الاميرة و المرآة

%d8%a4%d9%87%d9%89%d9%8a%d8%ab%d9%82%d8%ab%d9%85%d9%85%d8%b4

كان يوجد اميرة صغيرة معجبة بنفسها، محبة لذاتها، وحاول والداها اصلاحها ولم يتمكنا، واخيرا ظهر لوالديها ملاك، واخبرهما انه يستطيع ان يصلح سلوك الاميرة واشترط ان يأخذها معه لمدة شهر فقبل الوالدان.
حمل الملاك الاميرة الى قصر كبير جدا وسط حديقة جميلة مملوءة بالاثمار الشهية، وكان في القصر نوافذ كبيرة تطل على الحديقة، وكان بين نافذة واخرى مرآة ، وانشغلت الاميرة بالمرايا فكانت لا تشبع من النظر الى نفسها في المرايا، ولكن امرا عجيبا كان يحدث كلما تطلعت الى المرآة فقد كانت المرآة تكبر والنوافذ تصغر الى ان جاء يوم واذا كل النوافذ والابواب تحولت الى مرايا، ولم تستطع الاميرة ان تخرج لترى الحديقة وتأكل من اثمارها. فصارت تركض من ناحية الى اخرى عساها تجد منفذا ولو واحدا فلم تجد.
ثم سمعت زقزقة جعلتها تقف وتتذكر عصفورا كانت قد رأته في قفص فتوجهت اليه وقالت له:
 “يا لك من مسكين! ايهاالعصفور الجميل! وهل انت ايضا مثلي سجين في هذه الغرفة المظلمة؟” ثم احضرت اليه ماءا في يديها من طبق ، ثم بحثت في جوانب الغرفة فوجدت قطعة من تفاحة جافة فحملتها الى العصفور لتطعمه اياها. وبينما كانت تقوم بهذه الامور، اذ بالنوافذ تنفتح قليلا قليلا، فلما انفتحت بدرجة تكفي لاخراج العصفور اطلقته حرا. وما ان انتهت من ذلك حتى وجدت النوافذ والابواب قد فتحت، فصار الاميرة حرة. وقد تعلمت من ذلك انه ان شاءت ان تتحرر فعليها ان تتحرر من محبة الذات. يجب اولا ان تتعلم ان تفكر في الاخرين قبل نفسها وتعمل على اسعادهم. يقول المثل: “ما عاش من عاش لنفسه فقط”.
Advertisements

جرانفيل شارب

slavery-wilberforce-young-x

جمعني هذا اللقاء مع جرانفيل شارب بطل تحرير العبيد. قلت وانا اقترب منه: “هل تصدق اني لم اسمع عنك الا من اسابيع قليلة. وقد علمت ان كثيرين غيري لا يعرفونك! اني خجل من نفسي كيف اجهل رائدا من رواد الحرية. لقد سمعت عن ابراهام لنكولن وفريدريك جونسون .. وانت لا تقل عنهم.

قال شارب: انني يوم ان بدأت الخطوة الاولى لم اكن اظن انها تنتهي الى ما انتهت اليه. لكن يظهر فعلا ان الخطوة الاولى مكانا هاما في تحديد النتائج. هذا ما تم مع عظماء العالم.. لقد وضعت لبنة واحدة في البناء العظيم الذي اقام صرحه “وليم ولبرفورس”

قلت: دعنا الان من الحكم على العظماء وغير العظماء. بل واسمح لي ان اقول، ان حكم التاريخ لا يعتبر حكما نهائيا، فانه يرسل نوره في اغلب الاحيان على من يحصد الثمرة لا على من يضع البذرة ولقد يكون الجندي المجهول هو صاحب الحق في وسام البطولة اكثر من القائد المشهور.على ان سيدنا قد علمنا قيمة الخدمة الصغيرة. وان قيمة العمل العظيم لا تقاس بحجمه ودرجة لمعانه. وانما تقاس بروح تقديمه.

قال شارب: لقد ولدت عام 1735م في درهام، وكان والدي قسيسا ف كنيسة انجلترا وقد نال رتبة ارشيدياكون. كانت العائلة متدينة. لكن الظروف المالية لم تكن لتسمح ان استمر الى الدراسة الجامعية، واضطررت ان اعمل في وظيفة كتابية في مخازن الجيش. فانت ترى ان اسمي لا يوجد في قائمة المتعلمين.

قلت: كيف تقول ذلك؟ فانا اعلم انك استاذ كبير في اللغتين العبرانية واليونانية.

ضحك شارب وقال:

ان لذلك قصة طريفة ، فقد كنت اناقش احد افراد الجماعة المعروفة بالموحدين وه طائفة لا تؤمن بالثالوث القدوس ولما لم يستطع هذا الموحد ان يتغلب عليّ اتهمني بالقصور في التفسير، لاني اجهل اللغة اليونانية  لغة العهد الجديد، فما كان مني الا ان بدأت ادرس هذه اللغة، وظللت ادرس الى ان تمكنت منها كاحد ابنائها. وكذلك كانت لي قصة مشابهة مع احد اليهود بصدد اللغة العبرانية، لغة العهد القديم..

ثم استطر شارب حكي عن حادث اتصل بما انتهى الي هدف حياته فقال:

كنت في طريقي الى بيت اخي وكان طبيبا، وكنت اسير بخطوات متئدة واذا بي ابصر انسانا مسكينا يسير متعثرا في طريقي، اكتشفت فيما بعد انه كان يقصد عيادة اخي ولي ان افخر بهذا الاخ الشفوق، فقد كانت عيادته تذخر بكثير من المرضى الفقراء، ووصلنا كلانا الى باب اخي، ووقف الواحد منا بجانب الاخر، وكان الفارق عظيما، كنت انا في سن الثلاثين فارع الطول، على شئ من الوسامة. وكنت اتمتع بصحة جيدة تجلت في وجهي – وكان هو زنجيا مريضا اقرب الى الحطام، دميم الوجه، وقد زاده الجوع والمرض دمامة، كما ان وجهه وجسده كانا مملوءين بالجروح والقروح مما جعل صورته كريهة منفرة، وكان لا يكاد يستطيع ان يقف على قدميه اذ كان جسمه يهتز كقصبة – وقد اشتركت مع اخي في العناية بذلك التعس الذي عرفنا انه كان عبدا لمحام يدعى دافيد ليزل ، وقد مرض العبد ولم يستطع ان يعمل فاغتاظ سيده من ذلك، وجعل ينهال عليه بالضرب ويمنع عنه الطعام، وبعد ذلك القى به الى عرض الطريق ليموت!

ومر شهران استرد العبد – واسمه جوناثان لستر مونج – فيها صحته تماما، ووجد عملا خفيفا في مخزن ادوية لقى فيه معاملة طيبة، وسارت الامور معه حسنة لمدة، الى ان شاء حظه ان يلمحه سيده القديم ، فدبر مؤامرة لخطفه، فتم له ما اراد، فخطفه وباعه لتاجر من “جامايكا” الذي اراد ان يحمله على سطح سفينته التي كانت على وشك الاقلاع الى جزائر الهند الغربية. على ان العناية الالهية رتبت ان يصل هذا الخبر اليّ. فاسرعت الى اللورد المحافظ، محافظ لندن، وقدمت شكوى ضد ليزل متهما اياه بخطف العبد العامل في مخزن الادوية، ووقف دافيد ليزل والتاجر الجامايكي يتنازعان في امر العبد، واعلن المحافظ ان لا شئ على العبد لذلك افرج عنه، وقامت منازعات بين التاجر وبيني لا داعي لذكر تفاصيلها، استمرت سنتين كاملتين امام المحكمة. لم يوجد محام واحد قبل ان يدافع عن العبد المسكين، فاضطررت ان اكون ذلك المحامي، وجعلت ادرس القوانين. كنت اقضي اليوم كله في عملي وفي اخر النهار اجلس الى كتب القوانين احاول ان اجد فيها حلا لقضية العبد. وتسرب اليأس الى قلب دافيد ليزل والتاجر الجامايكي بسبب طول المدة فتركا الموضوع وشطبت القضية واطلق العبد حرا!!

في ذلك الوقت احسست ان نيرانا تشتعل في صدري ، وامتلأت بتصميم بأن اكرس حياتي لتحرير العبيد، واكتشفت بكل ألم ان لا حاجة لي ان اذهب الى المستعمرات او الى شواطئ افريقيا حيث توجد مؤسسات العبيد، كان الانجليوز الاحرار يخطفون العبيد بواسطة عصابات ويرسلونهم الى سفن بصفة تجارة ثم يباعون. بل انهم كانوا يخطفون نهارا وليلا في شوارع العاصمة، كان الامر مخيفا! وهل تصدق ان الجرائد كانت تنشر كل يوم اعلانات عن “عبيد للبيع”؟ وانا اذكر لك عينة من هذه الاعلانات.

“سيقام مزاد في فندق .. ولد اسود قوي البناء مدرب على العمل وسلوك طيب”.

“للبيع فتاة سوداء عمرها احدى عشر عاما، ماهرة جدا في العمل؟، ماهرة في شغل الابرة، وتتكلم الانجليزية بطلاقة. للاستعلام اتصل بمستر اون في فندق ايننجل خلف كنيسة القديس اكلمنضس”.

وهكذا وهكذا!!

وصمت شارب قليلا ثم تابع كلامه “ولكي اثير الرأي العام ضد الرق على الارض الانجليزية كتبت نبذة وصلت الى كل انحاء البلاد. وفي وقت قصير رأيت نفسي واذا انا بطل مناهضة الرق “تجارة العبيد” في لندن. مع ان الحرب كانت طويلة وقاسية. ما اكثر ما ايقظوني في منتصف الليل لان عبدا مسكينا نقلوه سرا الى سفينة مقلعة الى مستعمرة العبيد في جزائر الهند الغربية.

وقد حاولت ان اضم اخرين اليّ في هذا العمل العظيم، فكتبت الى رئيس اساقفة كنتربري ولقادة الكنيسة الاخرين. ولكن لم يقف احد معي . كان الله معي ووقفت ضد طابور كبير من المناوئين. فهناك البحارة الذين يعملون في السفن لنقل العبيد. وهناك التجارة الذين يتربحون من هذه التجارة. وهناك المنتفعين من اقتناء العبيد. وهناك الذين كانوا يؤمنون ان الله رتب هذا ، وهناك من اعتقدوا ان الجنس الابيض هو المفضل عند الله وانه خلق الجنس الاسود ليكون عبيدا للبيض. وفوق هذا كان هناك الشعب الانجليزي الذي وقف ازاء هذه القضية بلا مبالاة، اذ كان يجهل كل الجهل كل ما يتصل بالموضوع، ولا يسمع شيئا عن المآسي التي تحدث في مستعمرات العبيد.

وجاء اليوم الفاصل في هذه الحرب الضروس اذ قام بيني وبين سادة العبيد في انجلترا نزاع قانوني امام المحاكم، ذلك ان تاجرا يدعى شارلس ستيوارت احضرا الى انجلترا عبدا اسمه جيمس سومرست وباعه لتاجر من تجار الرقيق كان ينوي الاقلاع الى ججامايكا، وفكر ذلك العبد ان يرسل استغاثة الى “الرجل الوحيد في انجلترا المعروف باستعداده ان يعاون العبيد”- نعم. ارسل العبد يستغيث بي. فبادرت بطلب امر حجز العبد بانجلترا الى ان تبت المحاكم في الموضوع، وقبل اللورد مانسفيلد كبير القضاة في انجلترا ان يجعل من هذه القضية محكا للقانون، وتقدم علماء القانون بفتاويهم في كلتا الناحيتين، ووصلت القضية الى المحكمة في فبراير سنة 1772م وظلت في المحاكم يتداولها القضاة الى 20 يونيو، وتطلبت نفقات كثيرة، وقد دفع خصومي نفقات الناحيتين تعجيلا للقضية، واخيرا اصدر اللورد مانسفيلد حكمه بأن يطلق سراح جيمس سومرست، وقد بنى حكمه على انه حالما تطأ قدما العبد ارض انجلترا يصير حرا!

كان هذا الحكم انتصارا كبيرا لقضية تحرير العبيد، انتصار كبيرا، وخصوصا والحرب كانت بين جمهور قوي غني ذو سلطان، وبين شخص واحد!! على انه بقى امامي عمل كبير – نعم. الغى الرق في انجلترا ولكنه بقى في المستعمرات والى هذه الناحية وجهت نظري.