الحمامة

قراءة في الرواية:

كان جوناثان يهم بوضع قدمه على عتبة البيت حين رأى حمامة كانت تبعد مترا . كانت تقف بأرجلها الحمراء وريشها الرمادي الاملس على بلاط المدخل ذو اللون الاحمر القاني. حمامة، ويا لها من حمامة! كانت تميل برأسها الى الجانب وتحدق بجون بعينها اليسرى، هذه العين التي بدت كقرص ذو لون بني يتوسطه سواد، ملأت قلبه رعبا وهو يتأملها موجهة اليه ومفتوحة على نحو هائل. كانت تبدو خالية من الحياة كعدسة الة تصوير تبتلع الضوء الخارجي كله ولا تدع شيئا ينعكس من داخلها الى خارجها، لم يكن في هذه العين اي توهج او شعاع خافت ولا حتى اشارة الى اي شئ حي.

لقد ذعر جوناثان ذعرا شديدا، حسبما وصف جون الشعور الذي انتابه لحظتها و لكن وصفه ليس دقيقا تماما، فالذعر تمكن منه لاحقا، لقد ذهل ذهولا شديدا بتعبير ادق، اذ انه بقى مسمر لعشر ثوان، يده على مقبض الباب وقدمه مرفوعة بتأهب الماشي الذي يخطو عبر عتبة الباب، ولم يعد يستطع التراجع او التقدم. فجأة صدرت عن الحمامة حركة ما، ربما اراحت ثقلها من رجل الى اخرى او ربما تمطت قليلا، في كل الاحوال فان جسدها اهتز بشكل ما، وفي اللحظة نفسها انطبق جفنان على عينها، واحد من الاعلى واخر من الاسفل. انطبقا كشفتين ظهرتا من العدم وابتلعتاها! اختفت العين.

للحظة وجيزة بدأ الذعر يتملك جون، وقف شعر رأسه واقشعر بدنه، وبقفزة واحدة هرع الى الداخل وصفق الباب خلفه. ادار قفل الباب بسرعة ثم ترنح بثلاث خطوات  وهو يرتجف ودقات قلبه على اشدها، وجبينه بارد كالثلج، وراح يشعر بالعرق يتدفق منه، من اول جبهته حتى اسفل ظهره.

كان اول  ما فكر به انه سوف يصاب بجلطة قلبية او شلل. انت مهيأ لكل هذه الامراض بحكم السن! هكذا فكر في نفسه وهو يستلقى على السرير، ساحبا الغطاء حتى اعلى كتفيه المرتعدتين بردا، ومكث يترقب ذلك الالم الداهم والوخز في منطقة الصدر. لقد قرأ ذات مرة في موسوعة الجيب الطبية ان تلك الاعراض تسبق حتما الجلطة القلبية او الغياب البطئ عن الوعى الا ان شيئا لم يحدث فنبضات القلب ابطأت من سرعتها تدريجيا والدم عاد من جديد يتدفق بانتظام عبر الرأس والاطراف. لكن بدل هذا راحت سحابة من الافكار المذعورة تحوم في دماغه مثل غربان سوداء تخبط باجنحتها وتنعق في رأسه، بالكاد استطاع بعد ساعة ان يغفو.

حين هم بالخروج الى العمل في الصباح وقام بفتح الباب، رأى الحمامة من جديد تجلس على بعد متر ونصف في الزاوية الضيقة في نهاية الممر. القى نظرة سريعة باتجاهها وقرر التصرف كما لو انها لم تعد موجودة ، الا ان تظاهره بتجاهل وجود الحمامة اختفى في اللظة التي سمع فيها رفرفة اجنحتها. حين بلغ نهاية الممر توقف للحظة والقى نظرة سريعة الى الخلف، كانت اشعة الشمس الساطعة تجتاح الان النافذة الصغيرة لترسم مربعا شديد الضياء وسط الظل القاتم في الممر يصعب على العين التحديق فيه. فقط حين ضيق عينيه تمكن من تمييز الحمامة وهي تقترب مبتعدة عن الزاوية المعتمة بخطى سريعة متنططة ثم وقفت واستقرت تماما امام باب غرفته، فاستدار بتشاؤم وبدأ بالنزول وهو متأكد من انه لن يتمكن من العودة.

Advertisements