اعترافات خاطئة -2

bbf5124fd810fcf95895f4e0dc7436f3

ظروف قاسية:

لم تطل اقامتي في اورشليم. مررت بظروف قاسية، قاسيت الجوع والعري والحاجة المرة. والعار.. لم استطع البقاء لان العار احاط بي. كنت مستعدة ان ادفع الثمن من ذات نفسي ولكن ما ذنب صغيري. لقد تم فيه القول “افتقد ذنوب الاباء في الابناء”. لم يبق لي عيش في المدينة فجمعت متاعي وعدت الى الجليل الى بلادي. لكن عاري – ظل يلاحقني. فقد جاء احد التجار ورأى متجري الصغير الناجح الذي كنت اعمل فيه انا وابني وعرفني. وروى قصتي لجاري ورواها الجار لاخر ولاخر، وانتشر الكلام وشاعت المذمة وعرفت بين الناس باسم “الخاطئة” – رباه ! لقد تبت اليك توبة نصوحا. انت تعرف سرائر القلوب. انت تعرف اني دفعت الثمن غاليا. حقا ان الخطية خاطئة جدا – نعم، ظللت ادفع ثمن خطيتي. ومع اني تذمرت في بعض الاوقات الا اني كنت اراجع نفسي واقول اني استحق. ظل القوم يدعونني بالخاطئة وان كانوا لم يجدوا في مسلكي مأخذا ، لكن عقيدتهم ان المرأة التي تزل مرة لا يمكن ان تتوب ، الله وحده يعلم اني تبت وانني وابني كلانا يأكل من العمل الشريف من عرق الجبين، ولكن الناس لا يرحمون.

بدأ البعض يقاطعون متجري الصغير ويمتنعون عن تشغيلي لكن الله حنن عليّ قلوب اخرين.. فظللنا نعيش … ونشكر. نعم، كنت اشكر الله وان كنت اتذمر احيانا، ان القوم لا يتحدثون عن ماضيّ فقط، ولكنهم يذكرون ان في حاضري خاطئة. نعم انهم يقولون عني “كنت خاطئة” لكنهم يقصدون اني لا زللت خاطئة.

في بيت الفريسي:

مضت مدة طويلة منذ جئت الى الجليل وفي احد الايام سمعت ان المعلم الناصري في المدينة . كانت فرحتي عظيمة جدا. المعلم الناصري في المدينة. انني لم اقدم له شكري يوم اكرمني بغفرانه. لكن ماذا استطيع ان اقدم له، اي شئ لاكافئ ما لقيته منه من احسان. نعم عندي قارورة طيب، لكن ما هي قارورة طيب هذه بالنسبة لحبه العجيب. على ان اخذها واقدمها له. جلت اسأل عن السيد اين هو.

علمت بعد بحث مضن ان السيد مدعو ليتناول الطعام في بيت سمعان الفريسي، اه، سمعان المتكبر الذي يحتقر كل انسان. لا اعلم كيف دعا النجار الناصري الى الطعام. علمت فيما بعد انه دعاه ليجد مأخذا عليه. ذهبت الى بيت سمعان .. كان الباب مفتوحا وكان جيش العاطلين يقصد المكان ليحصل على بعض الخدمات الصغيرة وليلتقط بعض فضلات الطعام. كنا ندخل البيت كما تدخل الكلاب الضالة. كانوا يسمحون لنا في بعض الاوقات وكانوا يطردوننا في اوقات اخرى. ولما دخلت ابصرني سمعان فبصق على الارض ورأيت فمه يتمتم ببعض الكلمات. كان يتعوز بالله مني ومن نجاستي. وقد امر احد الخدام ان يأتي بمبخرة واطلق البخور في المكان حتى يطهره. لاكان على وشك طردي حين رآني اقترب من السيد من الخلف. فتردد وكأنى به اراد ان يعرف كيف يعاملني السيد. كان قد سمع عن السيد انه محب للعشارين والخطاة ويبدو انه اراد ان يتحقق من ذلك.

سمعان والسيد

جثوت عند قدمي السيد وهناك سكبت قلبي. احسست بثقل خطاياي ومرارة نفسي والعار الذي ظل يلاحقني. كنت اخشى اني لم انل منه الصفح بعد، والا لماذا تطاردني كلمة “خاطئة”. وتدفقت دموعي نهرا ملأ وجهي وسال على قدمي المعلم فحللت شعري. نعم شعري، وقد احسست انه اقل من ان استعمله ممسحة لقدميه. تذللت امامه ومسحت قدميه بشعري. كنت اقول في قلبي يا سيدي كيف ابين لك شكري؟ هوذا شعري، زينة رأسي امرغه تحت قدميك. وهوذا الطيب امسح به الهاتين القدمين اللتين تبللتا بدموعي النجسة، وصعد انين من صدري انينا خافتا لم يسمعه احد ولكني اوقن انه قد سمعه ورفعت عينيّ ورأيت سمعان ينظر اليّ شذرا وينظر الى السيد باحتقار وكأنى به يقول. كلا لا يمكن ان يكون الناصري نبيا والا لعلم من هذه التي تلمسه. انها خاطئة. لو كتن نبيا لركلها بقدمه وطلب تطهير المكان من نجاستها.

ورفعت عيني الى وجه السيد ورأيته يضئ بلمعان سماوي تجلى فيه الحب والعطف والاشفاق والتوبيخ وتكلم كما لو كان يجيب على افكار الفريسي. قال:

«يا سمعان عندي شيء اقوله لك». فقال: «قل يا معلم». «كان لمداين مديونان. على الواحد خمس مئة دينار وعلى الاخر خمسون.  واذ لم يكن لهما ما يوفيان سامحهما جميعا. فقل: ايهما يكون اكثر حبا له؟» فاجاب سمعان: «اظن الذي سامحه بالاكثر». فقال له: «بالصواب حكمت». ثم التفت الى المراة وقال لسمعان: «اتنظر هذه المراة؟ اني دخلت بيتك وماء لاجل رجلي لم تعط. واما هي فقد غسلت رجلي بالدموع ومسحتهما بشعر راسها. قبلة لم تقبلني واما هي فمنذ دخلت لم تكف عن تقبيل رجلي. بزيت لم تدهن راسي واما هي فقد دهنت بالطيب رجلي. من اجل ذلك اقول لك: قد غفرت خطاياها الكثيرة لانها احبت كثيرا. والذي يغفر له قليل يحب قليلا». فقال سمعان : “قل يا معلم”.. وتكلم السيد

اتنظر الى هذه المرأة لقد دخلت بيتك وماءا لاجل غسيل رلي لم تعط اما هي.

وثبت من مكاني بابتهاج وانا اهتف “مجدا لله. اني لست بعد خاطئة. انا مبررة. غفرت خطاياي الكثيرة.”

==

اعترافات خاطئة -1

اعترافات خاطئة -1

 

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d8%b7%d8%a6%d8%a9-1

دفنت زوجي اول امس، سقطت عليه شجرة في الغابة وقد حمله رفاقه الى البيت، كان يتنفس بصعوبة ولكنه ما لبث ان اسلم الروح وتركني بلا عون انا وطفلي الصغير. واساني جيراني، كانوا يفتقدونني كل يوم ويحملون اليّ الطعام. كنت اظل طول اليوم لا اتناول شيئا، ولكني كنت اكل مع بعض الجيران وظل ذلك حالي طوال اربعين يوما. كنت اجد شيئا من العزاء في الرفقة الطيبة ولكنها انتهت بانتهاء الاربعين يوما. لم يأت احد لزيارتي بعد ذلك. كنت وزوجي من الجليل وقد جئنا الى اورشليم على اننا لم نلبث طويلا حتى حدثت مأساتي. لم يكن لي اهل في المدينة الكبيرة. لا اب ولا ام ولا اخ ولا اخت. كنت وحيدة مع طفلي.

مرت عدة ايام ونحن نحاول ان نجد في بقايا الطعام الذي حمله الينا ما يقوم بسد رمق الحياة ثم بدأنا نجوع. استطعت انا ان احتمل ولكن طفلي لم يستطع. كان يصرخ طول النهار والليل كسرة يا امي ، كسر صغيرة. انا جوعان ! انا جوعان!

اضطررت ان اقترض من الجيران وانتى بي الامر ان اطرق الابواب واستعطي ولكني فشلت لاني لست خبيرة في فن التسول، فكرت ان اقتل نفسي، لكن ماذا يعمل لطفلي، اواه هل منقذ؟

الاربعاء..

مرت ثلاثة اسابيع هي فعلا ثلاثة قرون. احسست اني قد بلغت سن الشيخوخة. لم اعد افكر في الحياة. عمري لا يزيد عن العشرين. لا ازال احتفظ بمسحة من الجمال. يمكن ان اكون زوجة. لكن من الذي يتزوج من ارملة ام لطفل، من؟

طرق بابي شاب من الجيران قال انه سمع صراخ الولد وسمع صوت نشيجي وعلم اننا جياع فاحضر شيئا من الطعام. كدت اهجم على الطعام لا لاجلي لكن لاج الطفل ومنعت نفسي. قلت ان عندنا طعاما كافيا. لكن الطفل تقدم بجرأة وتناول شيئا من الطعام وجعل يأكل بنهم. وترك الشاب الطعام وانطلق في سبيله وعاد في اليوم التالي واليوم الذي يليه، بل ظل يجئ مدة كان يضع الطعام وينطلق بدون كلمة غير كلمات التحية العادية. لا شك انه ملاك.

بعد شهرين

مر شهران كاملان مذ جاءنا هذا “الملاك” اول مرة، وقد جاء اليوم يحمل بعض الفاكهة وقدم للطفل شيئا منها. ثم جلس يلاعبه واستأنس طفلي له. وبعد نصف ساعة خرج الشاب ولكنه جاء في اليوم التالي والذي يليه ، وكان طفلي يتعلق به فيضطر للجلوس معه مدة ثم يغادر!

وجاء يوما يحمل لنا طعاما شهيا فوقفت اشكره وملت على يده فقبلتها، وقد حاول ان يسحب يده لكني اصررت على تقبيلها ورد هو القبلة على جبيني.

واعتدت ان اقبل يده كل يوم وهو يقبل جبيني. لقد غلبني الحياء في المرة الاولى ولكني اعتدت على ذلك. قبلة من “ملاك” لاخته!

وجاء يوم طالت فيه جلسته مع الولد ومعي، وفيما هو خارج سرت معه الى الباب واخذت يده لاقبلها فمد يده واحاط خصري وقبل جبيني كالعادة. وظلت هذه عادته الى ان جاء يوم انزلقت قبلته الى وجهي، ثم جاء يوم احتضنني فيه وانزلقت قبلته الى فمي!

بعد ستة شهور..

تأخر في المجئ . جاء الغروب ، قال انه سيتناول العشاء معنا، واكلنا معا، و”شربنا” وحملت الطفل الى فراشه، وعدت اليه لاودعه وتهيأ للقيام ولكنه لم يتجه نحو الباب… “وسقطت”. في تلك الليلة بكيت وبكيت وبكيت. اذن لم يكن ملاكا. لقد جاء بالطعام ولكنه تقاضى ثمنه وكان الثمن غاليا. اما هو فجعل يواسيني ويمنيني بالزواج ، فقط في الوقت المناسب. ولم يمتنع عن المجئ بل زاد مجيئه في الظهر والعصر والمساء. وفي احدى الامسيات قضى الليل معي، واصبح يأتي فعلته كأن له الحق فيها، اما انا فكنت في كل مرة اجثو على ركبتي واظل ابكي حتى تجف مآقي!

وقد بلغ به الامر ان جاء في صباح يوم ، وصمم ان يأتي فعلته في الحال بعد ان ارسل الطفل الى الخارج ليلعب مع الجيران. وفيما نحن في الفراش، “في ذات الفعل”، هجم علينا جماعة من الجيران فوثب من المكان وقفز من النافذة وقد تركوه يهرب وامسكوا بي وجعلوا يضربونني على كل اجزاء جسمي حتى امتلأ جسدي الضعيف بالجروح. وتمزقت ثيابي واصبحت عارية تقريبا. ثم اخذ يسحبونني سحبا وهم يضربونني الى ان وصلوا الهيكل وفي الدار الخارجية كان المعلم الناصري ، كنت قد سمعت عنه كثيرا – جالسا يعلم وحوله عددا غفرا من الناس – واوقفوني امامه عارية ممزقة الثياب. كنت صورة للعار المتجسد.

اه! ليتهم قتلوني. ليت الارض تنشق فتبتلعني. ووضعت احدى يديّ على وجهي واليد الاخرى اغطي بها عريي، وكنت احس اني في دوامة. متى تنتهي يا رب؟

وسمعت القوم يصرخون، لم اتبين صرخاتهم في اول الامر ولكن عندما دققت السمع سمعتهم يقولون: “يا معلم، هذه المرأة امسكت وهي تزني في ذات الفعل. وموسى اوصانا ان مثل هذه ترجم. فماذا تقول انت؟”.

انا لم اعلم لماذا جاءوا بي اليه هو. انه ليس رئيسا ولا قاضيا ولا صاحب سلطان، ولكني علمت فيما بعد انهم قصدوا ان يضعوا له شركا. انهم ما كانوا يستطيعون ان يرجموني. لكن ليتهم فعلوا ذلك!

كان عاري نارا تلهب كل جزء في جسدي ونفسي. كنت واقفة في خزيي عارية امام الجميع، وكانت النظرات الشريرة تلتهمني. ان بين المشتكين علىّ من كانوا اشر مني، ومنهم من حاول معي في اول ايام نكبتي، ونت اذ ذاك في دموعي نقية اما الان فانا كتلة عفنة اقذر من الوحل!

على اني لمحت السيد، انه لا ينظر اليّ كما ينظر الاخرون وايضا رأيت العطف مجسما في وجهه، بل رأيت دموعا في عينيه، كان جالسا على درجة من درجات السلم القليلة الصاعدة الى الهيكل ، وكان منحنيا الى الارض يخط بيده سطورا لم اتبينها على الارض. كان صامتا فيما هم يتكلمون ويضجون، وظل صامتا .. فلما طال صمته عادوا يكررون كلامهم السابق: “يا معلم، هذه المرأة امسكت وهي تزني في ذات الفعل. وموسى اوصانا ان مثل هذه ترجم. فماذا تقول انت؟”.

واذ ذاك انتصب وقال لهم من منكم بلا خطية فليرمها اولا بحجر. هل ترى هل يجسرون ان يرموني بالاحجار التي في ايديهم؟ هل يجسرون وكلهم زناة  شيوخهم وشبابهم. نعم كلهم. ان ذنبي عظيم. لا اجد له مبررا، لن اقول ، الجوع او الوحدة او الضعف. كلا انا زانية. اثمة شريرة. انا استحق العار الذي انا فيه. انا لا ادينهم ولكن ضمائرهم دانتهم. لم تكن لهم ظروف تدفعهم نظيري الى السقوط، ولكنهم كلهم توحلوا في الحمأة، على انهم لم يمسكوا في ذات الفعل نظيري. ربي، انا لا ادينهم ولا ابرر نفسي. انا استحق العار الذي لحقني! اني استحق اكثر منه! استحق الموت!

لقد همس الشيطان في اذني ان اصرخ في وجوههم، بل ابصق على وجوههم. قولوا لي ايها المنافقون، هل جئتم تحاكمونني على شر انتم متوحلون فيه. ايها القديسون الزائفون ، لقد بعت جسدي لقاء لقمة لي ولصغيري. واما انتم فبعتم اجسادكم بلا ثمن. كدت اخضع لهمسات الشيطان لولا اني عدت لنفسي ورأيت بشاعة اثمي وفداحة جرمي. ومن انا المرأة التعسة التي امسكت وهي تزني بالفعل لتحم عليهم؟

على ان كلمة اليد كان لها تأثيرا عجيبا. لقد كشفتهم. لقد رأوا انفسهم عرايا. رأوا خزيهم مجسما امام اعينهم. والنتجة انهم تركوا احجارهم وتركوا المكان راكضين . كنت اراهم وهم يركضون . اما السيد فكان كأنه لم يلحظ شيئا لانه بعد ان قال كلماته انحنى الى الارض وكان يخط باصبعه في التراب. وبقينا نحن الاثنين وحدنا، النقاوة المجسمة في شخصه والنجاسة الممثلة في شخصي. الله والخطية!

فكرت ان اخرج مع الذين خرجوا ولكني لم استطع ان اتحرك. كنت احس ان في ذلك الرجل المنحني الى الارض قوة لا قبل لاعظم قوة ان تتحداها، نعم بقيت وحدي واقفة. ومن الغريب اني احسست امامه بأن ذنبي جعل يكبر ويكبر حتى ملأ المكان. احاطت بي خطيتي من كل جانب.

واذ بالسيد ينتصب ويقول “يا امرأة اين هم المشتكون عليك. اما دانك احد؟”

فقلت: “ولا احد يا سيد.”

فقال لي “ولا انا ادينك ” وصمت قليلا ثم قال “اذهبي ولا تخطئي ايضا”

سقطت على الارض قدامه. حاولت ان اقترب الى قدميه لاقبلهما، ولكني احسست انه لا يجوز لي ان ادنس قدميه بشفتيّ القذرتين . ظللت منكفئة على الارض. عاجزة عن الحركة. ولكنه مد يده واقامني ثم نظر الي نظرة مليئة بالدموع وقال اذهبي ولا تخطئي ايضا”.

في البيت

لا اعلم كيف عدت الى البيت. كلا. لا اعلم. ولكني حين عدت وجدت صغيري ممرغا في التراب وهو يبكي. جميع الاولاد اجتمعوا حوله وسبوه باقذر الشتائم وفتحت النساء نوافذ البيوت ومظرن بازدراء اليّ انا الزانيا التي امسكت في ذات الفعل – شتان بين نظراتهن ونظرته هو- اني اسامحهن فقد سامحني. لقد قال لي “وانا لا ادينك. اذهبي ولا تعودي تخطئ ايضا”. ومن انا حتى ادين؟ لقد سامحني بالاكثر، لقد عفا عن اشنع جريمة تأتيها امرأة فهل احقد انا بسبب اساءات صغيرة. كانت مسامحته اقسى على قلبي من الدينونة نفسها. ليته ركلني بقدميه. ليته نعتني بشر النعوت ولكنه سحقني بمحبته. لم يبق فيّ  شئ . ذاب قلبي وكذا لحمي . لم يبق من شئ. هل يمكن ان يكون هذا . ان ينظر اليّ نظرة المحبة المقدسة ، الحنان الطاهر، الغفران الكامل.

لقد احاطني جيراني بنظراتهم الكمحتقرة وشتائمهم القبيحة وسخريتهم اللاذعة . احاطوني بجحيم من الكراهية والازدراء ولكني سامحتهم. ليس في قلبي ضغينة ضد واحد منهم. لقد سامحني هو عن الكثير فهل عجيب ان اسامحهم على القليل؟ يا رب اغفر لهم كما غفرت لي!

يوميات مختار #6

تركت القلم – بينما كانت الطائرة تحلق فوق السحب الكثيفة – واسرعت نحو الانابيب. بدقة متناهية وتركيز شديد ولفترة دامت قرابة الساعة تمكنت اخيرا من وضع خلايا الدم البيضاء المنزوعة مع فيروس المرض لكلا الفأرين ثم اودعتهم بمنتهى الحرص داخل المحضن على درجة حرارة وضغط محددين بدقة.

جلست ارتشف القهوة بهدوء. الان سوف تتضح حقيقة قوة الخلايا المناعية وليس شكلها . فاما ان تقتل الفيروس وتنتصر او يقتلها الفيروس ويستعبد الباقي منها ويجعلها تعمل لحسابه وتنتج اعدادا لا نهائية منه فيتدمر الجسم تماما

ارتشف رشفة اخرى بينما ادون في جدول بعض البيانات توضح سير التجربة بدقة: درجة نمو الخلايا، شدة تعليمها ، تدريبها داخل جسد الفأر. تحدد تماما طريقة تعاملها مع المرض خارج جسم الكائن الحى. فالخلايا الصحيحة القوية المدربة تقتل المرض. اما من هي عكس ذلك فسيقتلها المرض ويدمر الجسم الذي تنتمي اليه تماما.

عندما كانت الخلايا في جسد الفأر الاول “أ” او السليم تغذت جيدا من غذائه وتعلمت كيف تقاتل الفيروسات في داخل اوكارها – اقصد الاعضاء – المناعية فاكتسبت القوة والخبرة ، ومن المفترض فيها ان تقتل الفيروس وترد عليه بقوة اكبر بكثير من الفأر الثاني “ب” الذي استؤصل منه الغدد المناعية.

هنا تذكرت ابطالي في مقصورة الطائرة فهرعت بقلمي لاجد ما لم اتوقعه تماما . فمختار متورط في حديث رومانسي مع تلك الفتاة الاجنبية والتي لا يعجبني تبرجها ولا ملابسها غير المحتشمة ولا طريقتها السخيفة في الحوار وتحررها الزائد.

لمحت في عيني مختار للاسف مشاعر الاعجاب والانبهار. كنت احاول اقناعه بأن تضييع الوقت مع مثل هذه الفتاة التافهة والانبهار بكمبيوترها المحمول “لابتوب” وبما يحويه من ملفات سواء صور او مقاطع فيديو وافلام لن يفيده في ارض غربته ، ولكنه كان مستغرق معها في الحوار بطريقة تعجبت معها وتساءلت من اين له هذه الطلاقة في الحوار؟ مع انني رسمت شخصيته في البداية لتوح بانه خجول مقل الكلام.

من الضجر كدت انسى ذلك ال “ي”   فألتفتت نحو الامامي لاجده يصغي بهدوء غريب عن طبعه – الذي وصفته من قبل – الى ما يقوله ارخني العزيز “فخري”، والذي صغت شخصيته وزودتها بالارشادات والنصائح الدينية والتي تحتاجها حياة مختار القادمة في ارض الغربة. ولكن للاسف فان كلماته تصب الان في اذني “ي” وانا واثق تماما انه لن يستفيد بكلمة واحدة منها.

دق جرس الهاتف. التقطت السماعة لاجد ان الذي يهاتفني اخطأ في الرقم.

عدت وامسكت القلم ولكن قبل ان اكتب كلمة واحدة دخلت طالبة من السنة الدراسية السابقة ، سألتني عن بعض المسائل في مقرراتها الدراسية. اجبتها بطلاقة. انا شخصيا ضد الدروس الخصوصية في الجامعة – وادينها بين الزملاء علانية في كل مناسبة تجمعنا، اصفها بانها غش مستتر وتدني ولكني لا امتنع في نفس الوقت عن مساعدة بعض الطالبات – مثل هذه الطالبة – كما لا امتنع عن قبول هداياهم الثمينة والتي يقدمونها لي لأنهم يعلمون مدى كرهي للدروس الخصوصية.

عند رحيلها التفتت للرواية لاجد ارخني الفاضل ما زال يفاضل بين الحياة الانجيلية في احضان الرب يسوع والحياة العالمية تحت براثن ابليس وبين انيابه. وبين النهايتان المتضادتان من ملكوت وامجاد وحرية وبحيرة نار وعبودية.

ثم اتبعها موضحا ل “ي” بأن الحرب الروحية صعبة في ارض الغربة فالخطية والشر منتشر وادنى انحراف او ميل قلبي كفيل بأن يضيع العمر كله.

هنا هز “ي” رأسه وكان مقتنعا بالكلام. وكاد ان يتكلم بما يشبه الموافقة. فخفت بأن اسمح له بهذا الرد. فمن الممكن ان تغيّر كلماته تلك من سير الاحداث او تحسن من موقفه في اعين القراء. فأملت القلم بسرعة للخلف نحو مختار محاولا نقله ليجلس في مقعده في الامام – ويا لخجلي وجدته غارقا حتى اذنيه في كلمات تلك الفتاة المستهترة. نظرت اليه بتعجب صارخا:

– ما خطبك يا رجل! ألم تحادث فتيات من قبل؟

ولكنه لم يسمعني فقد كان غائبا في عالمها ويتتبع شاشة كمبيوترها بتركيز ويستمع لحوارها بانقياد كبير. مصدقا اياها في كل كلمة تقولها. وعندما يستطيع التقاط انفاسه والرد عليها، كانت كلماته تخرج واهنة جدا، تنم عن مشاعر كبت واستسلام تام لمنطقها المغلوط للاسف.

ما هذا الذي يحدث.. غضبت وقررت ان اتدخل وامسك انا بزمام الامور وتوجيهها نحو الجهة التي اريدها. يجب ان اجد وسيلة لالقاء هذه الفتاة المنحلة بعيدا عن “مختاري” ووضعه بجانب السيد فخري “الارخن المبجل” حتى ينهل من خبرته الروحية وحياته التقوية الطويلة. بدلا من تلويث مسامعه بكلمات تلك الفتاة الغريبة التي لا اعرف من اين هبطت ولماذا لم تجلس منذ البداية بجانب “ي” وتريحني.

عقدت العزم على الايعاز لتلك المضيفة التي تمر الان بين المقاعد ، بأن تقوم هي بعملية التغيير هذه وتصحيح اماكن جلوس المسافرين. كان “ي”في تلك اللحظة يرد : نعم يا سيدي كلامك صحيح. اي تفكير منطقي يقارن بين طريقين متضادين-طريق الله وطريق ابليس يصل الى تلك النتيجة بسهولة، ولكن كيف يكون تصحيح المسار لمن ضل زمنا طويلا؟

قال فخري بابتسامة لها القدرة ان تشيع السلام في وجه اي شخص ينظر اليه:

– التوبة. فالتوبة تستطيع ان تشفي جرح الخطية. التوبةُ تجعل الزناةَ بتوليين، كما تنظف الوعاء الذي علاه الصدأُ.  إنها تجتذبُ الخطاة من اماكن الدنس ليشتركوا في عملِ الملائكةِ. هي تَدخلُ إلى مخادع الزناة، وتلدهم من حضنها بتوليين للمسيحِ.  بيدها وضعت مفاتيحَ ملكوت السماواتِ، فكلُّ من أحبها وعشقها جعلته أميناً. سمُّ الموتِ واللهو بيد الشيطان، أما التوبةُ فهي ترياقُ الحياةِ بيد اللهِ.  وكلُّ من سبق وشرب من كأسِ القاتلِ، يتقدم ويشرب من كأسِ المحيي للكلِّ، فيعيش بلا نهايةِ.

– ولكني اعتقد ان التوبة امر ليس سهلا، فهي تحتاج لدموع وسهر وكل هذا جهاد لا اجد في نفسي قبولا له او القدرة على ممارسته.

– التوبة لا تحتاج سوى الرغبة القلبية الصادقة والامانة في طلب نعمة وقوة من الله. نعم، ان اعتمدت على ذاتك لن تنجح ولكن ان طلبت من الرب حتما يستجيب لأنه وعد بذلك. ما عليك سوى ان تردد ما قاله ارميا النبي قديما في (ار31: 31) “توبني يارب فاتوب”.

تابع “ي” بتأثر:

– هل تعلم يا سيدي بانني لم اكن سيئا هكذا في الماضي.ولكن التردي في الشر يمكن ان يكون بسرعة البرق.

ربت فخري بيده على يد “ي” بحنان وحب شديد وهو يقول:

–  وكذلك اشراقة نور المسيح في القلب يا ولدي تضئ مثل البرق ايضا. الا تذكر ظهور الرب لشاول الطرسوسي في طريق دمشق.

– نعم، ولكن تغيرا عظيما مثل هذا صعب.

– طبعا صعب، فالحياة مع الله تتطلب جهاد وتعب ولكن هناك ايضا النعمة التي تعين الانسان في جهاده.

اطرق “ي” برأسه:

– ولكن لا تنسى يا سيدي ان ابليس يحاربنا.

في تلك اللحظة اقتربت المضيفة ملفتة انتباه “ي” انه لا يجلس في مقعده. فرحت جدا فأعصابي لم تعد تحتمل حديثهما. فاذا كنا ونحن بعد في الطائرة يرفض الالتزام بالنص المكتوب فماذا سوف يحدث عندما يصل الى امريكا؟

ولكن للاسف لم تجدي كلمات المضيفة نفعا، لأن “ي” اقنعها ان بقاءه على هذا المقعد بجوار “فخري” لا يسبب للسيد “مختار” اية مشكلة والا كان قد اعترض منذ بداية الرحلة- وفعلا – بنظرة واحدة من المضيفة الى استغراقهما في الحديث معا تركتهما، ومضت ومضت تتفقد باقي الركاب.