يوميات مختار #7

كدت اجن من “ي” لأنه بدأ في مقاومة فكرتي لتطور الاحداث، فها هو قد تأثر بكلام الارخن وبدأ يتوب، بسرعة قررت ان افعل اي شئ حتى امنع تدمير قصتي، وذلك بأن لا اعطيه اية فرصة لتجديد حياته وبالطبع تغيير سير الاحداث الذي قررته منذ بدأت في كتابة القصة. قررت ان اصيبه بمغص حاد، ويبدو انني ضغطت – نظرا لشدة غيظي منه – على وصف المغص بالشديد القاسي فاحتاج “ي” لتلقي بعض العناية الطبية بالطائرة. فاراحوه ، واعطوه دواءا مسكّنا في غرفة المضيفين بالخلف، لانه كان يتلوى من الالم.

فرحت وقلت في نفسي: ربما هذا عطّله قليلا حتى اجد حلا لهذه المشكلة التي لم اضعها في الحساب، ولكن ما العمل اذا زال المغص وتابع عملية التغيير وتدمير قصتي؟ فلم اجد بدا من اقتحام “غرفة المضيفين” بقلمي مهما كان الموقف محرجا.

كان “ي” يتلوى من الالم، قررت ان ابث فيه روح الكبرياء والرفض لما سمعه من استاذ فخري من كلمات روحية، لكنه لم يستجب. لذا قررت ان اسفّه واسخر من سرعة اقتناعه بكلماته، فكيف يحدث هذا فجأة؟ كيف يتحول من منحرف في صالة الترانزيت الى ان يعود بقلبه الى الله في مقصورة الطائرة؟ ولكنه لم يعر افكاري اهتماما بل رد بكلمات متقطعة غير مفهومة من شدة الام المغص مثل نية القلب، مشاعر التوبة الحقيقية، الرغبة الصادقة في الحياة مع الله.

غمغمت: نعم ؟! ماذا تقول؟ نية القلب.. فهذه هي غلطتى من البداية، لقد اهتممت بتشويه شكله الخارجي فقط ولكنني لم التفت الى استعداد قلبه ، فربما كان به بصيصا من الايمان. ولكن لماذا الحزن ؟ المسألة بسيطة جدا وما تزال تحت السيطرة ، سوف اعبث بمشاعر قلبه البسيطة تلك، واقلبها، انها عملية سهلة.

ولكن قبل ان اوجه قلمي لقلبه لكي اصيغ الكلمات المناسبة وجدت “ي” يرفض ادنى تدخل مني في نية قلبه. يرفض بصلابة عنيدة.

تفكرت: من اين اتى هذا الهش بتلك الصلابة؟! من اين له هذه القدرة على المقاومة؟! وابتسمت ساخرا وكلي اسى وانا اقارن في ذهني بين موقفه الصارم تجاه افكاري المحبطة، وبين موقف مختار المتخاذل امام تلك الفتاة المتحررة.

ولكن يجب ان يكون هناك حلا. يجب ان اوقف هذا ال “ي” .. يلزم ان اتدخل انا مباشرة واكلمه وجها لوجه.

صرخت فيه بحدة :

– اسمع يا “ي”. لن اسمح لك بتغيير احداث القصة وشغل مكان بطلي “المختار” فانت قد وضعت في هذه القصة اصلا لاظهار عظمته وليس لسرقتها منه. اتفهم؟ ..

اجاب وهو يتلوى من الالم وتقريبا غائب عن الوعي:

– لا ادري يا سيدي ماذا تريد مني؟.. و لا افهم ما تقوله؟ .. ولكنني اعلم شيئا واحدا، اني كنت اعمى والان ابصر الوضع المريع الذي كنت فيه ، وبصدق اريد ان اتوب.

فقلت بعصبية:

– هذا ليس شأني. فانت لا تهمني على الاطلاق. وقصتي مركزة على “مختار”. مختار فقط، اتسمعني؟

صرخ وهو لا يزال يتلوى:

– وانا ؟.. ألست انا وليد افكارك ايضا؟ فلماذا لا تهتم بي وبخلاص نفسي ايضا؟

تنهدت وقلت متفكرا:

– ربما في قصة اخرى.. ولكن ليس الان.

صرخ “ي” بتظلم:

– لا، هذا ليس عدلا!

اثارتني كلمته فاصبحت اكثر حنقا عليه وقلت بلهجة فيه الكثير من التعالي:

– كيف لك ان تجاوبني هكذا يا ولد؟ انا الذي صغتك، وقصة حياتك من بنات افكاري، ويجب ان تنفذ ما اكتبه حرفيا والا فاني استطيع بجرة قلم قصيرة وبكلمات اقصر ان انهي دورك في القصة نهائيا. اتعي ما اقوله؟

بكلمات تخرج هامسة وبانفاس لاهثة واهنة تمتم:

– الله عادل حقا، ولكنه رحيم ايضا! ويعلم خفيات القلب ولن يسمح لك ان تعبث بمصيري ومصير اولاده هكذا.

ابتسمت ساخرا وقلت:

– اولاده؟ ما شاء الله! اتتكلم انت عن الله وتنسب نفسك اليه ، وتحسب نفسك انك من ابنائه؟ يا لك من وقح! انت انسان خاطئ.. اتسمع؟ خاطئ. ولا تستحق لقب الابن هذا! الخطاة امثالك يلقون خارجا مع الكلاب!

ثم سحبت نفسي مع القلم من الغرفة وغادرت الطائرة.

خيّل لي وانا اضع علامة التعجب بعد كلمة “الكلاب” انه كان يتمتم بما يشبه :

حتى الكلاب ايضا تقف تنتظر ان تأكل من الفتات الساقط من موائد البنين.

اغتظت منه ، فلقد عرفت الى ماذا يشير، وكدت اعود اليه ولكن لم يكن لديّ الوقت الكافي لاضيّعه في نقاش مع هذا الفتى السخيف. هرعت بقلمي بسرعة نحو مقاعد مؤخرة الطائرة، وقبل ان اقوم بحمل “مختار” عنوة من مجالسة تلك الفتاة السخيفة واجلاسه بجوار الارخن الفاضل”فخري” عنوة، فوجئت ان الدكتور “عادل حنين” يقف امامي مباشرة.

القيت بالقلم ونهضت بسرعة مصافحا ومعتذرا باني لم اتمكن من رؤيته اثناء دخوله المعمل لانشغالي. ابتسم مقدرا ظروفي، ثم سألني عن سير التجربة، فطمأنته، لكنه طلب مني مراجعة نتائج بعض التجارب فاسرعت لاحضارها من مكتبي.

وعند عودتي وجدته ممسكا باوراق القصة ويطالعها باهتمام. فتنحنحت خجلا. فرفع عينيه نحوي بحزم وجدية ولم يلتفت نحو نتائجي بل سألني مباشرة وبوضوح شديد وصارم :

– هل تريد ان تقول لنا في قصتك هذه ان الشاب “ي” هذا هو نفسه “يهوذا الاسخريوطي” الذي بعد ان اسلم المسيح لليهود مضى وشنق نفسه؟

فقلت متصنعا الابتسامة:

– بالطبع لا!. ولكني اخترت الاسم “يهوذا” لكي يعبر عن الخيانة والنهاية المؤسفة للخطاة الذين لا توبة لهم.

فاعاد دكتور “عادل” السؤال بحزم اشد:

– وهل شنق الشاب “ي” بطل قصتك نفسه؟

قلت:

– لا، ولن يفعل!

فسأل مستفسرا:

– وهل يئس من موقفه الخاطئ واستسلم للشيطان في قنوط وفقدان للرجاء في عمل الروح القدس فيه؟

فصمت واومأت برأسي بالنفي.

استطرد الدكتور عادل قائلا:

– انني ارى انه يصارع ويجاهد من اجل الرجوع الى الله ويغيّر من نفسه وسلوكه، وانت الذي تضع العراقيل امامه.

فقلت متعجبا:

– يا سيدي انه “يهوذا الخائن” بائع سيده.

فرد بسرعة: ولكنه ليس “يهوذا الاسخريوطي” اليائس والذي لا توبة له. اسمع يا ابني! القديس بطرس الرسول انكر وكذلك يهوذا خان ولكن الفرق ان بطرس كان لديه رجاء وبكى بكاءا مرا نادما. فرده المسيح الى مرتبته الاولى واما يهوذا فيئس وخجل خجلا مريضا من خطيته وكتمها ومضى مستسلما للشيطان وشنق نفسه، وعندما انهى حياته لم يعد لديه فرصة للتوبة فنزل الى الجحيم هالكا. الفرق واضح وكبير بين يهوذا الاسخريوطي و “ي” الخاص بك، فحياة الاخير لم تنتهي بعد وهو يريد ان يتوب ويتغيّر..

فقلت مقاطعا:

– ولكن مختار افضل منه. وانا قد اعددته لمكانة سامية، وهو بطل قصتي من البداية، اما “ي” هذا فهو ابن الهلاك، وللهلاك سيدعى.

رفع الدكتور يده مقاطعا، وقال بحزم شديد لم اره فيه من قبل:

– انتظر، ولا تحكم الان – قبل الوقت – فالسيد “مختار” كما يبدو قد يخفق في الاختبار.

فقلت بتأكيد ممزوج بالكبرياء:

– لا، لن يحدث هذا فانه مختار ولا يمكن ان يرسب في الامتحان مطلقا.

هز دكتور حنين رأسه متابعا كلامه بأسى شديد:

– الم تسمع ابدا كلمات الرب يسوع “انه في الايام الاخيرة سيضل ولو امكن المختارين ايضا”، وان هناك “اولون سيكونون اخرين واخرون اولون”. المهم نتائج الامتحان، ماذا سيفعل في صراعه مع الخطية التي تقاتله؟ هل سيقاوم وينتصر ثم يكلل ام سيهزم ويستسلم لها ويخسر كل شئ. لا تركن يا بني على انه “مختار” وابن لابراهيم، فالله قادر ان يقيم من الحجارة اولادا لابراهيم.

كنت غاضبا وقلت بنبرة واثقة مؤكدة:

– يا دكتور عادل، ان “ي” منحرف وقد امضى عمره كله بلا ادنى التزام نحو الله ونفسه والمجتمع، اما “مختار” فكان خادما ملتزما في الكنيسة. فكيف يتساويان؟

نظر الى بثقة وهو يحصى الاسماء على اصابع يده الثلاثة:

– اسمي الكامل هو “عادل”، “عارف”، “حنين”. أليس كذلك؟.. لا تحكم بحسب الظاهر بل احكم حكما عادلا، وبما انك لا تعرف دواخل القلوب فلن يكون حكمك منصفا. الرب وحده يعرف فهو “وازن الارواح” و “فاحص القلوب والكلى”. اترك الاحداث تستمر ودعهما يتصرفان معا ولا تستبق الاحداث وتحكم على ردود الافعال الاولية، فالتجربة الحياتية – ان صح التعبير – مثل مباراة الشطرنج الطويلة قد تخسر بعض القطع المهمة في البداية بل وقد يقال لملكك “كش” عدة مرات ولكن العبرة بالنهاية ، من سينتصر؟ من سيحتفظ بملكه الى النهاية؟ اذن لا يهم كم خسرت ، كم سقطت، كم ارتكبت من خطايا في الماضي او كم اضعت من وقت. المهم هو ان تنهض وتقوم وتعود الى ابيك معترفا بذنبك وطالبا الغفران، فالمسيح حي وهو ملك الملوك وينتظر عودتك وسيستقبلك من خارج البيت بعيدا حتى ينتشلك وتحتضنك يداه، سيغير من وضعك ويعيدك ثانية الى بنوته ويفرح بانتصارك ويشركك في وليمته فرحا لعودتك ونجاتك قائلا لك: اليوم تكون معي في الفردوس. اذن اترك التجربة تستمر بهم و لا تتدخل في النتائج. فان الباحث الامين يسجل ما يحصل عليه من نتائج فقط ، لا يغيرها ولا يعدلها لتوافق ما يظن او يبتغيه هو. فهذا يسمى غش وتزوير وعدم عدل. أليس كذلك؟

اومأت برأسي موافقا بخجل شديد.

Advertisements