ليلة عصيبة

night

تنتاب ابنه ازمات صدرية ربوية حادة، من تلك الازمات التي كثيرا ما يتعرض لها بين الوقت والاخر .. و.. ليجزم تشخيص الطبيب المعالج.. باصابة الصغير ب “الدفتريا” الرهيبة وموصيا بضرورة اعطائه العلاج الذي قرره على الفور وبدزون اهمال .. والا تعرض للاختناق .. لا سمح الله .. !

ويقع هذا التشخيص العاجل على الوالد وقوع الصاعقة ، و .. “رامي” الصغير ، والعزيز، هذا ، ابنه البكر، الذي وفد الى دنيا الاسرة، بعد طول شوق وحرمان .. و.. الايام تمضي به منذ ولادته بطيئة، طويلة، ثقيلة. انه يتأخر بصورة ملحوظة في  التسنين ، في الجلوس .. الحبو.. فالمشي، فالكلام ايضا ! يتأخر كثيرا عن اقرانه، من ابناء العائلة والاقرباء والجيران.

لكنهم ارجعوا ذلك في بادئ الامر الى ضعف صحته ونحافته الملحوظين، فلم يدخروا جهدا الا وبذلوا في سبيل علاجه والعناية به بدون فتور او تقصير.

و.. برغم مرور الايام والشهور ظل رامي كما هو يعتمد كل الاغتماد على والديه في تناول طعامه وارتداء ثيابه وخروجه من المنزل .. في كل شئ من شئون حياته.

حتى اشار البعض لى الوالد المكلوم بعرض ابنه على احد الاطباء الاستشاريين المعروفين في طب الاطفال ..كان اول من صارحه بدون تمهيد بالحقيقة المرة والقاسية .. ان رامي من ذوي الاحتياجات الخاصة و .. مما مما فتح عينيه على تفسير تلك العوارض الشاذة والمحيرة التي وجدها في ابنه ..

و يصدم يفجع تسود الدنيا في عينيه ، يحس بدوار ويكاد يسقط من طوله .. وهو يرفض رفضا باتا .. انها الحالة الاولى في كل العائلة .. لم يولد ابن معاق من قبل..

فاولاد شقيقه وزوجته هي شقيقة زوجة اخيه اسوياء تماما بل وعلى درجة كبيرة من الذكاء.

لعل الطبيب اخطأ في التشخيص.. لعل الاعراض اختلطت عليه.. و..

لم يتوان الوالد المكلوم عن عرض ابنه الذي فجع فيه على طبيب ثان وثالث ليؤكدوا له جميعا صحة التشخيص .. وياتي وقع ذلك على الاسرة كالضباب الكثيف القاتم المثير للكابة و..

اهذا هو اذا رامي المستقبل المرموق .. الذي كان يرجوه الابن الحبيب اه لو كنت غير ما كنت اذا لتغير حال الاسرة .. كان سيغدو اسعد خلق الله.. يسعد بقضاء وقته بجوار ابنه يعطيه من حبه وعواطفه الابوية المشبوبة بلا حدود

.. يعطيه عصارة حياته وخلاصة حبه ووجدانه  ويحقق ما كان يرجوه في الحياة ولم يتمكن من تحقيقه

ولكن هكذا شاءت ارادة الله لحكمة بالطبع لا يعلمها هو. فاللهم لا اعتراض، ولتكن مشيئتك ولكننا نسألك اللطف في قضائك، فانت ارحم الراحمين وانت السند والمعين. بك نحيا ونتحرك ونوجد..

وينتبه الرجل من فيض خواطره ليجد نفسه يطرق باب بيت “محب” الطالب بالسنة النهائية بكلية الطب، لم يفتتح عيادة بعد، ولكنه يبدو من كلامه علامه النبوغ في مهنته الانسانية ، كان قد تعرف اليه من فترة في النادي الاجتماعي ليعرض عليه امر ولده..

ولفرحته الغامرة اتاه الصوت من داخل المنزل ما ان قرع الباب وهو يقول وقد بدت عليه علامات الدهشة اتفضل يا استاذ .. ويبادره بذكر الاعراض التي اصابت رامي في كلمات مضطربة لاهثة..

ويقوم محب ويتوجه معه الى منزل وهو يطمئنه ويهدئ من روعه ..

ويقرر بعد فحص الصغير انه مصاب بنزلة برد حادة.. ومع ذلك فقد ترك الاعتبار نسبة ضئيلة.. لاحتمال الاصابة بهذا المرض الذي ذكره الطبيب قبله .. ويكتب له روشتة بها بعض الادوية التي ليس منها على اية حال اي مضاعفات سيئة في حالة ما كان تسشخيصه خاطئا.

وليلتها الله لا يعيدها لم يغمض له جفن حتى الصباح ارق توتر الاعصاب وافكاره متارجحة بين الياس والامل الرجاء والشك اليقين بين تشخيص الطبيب المتمرس وزميله الشاب الناشئ وه يدعو الله العلي القدير ان يحفظ رامي ابنه من كل سوء

وتمر تلك الليلة الحالكة وللغريب في الامر والحمد لله لم تعد تلك النوبات تنتاب رامي ..وذهبت تلك الازمة الصدرية..

ووجد الرجل يلهج قلبه قبل لسانه بالمزمور: الرب يحفظك كمن كل سوء..