يوميات استير -5

في القصر

مرت سنة او لعلها اكثر من سنة ، وانا اكتب الان في الجناح الذي اقيم فيه في القصر تحت حراسة هيجاي، كان هيجاي احد عبيد الملك، وكان خصيا، ولكن نفوذه كان يفوق نفوذ اقوى رجل في المملكة!

لم اكتب شيئا خلال السنة ، لاني كنت اجتاز اقسى ازمة نفسية في ذلك الوقت. جاءني عمي منذ اكثر من سنة واخبرني ان علاقته بهيجاي جعلته موضوع ثقة، وانه اي هيجاي رأى فيه غير ما رآه في الاخرين.

وفي احدى الليالي قال هيجاي لعمي، لماذا لا تحضر ابنة عمك الى القصر فهي حسناء بل اجمل حسناء رآها، وذهل عمي وسأل كيف عرف ذلك. واجاب هيجاي انه يملك لا عينين فقط كما يملك سائر الناس. انه يملك الوف العيون في كل مكان، يقصد جواسيسه. وقال هيجاي ايضا انه رآني ورأى فيّ اكثر من جمال الجسد، وهو يوقن اني سأحوز رضوان الملك. وذعرت من الخبر. ولكني تجلدت وقلت لعمي، لا شك انك تعللت بمختلف العلل حتى لا تستجيب لطلب هيجاي. وقال عمي انه فعلا عمل ذلك، وانه استطاع فعلا ان يؤجل القدر مدة، ولكنه اضطر ان يرضخ اخيرا. وقبل ان اتكلم قال:

“ان الترتيب الذي نظمه الحكماء ان الفتاة بعد ان تجتاز ما دعوه “سنة التجميل”، ان تزف الى الملك الذي يقضي معها ليلة واحدة ثم يصرفها في الصباح. ان قصور السراري في حراسة شعشار، وتبقى هناك منسية بالطبع. وها قد مرت ثلاثة شهور لم يذكر الملك من السبعين فتاة الا واحدة – دعاها اليه في احد الليالي ثم صرفها. كانت العذراء الجميلة تعد لزواج ليلة واحدة. وقد احسست ان هذا ليس زواجا. انه نوع من الفجور. وفي نفس الوقت هو سجن مؤبد “للزوجة” او “السرية”. حسناء يتزوج منها الملك ويقضي معها ليلة واحدة، ثم توضع في بيت السراري بعد ذلك الى اخر حياتها. واذا مات الملك يرثها الملك الذي يليه.

ان هذا لا يكون. على ان هيجاي لم يتركني في راحة. فذهبت استشير اخوتي ابناء وطني، وكان من رأيهم ان اخضع للامر، فمن يعلم فربما كانت ارادة الله الصالحة لشعبنا – ان يكون لنا ظهير في القصر. وقد علمت ان رجال الملك سيأتون ويأخذوني بعد ايام الملك. كان وقع الخبر عليّ كالصاعقة وسقطت عند قدمي عمي، اضرع ان يحميني من هذا المصير المفزع. انني افضل ان اتزوج من افقر رجل من ابناء جنسي على ان “اتزوج” من حيوان لا يطلب من الزواج الا اشباع شهوته. وبكيت ما استطعت البكاء ، وحاول عمي ان يهدئ من روعي وقال اننا في يد الله يا بنيتي وارادته للخير دائما وسيعطيك الله نعمة فتلبسين التاج. فصرخت قائلة: “انني اكره هذا التاج!.. نني اكرهه!. انه ليس تاجا. انه قيود مخيفة. انني سأكون عرضة لاكثر مما تعرضت اليه وشتي النبيلة”.

وقال عمي: “انه لا يتفق معي في عنادي ، ان دخولي القصر سيكون خدمة لابناء جنسي. نعم ان ابناء جنسنا محتقرون مذلون ولكن من يعلم لربما تقدمين خدمة يوما ما، ومع ذلك لا داعي لان تخبري انك من جنسنا المحتقر..

وجاء اليوم. جاءت فرقة من الخصيان وحملتني حملا الى القصر، وتسلمني هيجاي كبيرهم، وكان لطيفا معي، رأى دموعي فواساني، وعلم اني غير راغبة في هذا المجد الذي تتهافت عليه الوف الفتيات. احسست انه ينظر اليّ بتقدير وحب، وكأنه اب لي. فرتب لي سبعة من الوصيفات الجميلات، وعيّن لي جناحا بعيدا عن بقية الفتيات، كان من احسن الاجنحة في القصر، بل احسنهم جميعا. وسأل ماذا اطلب من الاطياب والادهان والعطور وادوات الزينة. فقلت له اني لا اطلب شيئا بالمرة.

بدأت خدمة تجميلي ستة شهور عطروني فيها بزيت المر، وستة شهور بالاطياب وادهان تعطر النساء، على اني عشت في القصر غريبة لم اختلط باي من العذارى الاخريات، لم يكن معي غير وصيفاتي الحلواتالرقيقات. كانت اياما قاسية عليّ ، لاني كنت انظر برعب الى اليوم الذي يقتادوني فيه في طريق الحديقة الى جناح “الحيوان” الذي يدعونه الملك. على ان صورة الحزن التي كانت منطبعة في وجهي كستني بحلاوة جعلت الجميع يحبونني، وجعلت هيجاي يوليني عناية خاصة. وكان عمي يسأل اليّ بين حين واخر ليطمئن على احوالي.

لا استطيع ان اكتب ما رأيت داخل القصر، انني لم ارى بالطبع كل شئ لاني كنت في شبه عزلة، ولكن ما رأيته جعلني ابغض القصر وسكان القصر. لم يكن القصر ازيد من “زريبة خنازير” كبيرة. كان الناس يقولون انه قصر جميل ، وكنت انا اراه “زريبة” مملوءة بالوحل. كان الناس يقولون ان المقيمات فيه حسناوات العالم بل ملائكة النعيم – اجمل الاجسام، ارق النساء، انعم الاصوات. اه، لو رآهن الناس على حقيقتهن لرأوا احقر الكائنات، اجسام مشتعلة بالشهوة والحديث لا يزيد عن اوقح ما تتكلم به الزانيات. كنت اسد اذنيّ اذا حدث ان بلغ الى سمعي احاديثهن. لا شئ الا الجنس وما يحيط بالجنس من كلام كان يصيبني بالغثيان، ثم التكتلات والمؤمرات والدسائس. ولقد حاكت لي كثيرات من الدسائس ما كان يكاد يوردني موارد التهلكة، ولولا عطف الرحمان لكنت الان في خبر كان. لولا قدر الله لي هيجاي الخصي النبيل وخادماتي المخلصات اللواتي كن بمثابة اخوات لي لبلغت حتفي.

Advertisements

يوميات استير -4

البحث عن ملكة

مرت ثلاثة شهور على الحوادث السابقة. كان الملك في حالة عصبية شديدة. كان وجهه يحمل سمات الغضب. حاول رجال الحاشية ان يهدئوا من ثورته ولكنه ظل في حالة ثورته الاولى. على انه بدأ يهدأ. كان في اول الامر لا يطيق ان ينطق احد باسم وشتي، وشتي العاصية، انه نادم انه لم يقتلها. ثم ما لبث ان بدأ يحن الى ايامها الحلوة. كنت وشتي اجمل حسناء. ليس لها نظير في كل انحاء الامبراطورية. ان جميع الحسناوات التي يقمن في قصوره ليسوا اكثر من قرود بالنسبة لها.

وقال رجال الحاشية انهم سمعوه يعنف نفسه انه غضب عليها وانه لم يجد من وزرائه من يدلي بالنصيحة الحكيمة. انه لا يستطيع ان يعيد لوشتي مقامها لانه اصدر مرسوما مختوما بخاتمه. صار الامر شريعة لا يمكن الغاؤها. ها هو يغضب على وزرائه. انه يود لو يقتلهم جميعا، ولكنه يذكر انهم نصحوه بعدم قتلها.. وساءت حالة الملك فاصبح يثور لاتفه خطأ بل لاتفه ما ظنه انه خطأ.

ورأى رجال الحاشية انه اذا استمر الملك في حالته النفسية هذه، فان الامر معهم سيسوء. وكان اول ما فكروا فيه ان يجدوا امرأة تحتل مكانة وشتي في قلبه، فتقدموا اليه قائلين، ان موضوع الملكة يشغلهم كثيرا ، وانهم انتهوا اخيرا الى ان يبحثوا في كل انحاء المملكة عن اجمل الحسناوات من العذارى، ويسلمونهن الى هجاي الخصي حارس النساء ، وان تبقى العذارى في حراسة هيجاي سنة كاملة، تجري في اثنائها عمليات تدليك وتطييب وتجميل وتدريب ، حتى يصبحن اهلا للوقوف امام الملك. ووافق الملك على مشورة حكمائه ، وارسلت الرسائل الممهورة بخاتم الملك الى كل بلاد الامبراطورية من حدود اليونان الى بلاد الحبشة- كل امة بلسانها وكل شعب بلغته، لكي يجمعوا اجمل العذارى الفاتنات. وجعل رجال الحاشية يستقبلون اولئك الحسناوات ويسلمونهن الى هجاي ، الذي كان يخصص لكل فتاة جناحا خاصا في قصر الملك ، لتقيم فيه مع وصيفاتها. اخضعت الفتيات لتداريب قاسية حول كيفية الوقوف والجلوس والحركة والانتصاب كما اخضعن لعمليات التدليك لكل اجزاء الجسم بانواع مختلفة من الزيوت العطرية، وكان الاهتمام يفوق الخيال بالشعر والوجه والعينين والصدر.

سأترك القلم الان فان الحوادث تتوالى باسرع مما يستطيع المرء ان يتابعه، فكم بالحرى ان يفكر في تدوينه.

لا يزال طوفان العذارى يغمر قصور الملك ولا يزال النساء يتساءلون قائلين: وبعد ؟

وانا ايضا اتساءل قائلة: وماذا بعد؟

يوميات استير -1

في قديم الزمان كانت المرأة تعامل كشئ وليس كشخص. وقد كشفت الاثار المكتشفة عبر العصور الحديثة عن هذه الحقيقة. ومؤخرا اكتشف العلماء رقوق وبرديات لما نسميه اليوم مذكراتلاحدى ملكات فارس.. انها هدسّة التي كانت زوجة للملك زركسيس الذي امتد سلطانه الى ما يقرب من 120 مدينة تضم حاليا ايران والعراق والشام و.. وصولا الى شرق اوربا.. كان يمكن ان تسمى مملكته بلد الكنوز“.

سرت في طرقات البلد. واذا بمبان قديمة لها ابواب ضخمة ظننت انها ابواب الخزائن الثمينة التي تحوي الجواهر واللالئ والذهب، فدفعت احد هذه الابواب واذ بي اجدها مليئة بقراطيس ورقوق وطروس عليها كتابات قديمة.. ما هذه؟ .. انها مجموعة طروس. لاحظت حروفها العربية، ولكني لما امسكت بها عرفت انها كتابات فارسية، واذ كنت ملما بالفارسية امسكت بها وقرأت على هامش الطرس مذكرات. عندما امعنت في القرأة عرفت انها مذكرات الملكة عشتار، هكذا تقرأ بالفارسية ولكننا نقرأها هكذا بالعربية استير“.. وها انا اقرأ لكم بعض ما جاء بها..

-1-

البرعمة

سنة

شكرا لعمي فقد اهتم بتعليمي. هو في الحقيقة ابن عمي ولكني عرفته عما. فقد مات والداي وانا صغيرة. لابد اني كنت صغيرة جدا لان لا اذكرهما اطلاقا. وقد تبناني ابن عمي مردخاي“. علمت فيما بعد ان هذا الاسم الذي اسمى به، اطلق عليّ في بلاد فارس . انا لا اعرف اين ولدت ولا كيف وصلت الى فارس.

اخبرني ابن عمي ان ابي وامي قتلهما نبوخذ نصر، واننا هاجرنا مرغمين الى فارس ومن ثم اقمنا في عاصمة المملكة شوشن“.

مرت الايام قاسية.. اليوم جلست لاكتب .. اكتب مذكراتي. انا اليوم بلغت الخامسة عشرة ، وقد اهداني عمي بهذه المناسبة هدية ثمينة. اهداني رقا مكتوبا بلغتنا الاصلية، وكان قد علمني اياها ، كما علمني لغة الحديث، وهي خليط من عدة لغات.. واقام عمي في المساء حفلا صغيرا اختلطت فيه التسابيح بالترانيم والشكر .. قالت لي زوجة عمي لقد صرت الان بحق عروسا. فمن يا ترى يستحق ان تزفي اليه؟

اسكتش: استير

هو رجل خصم وعدو (وتشير الى هامان) .

المنظر:

(يدخل عبد حاملا مائدة صغيرة عليها صينية كبيرة فوقها كوؤس وطبق فاكه . يضع المائدة ويضع اخر ثلاثة كراسي ثم يخرجان ويدخل هامان)

هامان:

ما اطيب هذا المكان انني حقا قد وجدت نعمة. في عيني الملكة. (بفرح) انها لا تدخل مع الملك الى وليمة الا بعد ان تدعوني. واليوم ايضا دعتني لحضور وليمتها. (يطرق وجهه حزينا) لكن كل هذا لا يساوي عندي شيئا كلما ارى مردخاي اليهودي جالسا بباب قصر الملك.

كم اكره مردخاي هذا!

لكم اكره شعبه بالكامل. متى يجئ يوم ابادتهم؟ اني اكاد افقد صبري وانا انتظر هذا اليوم.

(يتمشى قليلا)

لماذا تأخرت الملكة؟ (يراها اتية من بعيد). ها هي. ينبغي ان ابتسم. (يعدل ملابسه ويتصنع الابتسامة).

(تدخل استير فينحني. تنظر اليه ببرود. يدخل الملك فتهرع الملكة للقائه).

mordecai-is-honored-1024x642

استير:

مرحبا سيدي الملك!

مرحبا استير!

(يجلس الجميع بينماعبدان يمسكان بمراوح يهفهفان على الملك والملكة)

الملك:

(وهو يتناول كاسا  من الخمر) ما هي طلبتك؟ ينبغي ان تخبريني عن طلبتك اليوم. (يشرب قليلا من الخمر) ما هي طلبتك ولو الى نصف المملكة سالبيها لك.

استير:

ان كنت قد وجدت نعمة في عينيك ايها الملك فلتعطي لي حياتي بسؤالي وشعبي بطلبتي، لاننا قد جعلنا انا وشعبي للابادة والهلاك.

الملك:

من هو الذي يتجاسر على اتيان هذا العمل؟

استير:

هو رجل خصم وعدو (وتشير الى هامان) . هذا هامان الشرير (يرتاع هامان ويقوم من مكانه)

هامان:

انا….

استير:

لو بعنا عبيدا واماءا لكنت قد صمت لكن هذا الرجل قد كتب كتابات وختمها بختم الملك وارسلها الى كل بلدان المملكة لاهلاك وقتل وابادة كل شعبي نن الغلمان الى الشيوخ والنساء والاطفال. الكل في يوم واحد في الثالث عشر من شهر اذار

(ينهض الملك بغضب ويتمشى قليلا ثم يخرج من الغرفة)

هامان:

(مرتميا عند اقدام الملكة)

رحماك يا مولاتي . رحماك. ما ثصدت سوءا بك. ما كنت اعرف انك من اليهود.. رحماك..

(يعود الملك فيزداد غضبا اذ يرى هامان عند سرير الملكة)

الملك:

هل ايضا يكبس الملكة معي في البيت؟

عبد 1:

(يغطي وجه هامان)

عبد 2:

هوذا الخشبة ايضا التي عملها لمردخاي قائمة في بيته.

الملك:

فليصلب عليها.

هامان: (بتوسل)

الرحمة يا مولاي!

(يدخل حارس)

الملك:

(للحارس) خذوا هذا الرجل واصلبوه على الخشبة التي عملها لمردخاي.

(يخرج الحارس وهو يجر هامان وهامان يصرخ مسترحما)

الملك:

(لعبد١)  اما مردخاي فألبسوه لباسا ملكيا اسمانجونيا، حتى يعرف الجميع ان الملك قد سر ان يكرمه.

(يخرج العبد لينفذ اوامر الملك)

الملك:

(لاستير) اهناك طلبة اخرى يا استير اطلبي ولو الى نصف المملكة؟

استير:

(بعد تفكير) ان كنت قد وجدت نعمة في عيني سيدي الملك فليأمر ان تكتب كتابات فترد كتابات هامان . اذ كيف استطيع ان احتمل رؤية الشر يصيب شعبي.

الملك:

لكن الكتابات التي تكتب باسم الملك لا ترد.

(استير تطرق بوجهها الى الارض بحزن. يفكر الملك قليلا ثم يقول)

لكن هناك شيئا يمكن عمله. وهو ان تكتب كتابات اخرى تعطي الحق لشعبك ان يدافعوا عن انفسهم.

(يصفق الملك بيديه فيدخل الحارس)

الملكة:

كيف اشكرك يا سيدي؟

هذا اقل ما يمكن عمله.

(يعود الحارس بالخاتم فياخذ الملك الخاتم ويعطيه لاستير). اكتبي انت ومردخاي ما يحسن في اعينكما واختماه بخاتمي.

(يخرجان. موسيقى)

الراوي:

وفي شهر اذار في اليوم الثالث عشر منه قام المبغضين لليهود عيهم ولكنهم دافعوا عن انفسهم بشجاعة لمدة يومان.

17005001

(تدخل استير منفعلة)

استير:

متى تنتهي الحرب؟ اني لا احتمل ان ارى هذه الدماء تسفك.

(يدخل الملك)

الملك:

ها ان شعبك قد انتصر وقتل ٥٠٠ رجل من اعدائه. ما هو سؤالك فيعط لك؟

est008

الملكة:

اريد ان يحل السلام.

الملك:

العادة عندنا انه اذا اردنا ان نوقف الحرب نصلب قادة الاعداء.

الملكة:

اذن فليصلب ابناء هامان العشرة.

الملك:

ليكن لك ما تريدين. (يخرج)

استير:

اشكرك يا الهي لانك نجيت شعبك واعدت السلام. (تخرج يخفت الضوء في الجزء امامي).