شجرة عيد الميلاد

tree

استيقظ الصبي ذو الثمانية اعوام ذات صباح في الغرفة الرطبة في ثيابه الرثة المهلهلة شاعرا بالبرد الشديد، وجلس بجوار امه، التي رقدت على حصيرة عليها فراش محشو بالتبن، وقد وضعت تحت رأسها كيس اتخذته وسادة تسند رأسها عليها. ورأى ان انفاسه تتصاعد في هيئة بخارا، فاخذ يوالي النفخ متلهيا برؤية البخار يتصاعد، ليسلي نفسه ويبعد عنها الضجر. وكان يشتهى لو تسنى شيئا فيلطف ما به من جوع. وكثيرا ما كان يدنو من امه يريد ايقاظها ثم يعدل اشفاقا عليها اذ يراها متعبة.

وما من احد يعلم كيف وصلت هذه المرأة الى هذه الغرفة الرطبة. فقد تكون قدمت من مدينة اخرى، ففاجأها مرض طرحها في هذا المكان البائس.

ولما اعتصر الطفل الاحساس بالجوع دنا من امه مرات ليوقظها، ولكنه تردد ولم يفعل. واخيرا وقد اخذ الظلام يغمر الدنيا اذ ارخى الليل سدوله، مرر يده على وجه امه، فادهشه ان يجده باردا كجدار الغرفة، فقال في نفسه: ما اشد البرد هنا. ثم وضع يده على كتفها عن غير قصد فلم يتحرك. واحس ببرد شديد في يديه فجعل ينفخ فيهما ليدفئهما. ثم تناول طاقيته من على فراش امه، ومشى بخطى خفيفة صامتة يتلمس مخرجا وكان يود لو خرج قبل هذه الساعة المتأخرة، ولكنه خشى ان يصادفه على الدرج الكلب الضخم الذي كان يهر طول النهار على عتبات البيوت المجاورة. اما الان فقد توارى الكلب، لذا فقظ خرج الى الشارع.

مشى فوجد نفسه في مدينة كبيرة لم ترى عيناه مثلها من قبل. كان هناك في المدينة اناس وخيل وعربات . اه، من البرد وشعر بألم فجائي في اصابعه. ومر به شرطي عبر عنه كأنه لم يره.

هوذا شارع اخر، ما اوسعه. لا ريب انهم سيدوسونه فيه بحوافر خيولهم. وما اشد جلبة الناس ، يروحون، ويجيئون ويركضون، وما اسطع النور، واوضح الطريق.

وما هذا هناك؟ انه نافذة من زجاج كبيرة، وراءها غرفة فيها شجرة تصطدم بالسقف برؤوس اغصانها، صنوبر هي. شجرة الميلاد تضيئها الانوار، علقت فيها تحف واثمار مذهبة، ولعب، وافراس صغيرة. وفي الغرفة اولاد يتراقصون مرتدين ثيابا جميلة نظيفة. ثم انهم يتضاحكون، ويلعبون، ويأكلون ويشربون اشياء كثيرة. ها هي الحان الموسيقى تسمع من خلال الزجاج، فوقف الولد مأخوذا يستمع، ويبتسم، في حين كانت اصابع قدميه تؤلمه الالم الذي كان يوخز اصابع يديه من قليل.

ثم جعل يبكي، واسرع مبتعدا، ولم يكد يبعد حتى رأى من نافذة زجاج اخرى موائد نثرت عليها قطع الحلوى اصنافا. كانت اصابع يديه قد احمرت من الزمهرير، فهو لا يستطيع ان يطبقه ، ولا ان يحركها. شعر فيها بوجع شديد ، فبكى. وركض يجرى الى حيث لا يدري.

ثم توقف عند مكان رأى من زجاج نافذته غرفة فيها شجرة عليها قطع الحلوى حمراء وصفراء مرصعة باللوز، جلست اليها اربع سيدات يوزعن على كل من يدخل احداها. وكان الباب ينفتح في كل هنيهة امام احد الاشخاص. فدنا الولد بخطوات الذئب الجائع، وفتح الباب ودخل ، فارتفعت الصرخات عالية تريد ابعاد هذا الولد المتشرد، ودفعه البعض وردوه الى الوراء. ثم دنت منه سيدة ودست في يديه فلسا وفتحت له الباب فخرج، وقد نزل به خوف وذعر، وسقط الفلس من يده يرن على الارض.. اذ لم يستطع ان يطبق يده الصغيرة ليحفظه.

انطلق هائما على وجهه ، وهم بالبكاء، واعتراه خوف شديد فطفق يركض نافخا في يظيه، حزينا لشعوره بانه وحيد مهمل.

christmas

ورأى جمهورا واقفا ينظر بتطفل الى نافذة، فدنا منه، فشاهد وراء الزجاج لعبا كبيرة، لابسة حللا حمراء وخضراء، احداها في هيئة رجل عجوزا يجلس وهو يعزف بالة كأنها الكمنجة، وراى رجلين اخرين واقفين بالقرب منه يعزفان بكمنجتين صغيرتين، وكل منهما يهز رأسه هزة موقعة. وكانت شفاههم تتحرك فخيل اليه انهم يتكلمون والزجاج هو الذي يحول بينه وبين سماع ما يقولونه. ظن انهم احياء في البداية ثم ادرك انهم مجرد لعب. فضحك ملء فمه لأنه لم يرى لعبا مثلهم من قبل.

وخيل اليه انه يسمع امه ترتل له ترتيلة، فناداها : امى، اريد ان انام، ما اطيب النوم هنا.

فسمع همس صوت ملؤه العذوبة يقول له: تعال معي يا بنيّ نشاهد شجرة الميلاد. فظن ان امه هي التي نادته، ولم تكن اياها. فمن الذي دعاه اذن؟ ولم يكن يرى احدا، ولكنه شعر ان شخصا انحنى عليه وضمه في الظلام فبسط اليه ذراعيه. وفجأة رأى نورا باهرا، وشجرة ميلاد عجيبة، ولم تكن من الصنوبر، وانما هي شجرة لم يشاهد مثلها، فاين هو الان؟

كل شئ متلألئ يسطع نورا امامه، وحواليه لعب حية: اطفال يشعّون نورا ، ويحيطون به في دائرة مرفرفرين حواليه، يقبّلونه ويحملونه معه، فطار، وابصر امه، وابتسم لها ابتسامة طفل تغمر نفسه احاسيس السعادة والبهجة، وناداها: امي، امي، ما احسن المكان هنا. ناداها ثم اخذ يقبّل رفاقه الصغار، وود  لو قص عليهم قصة اللعب التي رآها منذ قليل. ثم سألهم مبتسما: من انتم ايها الاطفال؟ فاجابوه هذه شجرة عيد الميلاد. كل سنة في مثل هذا اليوم تقام شجرة للاولاد الذين ليس لديهم واحدة على الارض. وادرك ان هؤلاء كانوا اطفالا مثله، وانهم الآن في السماء.

كلهم هنا كالملائكة ، كلهم قرب المسيح، وهو يبسط يديه ليباركهم هم وامهاتهم..

هناك عند الصباح، وجد الناس جثة ولد صغير جمّدها الصقيع، وراء كومة من الحطب. فبحثوا عن امه، فوجدوا انها ماتت قبله بقليل. كلاهما تلاقيا قرب الله في السماء.

 

حكاية ام

حكى هانز كريستيان اندرسن في قصة ام حكاية لها معان غاية في الروعة. تقول القصة ان

أحد العجائز دخل إلى بيت أم, والتي لم تهنأ بنوم ساعة واحدة لمدة ثلاثة أيام متتالية بسبب طفلها, والذي كان يحتضر. ولم يلبث دقائق حتى اختطف العجوز الطفل وولى هارباً بسرعة الرياح. كانت صدمة الأم رهيبة, ليس بسبب اختطاف الطفل من قبل العجوز فقط, بل بسبب أن هذا العجوز لم يكن إلا الموت نفسه. الموت متنكراً بهيئة رجل عجوز.

تقرر الأم مطاردة الموت من أجل عودة الطفل الصغير للمنزل, تواجه الأم عدة عقبات بسبب سرعة الموت الرهيبة. يظهر من هذه العقبات مدى شوق الأم لابنها, هي أم, ولا تريد أبداً أن تسمع شيء عن الفراق بينها وبين الطفل. تاهت في وسط الطريق ولم تعرف أين ذهب الموت بنوارة قلبها. في طريقها تجد الأم امرأة متشحة بالسواد – لم يكن سوى الليل – تعرف الطريق الذي سلكه الموت.. يرفض الليل البوح بمكان الطريق الذي سلكه الموت حتى تغني الأم كل الأغاني التي أنشدتها للطفل الصغير وهو في المهد. غريب أمر هذا الليل! لم يكن هذا الطلب بسبب الأغاني ذاتها, بل بسبب الدموع التي سكبتها الأم طيلة الأيام الماضية وهي تغني لصغيرها. لم تكن الأم مهتمة بالأغاني, تريد أن تعرف الطريق الذي هرب به الموت مع صغيرها. يصمت الليل حتى تقرر الأم الغناء: وتغني الأم, ممسكة يديها, كان هناك الكثير من الدموع, والكثير من الغناء.

تواصل الأم السير في خطى الموت بعد معرفة الطريق من قبل الليل, وتصدم مرة أخرى بعقبة مفترق الطرق. كان هناك هذه المرة شجرة شوكية تعرف الطريق الذي سلكه الموت, ولكن, كما الليل, يريد خدمة مقابل أن يفضي بسر الطريق. الخدمة هي: أن تضم الأم الشجرة الشوكية وتدفئها, فهي حسب قولها ميتة من البرد وتحس بالتجمد. لم تتردد الأم لحظة واحدة, فضمت الأم الشجرة الشوكية إلى صدرها حتى انغرست أشواك الشجر وسط جسدها. تحولت أشواك الشجرة إلى أغصان خضراء, وأزهرت في الشتاء البارد. هذا ما يفعله قلب الأم الدافئ.

ضمت الأم الشجرة الشوكية إلى صدرها حتى انغرست أشواك الشجر وسط جسدها. تحولت أشواك الشجرة إلى أغصان خضراء, وأزهرت في الشتاء البارد.

تستمر رحلة المطاردة وعقبة أخرى تقف في طريقها: إن هي أرادت الاستمرار في طريق الموت والطفل يجب عليها أن تتخطى بحيرة كبيرة, أن تسير عليها, وهذا مالا تقدر عليه, أو تشرب ماءها كله, ولن تقدر عليه بحال من الأحوال. اشترط البحر كما فعل الليل والشجرة خدمة كذلك. طوال تلك الرحلة الطويلة, كانت الأم تضحي بكل ما تملك في سبيل الطفل: بكت حتى سقطت عيناها في البحر لؤلؤتين نفيستين, قصت شعرها الأسود وأهدته لعجوز طاعنة في السن .. ويتفاجئ الموت أن أمامه الآن الأم. قطعت مسافات طويلة من أجل هذه النبتة المغروسة في حديقة الموت: طفلها. كيف استطاعت أن تصل إلى مكان الموت قبل الموت نفسه, صاحب الحديقة؟ كان جوابها مفحماً بكلمة واحدة: أنا أم! قد لا تستطيع الأم أن تقف أمام الموت, ولكن رحمة الإله قادرة على صده. أنا مؤمن بأنها تمثل الصوت الحي لأغنية جين ستينمان: قد تعرف كيف تهمس, وقد تعرف كيف تبكي, وتعرف تماماً أين تجد الإجابات, وتعرف متى تكذب, وكيف تتصنع, وتعرف تماماً كيف تكيد لأعدائها, وتعرف طريق المال, الشهرة, تعرف كل القوانين, وكيف تكسرها .. لكنها لن تعرف, ولن تعرف على الإطلاق كيف تتخلص من يديه, ولن تدعه يسقط من يديها .. لأنها أم!

نهاية القصة من أروع النهايات التي قرأتها, والمختصة تحديداً بعلاقة الأم و الأبناء, وتبيان حالة العشق والهيام التي وصلت لحدودها القصوى : يا رب .. لا تستجب لدعواتي عندما تكون ضد مشيئتك التي هي الأفضل لنا دائماً، لا تستجب لها يا رب.