا ترى ماذا يملك هذا المسكين ليقدمه؟” كان التلاميذ يتهامسون ويتغامزون استهزءا .. واخيرا خطرت للمعلم اجابة استصوبها “اما عن هذا الامر فينبغي يا بني ان تسأل امك”.

شعر المعلم براحة لانه ازاح مسئولية اجابة السؤال على الام التي توقع انها متدينة والا فلماذا اسمت ابنها “يشوع” وهو اسم لشخصية عظيمة من شخصيات الكتاب المقدس.

اشهر معزوفات بيتهوفن

bethoven

حدث في ذات ليلة من ليالي الشتاء ان بيتهوفن كان يسير يوما مع صديق له في احدى حواري مدينة بون وكان القمر يطل ويرسل اشعته الفضية الى تلك الحارة فيحولها الى قطعة من نور. كان المنظر ساحرا جدا. وكان بيتهوفن مأخوذا بسحر ما رأى ، ولكنه وقف بغتة امام منزل صغير بسيط (كوخ) ، كانت بعض النغمات الموسيقية تنساب من داخلها، لم يسمعها صديقها لكن اذنا بيتهوفن المرهفة التقطتها، فاشار الى صديقه ان يصمت. واذا اصغى الاثنان اكتشفا ان اللحن هو احدى مقطوعات بيتهوفن.وقال المؤلف العظيم وقد فاض وجهه بالبهجة : “ما هذا العزف الجميل؟!” وانقطعت الموسيقى فجأة ، وسمع الاثنان صوتا يقول بحزن “لا فائدة! لن استطيع العزف! ان المقطوعة ابرع من ان اوفيها حقها من العزف المتقن!”

وعجب صديق بيتهوفن حينما طلب بيتهوفن اليه ان يدخلا الكوخ. فقال: “لماذا؟”

فاجاب : “لاعزف المقطوعة!”.

وحينما فتح الباب ودخلا ابصرا اسكافيا يصلح حذاءا ومعه فتاة جالسة الى الة بيانو قديمة. وقال معتذرا : “لم استطع الا ان اطرق الباب حينما سمعت العزف وسمعت ما قلتيه. هل اعزف المقطوعة لك؟”.

قال الاسكافي: “ان التنا البيانو ونحن لا نملك شيئا من الالحان الموسيقية. قال بيتهوفن: “اذن كيف كانت الفتاة تعزف؟”

ادار الاسكافي وجهه وهو يحدق بنظره الي ابنته العمياء.

فهمس بيتهوفن اسفا بكلمات اعتذار، فقد كانت الفتاة كفيفة.

وقال لها التمس عفوك انك تعزفين بالسماع. اين سمعت هذه الموسيقى؟

وعلم بيتهوفن ان الفتاة كانت تتمشى في الليالي المقمرة ذهابا وجيئة بجوار بيت كبير كانت فيه سيدة تتمرن باستمرار على العزف،وفي الحال جلسبيتهوفن على البيانو واخذ يعزف. كان العزف رائعا. لم يسمعه صديقه يعزف مثلما عزف هذا الوقت. وظل يعزف ويعزف حتى بدأ نور الشمعة يضعف الى ان انطفأ وبقى الجميع في ظلام.

فتح بيتهوفن درف النافذة فدخل نور القمر ، وصمت بيتهوفن وهو يتأمل باعجاب في نور القمر الجميل كما لو كان يصغي الى تلك الموسيقى السحرية – موسيقى اشعة القمر الفضية. ظن الاسكافي ان بيتهوفن انتهى من عزفه، فقال “يا له من رجل عجيب!” ثم التفت الى صديق بيتهوفن وقال “وماذا انت؟” وقال بيتهوفن: “صمتا” ثم عاد يعزف الفاصلة الموسيقية الاولى ن السونات الشهيرة.

وهنا انفجرت الفتاة العمياء قائلة “لابد انك بيتهوفن نفسه!” واذا تهيأ الموسيقار العظيم للانصراف قالت له بترجي “اعزف لنا! اعزف لنا مرة واحدة فقط!”

اجاب بيتهوفن “انني سأؤلف سوناتا لضوؤ القمر”. قال هذا وهو ينظر للسماء البهيجة!

وجعل يعزف موسيقى حزينة هادئة بدا كما لو ان اشعة القمر تنساب بهدوء على الارض، ثم تبعتها موسيقى صارخة سريعة ظهر كأن جنيّات ترقص على الته الموسيقية وختم بقطعة هادئة منفصلة بدت كأنها صوت احتكاك اجنحة الملائكة ببعضها وهي تسبح في الفضاء!

صمتت الموسيقى واذا بالثلاثة الذين كانوا يستمتعون يجلسون مأخوذين . وقام بيتهوفن وترك المكان مسرعا وقال وهو يغادر: “سأعود مرة اخرى لاقدم للفتاة العمياء بعض الدروس.”

كان بيتهوفن يسير بعجلة. في الحقيقة كان يركض ركضا في الطريق وهو يقول لصديقه “اسرع! ينبغي ان اصل في الحال الى البيت حتى اكتب هذه المقطوعة (السوناتا) قبل ان تضيع من ذهني!”.

وجاء الفجر ليجد بيتهوفن يكتب الفواصل الموسيقية الاخيرة لهذه السوناتا.

وهكذا كانت مساعدة بيتهوفن لفتاة عمياء السبب في تقديم Moon light sonata  المشهورة التي تعتبر من اشهر الاعمال الموسيقية.

==

قصة حياة بيتهوفن

قصة العميان الستة والفيل

%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d9%8a%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%aa%d8%a9-1

يحكى أن ستة عميان تناهى إلى سمعهم أن فيلاً كبيراً سوف يؤتى به إلى بلدتهم بمناسبة الاحتفال السنوي, فذهبوا الستة إلى حاكم البلدة وطلبوا منه أن يسمح لهم بلمس الفيل لأول مرة في حياتهم, فهم دائماً ما يسمعون على الفيل ومدى ضخامته لكنهم لم يتصورا شكله قط. لم يمانع الحاكم إطلاقاً إلا أنه أشطرت في سبيل ذلك أن يصف كل واحد منهم الفيل في جملة واحدة, وفي يوم الاحتفال وبحضور أهل البلدة أحاط الستة رجال بالفيل وبدأ كل واحد فيهم بلمسه, وبعد ما انتهوا من معاينة الفيل قام كل واحد بوصف الفيل أمام الحاكم وبحضور حشد كبير من والعامة, فجاء الوصف كالتالي:الأول قال: الفيل أقرب ما يكون إلى الحبل
قال الثاني متعجباً:  أين الفيل وأين الحبل؟ بل هو مثل الحائط تماماً
ضحك الثالث ثم قال : يا لها من سخافة, حبل وحائط!!! كيف هذا والفيل لا يخرج عن كونه خنجر كبير.
وقال الرابع متهكماً: ما تقولنه هراء وما يقوله الناس عن ضخامة الفيل هراء أيضاً, فقد كنت أشتاق لمعرفة الفيل وصدمت حينما وجدته مجرد ثعبان بدين غير سام.
وقال الخامس ساخراً: ما كل هذا الهذيان, الفيل عبارة عن مروحة يدوية مصنوعة من الجلد!!
وقال السادس مقهقهاً: يا لسماء… هل مسكم طائف من الشيطان؟! يبدو أنكم لمستم شيء آخر غير الفيل, فالفيل ما هو إلا جزع شجرة.

أثناء وصف كل شخص من الستة للفيل, كان كل من في المكان يقهقه بصوت عال ساخراً من الأوصاف العجيبة للفيل إلا الحاكم فقد كان يسمع بإصغاء كامل ووقار شديد وبعد أن انتهى الستة من وصفهم للفيل, وقف الحاكم وأشار لجموع الحاضرين بأن يكفوا عن الضحك, وبعد أن هدأ الجميع قال الحاكم موجهاً كلامه للجميع:

“لماذا تسخرون من العميان الستة؟, فكلهم صادق في وصفه للجزء الذي لمسه من الفيل, فلأول قال أن الفيل يشبه الحبل لأنه لمس الذيل فقط, والثاني قال أن الفيل كالحائط لأنه لمس الجسم فقط, والثالث قال أن الفيل كالخنجر لأنه لمس الناب, والرابع قال أن الفيل كالثعبان لأنه لمس الخرطوم, والخامس قال أن الفيل يشبه المروحة لأنه لمس أحدى الأذنين, والأخير قال أن الفيل كجذع الشجرة لأنه لمس القدم “.
بذلك فقد أصاب كل شخص من الستة جزء من الحقيقة والخطأ الوحيد الذي ارتكبوه هو أنهم لم يتريثوا ليعرفوا الحقيقة كاملة, ونحن أيضاً بلا استثناء نقع في هذا الخطأ كثيراً, نتحدث عن جزء من الحقيقة ونعتقد أن هذا الجزء هو الحقيقة كاملة, فنتمسك به ونتعصب من أجله,نهاجم من يعارضه ونحارب الآراء الأخرى, وذلك ببساطة لأننا لم نحيط

اعترافات خاطئة -2

bbf5124fd810fcf95895f4e0dc7436f3

ظروف قاسية:

لم تطل اقامتي في اورشليم. مررت بظروف قاسية، قاسيت الجوع والعري والحاجة المرة. والعار.. لم استطع البقاء لان العار احاط بي. كنت مستعدة ان ادفع الثمن من ذات نفسي ولكن ما ذنب صغيري. لقد تم فيه القول “افتقد ذنوب الاباء في الابناء”. لم يبق لي عيش في المدينة فجمعت متاعي وعدت الى الجليل الى بلادي. لكن عاري – ظل يلاحقني. فقد جاء احد التجار ورأى متجري الصغير الناجح الذي كنت اعمل فيه انا وابني وعرفني. وروى قصتي لجاري ورواها الجار لاخر ولاخر، وانتشر الكلام وشاعت المذمة وعرفت بين الناس باسم “الخاطئة” – رباه ! لقد تبت اليك توبة نصوحا. انت تعرف سرائر القلوب. انت تعرف اني دفعت الثمن غاليا. حقا ان الخطية خاطئة جدا – نعم، ظللت ادفع ثمن خطيتي. ومع اني تذمرت في بعض الاوقات الا اني كنت اراجع نفسي واقول اني استحق. ظل القوم يدعونني بالخاطئة وان كانوا لم يجدوا في مسلكي مأخذا ، لكن عقيدتهم ان المرأة التي تزل مرة لا يمكن ان تتوب ، الله وحده يعلم اني تبت وانني وابني كلانا يأكل من العمل الشريف من عرق الجبين، ولكن الناس لا يرحمون.

بدأ البعض يقاطعون متجري الصغير ويمتنعون عن تشغيلي لكن الله حنن عليّ قلوب اخرين.. فظللنا نعيش … ونشكر. نعم، كنت اشكر الله وان كنت اتذمر احيانا، ان القوم لا يتحدثون عن ماضيّ فقط، ولكنهم يذكرون ان في حاضري خاطئة. نعم انهم يقولون عني “كنت خاطئة” لكنهم يقصدون اني لا زللت خاطئة.

في بيت الفريسي:

مضت مدة طويلة منذ جئت الى الجليل وفي احد الايام سمعت ان المعلم الناصري في المدينة . كانت فرحتي عظيمة جدا. المعلم الناصري في المدينة. انني لم اقدم له شكري يوم اكرمني بغفرانه. لكن ماذا استطيع ان اقدم له، اي شئ لاكافئ ما لقيته منه من احسان. نعم عندي قارورة طيب، لكن ما هي قارورة طيب هذه بالنسبة لحبه العجيب. على ان اخذها واقدمها له. جلت اسأل عن السيد اين هو.

علمت بعد بحث مضن ان السيد مدعو ليتناول الطعام في بيت سمعان الفريسي، اه، سمعان المتكبر الذي يحتقر كل انسان. لا اعلم كيف دعا النجار الناصري الى الطعام. علمت فيما بعد انه دعاه ليجد مأخذا عليه. ذهبت الى بيت سمعان .. كان الباب مفتوحا وكان جيش العاطلين يقصد المكان ليحصل على بعض الخدمات الصغيرة وليلتقط بعض فضلات الطعام. كنا ندخل البيت كما تدخل الكلاب الضالة. كانوا يسمحون لنا في بعض الاوقات وكانوا يطردوننا في اوقات اخرى. ولما دخلت ابصرني سمعان فبصق على الارض ورأيت فمه يتمتم ببعض الكلمات. كان يتعوز بالله مني ومن نجاستي. وقد امر احد الخدام ان يأتي بمبخرة واطلق البخور في المكان حتى يطهره. لاكان على وشك طردي حين رآني اقترب من السيد من الخلف. فتردد وكأنى به اراد ان يعرف كيف يعاملني السيد. كان قد سمع عن السيد انه محب للعشارين والخطاة ويبدو انه اراد ان يتحقق من ذلك.

سمعان والسيد

جثوت عند قدمي السيد وهناك سكبت قلبي. احسست بثقل خطاياي ومرارة نفسي والعار الذي ظل يلاحقني. كنت اخشى اني لم انل منه الصفح بعد، والا لماذا تطاردني كلمة “خاطئة”. وتدفقت دموعي نهرا ملأ وجهي وسال على قدمي المعلم فحللت شعري. نعم شعري، وقد احسست انه اقل من ان استعمله ممسحة لقدميه. تذللت امامه ومسحت قدميه بشعري. كنت اقول في قلبي يا سيدي كيف ابين لك شكري؟ هوذا شعري، زينة رأسي امرغه تحت قدميك. وهوذا الطيب امسح به الهاتين القدمين اللتين تبللتا بدموعي النجسة، وصعد انين من صدري انينا خافتا لم يسمعه احد ولكني اوقن انه قد سمعه ورفعت عينيّ ورأيت سمعان ينظر اليّ شذرا وينظر الى السيد باحتقار وكأنى به يقول. كلا لا يمكن ان يكون الناصري نبيا والا لعلم من هذه التي تلمسه. انها خاطئة. لو كتن نبيا لركلها بقدمه وطلب تطهير المكان من نجاستها.

ورفعت عيني الى وجه السيد ورأيته يضئ بلمعان سماوي تجلى فيه الحب والعطف والاشفاق والتوبيخ وتكلم كما لو كان يجيب على افكار الفريسي. قال:

«يا سمعان عندي شيء اقوله لك». فقال: «قل يا معلم». «كان لمداين مديونان. على الواحد خمس مئة دينار وعلى الاخر خمسون.  واذ لم يكن لهما ما يوفيان سامحهما جميعا. فقل: ايهما يكون اكثر حبا له؟» فاجاب سمعان: «اظن الذي سامحه بالاكثر». فقال له: «بالصواب حكمت». ثم التفت الى المراة وقال لسمعان: «اتنظر هذه المراة؟ اني دخلت بيتك وماء لاجل رجلي لم تعط. واما هي فقد غسلت رجلي بالدموع ومسحتهما بشعر راسها. قبلة لم تقبلني واما هي فمنذ دخلت لم تكف عن تقبيل رجلي. بزيت لم تدهن راسي واما هي فقد دهنت بالطيب رجلي. من اجل ذلك اقول لك: قد غفرت خطاياها الكثيرة لانها احبت كثيرا. والذي يغفر له قليل يحب قليلا». فقال سمعان : “قل يا معلم”.. وتكلم السيد

اتنظر الى هذه المرأة لقد دخلت بيتك وماءا لاجل غسيل رلي لم تعط اما هي.

وثبت من مكاني بابتهاج وانا اهتف “مجدا لله. اني لست بعد خاطئة. انا مبررة. غفرت خطاياي الكثيرة.”

==

اعترافات خاطئة -1

اعترافات خاطئة -1

 

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d8%b7%d8%a6%d8%a9-1

دفنت زوجي اول امس، سقطت عليه شجرة في الغابة وقد حمله رفاقه الى البيت، كان يتنفس بصعوبة ولكنه ما لبث ان اسلم الروح وتركني بلا عون انا وطفلي الصغير. واساني جيراني، كانوا يفتقدونني كل يوم ويحملون اليّ الطعام. كنت اظل طول اليوم لا اتناول شيئا، ولكني كنت اكل مع بعض الجيران وظل ذلك حالي طوال اربعين يوما. كنت اجد شيئا من العزاء في الرفقة الطيبة ولكنها انتهت بانتهاء الاربعين يوما. لم يأت احد لزيارتي بعد ذلك. كنت وزوجي من الجليل وقد جئنا الى اورشليم على اننا لم نلبث طويلا حتى حدثت مأساتي. لم يكن لي اهل في المدينة الكبيرة. لا اب ولا ام ولا اخ ولا اخت. كنت وحيدة مع طفلي.

مرت عدة ايام ونحن نحاول ان نجد في بقايا الطعام الذي حمله الينا ما يقوم بسد رمق الحياة ثم بدأنا نجوع. استطعت انا ان احتمل ولكن طفلي لم يستطع. كان يصرخ طول النهار والليل كسرة يا امي ، كسر صغيرة. انا جوعان ! انا جوعان!

اضطررت ان اقترض من الجيران وانتى بي الامر ان اطرق الابواب واستعطي ولكني فشلت لاني لست خبيرة في فن التسول، فكرت ان اقتل نفسي، لكن ماذا يعمل لطفلي، اواه هل منقذ؟

الاربعاء..

مرت ثلاثة اسابيع هي فعلا ثلاثة قرون. احسست اني قد بلغت سن الشيخوخة. لم اعد افكر في الحياة. عمري لا يزيد عن العشرين. لا ازال احتفظ بمسحة من الجمال. يمكن ان اكون زوجة. لكن من الذي يتزوج من ارملة ام لطفل، من؟

طرق بابي شاب من الجيران قال انه سمع صراخ الولد وسمع صوت نشيجي وعلم اننا جياع فاحضر شيئا من الطعام. كدت اهجم على الطعام لا لاجلي لكن لاج الطفل ومنعت نفسي. قلت ان عندنا طعاما كافيا. لكن الطفل تقدم بجرأة وتناول شيئا من الطعام وجعل يأكل بنهم. وترك الشاب الطعام وانطلق في سبيله وعاد في اليوم التالي واليوم الذي يليه، بل ظل يجئ مدة كان يضع الطعام وينطلق بدون كلمة غير كلمات التحية العادية. لا شك انه ملاك.

بعد شهرين

مر شهران كاملان مذ جاءنا هذا “الملاك” اول مرة، وقد جاء اليوم يحمل بعض الفاكهة وقدم للطفل شيئا منها. ثم جلس يلاعبه واستأنس طفلي له. وبعد نصف ساعة خرج الشاب ولكنه جاء في اليوم التالي والذي يليه ، وكان طفلي يتعلق به فيضطر للجلوس معه مدة ثم يغادر!

وجاء يوما يحمل لنا طعاما شهيا فوقفت اشكره وملت على يده فقبلتها، وقد حاول ان يسحب يده لكني اصررت على تقبيلها ورد هو القبلة على جبيني.

واعتدت ان اقبل يده كل يوم وهو يقبل جبيني. لقد غلبني الحياء في المرة الاولى ولكني اعتدت على ذلك. قبلة من “ملاك” لاخته!

وجاء يوم طالت فيه جلسته مع الولد ومعي، وفيما هو خارج سرت معه الى الباب واخذت يده لاقبلها فمد يده واحاط خصري وقبل جبيني كالعادة. وظلت هذه عادته الى ان جاء يوم انزلقت قبلته الى وجهي، ثم جاء يوم احتضنني فيه وانزلقت قبلته الى فمي!

بعد ستة شهور..

تأخر في المجئ . جاء الغروب ، قال انه سيتناول العشاء معنا، واكلنا معا، و”شربنا” وحملت الطفل الى فراشه، وعدت اليه لاودعه وتهيأ للقيام ولكنه لم يتجه نحو الباب… “وسقطت”. في تلك الليلة بكيت وبكيت وبكيت. اذن لم يكن ملاكا. لقد جاء بالطعام ولكنه تقاضى ثمنه وكان الثمن غاليا. اما هو فجعل يواسيني ويمنيني بالزواج ، فقط في الوقت المناسب. ولم يمتنع عن المجئ بل زاد مجيئه في الظهر والعصر والمساء. وفي احدى الامسيات قضى الليل معي، واصبح يأتي فعلته كأن له الحق فيها، اما انا فكنت في كل مرة اجثو على ركبتي واظل ابكي حتى تجف مآقي!

وقد بلغ به الامر ان جاء في صباح يوم ، وصمم ان يأتي فعلته في الحال بعد ان ارسل الطفل الى الخارج ليلعب مع الجيران. وفيما نحن في الفراش، “في ذات الفعل”، هجم علينا جماعة من الجيران فوثب من المكان وقفز من النافذة وقد تركوه يهرب وامسكوا بي وجعلوا يضربونني على كل اجزاء جسمي حتى امتلأ جسدي الضعيف بالجروح. وتمزقت ثيابي واصبحت عارية تقريبا. ثم اخذ يسحبونني سحبا وهم يضربونني الى ان وصلوا الهيكل وفي الدار الخارجية كان المعلم الناصري ، كنت قد سمعت عنه كثيرا – جالسا يعلم وحوله عددا غفرا من الناس – واوقفوني امامه عارية ممزقة الثياب. كنت صورة للعار المتجسد.

اه! ليتهم قتلوني. ليت الارض تنشق فتبتلعني. ووضعت احدى يديّ على وجهي واليد الاخرى اغطي بها عريي، وكنت احس اني في دوامة. متى تنتهي يا رب؟

وسمعت القوم يصرخون، لم اتبين صرخاتهم في اول الامر ولكن عندما دققت السمع سمعتهم يقولون: “يا معلم، هذه المرأة امسكت وهي تزني في ذات الفعل. وموسى اوصانا ان مثل هذه ترجم. فماذا تقول انت؟”.

انا لم اعلم لماذا جاءوا بي اليه هو. انه ليس رئيسا ولا قاضيا ولا صاحب سلطان، ولكني علمت فيما بعد انهم قصدوا ان يضعوا له شركا. انهم ما كانوا يستطيعون ان يرجموني. لكن ليتهم فعلوا ذلك!

كان عاري نارا تلهب كل جزء في جسدي ونفسي. كنت واقفة في خزيي عارية امام الجميع، وكانت النظرات الشريرة تلتهمني. ان بين المشتكين علىّ من كانوا اشر مني، ومنهم من حاول معي في اول ايام نكبتي، ونت اذ ذاك في دموعي نقية اما الان فانا كتلة عفنة اقذر من الوحل!

على اني لمحت السيد، انه لا ينظر اليّ كما ينظر الاخرون وايضا رأيت العطف مجسما في وجهه، بل رأيت دموعا في عينيه، كان جالسا على درجة من درجات السلم القليلة الصاعدة الى الهيكل ، وكان منحنيا الى الارض يخط بيده سطورا لم اتبينها على الارض. كان صامتا فيما هم يتكلمون ويضجون، وظل صامتا .. فلما طال صمته عادوا يكررون كلامهم السابق: “يا معلم، هذه المرأة امسكت وهي تزني في ذات الفعل. وموسى اوصانا ان مثل هذه ترجم. فماذا تقول انت؟”.

واذ ذاك انتصب وقال لهم من منكم بلا خطية فليرمها اولا بحجر. هل ترى هل يجسرون ان يرموني بالاحجار التي في ايديهم؟ هل يجسرون وكلهم زناة  شيوخهم وشبابهم. نعم كلهم. ان ذنبي عظيم. لا اجد له مبررا، لن اقول ، الجوع او الوحدة او الضعف. كلا انا زانية. اثمة شريرة. انا استحق العار الذي انا فيه. انا لا ادينهم ولكن ضمائرهم دانتهم. لم تكن لهم ظروف تدفعهم نظيري الى السقوط، ولكنهم كلهم توحلوا في الحمأة، على انهم لم يمسكوا في ذات الفعل نظيري. ربي، انا لا ادينهم ولا ابرر نفسي. انا استحق العار الذي لحقني! اني استحق اكثر منه! استحق الموت!

لقد همس الشيطان في اذني ان اصرخ في وجوههم، بل ابصق على وجوههم. قولوا لي ايها المنافقون، هل جئتم تحاكمونني على شر انتم متوحلون فيه. ايها القديسون الزائفون ، لقد بعت جسدي لقاء لقمة لي ولصغيري. واما انتم فبعتم اجسادكم بلا ثمن. كدت اخضع لهمسات الشيطان لولا اني عدت لنفسي ورأيت بشاعة اثمي وفداحة جرمي. ومن انا المرأة التعسة التي امسكت وهي تزني بالفعل لتحم عليهم؟

على ان كلمة اليد كان لها تأثيرا عجيبا. لقد كشفتهم. لقد رأوا انفسهم عرايا. رأوا خزيهم مجسما امام اعينهم. والنتجة انهم تركوا احجارهم وتركوا المكان راكضين . كنت اراهم وهم يركضون . اما السيد فكان كأنه لم يلحظ شيئا لانه بعد ان قال كلماته انحنى الى الارض وكان يخط باصبعه في التراب. وبقينا نحن الاثنين وحدنا، النقاوة المجسمة في شخصه والنجاسة الممثلة في شخصي. الله والخطية!

فكرت ان اخرج مع الذين خرجوا ولكني لم استطع ان اتحرك. كنت احس ان في ذلك الرجل المنحني الى الارض قوة لا قبل لاعظم قوة ان تتحداها، نعم بقيت وحدي واقفة. ومن الغريب اني احسست امامه بأن ذنبي جعل يكبر ويكبر حتى ملأ المكان. احاطت بي خطيتي من كل جانب.

واذ بالسيد ينتصب ويقول “يا امرأة اين هم المشتكون عليك. اما دانك احد؟”

فقلت: “ولا احد يا سيد.”

فقال لي “ولا انا ادينك ” وصمت قليلا ثم قال “اذهبي ولا تخطئي ايضا”

سقطت على الارض قدامه. حاولت ان اقترب الى قدميه لاقبلهما، ولكني احسست انه لا يجوز لي ان ادنس قدميه بشفتيّ القذرتين . ظللت منكفئة على الارض. عاجزة عن الحركة. ولكنه مد يده واقامني ثم نظر الي نظرة مليئة بالدموع وقال اذهبي ولا تخطئي ايضا”.

في البيت

لا اعلم كيف عدت الى البيت. كلا. لا اعلم. ولكني حين عدت وجدت صغيري ممرغا في التراب وهو يبكي. جميع الاولاد اجتمعوا حوله وسبوه باقذر الشتائم وفتحت النساء نوافذ البيوت ومظرن بازدراء اليّ انا الزانيا التي امسكت في ذات الفعل – شتان بين نظراتهن ونظرته هو- اني اسامحهن فقد سامحني. لقد قال لي “وانا لا ادينك. اذهبي ولا تعودي تخطئ ايضا”. ومن انا حتى ادين؟ لقد سامحني بالاكثر، لقد عفا عن اشنع جريمة تأتيها امرأة فهل احقد انا بسبب اساءات صغيرة. كانت مسامحته اقسى على قلبي من الدينونة نفسها. ليته ركلني بقدميه. ليته نعتني بشر النعوت ولكنه سحقني بمحبته. لم يبق فيّ  شئ . ذاب قلبي وكذا لحمي . لم يبق من شئ. هل يمكن ان يكون هذا . ان ينظر اليّ نظرة المحبة المقدسة ، الحنان الطاهر، الغفران الكامل.

لقد احاطني جيراني بنظراتهم الكمحتقرة وشتائمهم القبيحة وسخريتهم اللاذعة . احاطوني بجحيم من الكراهية والازدراء ولكني سامحتهم. ليس في قلبي ضغينة ضد واحد منهم. لقد سامحني هو عن الكثير فهل عجيب ان اسامحهم على القليل؟ يا رب اغفر لهم كما غفرت لي!

 الهدية المتواضعة

the-gift-3

في صباح يوم شتوي دافئ اشرقت الشمس بنورها الساطع، وغردت العصاقير تغريدا مطربا فوق الشجيرات القريبة من باب المجمع. لم يكن اليوم سبتا حيث يزدحم المجمع باهل المدينة الذين يأتون للعبادة بقراءة التوراة والانبياء وترتيل المزامير.

كان كل مجمع ملحق به كتّابا يتلقى فيه الصبية الدروس الدينية. في هذا اليوم تحلّق حوالي عشرين صبيا حول الرابّي “سمعان”، وكان من بين هؤلاء الصبية “يشوع” الذي بعد ان تعب من الدرس شخص بعينيه، بعيدا نحو الباب، يتطلع في الوادي المنحدر، حيث اشجار الزيتون تمايلت اطراف اغصانها لتتحرك مع هبات ريح خفيفة لطيفة، وكأنها تدعوه للخروج من الكتّاب، ليمتّع نفسه بالعالم الواسع ذو الطبيعة الجذابة، التي تدعو كل من يتطلع اليها لتسبيح يهوة الخالق العظيم.

كانت طريقة الرابي (المعلم) سمعان في التعليم غير مشوقة. اذ كان يهتم فقط بتحفيظ تلاميذه فصولا من التوراة دون ان يشرح معاني الكلمات الا قليلا. وفي تلك الساعة كان يتلو على الاولاد بنغمة طنانة ، خارجة من انفه اكثر مما هي من شفتيه.ويجعل الاولاد يرددون وراءه اكثر من مرة مزمو 72 وهو لسليمان الملك ويقول:

“اَلَّلهُمَّ، أَعْطِ أَحْكَامَكَ لِلْمَلِكِ، وَبِرَّكَ لابْنِ الْمَلِكِ.

يَدِينُ شَعْبَكَ بِالْعَدْلِ، وَمَسَاكِينَكَ بِالْحَقِّ.

تَحْمِلُ الْجِبَالُ سَلاَمًا لِلشَّعْبِ، وَالآكَامُ بِالْبِرِّ.

يَقْضِي لِمَسَاكِينِ الشَّعْبِ. يُخَلِّصُ بَنِي الْبَائِسِينَ، وَيَسْحَقُ الظَّالِمَ.

وكان في الخارج كلب جاء وجلس على الطريق ، وعيناه نحو باب المجمع كأنه ينتظر شيئا فاخذ يشوع يلاحظه، وقلبه الرقيق يتمنى ان يقدم له شيئا ليأكله، بينما كان صوت المعلم يرن في اذنيه ويغالب النعاس ولكنه افاق على جملة رددها المعلم واثارت انتباهه:

“‏مُلُوكُ تَرْشِيشَ وَالْجَزَائِرِ يُرْسِلُونَ تَقْدِمَةً. مُلُوكُ شَبَا وَسَبَأٍ يُقَدِّمُونَ هَدِيَّةً.

وَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ الْمُلُوكِ. كُلُّ الأُمَمِ تَتَعَبَّدُ لَهُ.

شرح المعلم مكان ترشيش ، انها في غرب البحر الكبير، والجزائر هي مجموعة الجزر التي تقع فيه، اما شبا وسبا فهي في جنوب بلاد العرب.

كان لهذه الصورة تأثير في نفس يشوع، فتنبه كأنه استيقظ من نوم ليرسم في عقله الصغير صورة ملك عظيم يجلس على عرش من العاج وامامه رجال بل وملوك ايضا يقدمون له هداياهم الثمينة.

وامام هذا المنظر المهيب نسى الكلب الذي كان رابضا امام الباب. وتحولت عيناه الى المعلم واصغى الى بقية اقواله الى ان جاء القول:

لأَنَّهُ يُنَجِّي الْفَقِيرَ الْمُسْتَغِيثَ، وَالْمَِسْكِينَ إِذْ لاَ مُعِينَ لَهُ.

يُشْفِقُ عَلَى الْمَِسْكِينِ وَالْبَائِسِ، وَيُخَلِّصُ أَنْفُسَ الْفُقَرَاءِ.

زادت هذه الاقوال اهتمامه. أليس هو وامه من الفقراء والمساكين؟ أم يكن افطاره هذا الصباح رغيفا من الشعير، خبز الفقراء الرخيص ؟

ولولا تعلمه القناعة من امه لما استطاع تحمل شظف العيش هذا.

“يَكُونُ اسْمُهُ إِلَى الدَّهْرِ. قُدَّامَ الشَّمْسِ يَمْتَدُّ اسْمُهُ، وَيَتَبَارَكُونَ بِهِ. كُلُّ أُمَمِ الأَرْضِ يُطَوِّبُونَهُ.

هذه العبارة رددها المعلم ورددها التلاميذ من بعده. واذا بصوت اتي من طرف الدائرة يسأل متلهفا: “يا معلم، اين هذا الملك؟”

القى المعلم نظرة امتزجت بالضيق والدهشة وقال بصوت زاجر:

“اسكت يا مكدر السلام، الا يكفيك ان تتعلم اقوال الكتاب المقدس وتحفظها، حتى انك تطلب ايضا فهم معانيها؟

استغرب يشوع من رد المعلم، وبالرغم من هذا فقد منعه ادبه ان يظهر استياءه لمن هو اكبر منه. ومع هذا فقد اصرّ على تعطشه للمعرفة فاكمل كلامه ولكن بوداعة:

“من هو هذا الملك الذي .. ينجي الفقير..” وهنا اختنق صوته بنبرات تخالطها لجلجة البكاء فصوب التلاميذ كلهم نظرهم اليه وهم يهزأون من ردائه البالي المشدود حول كتفيه ليقيه البرد القارس. لم يأبه يشوع ومنعته فطرته السليمة من السقوط في بالوعة الاحساس بصغر النفس.

تلطف المعلم قليلا وقال “الملك الذي يتكلم عنه سليمان هنا هو مسيا. ومتى جاء ذلاك فان الملوك يقدمون له افخر هداياهم”

انتهز يشوع شفقة المعلم فسأل “ومن هو المسيا؟” اجابه “هو الشخص الذي تحدث عنه الانبياء ، انه سيخلص شعبه”. تساءل “ولماذا سمى بالمسيا؟” اجاب المعلم بعد نفس عميق، معبرا عن محاولته لاطالة اناته “انها كلمة تعني المسيح او الممسوح بالدهن المقدس. الست تعرف ان ملوكنا كن يمسحن به؟”

سكت يشوع للحظات ثم همس “وهل سنراه؟

تطلع المعلم سمعان الى السماء الصافية وقد ارسلت الشمس اشعتها القوية من خلال باب الفصل وقال “اه! يا ابني من يدري؟”

وتأوه باشتياق واكمل “ليتنا نراه، فان البعض يقولون ان وقت مجيئه قريب. انني مثل كل اجدادي ننتظر قدومه بفارغ الصبر.”

وهل يمكنني ان اقدم له هدية يا معلم؟

بالطبع!

هنا نظر المعلم نظرة عطف الى ذلك المخلوق الصغير الملتف بشاله البالي فقال في نفسه “يا ترى ماذا يملك هذا المسكين ليقدمه؟”

وماذا تقترح ان اقدم له؟

صمت المعلم للحظات. كان التلاميذ يتهامسون ويتغامزون استهزءا .. واخيرا خطرت للمعلم اجابة استصوبها “اما عن هذا الامر فينبغي يا بني ان تسأل امك”.

شعر المعلم براحة لانه ازاح مسئولية اجابة السؤال على الام التي توقع انها متدينة والا فلماذا اسمت ابنها “يشوع” وهو اسم لشخصية عظيمة من شخصيات الكتاب المقدس.

يهودي اهتدى للديانة المسيحية

05138d166e39a8cd29139e5cb63a1a6b

كانت امرأة يهودية حبلى تمخضت وتألمت كثيرا اثناء الولادة. ولم تنفعها الادوية بشئ فكانت في خطر الموت. واتفق ان امرأة مسيحية كانت عندها فقالت لها ان شئت ان تتخلصي من مخاضك استغيثي بوالدة الاله لانه لا معين لك سواها بعد الرب يسوع.

اما المريضة فقالت بصوت منخفض من شدة المها وهي تبكي “ايتها العذراء المباركة اني لست اهلا ان ادعوك واستغيث بك، لكني سمعت عن شفاعتك القوية لمن يدعوك بايمان، فاسألك ان تنقذيني من هذا الالم وانذر على نفسي يا سيدتي ان اقدم الجنين المولود للمعمودية المقدسة، وللوقت ولدت المرأةصبيا ، وبعد بضعة ايام ، لما نهضت من سريرها اقتبلت المعمودية المقدسة هي وطفلها. وكان زوجها غائبا في احدى القرى، فلما علم بما حدث حنق حنقا شديدا وقتل الطفل. فاجتمع الجيران عندما سمعوا الضوضاء عند اليهودي وهموا بالقبض عليه ليسلموه الى الحكومة ففر هاربا فتبعوه. اما هو فدخل كنيسة واختبأ في زاوية من زواياها، وفيما هو واقف مرتعب تطلع فابصر ايقونة والدة الاله امامه فخشع قلبه وناجى السية قائلا:

“ايتها العذراء الحنونة تحنني عليّ كما تحنن ابنك الرحوم على بولس الذي كان يضطهد المسيحيين ، وسامحيني بكل ما اقترفته من ذنوب لاني اؤمن انك ولدت يسوع المسيح بحال تفوق الوصف ولبثت عذراء، واني اقر معترفا ان يسوع ابنك هو اله وانسان معا لانه رحوم ورؤوف. وفيما كان يقول هذا الكلام بورع ودموع ادركه قوم من المسيحيين فربطوه، فقال لهم: “اسألكم لاجل الرب ان تذهبوا بي الى احد الكهنة لكي اقتبل سر المعمودية المقدسة، ويشهد الله اني لا اقول هذا القول عن خوف. ولكي تتأكدوا من ذلك دعوني اعتمد، وبعد ذلك سلموني الى الموت الذي استوجب عليّ”. ففعلوا كما قال وبعد ان اعتمد ذهب حالا الى الحكومة التي قررت الحكم بموته. واما امرأته فكانت تندب موت ولدها بلا سلوى ولا عزاء. وكانت تقبل ابنها وهو مطروح امامها ميتا.

1126ce31d5e382804c0ec1e1cda6d57f

ولكن فيما هي تبكي يا للعجب تنفس الطفل وتحرك وفتح عينيه وعادت اليه الحياة. واذ كان قد بلغها ان رجلها حكم عليه بالموت بعد ان اصطبغ بالمعمودية، اخذت الطفل وذهبت به مسرعة الى محل القضاء، فلما ابصروا الطفل حيا مجدوا الله واطلقوا سراح والده. وبفضل هذه الاعجوبة التي صنعتها والدة الاله الفائقة القداسة تثبت ذلك الانسان في الايمان وبشر بالمسيح. واما الطفل فقد كان ينمو في النعمة وعاش عيشة مرضية نظير والديه.

عن كتاب “معجزات العذراء – “- الاعجوبة الخامسة عشر