احسب التكلفة

003-gnpi-028-cloth-wineskins

بجوار سور مدرسة للفتيات وقفا سمير وعادل يمزحان ويلقيان تعليقاتهما السخيفة .. قال سمير: “انظر الى هذا الجمال!” فرد عليه رفيقه: “ما اجملها من فتاة! لماذا تخفي كل هذا الجمال خلف كل هذه الثياب؟” وعاد الاول يقول “لو كانت الثياب اقل لكانت اجمل! متعة للناظرين.”

وكادت رقبة الشابين تنخلعان وهما ينظران للفتاة المارة! واستمرا يضحكان ويتبادلان التعليقات على البنات، وعندما مرت فتاة اخرى بحلقا في جسدها .. ولكن نظرهما وقع على رجل خلفهما عرفاه جيدا.

صاح الاول “الاستاذ اسعد.. صباح الخير يا استاذ!”

وصافحهما الرجل: “صباح الخير. لقد جئت الى وسط المدينة للشراء، هل تفعلان شيئا معينا؟ او هل تقتلان الوقت؟”

– انا ايضا سأتسلى واشرب فنجانا من القهوة في هذا المقهى، وادعوكما لتناول القهوة معي”

ولما كان صديقا لاسرتيهما فقد قبلا دعوته، وهمس سمير في اذن عادل: “ترى هل سمع ما قلنا؟” فاجاب عادل: “لا تقلق! كان مجرد كلام! نحن لم نذ احدا!”

وجاءت القهوة ، واخذ الاستاذ اسعد يسألهما عن احوالهما واحوال اسرتيهما، وصمت قليلا، ثم قال: “السبب الذي دعوتكما لاجله للجلوس معي هو ان احدثكما في امر هام!”

– وما هو؟

وانا اسير خلفكما سمعت التعليقات على الفتيات! انا اعرفكما واسرتيكما انكم متدينون كثيرا، ولكن تعليقاتكما اظهرت صورة مختلفة ! هل كان كلامكما يوضح محبة صادقة لله؟

واجاب عادل:

“اسف لانك سمعت هذا! لم يكن من الادب ان نقول ما قناه!”

واستجمع سمير شجاعته وقال:”اظن ان ما فعلناه ليس معصية، فنحن لم نرتكب خطأ – مجرد تفكير! وكلام.. ليس اكثر من كلام بدون تنفيذ!

– وهل تظن ان الله يلاحظ افكارنا؟

– الله يراقب افعالنا، ليجازينا يوم الدين، خيرا كانت ام شرا. ولو فكرنا في امر ردئ دون ان ننفذه فانه يحسبه لنا خيرا، لاننا لم نستسلم للردئ! أليس هذا معقولا؟

وصمت الاستاذ اسعد قليلا ، ثم قال: “اعتقد انكما مخطئان في تفكيركما! قولا لي: ماذا يطب الله منا؟

– اجاب عادل: الصوم .. الصلاة.. الاحسان للمحتاج.. أليس هذا ما يرضي الله؟

هذا صحيح، ولكن نظرة الله اعمق، وقد قال سليمان الحكيم: “لانه كما يفكر في نفسه هكذا يكون” – فالله مهتم بتفكيرنا وقد قال السيد المسيح “من داخل من قلوب الناس تخرج افكار شريرة: زنى، فسق، قتل، شهادة زور، تجديف، حسد”

– كنت احسب ما نفعله هو المهم، وهو الذي يديننا الله عليه في يوم الدين.

– انا لا اتكلم عن دينونة الله الاخيرة فقط، فان لله خطة في حياة كل منا، هنا والان. ان كنت تظن ان اهتمام الله منصب على الدنونة الاخيرة وحدها فانك تكون قد اضعت رؤية الهدف الكامل للبشر، انتبه، لئلا ترتكب خطأ الجاهل الذي حاول ان يبني برجا.

– ومن ذلك الذي اراد ان يبني برجا؟

– هي قصة رواها السيد المسيح، وهي توضح الخطأ الذي كنتما ترتكبانه.

– نرجوك ان ترويها لنا.

– نعم نرجوك! وقد ظهر الاهتمام عليهما وهما يطلبان الاستماع للقصة.. فقال الاستاذ اسعد:

“منذ زمن بعيد عاش رجل احمق طرأت بباله فكرة بعد ان سمع عن احدى خطط الملك.. كانت خطة الملك ان يبني برجا يقيم عليه نصبا تذكاريا فوق مدفنه ، ويا لها من فكرة رائعة! ليتني ابني برجا مثله. وشاغله هذا الخاطر “ولكن هذه الفكرة هي للاغنياء فقط.. وانا لست مهما”. وعندما فكر جاءته فكرة اخرى، فقال لنفسه “وماذا يكون اهم من الموت؟ هل انكر على نفسي مثل هذه الهدية عند موتي”.

ولاح في مخيلته بناء برج مرتفع. فاسترسل في افكاره الحمقاء قائلا “وانا ايضا ابني برجا عاليا جميلا يكون شاهدا على قبري، فيذكرني كل الناس، وهم منذهلون من روعة ما فعلت! وبدأ ينفذ فكرته. وذهب الى خادمه وقال له: اريدك ان تعرض جزء من مزرعتي للبيع!”

تعجب الخادم وقال:

“تريد ان تبيع جزء من مزرعتك! لماذا؟”

نعم ، لاستثمر للمستقبل.

وفي نهاية اليوم. عرض الارض على احد الاغنياء قائلا “هل تريد ان تشتري ارضا في هذا الموقع؟ انه قريب من ارض الملك. انه موقع رائع الجمال، لكنه مكلف جدا.. سيكلفك خمسة الاف قطعة فضية.

– خمسة الاف! هذا كثير جدا.. ولكني سأشتريها!

– لا داعي للقلق على التكلفة، فاني اطلب الافضل. سأضطر ان ابيع جزءا مما املك، لكن لا اهمية لذلك، فما زال عندي الكثير من المال لابني.

واستأجر عمالا للبناء “اريد البرج عاليا.. عاليا جدا بغض النظر عن التكلفة”.

– “تحت امرك يا سيدي! فانت الذي تدفع الحساب.

– احتاج يا سيدي الى اربعة الاف قطعة من الفضة لاجمع الرجال والمواد اللازمة للبناء!

– يا للهول! هذا كثير ولكني اريد الافضل. سأعطيك المبلغ.

وكان سروره بالغا بحجم وعمق الاساسات. وجاءه احد موظفي الحكومة قائلا..

– “انك لم تدفع رسوم الحصول على ترخيص البناء، ولذلك فانك مخالف للقانون.

– رسوم ترخيص؟.. كم هذه الرسوم؟

وناوله الموظف ورقة رسمية، وقال له انها واجبة السداد قبل خمسة ايام.

– ثلاثة الاف قطعة فضية؟ هذا مستحيل! . لابد من بيع المزيد من املاكي.. ولكن المسألة تستحق.

وذهب ليبيع المزيد.

ولم تمض ايام حتى طالبه رئيس العمال بمزيد من المال:

– لقد حان موعد القسط التالي يا سيدي.

– القسط التالي؟

لقد دفعنا اربعة الاف لشراء المعدات ولحفر الاساس. انها قلعة ضخمة كما ترى.

– لكن اربعة الاف كانت اكثر مما قدرت !.. لكني سأحضر لك المال على اية حال.

وبدا وكأنه سيبيع كل ما عنده..

ومضت اسابيع ، وكان يراقب اعمال البناء عندما جاءه موظف الحكومة مرة اخرى، وقال له:

– انت تبني مقبرة. انظر الى عمق الاساسات!. هذا سيغير الموقف.

– هل تعني انك ترد لي جزء مما دفعت من رسوم؟

– لا، ولكنك مطالب بسداد 2500 قطعة اخرى وموعد الدفع لا يزيد عن خمسة ايام.

– 2500 اخرى؟ لقد افلست! لم يبق لي الا البيت الذي اسكنه. ولكن لسوء الطالع كان عليه ان يدفع اكثر .

جاءه رئيس العمال بعد عدة ايام، وقال له:

– عندي اخبار مفرحة يا سيدي: لم يبق سوى ان تدفع ثلاثة الاف ليكتمل البناء وسيكون اروع برج في البلد.

– 3000 الاف اخرى! ولكن ليس معي شئ! لقد انتهى كل ما عندى.

– ماذا؟ هل تبدأ بناء بناء ولا تكمله؟ هل تبدأ مشروع دون ان تنهيه؟ ألم تسأل عن التكلفة من قبل ان تبدأ؟

– لا، لم اسأل، ولكني افترضت ان ما معي سيكفي البناء.

وضحك رئيس العمال، فلم يقابل في حياته ما هو اكثر حماقة من هذا الرجل!

وتوقف العمل في البرج!.. ولما اكتشف الناس ما جرى بدأوا يضحكون عليه قائلين: “لم يحسب النفقة قبل ان يبدأ!” وصار النصب التذكاري الذي اراده علامة بارزة على حماقته!

وختم استاذ اسعد القصة بقوله:

– “انتما تفعلان الشئ  نفسه.. تفترضان انكما تعرفان ما يريده الله منكما دون ان تسألا عما يريده فعلا!

– او ليس العمل الصالح هو ما يطلبه الله!

الله يطلبك انت! ليس عملك الصالح بل قلبك! فقد قال موسى نبي الله: “تحب الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قوتك”..

وسأل سمير: “انا لا افهم- لماذا لا تكون اعمالي الصالحة كافية؟”

– ببساطة لان ارميا النبي يقول “القلب اخدع من كل شئ، وهو نجس”، اذن فمن غير المجدي ان تقوم بالعمل الصالح على حين ان القلب من الداخل نجس!” لذلك صلى داود النبي قائلا “قلبا نقيا اخلق في يا الله”

والله يطلب ان يمتلك مشاعرنا الداخلية ليعطينا قلبا نقيا، ويغير ما بداخلنا”

قال عادل: لم يسبق ان سمعت مثل هذا الامر من قبل! لكنه كلام معقول!”

– لماذا لا ترجعان الى بيتكما لترفعا طلبة مخلصة ان يفعل الله لكما ذلك؟ اسألاه ان يمنحكما قلبا جديداّ! فهو وحده الذي يفعل ذلك”

هز سمير وعادل رأسيهما موافقة ، وشكرا الاستاذ اسعد على اهتمامه بهما، فقد لمس اوتار قلبيهما وفكريهما بما قال.

***

“هذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَقْطَعُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ، يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا. ‏وَلاَ يُعَلِّمُونَ بَعْدُ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ، قَائِلِينَ: اعْرِفُوا الرَّبَّ، لأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ، يَقُولُ الرَّبُّ، لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ، وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ”(ار31: 33 و34).

الإعلانات

اغتصاب الحب

بدأت اجراس دير القديس برسوم بانطاكيا تدق بلحن حزين اليوم كله، وتسلل الشعب الانطاكي في خطوات سريعة نحو كنيسة الدير. لقد ترك الكل اعمالهم، حينما علموا الخبر، وملامح اليتم بادية على وجوههم، وازدحمت مداخل المدينة بافواج من الاباء المطارنة والاساقفة والكهنة والشمامسة والرهبان مع حشود ضخمة من الشعب قادمين من كل حدب وصوب يبكون الاب الروحي ديونيسيوس بطريرك انطاكيا وسائر المشرق.

اضطر شمامسة الكنيسة امام هذا الزحام الرهيب ان يقوموا بتنظيم الدخول الى الكنيسة ، فقد اجلسوا الجثمان المقدس مرتديا الثياب الكهنوتية كاملة على الكرسي الرسولي امام المذبح الالهي. وقد وضعوا صليبا في اليد اليمنى للبطريرك الراحل وعصا الرعاية في اليد اليسرى. وكان المؤمنون يدخلون كل في دوره ليسجد في خشوع امام المذبح ثلاث مرات بقلب منسحق لكن في تسليم كامل لمشيئة الله، ثم يرجع ليقبل الكتاب المقدس ثم صليب البطريرك ويمينه. طالبا بركة صلواته وسائلا النياح لنفسه، ثم يخرج ليترك المجال لغيره. وهكذا انقضت ثلاثة ايام حتى حان موعد الصلاة الجنائزية.

بدأ اقدم المطارنة الصلوات الجنائزية بالصلاة الربانية وارتفعت صلوات الشكر لله صانع الخيرات، وقد تلتها مزامير التسبيح مع قراءات معزية من الكتاب المقدس تكشف عن قوة القيامة والحياة الابدية.

ارتجل اقدم المطارنة كلمة خرجت من اعماق قلبه، عبر فيها عن مشاعر رجال الكهنوت والشعب من اجل ما حل بهم بنياحة اب الاباء وراعي الرعاة، واطال الحديث عن فضائل الراحل مؤكدا ان حبه لن ينطفئ ورعايته لن تتوقف حتى بعد رحيله، فهو ان كان قد خلع الجسد فانما لكي يخدم على مستوى ملائكي روحي سماوي. خدمة الصلاة والشفاعة امام العرش الالهي. واخيرا ختم كلمته بشكره مندوبي ووفود الكنائس الذين جاءوا يشاركون كنيسة انطاكية الامها.

واذ اختتمت الصلوات حمل الاباء الكهنة ابيهم على كرسي وصاروا يطوفون به داخل الكنيسة، في موكب كنسي رهيب، وقد تدفق الكثيرون وتدافعوا يريدون تقبيل البطريرك الراحل.

اخيرا دخلوا به الى مقبرة الاباء البطاركة بجوار مذبح كنيسة الدير. وبقى هكذا حسب الطقس جالسا على كرسي يحمل صليبه وعصاه، لا يرقد في صندوق- وكأنه لا يزال حيا يعمل في كنيسة الله، فقد انضم الى البطاركة السابقين يشترك معهم في الرعاية من خلال صلاته من اجل اولاده بل ومن اجل البشرية كلها.

البطريرك الحزين:

كانت الايام تمر على الكهنة والشعب الانطاكي كأنها سنوات طوال، الكل يترقب كيف سيتم انتخاب البطرك القادم؟ ومن سوف يكون؟ كانت الصلوات ترتفع من الحناجر بحرارة، حتى الاطفال اشتركوا في الصلاة، واقيمت القداسات من اجل هذا الامر.

انعقد المجمع المقدس ، حضره الاباء الساقفة وان كان قد تغيب جاثليق (رتبة اعلى من الاسقف واقل من البطرك) العراق الانبا توما والاساقفة التابعين له، اذ لم يعلمه المجمع المقدس بسبب خلافات سابقة نشبت بينه وبين البطريرك الراحل.

على اي الاحوال، عرضت اسماء المرشحين للبطريركية في جلسة مغلقة، وما انظهر اسم الاب يوحنا حتى اظهر الكل استحسانهم وظهرت علامات البهجة على وجوههم. ولم تمض الا لحظات بسيطة حتى خرج اقدم الاباء المطارنة ليعلن على الملأ خبر اجماع المجمع على تنصيب الاب يوحنا بطريركا. كان للخبره اثره المفرح على قلوب المؤمنين، اخيرا تحول حزنهم الى فرح.

في يوم التنصيب انطلقت اجراس الكنائس تعلن فرحة الشعب بتنصيب الاب الجديد. وقف المرشح حانيا رأسه نحو الارض والدموع تنساب من عينيه. وقد ارتسمت امام عيني ذهنه صور كثيرة: تارة يرى نفسه امام الله، الراعي الاعظم يطالبه بتقديم حساب وكالته ويسأله عن دماء الذين اهمل في رعايتهم فهلكوا. واخيرا يرى نفسه راكا امام المذبح ليحمل الرب عن كاهله اتعاب الرعاية. وقد تحولت اتعابه الى اكاليل مجد.. ثم تارة يعود بذاكرته الى حياته الاولى حين خرج من العالم وقد وضع في قلبه الا يعود اليه ثانية، ويرى نفسه بين اخوته الرهبان وقد كرس كل حياته للصلاة والتسبيح.

وسط هذه الافكار الكثيرة التي حاصرت ذهنه وجد الاب يوحنا نفسه ملتزما ان ينسحب عن هذه الافكار ولو الى حين ليرفع قلبه لله مشتركا مع الاباء في صلوات القداس الالهي، حتى اذا ما حانت لحظات حلول الروح القدس تقدم اقدم المطارنة الى حيث الاب يوحنا ليبدأ صلوات التنصيب.

نسى كل الحاضرين ما كان يلزم ان يتم في هذه اللحظات وهي ان الجاثليق هو الذي يتقدم المطارنة والاساقفة ولكنه لم يكن حاضرا، اذ ان المجمع المقدس لم يشركه في امر اختيار البطريرك الجديد، ولا اعلموه بموعد التنصيب، لكن فرحة اختيار الاب يوحنا انستهم هذه المشكلة تماما فتم التنصيب دون السؤال عن الجاثليق.

سأل اقدم المطارنة الاب يوحنا قائلا:

“اختارك الروح القدس بطريركا لانطاكية وسائر المشرق، فهل تقبل؟”

صمت الاب قليلا، وفي صوت خافت والدموع تنساب من عينيه اجاب: نعم

عندئذ تقدم كبير المطارنة وقبل يمينه وفي لحن سرياني جميل وطويل انشد الكل:

“طوبى للعبيد الامناء، اذا جاء سيدهم ورآهم يصنعون مشيئته”

اذ انتهى اللحن السابق احضر الاباء عصا الرعاية وتقدموا بها امام مائدة الحياة، بينما انطلقت الكنيسة تهتف بلحن سرياني قصير:

“ليعط الرب عصا العز من صهيون لتتسلط على اعدائك (الروحيين) وترعى بني شعبك”

***

لا.. لن يستريح قلبي:

بعد انتهاء الصلوات بقى الاب يوحنا الخامس وسط رجال الكهنوت وشعبه ساعات طوال يتقبل تهنئاتهم.. بعدها دخل الاب قلايته بالبطريركية واغلق بابه، وهنا دارت الدنيا به، وارتمى ارضا، وبالكاد رفع رأسه ليسندها على الكرسي وبدأ يتمتم بكلمات غير مسموعة. كان قلبه يلتهب نارا، يصلي من اجل كل احد، لكنه فجأة بدأ يناجي نفسه:

ماذا افعل مع الجاثليق؟

لقد تجاهله المجمع المقدس تماما في امر اختياري وفي تنصيبي!

هل يستريح قلبي، وهذا الاب في حالة تعب شديد؟

ماذا افعل مع هذا الاب المعروف بشدته؟

ان انشقاقا يحل بالكنيسة لا محالة وانا اكون السبب.

لا.. لن يستريح قلبي ان لم يسترح قلب الجاثليق!

اني اب وملتزم بعلاج الموقف.

صلى بدموع غزيرة، ولم تمض الا ايام حتى طلب انعقاد المجمع المقدس، حيث اعلن لهم انه قد سمع عن انشقاق الجاثليق عن الكنيسة بسبب تنصيبه بطريركا دون وجوده. وبروح متضعة طلب منهم المشورة، لكنه اذ رأى ان بعض الاباء في ثورة ضد الجاثليق طلب منهم بلطف وباتضاع ان يصلوا عنه، وان يسمحوا له بعلاج الموقف كما يرشده الرب. في محبة كاملة وثقة وافقوا.

اخيرا انصرف كل مطران واسقف الى ايبارشيته، اما هو فدخل مخدعه يصلي.

الراهب الغريب

قبل ان تبدأ صلوات القداس الالهي في تكريت، دخل راهب سرياني الى الكنيسة بلباس رخيص، يبدو انه قادم من طريق طويل، فقد ظهرت عليه علامات الارهاق الشديد، كما امتلأت ثيابه بغبار الطريق. احنى الراهب رأسه نحو الارض وهو يسير بخطوات جادة بطيئة حتى الى الهيكل، حيث سجد ثلاث دفعات وهو يصلي ثم رشم الصليب. عندئذ قبل الانجيل والايقونات المقدسة، واخيرا وقف امام الجاثليق وضرب ميطانية حتى الارض، ثم قبّل الصليب الذي بيده، وهو يقول: صل عني يا ابي، فاني خاطئ. ثم انضم الى صفوف الرهبان يشترك معه في التسبيح والالحان.

لم يلفت هذا المنظر احد، فقد اعتاد بعض الرهبان ان يأتوا الى هذه الكنيسة لغرض او اخر.  لكن وقوف هذا الراهب الغريب بخشوع واستقامة ونظراته الوديعة وترنمه بروحانية سحب قلب الجاثليق وكل الحاضرين حتى استدعاه الجاثليق وسأله عن اسمه وعن ديره، ثم سأله ان كان يبقى معه في الكنيسة، فاجاب الراهب: اني غير مستحق يا ابي الجاثليق ان اجد هذه النعمة في عينيك”.

اذ جاء موعد الغذاء اجتمع الجاثليق مع الاباء الكهنة والرهبان وعرفهم بالراهب الجديد، فرح الكل به. وبعد الطعام، وينما عرفوا انه قادم من انطاكية بدأوا يسألونه ان كان يعرف البطريرك الجديد، اجابهم:

“اني اعرفه، انسان بسيط”.

سألوه ما موقف المجمع المقدس، اما هو فاجاب اني لا اتدخل كثيرا مع اعضائه، لكنني على ما اظن وما سمعت ان الجميع يشعرون بندم، ويشتهون لو وجدوا الوسيلة للاعتذار للاب الجاثليق واساقفته.

استطاع الراهب بلطف وحكمة ان يحول دفة الحديث بعيدا عن المشكلة، وصارت الجلسة روحية رائعة.

وجد الراهب نعمة في عيني الجاثليق والكهنة والشعب حتى تحولت قلايته التي اعطاه اياها الجاثليق في دار المطرانية الى قاعة اجتماعات روحية دائمة.

كان الجاثليق في ليال كثيرة يفتقد الاب الراهب ليجلس معه. يتحدثان معا حول كلمة الله، وسير القديسين، والترنم بالتسابيح الكنسية. كثيرا ما كان يتحدث الاب الجاثليق مع الراهب عن بعض المشاكل الكنسية والراهب في اتضاع ورقة يجيب بكلمات تطيب خاطره.

لم تمض الا ايام قليلة على قدوم هذا الراهب حتى ول نبأ نياحة الاب جرجس مطران ارض العرب التابعة للجاثليق، فحزن الاب الجاثليق عليه جدا، واضطر ان يترك تكريت ليرأس صلاة التجنيز. وهناك بدأ الشعب يسأله عمن يحل محله، فاجابهم ان لديه راهب من انطاكية يصلح لهذا المركز.

سرعان ما انتشر الخبر ،حت اذ عاد الجاثليق ورفقائه كان الخبر قد ملأ تكريت، فجاء الكهنة وكثير من الشعب يهنئون الراهب على سيامته مطرانا ويعلنون اسفهم الشديد على تركه اياهم.

اسرع الراهب الى الاب الجاثليق يعزيه في انتقال المطران، فربت الجاثليق على كتف الراهب، وهو يقول له: “ان عزائي الوحيد ان الله يسندك في مهمتك الجديدة!” عندئذ بدأت الدموع تنهمر من عيني الراهب وهو يقول: “حاللني يا ابي فاني لا اصلح لهذا المنصب”.

“انا اعرف انك انسان متضع، والرب يعمل فيك من اجل اتضاعك. اني واثق ان الرب الذي وهبك هذه الايام القليلة نعمة في اعين الجميع يعمل فيك ايضا بعد سيامتك، وستكون بركة لكثيرين”.

عندئذ ضرب الراهب ميطانية امام الجاثليق حتى الارض وهو يقول:”يا ابي سامحني، اني اريد ان اكون لك تلميذا. اني محتاج الى بركتك. اعفني من هذه السيامة”.

حاول الجاثليق ان يقنعه بكل الطرق فلم يفلح، اخيرا سأله الراهب: “اسمح لي يا ابي ان اعترف لك، فانك لا تعرفني جيدا. ان كان احد قد اخطأ فماذا يفعل؟”

فكر الجاثليق قليلا وادرك ان الراهب يعترف بخطية معينة يظن انها تعوقه عن السيامة فاجاب: “ان الله محب البشر، وغافر الخطايا يا ابني”.

لم يحتمل الراهب الموقف، فبكى بشدة، وهو يقول “با ابي، اني اخطأت كثيرا في حق الله وفي حقك”.

اخذ الجاثليق يربت على كتفي الراهب وهو يقول : “لا تقل هذا فاني احبك”

عندئذ صنع الراهب ميطانية وهو يقول: “اتغفر لي يا ابي؟ انا عبدك البطريرك يوحنا الذي قبلت التنصيب دون استشارتك ودون نوال بركتك”

لم يحتمل الجاثليق الموقف بل ارتمى على عنق اللاب البطريرك يبكي بمرارة، وطالبا الصفح عن كل تصرفه صدر منه او كلمة خارجة جارحة خرجت من فمه ضده.

القمص تادرس يعقوب ملطي