افرومنتيوس #1

هتف  الربان بالملاحين والركاب معا:

“حظ سعيد يا رجال، أنتم بصدد خوض رحلة طويلة، لكنكم في أيد أمينة . سأحسن قيادتكم، لكن عليكم ان تتنبهوا، أن من يحسب نفسه قادرًا على عمل كل شيء يعرض الجميع للاخطار.”

بعدها أعطى بعض الأوامر بالتحرك . رفع البحّارة مرساة السفينة فابتعدوا ببطء عن رصيف ميناء صور وهي تصر محدثة صوتًا وهي تشق الهواء ببطء.  بدى ان السفينة تتحرك ببطء شديد في الماء، وكأنها لن تغادر ميناء صور قط.

اما الربان الذي كان يبدو صارمًا صلبًا قوي البنية فبدا وكأنه تمثال نحت من صخر، بشرته غليظة سمراء من أثر إمضاء عدة سنوات تحت الشمس، حمل الجانب الأيمن من رأسه ندبة بيضاء طويلة،

وقف في مقدمة السفينة ممسكا بالدفة وقد سدد نظره صوب البحر، مستغرقًا في التفكير، لا يتكلم ولا يأبه بمن حوله، ولا يحدثه أحد . بدا أن لا احد يعرف إلام كان ينظر، فلم يكن إلا ماء البحر يمتد بلا نهاية. وما هي الا لحظات حتى بدأت السفينة تأخذ سرعتها بفعل قوة الرياح. علت وجه الربان نظرة كانت ستتحول على وجه أي رجل آخر إلى ابتسامة. فقد ازداد الجو دفئًا مع اتجاه السفينة جنوبًا الى الحبشة. كان الاستمتاع بضوء الشمس على ظهر السفينة يشعر المرء بالسرور، حتى الربان آثر الهواء الطلق على البقاء في حجرته قائلا: “لدى النزول إلى حجرتي المظلمة اشعر كأنني أهبط إلى قبري”.

في اليوم الثاني من الابحار نشبت مشاجرة بين اثنين من الملاحين ولم ينتبه ربان السفينة وطاقمه أثناء انشغالهم بتعنيف الطرف الذي اعتبروه مخطئا ان احد الحبال التي تثبت صاري السفينة – الذي حمل عبئًا ثقيلًا – بمكانه والتي ربطت حوله بإحكام شديد منذ بدء الابحار قد حدث به فتق. تأرجح الصاري بقوة. بدا أن الكل لا يدري كيف يتصرف.  وقف الملاحون يشاهد الصاري وهو يتأرجح على ظهر السفينة إلى الأمام وإلى الخلف على نحو لا يمكن السيطرة عليه، والحبال التي ثبتته بموضعه تتأرجح معه ضاربًة الهواء كالسياط.  خشي الملاحون أن يقعوا خارج المركب إن اقتربوا كثيرًا من الصاري.

وهذا هو ما حدث بالضبط. اقترب احد الملاحون منه ليلقي نظرة عليه عن كثب، لكنه أدرك بعد فوات الأوان أن القيام بذلك كان خطًأ؛ إذ ارتدت عارضة السفينة إلى الخلف فطار في الهواء من على ظهر السفينة.

فسارع الربان، عثر على حبل آخر وربطه حول عارضة السفينة واوقف حركتها باحتضانها والثبات في موقعه ثم انخفض تحت العارضة وربط الحبل بجانب السفينة الآخر فاستقرت العارضة في موضعها. ولكن هذا لم يدم الا دقيقة اخرى بعدها انخلعت العارضة وما هي الا لحظات حتى كان جميع الركاب في البحر يكافحون الامواج المتلاطمة.. نجا افرومنتيوس ورفيقه اديسيوس الى شاطئ جزيرة لا يدرون ما هي.

عندما افاق فرومنتيوس ركع ليصليا شكرا لله ثم انشغل اديسيوس باعداد حطب للتدفئة وللانارة ليلا:

ولم تمر الا لحظات قليلة حين سمعا اصواتا غريبة. حدث كل شئ بسرعة عجيبة، حين وجدا انفسهما مقيدين بواسطة اناس شبه عراة. انهم افراد قبائل النمنم اكلي لحوم البشر.

انهم قبائل النمنم اكلي لحوم البشر

بعد فترة سمعا قرع الطبول قرعات متتابعة سريعة. جاء رجال اشداء و فكوا قيد اديسيوس واخذوه ومرت ساعات طويلة حتى غابت الشمس. بينما بات افرومنتيوس مقيدا الى شجرة . في صباح اليوم التالي فك قيد افرومنتيوس واوقف امام زعيم القبيلة ويدعى “اركاديو” كان رجلا اسمر ذو شعر اشعث تعلو وجهه ندبة طويلة اثر اصابة بالة حادة ما، حاول  اركاديو ان يفهم افرومنتيوس انه قد صار له عبدا ولكنه لم يستوعب هذا الامر الا عند الظهر حين سمح له بتناول الطعام مع اشخاص اخرين.

داخل الكوخ الذي تراصت فيه كل مقتنيات الزعيم من هدايا مزركشة وتحف ثمينة.. كانت لغة التفاهم بين فرومنتيوس واركاديو لغة الاشارات. كان اركاديو يحذر فرومنتيوس خوفا من الانتقام والغدر والخيانة لعدة ايام، ولكن بعد ان لمس هدوءه ووده ومحبته وتفانيه وامانته اطمئن اليه ووثق فيه واصبح يحبه ويستريح اليه.. لقد وجد فرومنتيوس نعمة في عيني اركاديو.

مرت ايام قليلة واذا بيد فرومنتيوس تمتد الى كوخ اركاديو القذر المزدحم ببواقي الطعام، والذي علقت في احد جنباته جماجم كثيرة، فهدمه واعاد بنائه في شكل هرمي رباعي جميل.. خصص ركن للطعام اقام به مائدة بدائية صنعها من الاغصان الجافة.. فرح اركاديو بالكوخ الجديد، غير انه طلب من فرومنتيوس ان يعيد الجماجم – التي حاول افرومنتيوس القائها بعيدا- اعتقادا منه انها تطرد الارواح الشريرة.

كان هذا الكوخ بمثابة قصر الحاكم الذي استقر فيه اركاديو بمفرده، اما زوجاته واولاده فقد كان لهم اماكن اخرى يعيشون فيها وهو يتردد عليهم.. انهم لا يعيشون على الارض، ولكنهم مثل باقي افراد القبيلة صنعوا عششهم فوق الاشجار بمهارة بالغة اذ اختاروا الفروع المتشابكة وربطوها جيدا جاعلين منها فرش لهم.. كل عشة بها الزوجة والاولاد، اما الرجل فانه يملك اكثر من عشة .. اما طعامهم فكان يعتمد اساسا على ثمار الاشجار بالاضافة الى ما يصطادونه من الحيوانات، فجميعهم صيادون مهرة.

بعد بضعة ثوان من التلاوات الخاصة يومئ رب العائلة برأسه لزوجته او زوجاته فيبدأن في الطهي، وفي هذه الاثناء كان الاولاد يلعبون بمرح

كان الاولاد في العادة يمرحون طوال النهار في الاماكن الظليلة بالقرب من النهر الذي يبتعد قليلا عن منطقة الاكواخ. مناسب وكان كل رب عائلة عليه ان يدعو لارواح الموتى ويستأذنهم قبل اشعال النار لاعداد الطعام عند الظهر، ولحسن الحظ كان الموتى يجيبون بالايجاب على الدوام. وبعد بضعة ثوان من التلاوات الخاصة يومئ رب العائلة برأسه لزوجته او زوجاته فيبدأن في الطهي، وفي هذه الاثناء كان الاولاد يلعبون بمرح ويدمرون مستعمرات النمل ويطاردون الضفادع ويؤدون دور الموتى المبعوثين الى الحياة، وفي العادة يعدن عندما يشعرون بالجوع، واحيانا يعدن مبكرا عندما تبدأ رائحة الطعام بالنفاذ يندفعون تجاه ذويهم اذ ان الوقت حان لتناول الطعام.

تأثر افراد القبيلة بطباع افرومنتيوس الوديعة وشخصيته الجاذبة فاحبوه، وصاروا يحادثونه بلغتهم. صحيح انه لا يفهم كثير مما يقولونه ، ولكنه يدرك انهم يقدمون له الترحيب والاعجاب والتشجيع، ولا سيما عقب كل عمل يقوم به ويحظى باعجابهم. وخطر له هذا الخاطر: ربما بدى انهم اناس قساة من شكلهم وممارساتهم الغريبة ولكنهم مع ذلك يخفون في صدورهم قلوبا رقيقة.