اغتصاب الحب

بدأت اجراس دير القديس برسوم بانطاكيا تدق بلحن حزين اليوم كله، وتسلل الشعب الانطاكي في خطوات سريعة نحو كنيسة الدير. لقد ترك الكل اعمالهم، حينما علموا الخبر، وملامح اليتم بادية على وجوههم، وازدحمت مداخل المدينة بافواج من الاباء المطارنة والاساقفة والكهنة والشمامسة والرهبان مع حشود ضخمة من الشعب قادمين من كل حدب وصوب يبكون الاب الروحي ديونيسيوس بطريرك انطاكيا وسائر المشرق.

اضطر شمامسة الكنيسة امام هذا الزحام الرهيب ان يقوموا بتنظيم الدخول الى الكنيسة ، فقد اجلسوا الجثمان المقدس مرتديا الثياب الكهنوتية كاملة على الكرسي الرسولي امام المذبح الالهي. وقد وضعوا صليبا في اليد اليمنى للبطريرك الراحل وعصا الرعاية في اليد اليسرى. وكان المؤمنون يدخلون كل في دوره ليسجد في خشوع امام المذبح ثلاث مرات بقلب منسحق لكن في تسليم كامل لمشيئة الله، ثم يرجع ليقبل الكتاب المقدس ثم صليب البطريرك ويمينه. طالبا بركة صلواته وسائلا النياح لنفسه، ثم يخرج ليترك المجال لغيره. وهكذا انقضت ثلاثة ايام حتى حان موعد الصلاة الجنائزية.

بدأ اقدم المطارنة الصلوات الجنائزية بالصلاة الربانية وارتفعت صلوات الشكر لله صانع الخيرات، وقد تلتها مزامير التسبيح مع قراءات معزية من الكتاب المقدس تكشف عن قوة القيامة والحياة الابدية.

ارتجل اقدم المطارنة كلمة خرجت من اعماق قلبه، عبر فيها عن مشاعر رجال الكهنوت والشعب من اجل ما حل بهم بنياحة اب الاباء وراعي الرعاة، واطال الحديث عن فضائل الراحل مؤكدا ان حبه لن ينطفئ ورعايته لن تتوقف حتى بعد رحيله، فهو ان كان قد خلع الجسد فانما لكي يخدم على مستوى ملائكي روحي سماوي. خدمة الصلاة والشفاعة امام العرش الالهي. واخيرا ختم كلمته بشكره مندوبي ووفود الكنائس الذين جاءوا يشاركون كنيسة انطاكية الامها.

واذ اختتمت الصلوات حمل الاباء الكهنة ابيهم على كرسي وصاروا يطوفون به داخل الكنيسة، في موكب كنسي رهيب، وقد تدفق الكثيرون وتدافعوا يريدون تقبيل البطريرك الراحل.

اخيرا دخلوا به الى مقبرة الاباء البطاركة بجوار مذبح كنيسة الدير. وبقى هكذا حسب الطقس جالسا على كرسي يحمل صليبه وعصاه، لا يرقد في صندوق- وكأنه لا يزال حيا يعمل في كنيسة الله، فقد انضم الى البطاركة السابقين يشترك معهم في الرعاية من خلال صلاته من اجل اولاده بل ومن اجل البشرية كلها.

البطريرك الحزين:

كانت الايام تمر على الكهنة والشعب الانطاكي كأنها سنوات طوال، الكل يترقب كيف سيتم انتخاب البطرك القادم؟ ومن سوف يكون؟ كانت الصلوات ترتفع من الحناجر بحرارة، حتى الاطفال اشتركوا في الصلاة، واقيمت القداسات من اجل هذا الامر.

انعقد المجمع المقدس ، حضره الاباء الساقفة وان كان قد تغيب جاثليق (رتبة اعلى من الاسقف واقل من البطرك) العراق الانبا توما والاساقفة التابعين له، اذ لم يعلمه المجمع المقدس بسبب خلافات سابقة نشبت بينه وبين البطريرك الراحل.

على اي الاحوال، عرضت اسماء المرشحين للبطريركية في جلسة مغلقة، وما انظهر اسم الاب يوحنا حتى اظهر الكل استحسانهم وظهرت علامات البهجة على وجوههم. ولم تمض الا لحظات بسيطة حتى خرج اقدم الاباء المطارنة ليعلن على الملأ خبر اجماع المجمع على تنصيب الاب يوحنا بطريركا. كان للخبره اثره المفرح على قلوب المؤمنين، اخيرا تحول حزنهم الى فرح.

في يوم التنصيب انطلقت اجراس الكنائس تعلن فرحة الشعب بتنصيب الاب الجديد. وقف المرشح حانيا رأسه نحو الارض والدموع تنساب من عينيه. وقد ارتسمت امام عيني ذهنه صور كثيرة: تارة يرى نفسه امام الله، الراعي الاعظم يطالبه بتقديم حساب وكالته ويسأله عن دماء الذين اهمل في رعايتهم فهلكوا. واخيرا يرى نفسه راكا امام المذبح ليحمل الرب عن كاهله اتعاب الرعاية. وقد تحولت اتعابه الى اكاليل مجد.. ثم تارة يعود بذاكرته الى حياته الاولى حين خرج من العالم وقد وضع في قلبه الا يعود اليه ثانية، ويرى نفسه بين اخوته الرهبان وقد كرس كل حياته للصلاة والتسبيح.

وسط هذه الافكار الكثيرة التي حاصرت ذهنه وجد الاب يوحنا نفسه ملتزما ان ينسحب عن هذه الافكار ولو الى حين ليرفع قلبه لله مشتركا مع الاباء في صلوات القداس الالهي، حتى اذا ما حانت لحظات حلول الروح القدس تقدم اقدم المطارنة الى حيث الاب يوحنا ليبدأ صلوات التنصيب.

نسى كل الحاضرين ما كان يلزم ان يتم في هذه اللحظات وهي ان الجاثليق هو الذي يتقدم المطارنة والاساقفة ولكنه لم يكن حاضرا، اذ ان المجمع المقدس لم يشركه في امر اختيار البطريرك الجديد، ولا اعلموه بموعد التنصيب، لكن فرحة اختيار الاب يوحنا انستهم هذه المشكلة تماما فتم التنصيب دون السؤال عن الجاثليق.

سأل اقدم المطارنة الاب يوحنا قائلا:

“اختارك الروح القدس بطريركا لانطاكية وسائر المشرق، فهل تقبل؟”

صمت الاب قليلا، وفي صوت خافت والدموع تنساب من عينيه اجاب: نعم

عندئذ تقدم كبير المطارنة وقبل يمينه وفي لحن سرياني جميل وطويل انشد الكل:

“طوبى للعبيد الامناء، اذا جاء سيدهم ورآهم يصنعون مشيئته”

اذ انتهى اللحن السابق احضر الاباء عصا الرعاية وتقدموا بها امام مائدة الحياة، بينما انطلقت الكنيسة تهتف بلحن سرياني قصير:

“ليعط الرب عصا العز من صهيون لتتسلط على اعدائك (الروحيين) وترعى بني شعبك”

***

لا.. لن يستريح قلبي:

بعد انتهاء الصلوات بقى الاب يوحنا الخامس وسط رجال الكهنوت وشعبه ساعات طوال يتقبل تهنئاتهم.. بعدها دخل الاب قلايته بالبطريركية واغلق بابه، وهنا دارت الدنيا به، وارتمى ارضا، وبالكاد رفع رأسه ليسندها على الكرسي وبدأ يتمتم بكلمات غير مسموعة. كان قلبه يلتهب نارا، يصلي من اجل كل احد، لكنه فجأة بدأ يناجي نفسه:

ماذا افعل مع الجاثليق؟

لقد تجاهله المجمع المقدس تماما في امر اختياري وفي تنصيبي!

هل يستريح قلبي، وهذا الاب في حالة تعب شديد؟

ماذا افعل مع هذا الاب المعروف بشدته؟

ان انشقاقا يحل بالكنيسة لا محالة وانا اكون السبب.

لا.. لن يستريح قلبي ان لم يسترح قلب الجاثليق!

اني اب وملتزم بعلاج الموقف.

صلى بدموع غزيرة، ولم تمض الا ايام حتى طلب انعقاد المجمع المقدس، حيث اعلن لهم انه قد سمع عن انشقاق الجاثليق عن الكنيسة بسبب تنصيبه بطريركا دون وجوده. وبروح متضعة طلب منهم المشورة، لكنه اذ رأى ان بعض الاباء في ثورة ضد الجاثليق طلب منهم بلطف وباتضاع ان يصلوا عنه، وان يسمحوا له بعلاج الموقف كما يرشده الرب. في محبة كاملة وثقة وافقوا.

اخيرا انصرف كل مطران واسقف الى ايبارشيته، اما هو فدخل مخدعه يصلي.

الراهب الغريب

قبل ان تبدأ صلوات القداس الالهي في تكريت، دخل راهب سرياني الى الكنيسة بلباس رخيص، يبدو انه قادم من طريق طويل، فقد ظهرت عليه علامات الارهاق الشديد، كما امتلأت ثيابه بغبار الطريق. احنى الراهب رأسه نحو الارض وهو يسير بخطوات جادة بطيئة حتى الى الهيكل، حيث سجد ثلاث دفعات وهو يصلي ثم رشم الصليب. عندئذ قبل الانجيل والايقونات المقدسة، واخيرا وقف امام الجاثليق وضرب ميطانية حتى الارض، ثم قبّل الصليب الذي بيده، وهو يقول: صل عني يا ابي، فاني خاطئ. ثم انضم الى صفوف الرهبان يشترك معه في التسبيح والالحان.

لم يلفت هذا المنظر احد، فقد اعتاد بعض الرهبان ان يأتوا الى هذه الكنيسة لغرض او اخر.  لكن وقوف هذا الراهب الغريب بخشوع واستقامة ونظراته الوديعة وترنمه بروحانية سحب قلب الجاثليق وكل الحاضرين حتى استدعاه الجاثليق وسأله عن اسمه وعن ديره، ثم سأله ان كان يبقى معه في الكنيسة، فاجاب الراهب: اني غير مستحق يا ابي الجاثليق ان اجد هذه النعمة في عينيك”.

اذ جاء موعد الغذاء اجتمع الجاثليق مع الاباء الكهنة والرهبان وعرفهم بالراهب الجديد، فرح الكل به. وبعد الطعام، وينما عرفوا انه قادم من انطاكية بدأوا يسألونه ان كان يعرف البطريرك الجديد، اجابهم:

“اني اعرفه، انسان بسيط”.

سألوه ما موقف المجمع المقدس، اما هو فاجاب اني لا اتدخل كثيرا مع اعضائه، لكنني على ما اظن وما سمعت ان الجميع يشعرون بندم، ويشتهون لو وجدوا الوسيلة للاعتذار للاب الجاثليق واساقفته.

استطاع الراهب بلطف وحكمة ان يحول دفة الحديث بعيدا عن المشكلة، وصارت الجلسة روحية رائعة.

وجد الراهب نعمة في عيني الجاثليق والكهنة والشعب حتى تحولت قلايته التي اعطاه اياها الجاثليق في دار المطرانية الى قاعة اجتماعات روحية دائمة.

كان الجاثليق في ليال كثيرة يفتقد الاب الراهب ليجلس معه. يتحدثان معا حول كلمة الله، وسير القديسين، والترنم بالتسابيح الكنسية. كثيرا ما كان يتحدث الاب الجاثليق مع الراهب عن بعض المشاكل الكنسية والراهب في اتضاع ورقة يجيب بكلمات تطيب خاطره.

لم تمض الا ايام قليلة على قدوم هذا الراهب حتى ول نبأ نياحة الاب جرجس مطران ارض العرب التابعة للجاثليق، فحزن الاب الجاثليق عليه جدا، واضطر ان يترك تكريت ليرأس صلاة التجنيز. وهناك بدأ الشعب يسأله عمن يحل محله، فاجابهم ان لديه راهب من انطاكية يصلح لهذا المركز.

سرعان ما انتشر الخبر ،حت اذ عاد الجاثليق ورفقائه كان الخبر قد ملأ تكريت، فجاء الكهنة وكثير من الشعب يهنئون الراهب على سيامته مطرانا ويعلنون اسفهم الشديد على تركه اياهم.

اسرع الراهب الى الاب الجاثليق يعزيه في انتقال المطران، فربت الجاثليق على كتف الراهب، وهو يقول له: “ان عزائي الوحيد ان الله يسندك في مهمتك الجديدة!” عندئذ بدأت الدموع تنهمر من عيني الراهب وهو يقول: “حاللني يا ابي فاني لا اصلح لهذا المنصب”.

“انا اعرف انك انسان متضع، والرب يعمل فيك من اجل اتضاعك. اني واثق ان الرب الذي وهبك هذه الايام القليلة نعمة في اعين الجميع يعمل فيك ايضا بعد سيامتك، وستكون بركة لكثيرين”.

عندئذ ضرب الراهب ميطانية امام الجاثليق حتى الارض وهو يقول:”يا ابي سامحني، اني اريد ان اكون لك تلميذا. اني محتاج الى بركتك. اعفني من هذه السيامة”.

حاول الجاثليق ان يقنعه بكل الطرق فلم يفلح، اخيرا سأله الراهب: “اسمح لي يا ابي ان اعترف لك، فانك لا تعرفني جيدا. ان كان احد قد اخطأ فماذا يفعل؟”

فكر الجاثليق قليلا وادرك ان الراهب يعترف بخطية معينة يظن انها تعوقه عن السيامة فاجاب: “ان الله محب البشر، وغافر الخطايا يا ابني”.

لم يحتمل الراهب الموقف، فبكى بشدة، وهو يقول “با ابي، اني اخطأت كثيرا في حق الله وفي حقك”.

اخذ الجاثليق يربت على كتفي الراهب وهو يقول : “لا تقل هذا فاني احبك”

عندئذ صنع الراهب ميطانية وهو يقول: “اتغفر لي يا ابي؟ انا عبدك البطريرك يوحنا الذي قبلت التنصيب دون استشارتك ودون نوال بركتك”

لم يحتمل الجاثليق الموقف بل ارتمى على عنق اللاب البطريرك يبكي بمرارة، وطالبا الصفح عن كل تصرفه صدر منه او كلمة خارجة جارحة خرجت من فمه ضده.

القمص تادرس يعقوب ملطي

يوميات وحيد #6

westnewyorkgirl

وخرج وحيد فركب سيارته ومضى الى مكان خال ليتنفس الصعداء به، لقد شاء فترة من الراحة بين رحاب الطبيعة الساحرة وقلب النظر يمنة ويسرة وفي كل صوب واتجاه يتنشق الهواء العليل بسرور وابتهاج. واستل من حقيبته ورقة ليداعب افكاره، فتناول القلم وراح يكتب:

انا الان اجلس وحدي. المناخ معتدل والطقس منعش لطيف يبعث في النفس صحة ونشوة. انشرح صدري لان جمال الطبيعة يفرض نفسه على المرء فرضا. الطبيعة دائما لها مسحة من الجمال لا يحسن التعبير عنها الا الشاعر ولا يراها الا كل متأمل. وانا الان مسحور بجمالها، فالسماء والارض والهواء والجبل والشجر ايات من الفن الجميل. هنيئا لمن يستطيع ان يرسم لوحة فنية لهذه المناظر الخلابة، او ينظم قصيدة في وصفها.

وجد نفسه مدفوعا للتفكير في حديثه السابق مع بيير وجانيت بخصوص الزواج فراح يكتب:

“الموضوع مطروح عليّ. انما لم ينضج. اميل الى الجميلات المتعلمات. انما فوجئت اليوم بفكرة اخرى: “المرأة الفاضلة من يجدها؟ هل الزواج حاجة جسدية وفى؟ الحقيقة هي ان الزواج ابعد من الحاجات . الرجل يشقى في الحياة، والمرأة تخفف من وطأة شقائه وويلات حياته. والمرأة تحمل الزوج كصليب، والزوج مصلوب ايضا. وكيف يتحمل الاثنا بعضهما البعض كصليب دون المحبة؟ فهما في الفضيلة دون ان يدريا، والمحبة هي سدى ولحمة زواجهما. لولا المحبة والفضيلة لما استطاع زواجهما ان يصمد امام تقلبات الحياة.

الزواج صليب والصليب حلو، لانه رمز وحياة. رمز لاعظم حب عرفه الانسان – محبة الفادي للانسان، وحياة واقعة لابد ان تعاش، كل احتكاك يومي بين اثنين ذو حلاوة ومرارة. ولكن الحب الزوجي وقدوم الاطفال يغلّب الحلاوة.

الزواج حلاوة، وقلب الزوجين يختلج على الدوام: من نظرة، من كلمة، من فكرة، من موقف، من ملاحظة يبديها احدهما للاخر ، من دمعةن من حركة وجه او يد، من اطراقة فكر او  او او الى ما لا نهاية

وحيد #1

star

كانت صفحة البحر ساكنة تتألق تحت اشعة الشمس الغاربة الذهبية، وراحت الباخرة تمخر عباب البحر بكبرياء وفي كل ثانية يبتعد فيها عن اطلال الكوخ الذي ترعرع فيه في طفولته البائسة وكان يدفن في الزمن الهارب قطعة من ذاته.

اتكأ جميل على الافريز يتأمل في الامواج المتلاطمة في غسق الغروب واستغرق في ذكرياته. انه الان في التاسعة من عمره، وقد خطّ ازميل الحياة على جبينه بعض الخطوط الواهية المتغضنة المثقلة بالاحزان، وسرى في محيّاه شحوب خفيف قلما تشاهده في الوجوه الفتية. خيل اليه انئذ ان وطنه اثمن من كل ما في الوجود من كنوز.. جلس قرابة الساعة مستغرقا في افكاره.. واخيرا مضى نحو قمرته بخطى متثاقلة كمن يجر خلفه متاعب الحياة.

في طريقه التقى بطفلة صغيرة تبكي.. ادرك انها تبكي لانها فقدت والدتها. اخذ يربت على كتفها بحنان بالغ.. تطلعت اليه الفتاة الصغيرة بعينين خائفتين تترقرق فيهما الدموع وقالت بصوت متهدج:

– لقد ضللت طريقي.

فحاول ان يبتسم واجاب بصوت مضطرب:

– ما اسمك؟

فاجابت بنبرة وجلة:

– اسمي مي.

ولكن ها هو الماضي يطارده حتى انه لا يكاد يصدق ان ما يراه امامه هو صورة مصغرة من هانا الفتاة التي احبها ولكنه لم يوفق في الارتباط بها.. وفجأة توقفت الفتاة عن النشيج فجأة. كانت الطفلة قد لمحت والدتها التي كانت تبحث عنها بجزع على ظهر السفينة.

وتشوب محياه مسحة من الاسى.. ما اشد الشبه بين الام وابنتها انها تكاد تكون نسخة مكبرة عن طفلتها بل ما اشبهها بهانا، تلك الفتاة التي احبها من صميم قلبه وكان يحلم بالزواج منها ولكن حال القدر بينه وبينها..

ملائكة وشياطين

cxj5xcpvaaawwo7

نحن في ريف فرنسا نحو عام ١٩٠٠م. بين اسرة ريفية صغيرة مكونة من اب مزارع اسمه فيركور وزوجته الطيبة وبنتاه ، الكبري تدعى فيولين والصغرى مارا. كان احد المهندسين ويدعى بيير قد نزل حينا في ناحية كومبرنون الريفية بشمال شرق فرنسا حيث يقام احد الجسور على النهر، وكان يتردد من حين لاخر على اسرة فيركور. والان وقد فرغ من مهمته فهو يتأهب للرحيل.

نشأ بين فيولين وبيير شئ اشبه بالتيار الكهربائي .. اهو الحب؟ لا. لم يكن الحب، لأن الفتاة فيولين البسيطة تحب شخصا اخر، لقد كانت تحب جارها الفلاح البسيط الشاب جاك هوري وتأمل في الزواج منه. ولكن الفتيات في ريف فرنسا كالفتيات في اكثر ارياف الدنيا، يكتمن عواطفهن ولا يخترن الازواج انتظارا لقرار الاب والام. ثم ان بيير كان يكبرها باكثر من  عشرين عاما… ومع ذلك فقد كان بينها وبينه سر كاسرار الروح التي لا تعرف ولا يباح بها. كان قد وعدها بلقاء اخير قبل رحيله الى مقر عمله الجديد ليودعها. وحين  لم تره لم تنم الليل بل سهرت في ثيابها كاملة بعد ان هجع كل من في البيت حتى الهزيع الثالث من الليل، ومن مطبخها سمعت الديكة تصيح مرتين، كأنما كانت تنتظره. محال ان يرحل هذا الزائر الغريب دون ان يقول الوداع.

واذا بطارق يطرق شباك المطبخ برقة قبل الساعة الرابعة صباحا. وتفتح فيولين الشباك. انه بيير وتجفل فيولين لحظات. من اذن لك ايها الغريب ان تدق شباكي في هذه الساعة المتأخرة من الليل وكأنك رب هذه الدار؟

وماذا تفعلين انت في ثيابك الكاملة حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ لا شك انك كنت تنتظرين قدومي… لا تخافي. انا ما جئت الا لاقول الوداع. اني احبك حب الاخ لاخته، وكان لابد ان اراك قبل رحيلي. انما جئت لاقول كلمتي:

“بين ابيك وامك حيث ولدت،

كبرت ايتها الفتاة كما تكبر الشجرة في البستان

سعيدة انت بشبابك، لا تعرفين ما الالم.

وهذا، يا فيولين ما يسمونه الشقاء.

وهو العناء وهو الدمار وهو العار..

اي فيولين! بين لحظة القمر ولحظة الشمس.

هذه احلك ساعة في الليل، حيث السبات احلك سبات،

وحين لا نعرف الامس من الغد.

اي فيولين! هناك من لا يرتووا الا اذا شربوا من ينبوع الحياة..

شقي من لم يعد يعطش..

شقي من ارتوى فمه فارتوى قلبه.

القلب يظمأ للفضيلة الى ان يحمل الانسان صليبه..

الحب الحقيقي لا يعرف النوم ولا الراحة..

كيف تفهمين كلامي اذا قارنت الموت بالحياة؟

حب المرأة للرجل شبيه بانسحاق الموت.

شبيه بقرار الساعة الاخيرة.

فمن تعاهد الموتى يولد الفاني الجديد.

اما الحب الاخر فهو بكل باب يفضي بنا الى الحياة..

العطش الذي لا يروي، عطش لينبوع لا ينضب”.

هذه كلمة. اما الكلمة الثانية فهي:

“العطاء اقتداء بكرم الله.

ومن يضحي بنفسه يقدس نفسه يا فيولين”.

هذه هي الكلمات الجميلة الغريبة التى القى بها بيير الى فيولين وهي تستمع اليه مشدودة كأنما بقوة مغناطيسية… وقبل ان يرحل بيير قبّل فيولين على خدها وهو يقول الوداع، قبلة الاخ لاخته.

وكانت الاخت الصغرى مارا قد ايقظها ما دار من حوار في هدوء الليل، فمشت الى المطبخ ولكنها لم تر شيئا اكثر من قبلة الوداع، ولم تسمع شيئا لانها وصلت في اللحظة الاخيرة… وحين رأت مارا بيير يقبّل اختها هزت كتفيها في استغراب وانصرفت، وهي تضمر شيئا رهيبا.

وكان الاب الشيخ فيركور قد عرف من بيير من قبل شيئأ اقض مضجعه. كان لفيركور اخ اصغر مغامر محب للحياة هاجر في شبابه لامريكا لانه ضاق بالريف وبفرنسا كلها وراح يجرب حظه في الدنيا الجديدة، وهناك تزوج وانجب ثم انقطعت اخباره.

والان عرف فيركور ان اخاه قد مات، فاعتزم ان يسافر الى امريكا بحثا عن اسرة اخيه المتوفي ليكفلها، او عن تركة ان كانت له تركة ليتصرف فيها.

ولكن قبل تنفيذ قراره هذا ، كان لابد له من ان يرتب كل امور بيته لأن غيبته قد تطول. ان امامه مشكلتين عاجلتين هما مشكلة ارضه التي افنى عمره في تنميتها، ومشكلة زواج بنتيه فيولين ومارا. وفي ريف فرنسا كما في كل ريف اخر لابد ان تتزوج البنت الكبرى قبل الصغرى. ولم يكن الامر معقدا ، لان فيركور كان يثق في جاره الفلاح الشاب جاك ويعرف انه رجل جاد رزين يمكن ان يأتمنه على ابنته فيولين وعلى حماية اسرته ، وهو ايضا يعرف ان جاك يحب ابنته حبا عميقا، رغم ان الفلاحين لا يتصارحون كثيرا في امور الحب.

وهكذا قرر فيركور الشيخ تزويج ابنته فاستدعى الزوجة والابنتان ويعلمهم بقراره. اما فيولين فتستقبل القرار في ابتهاج صامت اما مارا الاخت الصغرى فقد وقع عليها هذا النبأ وقع الصاعقة لانها كانت تعشق جاك وتتمنى ان تتزوج منه… وهكذا وقع المحظور: شقيقتان تحبان رجلا واحدا. وكانت هذه بداية المأساة.

عرض فيركور على الفلاح الشاب جاك يد ابنته المبرى فطار من الفرح لان كل احلامه قد تحققت. وما ان انطلق فيركور في رحلته الى امريكا حتى اختلت البنت الصغرى مارا بأمها وطلبت من امها ان تمنع هذا الزواج. يجب ان تبلغ الام فيولين ان تترك جاك لمارا لان مارا تحبه … وعبثا تحاول الام مارا بان فيولين هي الكبرى ويجب ان تتزوج اولا وان هذه هي ارادة الاب وان جاك نفسه يحب فيولين.

لكن مارا كانت تشعر ان كل من في البيت يكرهها ويحابون فيولين على حسابها، حتى عند قسمة الضيعة بين بنتيه، فقد اختص الاب فيولين باخصب جزء من ارضه وترك لها الارض الجدباء والادغال وغير المثمرة. انها تكره من اعماق قلبها فيولين المدللة لأنها تسلب كل حق لها، تسلبها ارضها وتسلبها من تريده زوجا لها، كما سلبتها من قبل تدليل الاب وحنان الام. كلا لن يتم هذا الزواج ومارا تعرف كيف تجعل جاك ينصرف عن فيولين ويتخذها هي زوجا له.

وتبلغ الام فيولين بما قالته مارا، فتضطرب من اعماقها وتهيم فيولين في الحقول وقد انتابها شعور غريب بأنها موزعة بين نداءين: نداء حبها لاختها التي تعرف انها تحب جاك، ونداء حبها لجاك ورغبتها في الزواج منه.

ويأتي جاك ليزور عروسه المستقبلة فلا يجدها في الدار. و تنفرد به مارا، وبخبث الافعى توحي اليه ان اختها فيولين تهيم هنا وهناك بلا ضابط ولا رابط وراء حبيبها الكهل بيير الذي رآته بعيني رأسها يقبلها في المطبخ، في فجر ذلك اليوم. ويضطرب جاك رغم انه لا يصدق ما يسمع، ويخرج باحثا عن فيولين فيجدها على عهده بها الفتاة الرقيقة البريئة الخجول. انه لا يصدق ما سمعه ولكنه يريد ان يتحقق بنفسه من ان فيولين تحبه ولا تحب اي رجل اخر. ومع ذلك فهو يحس بأن شيئا قد تغير فيها. انها دائمة الاطراق، نظراتها دائما منكسرة الى الارض. وحين يحدثها عن الحب والزواج يجدها ترده في وداعة وكأن ثمة امر تخفيه، وتصارحه فيولين بعدم رغبتها في الزواج به، ويستولي الغضب على جاك.

اذن فما سمعه من مارا صحيح، ولا شك انها استسلمت له كأى فتاة فاجرة. وتنتحب فيولين ولا تجيب بشئ اكثر من انها لا تتزوج منه. ومع ذلك فهو لا يزال يحبها وهو على استعداد لأن يتزوجها رغم سقطتها. و يأتيه الجواب دائما وسط نشيجها: لا، انها لن تتزوج منه. وهكذا انتهى الامر.

والان ، وقد نجحت مارا في ابطال زواج فيولين من جاك، فهي قد اعدت امرا شنيعا اخر. وتسأل اختها عن ان كانت تعد للزوج من بيير وتصرّح فيولين بأنها لن تتزوج ابدا.

ما دامت فيولين – تقول انها لن تتزوج ابدا، فما حاجتها الى نصيبها من الضيعة ، وما معنى تقسيم املاك الاسرة؟ أليس من الافضل ان تتنازل عن نصيبها لأختها الصغرى التي ستتزوج وبذلك يبقى كل شئ على حاله؟ لقد اعدت مارا وثيقة تنازل ولم يبق الا ان توقع فيولين الوثيقة . وبل تردد تمسك فيولين بالريشة وتوقع التنازل.

وما ان تفعل ذلك حتى تجفف مارا توقيع فيولين بحفنة من رماد ثم تقذف الرماد في وجه اختها في احتقار بارد، وتمتلئ عينا فيولين بالرماد فتصرخ من الألم وهي تكاد لا تبصر شيئا. وتصرخ مارا في وجه اختها:

– انني الان املك كل شئ . اني امقتك.. انك لا تزال تبصرين طريقك الى الباب. هيا اخرجي من هذا البيت فانا اعرف ان جاك يحبك، ولن اسمح ببقائك .. هيا اخرجي من هذا البيت الذي جلبت عليه العار.

– ولكن اين اذهب ؟

– الله يتولاك برعايته ايتها الحمقاء.

وهكذا تطرد مارا فيولين من بيتها بعد ان سلبتها زوجها ومالها. وتهيم فيولين في الوديان والغابات وقد فقدت بصرها بسبب حفنة الرماد.

هامت على وجهها في الغابات الجرداء تأكل من حشائش الارض وتنام في كهف، ومع ذلك فق كن يضئ في قلبها وور الهي اغناها بالبصيرة عن البصر. ولم يبق على جسدها الا اسمالا ثم اردية من القش والخوص… وشاع عن هذه العذراء العمياء انها تأتي المعجزات فتشفى المرضى وترد البصر الى العميان.

وتتزوج مارا من جاك ولكن كان العدل الالهي لها بالمرصاد، فمارا بعد ان تزوجت انجبت طفلا اعمى مثل خالته فيولن، مفتوح العينين لكنه لا يبصر، ضحية بريئة من ضحايا القدر، ليكون شاهدا ماثلا امام امه ليلا ونهارا على جريمتها النكراء.

وتسمع مارا عن هذه القديسة او الساحرة فيولين التي يأتيها الناس في كهفها لترد لهم البصر، فتحمل غلامها الى الغابة الجرداء وتلتقى الاختان، وتحمل فيولين الغلام النائم بين ذراعيها فيستيقظ من نومه فاذا بصره قد رجع اليه.

ولكن الحقد الاسود في قلب مارا لم ينتهي بعد، حيث عادت ذات ليلة الى الكهف مرة اخرى ثم اطبقت على عنق اختها وطرحتها ارضا وذهبت تحطم رأسها على حجر حتى غابت عن الوجود، ثم القت بجثتها في حفرة وغطتها باوراق الشجر…

وجدها اناس من القرية بينما كانت تحتضر، فبقيت لديها كلمات تريد قولها. نعم، انها كانت تحب جاك، ولكن قبلة بيير بدلت كل شئ. كانت مثل قبلة ملاك الموت على خدها، فعرفت ان الله قد اختارها لاشياء اخرى غير الحب والحياة. انها لم تكن تحب بيير كما كان جاك يتوهم ، ولم تره منذ افترقا ليلة القبلة حتى هذه الليلة حين وجدها جريحة في الغابة بين الموت والحياة. انها قد فجعت ان يظن جاك بها الظنون. انها لم تحب احدا غير جاك ، ومع ذلك فقد كانت تعلم ان اختها مارا تحبه ايضا، فضحت بنفسها من اجل سعادة اختها. انها تغفر لاختها ، فلولا انانية اختها لما استطاعت فيولين ان تتحقق انها قادرة على كل هذه التضحية. ان النهاية اقتربت وهي ترى الآن اخواتها في الالم: القديسة براكسيا، والقديسة سيسيليا.. انها لا تحب ان تدفن هنا، وهي بغير اب وام وزوج وولد. انها تريد ان تدفن في مقابر الفقراء والايتام.

وتلفظ فيولين انفاسها الاخيرة، فيغطي الرجال وجهها ويحملنها على محفة الى حيث طلبت ان يكون مستقرها الاخير.

***

الام تقودنا اليه  هذه القصة؟

لا اقتراب الى الله الا بالحب ولا حب الا بالعطاء ولا عطاء الا بالتضحية والله الذي خلق فيولين والملائكة خلق ايضا مارا والشياطين.

ان بيير الذي اعد فيولين لهذا هو رمز لانكار الحياة الدنيا والفناء في الحب الاكبر. انه هو الذي دلها على الطريق: طريق الحب والتضحية.

في ضوء القمر


“اكتسب الأب “مارينيان” بحق لقب ” رجل الله “. كان قساً طويلاً نحيلا ًمتعصباً إلى حد ما. و لكنه كان ‏عادلاً وذا نفس متسامية و كانت معتقداته ثابتة لا تتغير و لا تتبدل، فهو يعتقد انه يفهم الله فهماً واعياً كاملاً ‏و انه محيط بخططه و رغباته و نواياه. ‏
و كان أحيانا يتساءل و هو يتمشى في ممر حديقته في البلدة الصغيرة التي يعمل بها فيها ” لماذا فعل الله ‏ذلك ؟” و يفكر جاهداً و يرض عن نفسه في اغلب الأحيان إذ يجد الجواب و لم يكن الأب
‏” مارينيان ” من ذلك النوع من الرجال الذي يهمس في خشوع ” إن سبلك يا ربي أعظم من أن تدركها ‏مدارك الرجال ” بل كان يقول ” أنا خادم الله و علي أن أعرف السبب في أفعاله أو أن أتبين السبب إن لم ‏اعرفه ” و خيل إليه أن كل شيء في الطبيعة قد خلق بمنطق مطلق جدير بالإعجاب، و أن هناك دائماً توازناً ‏بين الأشياء و مسبباتها، فالشروق وجد ليبعث البهجة في نفس الإنسان و هو يستيقظ، و النهار وجد لينضج ‏المحاصيل، و الأمطار لترويها، و الأمسيات ليستعد الإنسان للنوم و الليل الحالك للنوم، و الفصول الأربعة ‏تتفق تماماً و حاجيات الزراعة . و كان من المستحيل أن يداخل الشك الأب ” مارينيان ” في أن الطبيعة لا ‏هدف لها. و أن كل كائن حي هو الذي يكيف نفسه وفقا للظروف القاسية للفصول و الأجواء و المادة ذاتها.‏
و لكنه كان يكره النساء . كان يكرهن من أعماقه، و يحتقرهن بالغريزة، و كان دائماً يردد قول المسيح
‏” مالي و لك يا امرأة ” و كان يضيف قائلاً أن الإنسان يستطيع القول إن الله ذاته غير راض عن المراة ‏التي خلقها.و كانت المرأة بالنسبة إليه هي الغاوية التي أغوت الإنسان الأول و ما زالت تزاول نشاطها ‏الملعون، و هي المخلوق الضعيف الخطير الذي يسبب قلقاً خفياً. و كان يكره روحها المتعطشة إلى الحب ‏أكثر مما يكره جمالها المسموم و كثيراً ما شعر بحنان النساء يداهمه فيضيق بذلك الحب الذي ينتفض دائماً ‏و أبداً في صدورهن رغم انه يعرف انه منه في حصن حصين.‏
و كان يعتقد أن الله خلق المراة لتغوي الرجل و تختبره و أن على الرجل ألا يقربها إلا و هو متسلح بالحرص ‏الذي يتسلح به و هو مقبل على كمين، فالمرأة في الواقع ليست إلا مصيدة بذراعيها الممدودتين و بشفتيها ‏المفتوحتين في انتظار الرجل. ‏
و كان الأب ” مارينيان ” لا يحترم ألا الراهبات اللاتي جردهن القسم من الهوى و مع ذلك كان يعاملهن ‏معاملة قاسية. إذ يلمح هذا الحنان الخالد الذي يخفق حتى في أعماق هذه القلوب الطاهرة يخفق دائماً و ‏يخفق حتى هو له و هو القس.‏
و كانت له ابنة أخت تعيش مع أمها في منزل صغير قريب من منزله و كان قد صمم على أن يجعل منها ‏راهبة. و كانت رقيقة خفيفة تتعمد إغاظته باستمرار. و عندما يعظ تضحك و عندما يغضب تقبله في حرارة و ‏تضمه إلى قلبها بينما يسعى هو بلا وعي إلى تخليص نفسه من بين ذراعيها ومع ذلك كانت تلك الضمة تثير ‏في نفسه إحساسا حلواً، كان توقظ في قلبه ذلك الشعور الراقد في أعماق كل رجل. ‏
و كثيراً ما حدثها عن الله، عن ربه و هو يمشي إلى جوارها في الحقول و نادراً ما أنصتت إليه. كانت تنظر ‏إلى السماء و إلي العشب و إلى الزهور و عيناها تلمعان بفرحة الحياة و كانت تجري أحياناً لتمسك بفراشة ‏ثم تعود بها و هي تصيح ” أنظر انظر يا خالي كم هي جميلة بودي أن اقبلها” و كانت هذه الرغبة من جانب ‏الفتاة في تقبيل الفراش و الزهور تزعج الأب و تضايقه و تثيره فقد رأي فيها دليلا على ذلك الحنان الدائم ‏الذي ينبض في قلب كل امرأة.‏
و في يوم من الأيام أخبرت مدبرة البيت الأب ” مارينيان ” أن ابنة أخته قد اتخذت لنفسها حبيباً.‏
و عانى الأب إحساسا مؤلما. وقف مختنقا و الصابون يغطي وجهه و هو يحلق و عندما استعاد القدرة على ‏الكلام صاح :‏
‏- كذب كذب .. أنت تكذبين يا ” مالينا”‏
و لكن المرأة القروية وضعت يدها على قلبها و قالت :‏
‏- ليعاقبني الله أن كنت أكذب يا سيدي القس أنها تذهب إليه كل ليلة بعد أن تنام أختك و هما يتقابلان بجانب ‏النهر، و ما عليك إلا أن تذهب إلى هناك ما بين الساعة العاشرة و منتصف الليل و ستراها بنفسك.‏
و توقف الأب عن حك ذقنه و بدأ يذرع الحجرة بسرعة كما يفعل عندما يستغرق في تفكير عميق. و عندما ‏حاول أن يكمل حلاقة ذقنه جرح نفسه ثلاث جروح امتدت من الأنف إلى الأذن.‏
و ظل طول اليوم ساكناً و قد امتلأ غضباً و ثورة فإلى جانب كرهه الطبيعي للحب شعر أن كرامته قد أهينت ‏كأب و معلم و كراعي نفوس، شعر أن طفلة قد خدعته و سخرت منه و سلبته شيئاً يملكه. شعر بهذا الحزن ‏الأناني الذي يشعر به الوالدان حين تخبرهم ابنتهما أنها اختارت لنفسها زوجاً دون مشورتهما و ضد ‏المشورة.‏
و بعد العشاء حاول أن يقرأ قليلاً و لكنه لم يستطع أن يكيف نفسه للقراءة و ازداد غضبا على غضب. و ‏عندما أعلنت الساعة العاشرة أخذ عصاه و هي عصا غليظة من خشب البلوط يحملها عادة حين يخرج ليلاً ‏لزيارة المرضى و ابتسم و هو يراقب العصا الغليظة و قد استقرت في قبضة يده القوية. و أدار العصا في ‏الهواء مهدداً ثم رفعها فجأة و هو يجز بأسنانه و انهال على كرسي فحطم ظهره.‏

و فتح باب بيته ليخرج و لكنه توقف عند بابه منبهراً . كان بهاء القمر رائعاً روعة نادرة، و استجابت روحه ‏السامية لما حوله و شعر فجأة أن جمال الليل الشاحب و جلاله و بهاؤه قد حرك قلبه. و في حديقته الصغيرة ‏التي سبحت في ضياء باهت عكست أشجار الفواكه ظلالها على ممر الحديقة، أغصان رقيقة من الخشب ‏تكسوها الخضرة و من الزهور المتسلقة على الحائط انبعثت رائحة لذيذة حلوه علقت كروح عطرة بالليل ‏الدافئ الصحو. ‏
و بدأ يتنفس تنفساً عميقاً و يحتسي الهواء كما يحتسي السكير الخمر و سار ببطء مسحوراً مبهوراً حتى كاد ‏ينسى ابنة أخته و عندما وصل إلى بقعة عالية وقف يراقب الوادي أجمعه و قد امتد تحت بصره و بهاء ‏القمر يحتضنه و سحر الليل الهادئ الحنون يغرقه و نقيق الضفادع يتردد في نغمات قصيرة و البلابل عن ‏بعد أشجاها القمر فتغنت و اختلط غناؤها في موسيقي لا تثير الفكر و إنما تثير الأحلام.‏

و استمر الأب يمشي و هو لا يعرف لم تخلت عنه شجاعته فقد شعر كما لو أن التعب و الإرهاق قد تسربا ‏إليه، وود لو يجلس أو يتوقف حيث هو ليحمد الله على ما صنعت يداه.‏
و تحت بصره و حول منحنى النهر امتد صفان طويلان من الأشجار و فوق شطي النهر سبحت سحابة خفيفة ‏بيضاء تخللتها أشعة القمر فأضفت عليها لون الفضة و بريقها.‏
و توقف الأب من جديد و قد نفذ إلى أعماقه شعور قوي متزايد و استولى عليه دون شك القلق و شعر أن ‏سؤالاً من الأسئلة التي تلح عليه أحياناً يدور في عقله.‏
لماذا فعل ذلك الله ! إذا كان الليل للنوم، للإغفاء ، للراحة، للعدم ، فلماذا كان أكثر سحراً من النهار، و أحلى ‏من الغروب و الشروق ؟ و هذا الكوكب المبطئ الخلاب الذي يغلب جماله على جمال الشمس، و الذي يضئ ‏الكائنات بنور رقيق يستعصي على الشمس… هذا الكوكب لم يشرق لينير الظلال ؟ و لم لا يأوي البلبل ‏الصداح إلى النوم كغيره من الطيور و لم هذا الحس الذي يتسلل إلى الروح و هذا الخمول الذي يغزو الجسد ‏؟؟ و لم هذا الوشاح الذي ينبسط على الأرض، و هذا السحر الذي لا ينعم به الإنسان إذ يأوي إلى فراشه ‏بالليل ؟؟ لمن خلق الله هذا الجلال، هذا الفيض من الشعر الذي يتدفق من السماء إلى الأرض؟ و لم يجد الأب ‏لهذه الأسئلة التي ثارت في نقسه جواباً.‏
و في طرف المرعى ظهر ظلان يمشيان جنباً إلى جنب تحت الأشجار المتعانقة الغارقة في الضباب الفضي.‏

و كان الرجل هو الأطول، و قد التفت ذراعه حول عنق حبيبته و من وقت لآخر كان يقبلها في جبينها. و ‏فجأة دبت الحياة في الطبيعة المهجورة التي أحاطت بهما و كأنها إطار الهي صنع خصيصاً من اجلهما و بدا ‏الشخصان وكأنهما كائن واحد. الكائن الذي خلق من اجله الليل الهادئ الساكن، و اقتربا من القس كإجابة ‏حية على سؤاله أجابه بعث بها إليه ربه الأعلى.‏
وقف الأب مصعوقاً و قلبه ينبض بشدة. و تمثل قصص الإنجيل كقصة حب راعوث ‏و بوعز و ‏إرادة الله تتحقق في القصص الجليلة التي وردت في الكتاب المقدس. و في رأس القس ترددت آيات نشيد ‏الإنشاد، الصرخات الوالهة و نداء الجسد و الشعر الجميل في هذه القصيدة التي تتأجج حناناً و حباً و قال ‏لنفسه “ربما خلق الله مثل هذه الليلة إطاراً لمثله الأعلى … لحب الإنسان”‏
و تراجع بعيداً عن الحبيبين اللذين تقدما يداً في يد كانت فعلا ابنة أخته . و كان الأب ” مارينيان” يتساءل ‏الآن … الم يكن على وشك الخروج على طاعة الله ؟ فلو لم يكن الله يرضى عن الحب لما أحاطه بمثل ذلك ‏الإطار من الجمال.‏
و هرب الأب مندهشاً و هو يكاد يشعر بالخجل، كما لو كان قد اجتاز هيكلاً مقدساً لا حق له في اجتيازه.‏

موباسان

عروس البحر

mermaid

هناك على مسافة في البحر كانت المياه زرقاء محشوة باللون الأخضر مثل أوراق زنابق نبات الذرة, وصافية أنقى من الزجاج، لكنها عميقة جدا، أعمق من طول العديد من منارات الكنائس إذا وضعت فوق بعضها للوصول من أسفل إلى أعلى. كان هناك يسكن سكان البحر.
لم تكن روعة المياه مقتصرة على الرمال البيضاء في القعر بل على تلك الرومنسية في إنسياب النباتات البحرية الخضراء مع أدنى حركة للمياه و كأن الروح تبعث فيها كل مرة، حتى الأسماك الصغيرة والكبيرة تسبح ذهابا إيابا بين الأعشاب كأنها الطيور في الهواء. في أعمق مكان في قعر البحر, يوجد قصر ملك البحر. كانت الجدران من الكهرمان الصافي البراق والنوافذ من اللؤلؤ والسقف من المحار الجميل يفتح و يغلق حسب إتجاه الماء, و كان تاج الملك مكون من صف جواهر براقة تخطف الأبصار من شدة وهجها.
وكان ملك البحر لسنوات أرمل, وكانت والدته و هي إمرأة كبيرة السن أشتهرت بحكمتها و حسن تدبيرها للأمور و عرف عنها إعتزازها بنفسها لذا وضعت 12 محارا في ذيلها , بينما لا يسمح للآخرين إلا إرتداء6 فقط.وكانت مولعة جدا بتربية بنات إبنها الملك الستة. كانوا ستة عروسات بحر فائقات الجمال ولكن الصغرى فاقت الكل حسنا, كانت بشرتها متوهجة كوردة وعيناها الزرقاوان كلون أعمق بحيرة, الا انها ليس لديها قدمين، بل ينتهي جسمها في شكل ذيل سمكة.
كل يوم يمكنهن اللعب أسفل القلعة , حيث الزهور الجميلة التي إنبثقت من الجدران وفتحت النوافذ كي تصل الأسماك الصغيرة و الكبيرة لتأكل و تلعب معهم .
خارج القصر كانت حديقة كبيرة مع أشجار ذات اللون الأحمر الناري و الأزرق الداكن والفاكهة كانت بلون الذهب المشع ونباتات تصطع و تلمع . ولكن اللون الأزرق و الكبريتي أعطى ذلك كله وضعا غريبا من جراء توهج الألوان حتى أنه يعتقد الناظر أنه ينظر من علياء لأسفل عوض العكس .. وكانت تبدو الشمس من أسفل الماء وكأنها زهرة ارجوانية من كأس ضوء متدفق.

كان لها تمثال من الرخام الجميل، على شكل صبي جميل منحوت من الحجر الأبيض النقي، وجدته في قاع البحر.

كل واحدة من الأميرات كان لها قطعة أرض صغيرة من أرض الحديقة كي تمارس فيها هواية زراعة الورود البحرية و النباتات, فالكبرى زرعت أزهار حديقتها على شكل حوت.. والثانية على شكل عروس بحر..أما الصغرى فأعطت حديقتها شكل قرص الشمس وزرعت أزهارا حمراء على محيط الحديقة, كانت إبنة هادئة ودوده, بينما كانت أخواتها يلهون بالأشياء التي عثروا عليها من السفن الغارقة في قعر البحر,كانت هي مولعة بالإعتناء بأزهار حديقتها . وقد كان لها تمثال من الرخام الجميل، على شكل صبي جميل منحوت من الحجر الأبيض النقي، وجدته في قاع البحر. كما أن الصفصاف الذي زرعته أخذ اللون الوردي، و نما بشكل رائع وفروعه طالت ، وصولا الى رمال القعر، حيث طيف اللون أصبح أرجواني، وكانت الفروع في حركة، ليظن الرائي ، وكأن القمم والجذور كانوا يلعبون لتقبيل بعضهم البعض.
كانت أسعد الأوقات عندها عندما تجلس وأخواتها عند جدتها لتروي لهن عن عالم خارج المحيط المتمثل بالبشر..الطيور. الغابات الزرع.الحيوانات..حتى إختلاف الروائح بين البر و البحر..وكان وله الجدة أثناء حديثها عن البر ينتقل دوما لعروس البحر الصغرى.

كما هو القانون الملكي للبحر, فإن حق الطفو من قعر البحر إلى السطح يحق فقط للتي تبلغ من العمر 15عاما, لترى عالما جديدا كليا عليها , من سفن مبحرة, مدن ساحلية, وغابات قريبة من المياه, كما روت الجدة و هي تتنهد حين تذكرت سحر المنظر تحت ضوء القمر..ولكن الكبرى التى حان دورها للطفو على السطح و عدت أخواتها بقص كل شيئ تراه عليهن حين عودتها, ولكن هذا ما كان ليطفئ شغف الصغرى لرؤية عالم البر. ورغم هذا كله لم تخبرهم الجدة بأن هناك أشياء كثيرة لم تذكرها لهم بعد..
كانت الصغرى حزينة لأنها سوف تنتظر 5 أعوام كاملة ليأتي دورها. أتكتفي بالنظر للأسماك المختلفة الأنواع و الأشكال وهي تسبح ذهابا إيابا حولها؟ أم تنظر للسماء و النجوم من تحت الماء وإذا حجبت الرؤية فهذا دليل مرور حوت ضخم فوقها
أو سفينة مليئة بالبشر التي تتمنى رؤيتهم.

ذهبت الأميرة البكر , وعند عودتها كان عندها الكثير من الأشياء لتقصه على أخواتها مما رأته حينما كانت قاب قوسين أو أدنى من المدينة البحرية. وهي تشاهد أضواء المدينة و كأنها مئات النجوم الساطعة اللامعة, و ضجيج العربات و صوت أجراس الكنائس,ومختلف الروائح المنبعثة و أشكال الناس, كان شيئا مفرحا بهكذا تجربة و محزنا لأنها لم تستطع الإقتراب أكثر و معرفة المزيد.
ظلت الأخت الصغرى صامتة مشدودة مما سمعت, وكانت كل مساء تقف على شباك الشرفة و تنظر إلى الأفق عبر مياه البحر الزرقاء الداكنة, وتفكر في المدينة الصاخبة وأجراس الكنائس.
مرت سنة أخرى و جاء دور الأخت الثانية لتطفو على سطح الماء, و لما رجعت روت ما شاهدت و صادف طفوها وقت مغيب الشمس حيث شاهدت بهرجة الألوان و إختلافها, فخيل إليها ان السماء قطعة ذهب كبيرة والغيوم كأنها أوشحة مختلفة الألوان بين اللون البنفسجي و الأحمر و الوردي, وهناك بعيدا قريبا من الشمس على سطح الماء كان سرب بجعات عند هيكل سفينة نصف غارقة, كانت رحلة عجيبة غريبة فيها الكثير من الجديد لهن جميعا.

و في السنة الثالثة جاء دور الأخت الثالثة حيث روت أنها كانت أشجع من سابقاتها وسبحت حتى وصلت الى نهر وسط غابات خضراء غناء وسط تلال جميلة و كان هناك صبية يسبحون و يمرحون في الماء و معهم كلب اسود, كانت تود الإقتراب منهم و لكنها خافت من هذا الحيوان (الكلب) فعدلت عن فكرتها, لذا سبحت مسرعة لتخرج من النهر عائدة للبحر و لكن لن تنسى أبدا هذه التجربة ما حيت.
أما الاخت الرابعة في السنة الرابعة, فلم تكن جريئة كسابق أخواتها وإكتفت بالسباحة على سطح البحر الشاسع وكانت السماء فوقها كأنها جرس زجاجي أزرق اللون, ووجدت أسرابا من الدلافين وهي تقوم بقفزات بهلوانية مضحكة, و حيتان ضخمة تنفر المياه و كأنها نوافير على مياه البحر, كانت بالنسبة لها و لهن تجربة جديدة غريبة.
وبعد 5 سنوات , جاء دور الأخت الصغرى, و صادف يوم السماح لها بالصعود إلى سطح الماء, فصل الشتاء، حيث شاهدت ما لم تشاهده أخواتها من قبل. قالت أنها رأت سطح الماء إكتسب اللون الأخضر, وكانت جبال جليدية كبيرة لؤلؤية الشكل تخطف الأبصار عند إنعكاس الضوء عليها, وكانت بطول صوامع الكنائس التي بناها البشر, ولما إقتربت من إحداها تملكها الخوف من رهبة المنظر و المكان, ولكن عند المساء إسود لون الماء , وكانت تراقب مندهشة منظر البرق الأزرق و البنفسجي عندما يضرب و ينعكس لونه على الجبال الثلجية و سطح الماء و حتى سفن البشر العابرة,ثم يتبعها صوت رعد مدوي متحدي.
وهي تراقب هول هذا الحدث جال ببالها حديث أخواتها أن إنبهارهن بما شاهدنه سرعان ما يزول بعد فترة و أنهن يفضلن عيشة الأعماق على الحياة البرية، مما جعلها تطرح عدة تساؤلات.. أيمكن أن تفكر كأخواتها و تمل من هذا الإنبهار الذي تستمتع به؟؟
بعد هذا اليوم التاريخي من حياتها, إعتادت الأخوات الخمس البالغات, الآن في عرف عرائس البحر,من السباحة معا إلى سطح الماء للمرح والإستمتاع بجمال السفن العابرة و البحارة على متنها,و عند إقترابهن من سفنهم كانوا يظنون الأصوات الصادرة عن سباحتهن زوابع و دوامات مائية, بينما كن هن يستمتعن بغنائهم رغم عدم فهمهن للغتهم..كانوا بحارة حسان الوجوه مفعمين بالنشاط و الحيوية, ليسوا كاولئك البحارة الغرقى في قاع البحر , فاقدي القوة و الحياة الذين تعودن على رؤيتهم بين الحين و الآخر.
لإظهار مكانتهن وسط عرائس البحر , قررت الجدة أن تزينهن بثماني من المحار الجميل كبير الحجم على زعنفة كل أميرة و إكليل من الزنبق المرصع باللؤلؤ لكل منهن, و لكن الأميرة الصغيرة كانت تفضل إكليلا من زهور حديقتها الحمراء فقط, ولكن للأسف ليس بمقدورها رفض الطقوس الملكيه, لذا قبلت بالأمر دون جدل و بمجرد إنتهاء الجدة من تزيينها إنطلقت للأعلى كفقاعة هوائية داخل المياه.

بمجرد إنتهاء الجدة من تزيينها إنطلقت للأعلى كفقاعة هوائية داخل المياه.

كانت الشمس على وشك الغروب , وكانت السماء بلون وردي و أحيانا ذهبي مع هبوب نسمة هواء خفيفة و منعشة, هناك ليس ببعيد هنها كانت ترسو سفينة كبيرة تعلو منها أصوات الموسيقى و الغناء, و الكثير من الأضواء كأنها نجوم السماء على سطح الماء. حفزها هذا المنظر الخلاب للإقتراب أكثر من السفينة لمعرفة ما يجري هناك, فرأت شابا وسيما ,جميل الشكل و الهندام توسط الجمع المحتفل به,على ما يبدو لعروس البحر أنه عيد ميلاد أمير هذه البلاد.وفجأة علت أصوات عظيمة. و انفجارات ,لقد كانت صواريخ إحتفالات مما قذف الرعب في قلب العروس الصغيرة ولكن سرعان ما تبدد الخوف و دفعها الفضول للرجوع من جديد للإستمتاع بهذا العرض المبهر. إستمر العرض لساعات ..

وفجأة تغير الجو وبدأت الأمطار بالهطول مما دفع المحتفلون لفض الحفل بأمر الأمير وانطلقت السفينة في عرض البحر , إقتربت الأميرة من السفينة و كانت تتنقل من شباك لآخر لترى الأمير الوسيم, ولكن سرعة السفينة و الرياح أتعب الأميرة و أجبرها على التوقف عن مطاردة السفينة ولكنها لم تستطع كف نظرها عنها , هناك ليس ببعيد صارت الأمواج علو الجبال و أصبحت السفينة كورقة صغيرة في مهب الريح و ما لبثت أن إرتطمت بصخرة و انقسمت لنصفين وتناثر البحارة على المياه. و لكن كان الأمير الجميل حلم العروس للوصول إليه و عناقه, فانطلقت مسرعة نحوه , كان وسط المياه شبه فاقد الوعي, نظرت إليه محدقة في جماله فرحة بقربه, أتأخذه معها إلى قصر أبيها؟ و لكن سرعان ما تذكرت أن البشر لا يستطيعون العيش و التنفس في الماء, فدفعته و هي تسنده وسط خضم الموج العالي نحو الشاطئ و هي لا تكف عن النظر لعينيه المغمضتين, وصلت بعد عناء شديد الشاطئ وضمته إليها كي تحافظ على حرارة جسمه من برودة المياه, و ما هي إلا سويعات مرت بسرعة البرق حتى تنفس الفجر و انطلقت أشعة الشمس من جديد لتبعث الدفئ على الأرض و في جسد الأمير الوسيم , لم تستطع منع نفسها من تقبيل خديه و عينيه, لقد وقعت في غرامه, فهل من خلاص؟ بدأت أجراس الكنيسة البيضاء في الدق و ظهرت مجموعة من الفتيات في الحديقة القريبة منهم مما أخاف عروس البحر فوضعت رأس الأمير على الرمال البيضاء و سبحت مسرعة لتختبئ بين صخور قريبة و تراقب المشهد عن كثب, و سرعان ما إقتربت إحدى الفتيات لترى الأمير ملقى على الشاطئ و تنادي الأخريات و يكثر الجمع و يكبر,فولت الأميرة هاربة إلى عرض البحر و العودة إلى قصر أبيها. كانت حزينة لفراق الأمير و تفضل البقاء وحيدة في حديقتها و بيدها تمثالها الصغير الذي يشبه الأمير.

mermaid

دفعها شوقها و شغفها بالأمير للإقتراب أكثر من اليابسة والبحث عن قصره حتى اهتدت إليه

دفعها شوقها و شغفها بالأمير للإقتراب أكثر من اليابسة والبحث عن قصره حتى اهتدت إليه, كان كبيرا له شرفات من مرمر و نوافذ ذات ستائر حريرية و لوحات فنية كبيرة معلقة و تماثيل , كان مطلا على البحر و متصل به بقناة ضيقة, كانت كل ليلة تذهب إلى هناك لمراقبة الأمير و النظر إليه و هو في حديقته أو سفينته, كانت تسمع الكثير عن طيبة قلب الأمير و محبة الجميع له و كانت تتمنى الإرتقاء من الماء و العيش كالبشر, الذين لا تعرف أخواتها الأكبر منها و لا حتى جدتها الحكيمة الكثير عنهم. ظلت حائرة منطوية على نفسها تفكر في حبها المستحيل, إلى أن أخبرتها أختها الكبرى و الوحيدة التي تعرف سرها أنه لا خيار لها إلا أن يصبح الأمير مثلها عريس بحر و هذا مستحيل أو تصبح هي نفسها من البشر, وهذا لا يتم لها إلا إذا خالفت شرع أبيها و قانون البحر.
ولا يتم لها هذا إلا بمساعدة مشعوذة الأعماق عدوة أبيها.
كان حبها للأمير أقوى و شغفها لتجربة شيئ جديد مسيطر كليا عليها. لذا قررت ان تقصد المشعوذة, كان مسكنها في الدوامة المزبدة، سارت عروس البحر ولم يسبق لها قط ان سلكت هذا الطريق من قبل، لم تكن هناك ازهارا ولا حشائش بحرية انما مساحة مكشوفة شاسعة من الاراضي الرملية القاحلة حتى تصل الى تلك الدوامة التي كانت مياهها تدور وتئز مثل دواليب الطاحونة وتمزق كل شئ يمكن ان تصطدم به، ثمكان عليها ان تمر خلال مستنقع طينه غروي وماؤه يغلي. كان بيت الساحرة او المشعوذة ينتصب في غابة خلف ذلك المستنقع، وهو بحق غريب، فكل الاشجار  والشجيرات كانت تبدو مثل افاع لها مئة رأس، واغصانها اذرع واصابع طويلة لزجة، وكل جزء فيها لا يكف عن الحركة والتمدد في كل اتجاه، واي شئ كانت تمسك به تشدد عليه قبضتها فلا يستطيع الافلات من براثنها. ووقفت عروس البحر ساكنة تتطلع الى الغابة المروعة وقلبها يدق من الخوف للحظات ثم قررت ان تعبرها لتنال مرادها فهي تريد ان تصير مثل البشر.

كل الاشجار والشجيرات كانت تبدو مثل افاع لها مئة رأس، واغصانها اذرع واصابع طويلة لزجة، وكل جزء فيها لا يكف عن الحركة والتمدد في كل اتجاه، واي شئ كانت تمسك به تشدد عليه قبضتها فلا يستطيع الافلات من براثنها. ووقفت عروس البحر ساكنة تتطلع الى الغابة المروعة وقلبها يدق من الخوف للحظات ثم قررت ان تعبرها لتنال مرادها فهي تريد ان تصير مثل البشر.

وحين وصولها إليها عرضت عليها المساعدة عن طريق تحويلها لهيئة بشر بشرط الإستغناء عن صوتها الملائكي الجميل , وذلك بقص لسانها و وضعه مع قليل من دم المشعوذة لعمل سائل سحري يمكنه تحويل ذنبها إلى سيقان فتاة بشرية جميلة, ولكن العروس دون تفكير أو تردد وافقت على كل الأمر, واردفت المشعوذة قائلة: ستحصلين على أجمل سيقان، و لكن كل خطوة عليهما كأنك تدوسين على سيوف أو خناجر تغرز في جسدك, ولا يمكنك العودة لهيئة عروس بحر مطلقا. وإن لم يتزوجك الأمير فسوف تموتين في فجر يوم زواجه.

لكن هذه الكلمات لم تؤثر في عروس البحر الجميلة التي كانت تتوق لرؤية محبوبها, وانطلقت لتصل قرب قصر الأمير , ومع ظهور أشعة الشمس الأولى شربت عروس البحر المحلول السحري, وأحست بألم شديد في جسمها و الأخص جزئها السفلي الذي بدأ يتحول إلى ساقين بشرية جميلتين.
شاهدها أحد الحراس و أخبر الأمير الذي جاء ليشاهد جمال الفتاة الملقاة على رمال الشاطئ قرب القصر, ولما شاهدها ذهل لجمالها و حسنها، وكان يحملق فيها و كأنه رآها من قبل ولكن لا يعرف أين بالضبط. دعاها إلى داخل القصر و عرّفها على أبويه الملك و الملكة, و دعا جميع الخدم و الحشم للسلام عليها, ثم أركبها وراءه على صهوة جواده وانطلق مسرعا بها عبر الغابات و التلال و الجبال فوق السحاب, كانت طائرة من السعادة لما تراه الآن,لطالما تمنت رؤيته,و حزينة لعدم قدرتها على الكلام و التواصل مع الأمير المحبوب.
ظلت الأمور على حالها أيام و شهور و عروس البحر و الأمير في حب و غرام، إلى أن قرر جلالة الملك – و لا رجعة لقراره – زواج إبنه الأمير من إبنة ملك المملكة المجاورة, ولأنه الحاكم المطلق و ولي النعم، لم يصغي لتوسلات إبنه الأمير الذي رضخ للأمر الواقع كي لا يخسر ولاية العهد.
كان وقع الصدمة على عروس البحر شديد و الحزن عميق, فما عساها تفعل و هي لا حيلة بيدها و لا قوة؟
وفي يوم الذهاب لطلب يد أميرة المملكة المجاورة,أجبرت على الذهاب مع الموكب الملكي, كان مهيبا و كبيرا كبر حزنها, وبينما هي واقفة تبكي على حبها الضائع ظهرت لها اخواتها عرائس البحر، و شاهدت – بعيدا عنهم قليلا – جدتها الحكيمة التي لم تخرج إلى سطح الماء من سنين طويلة.
قالت لها أخواتها أن المشعوذة أعطتهم وصفة الخلاص بعد أن دفعوا لها ثمن ذلك شعورهن الطويلة و بضغط من أبيهن الملك. حيث سلمتهم سكين مسحور, يجب أن يبلل بدم الأمير و يمسح به على ساقي عروس البحر كي ترجع لهيئتها كعروس بحر.
و لما إقترب أحد الحراس , إختفت عرائس البحر, وظل الألم والحيرة يعتصران قلب العروس الصغيرة, أتقتل حبيبها بيديها كي تعيش هي و تنجو بينما يموت هو؟
وصل الموكب الملكي, و أقيمت الأفراح , وتم الزواج رغم إنكسار قلبي الحبيبين, وفي طريق العودة وقرب موعد موت العروس حسب شعوذة المشعوذة, وقفت عروس البحر على شرفة السفينة كي تلقي آخر نظرة على البحر و تودع الحياة, فظهرت أخواتها على سطح الماء من جديد متوسلات إليها ان تغرس السكين في جسم الأمير حتى تستطيع العودة لهيئتها الأصلية و النجاة بنفسها, لكن حبها كان أقوى و قررت التضحية بنفسها من أجل محبوبها.
و مع أول خيوط أشعة الصباح رمت السكين من يدها إلى الماء فبان أحمرا و كأنه مبلل بالدم جراء إنعكاس الضوء عليه و سقطت في مياه البحر عند أخواتها و أصلها, بينما روحها الزكية الطيبة صعدت إلى السماء حيث الخلود الأبدي, ولينتصر الحب الطاهر على الأنانية و حب الـــذات. شعرت في البداية وكأن جسمها يذوب ببطء، انه كان يتحول الى زبد بلا شك.

ونهضت الشمس من مضجعها، وسقطت اشعتها برقة فبعثت الدفء في اوصال عروس البحر الصغيرة بطلة قصتنا.حتى انها لم تكد تحس انها تموت، اذ كانت لا تزال ترى الشمس مشرقة، وحولها تحوم مئات من الكائنات الجميلة الشفافة؛ أنها يمكن أن ترى الأشرعة السفن البيضاء ، والغيوم الحمراء في السماء. وكان لاصوات تلك المخلوقات ايقاع لطيف وأثيري (خفيف) جدا على ان تلتقطه او تميزه آذان البشر، كما كانت أيضا غير مرئية للعين البشرية. وقد اخذت تلك المخلوقات تحوم حول حورية البحر قليلا. واخيرا لاحظت حورية البحر ان لها جسم يشبه اجسامها، استمرت في الارتفاع أعلى وأعلى بسبب خفة وزنها. وتساءلت الى اين يأخذونني؟”، وبدى صوتها تماما مثل اصوات تلك المخلوقات السمائية. ليس في موسيقى الدنيا كلها ما يمكن ان يماثله. واجاها احد المخلوقات: “حورية البحر ليس لها نفس خالدة، ولا يمكنها الحصول على روح ما لم يملأ قلبها الحب اولا و من خلال اعمالها الطيبة تحصل على روح مثلنا. نحن نطير إلى البلدان الحارة، يرزح فيها اولاد الارض تحت نسمات حارة رطبة وبائية، ونسمتنا المنعشة الباردة تلطف الهواء القائظ وتجدد قواهم. ونحن ننشر خلال الهواء شذى الازهار اللذيذ وبهذا ننشر البهجة والصحة على الارض. وبعد سعينا هذا لمدة ثلاثمائة سنة ، ونتلقى نفس خالدة ونشترك في السعادة الابدية. وانت يا حورية البحر الطيبة، لقد تبعت ما حثك عليه قلبك . قد فعلت الكثير وقاسيت الكثير.  وقد سموت الان إلى عالم الروح الفسيح. والآن، من خلال السعي لمدة ثلاث مائة سنة في نفس الطريق، يمكنك الحصول على نفس خالدة “.

رفعت حورية البحر نظرها نحو الشمس، وشعرت – ولأول مرة – بملء جفنيها بالدموع. وعلى متن السفينة، التي بها الأمير، كانت هناك حياة وطرب. رأت حورية البحر الامير وعروسه يتطلعان في حزن الى المياه المزبدة ، كما لو كانا يعلمان أنها قد ألقيت بنفسها في خضم البحر.

هانز كريستيان اندرسن.

حكاية ام

حكى هانز كريستيان اندرسن في قصة ام حكاية لها معان غاية في الروعة. تقول القصة ان

أحد العجائز دخل إلى بيت أم, والتي لم تهنأ بنوم ساعة واحدة لمدة ثلاثة أيام متتالية بسبب طفلها, والذي كان يحتضر. ولم يلبث دقائق حتى اختطف العجوز الطفل وولى هارباً بسرعة الرياح. كانت صدمة الأم رهيبة, ليس بسبب اختطاف الطفل من قبل العجوز فقط, بل بسبب أن هذا العجوز لم يكن إلا الموت نفسه. الموت متنكراً بهيئة رجل عجوز.

تقرر الأم مطاردة الموت من أجل عودة الطفل الصغير للمنزل, تواجه الأم عدة عقبات بسبب سرعة الموت الرهيبة. يظهر من هذه العقبات مدى شوق الأم لابنها, هي أم, ولا تريد أبداً أن تسمع شيء عن الفراق بينها وبين الطفل. تاهت في وسط الطريق ولم تعرف أين ذهب الموت بنوارة قلبها. في طريقها تجد الأم امرأة متشحة بالسواد – لم يكن سوى الليل – تعرف الطريق الذي سلكه الموت.. يرفض الليل البوح بمكان الطريق الذي سلكه الموت حتى تغني الأم كل الأغاني التي أنشدتها للطفل الصغير وهو في المهد. غريب أمر هذا الليل! لم يكن هذا الطلب بسبب الأغاني ذاتها, بل بسبب الدموع التي سكبتها الأم طيلة الأيام الماضية وهي تغني لصغيرها. لم تكن الأم مهتمة بالأغاني, تريد أن تعرف الطريق الذي هرب به الموت مع صغيرها. يصمت الليل حتى تقرر الأم الغناء: وتغني الأم, ممسكة يديها, كان هناك الكثير من الدموع, والكثير من الغناء.

تواصل الأم السير في خطى الموت بعد معرفة الطريق من قبل الليل, وتصدم مرة أخرى بعقبة مفترق الطرق. كان هناك هذه المرة شجرة شوكية تعرف الطريق الذي سلكه الموت, ولكن, كما الليل, يريد خدمة مقابل أن يفضي بسر الطريق. الخدمة هي: أن تضم الأم الشجرة الشوكية وتدفئها, فهي حسب قولها ميتة من البرد وتحس بالتجمد. لم تتردد الأم لحظة واحدة, فضمت الأم الشجرة الشوكية إلى صدرها حتى انغرست أشواك الشجر وسط جسدها. تحولت أشواك الشجرة إلى أغصان خضراء, وأزهرت في الشتاء البارد. هذا ما يفعله قلب الأم الدافئ.

ضمت الأم الشجرة الشوكية إلى صدرها حتى انغرست أشواك الشجر وسط جسدها. تحولت أشواك الشجرة إلى أغصان خضراء, وأزهرت في الشتاء البارد.

تستمر رحلة المطاردة وعقبة أخرى تقف في طريقها: إن هي أرادت الاستمرار في طريق الموت والطفل يجب عليها أن تتخطى بحيرة كبيرة, أن تسير عليها, وهذا مالا تقدر عليه, أو تشرب ماءها كله, ولن تقدر عليه بحال من الأحوال. اشترط البحر كما فعل الليل والشجرة خدمة كذلك. طوال تلك الرحلة الطويلة, كانت الأم تضحي بكل ما تملك في سبيل الطفل: بكت حتى سقطت عيناها في البحر لؤلؤتين نفيستين, قصت شعرها الأسود وأهدته لعجوز طاعنة في السن .. ويتفاجئ الموت أن أمامه الآن الأم. قطعت مسافات طويلة من أجل هذه النبتة المغروسة في حديقة الموت: طفلها. كيف استطاعت أن تصل إلى مكان الموت قبل الموت نفسه, صاحب الحديقة؟ كان جوابها مفحماً بكلمة واحدة: أنا أم! قد لا تستطيع الأم أن تقف أمام الموت, ولكن رحمة الإله قادرة على صده. أنا مؤمن بأنها تمثل الصوت الحي لأغنية جين ستينمان: قد تعرف كيف تهمس, وقد تعرف كيف تبكي, وتعرف تماماً أين تجد الإجابات, وتعرف متى تكذب, وكيف تتصنع, وتعرف تماماً كيف تكيد لأعدائها, وتعرف طريق المال, الشهرة, تعرف كل القوانين, وكيف تكسرها .. لكنها لن تعرف, ولن تعرف على الإطلاق كيف تتخلص من يديه, ولن تدعه يسقط من يديها .. لأنها أم!

نهاية القصة من أروع النهايات التي قرأتها, والمختصة تحديداً بعلاقة الأم و الأبناء, وتبيان حالة العشق والهيام التي وصلت لحدودها القصوى : يا رب .. لا تستجب لدعواتي عندما تكون ضد مشيئتك التي هي الأفضل لنا دائماً، لا تستجب لها يا رب.