ذهبي الفم -1

37612-p

في هذه الايام الاخيرة ملأ قلبي شوق طاغ ان ارى القديس يوحنا ذهبي الفم بعدما قرأت سيرته وجذبتني اليه عظاته واقواله الذهبية. صليت وصليت.. وفي احد الليالي طال سهادي. كانت الوسادة اللينة شوكا تحت رأسي، ومع ان جسمي كان مرهقا الا ان النوم جفاني، وبالطبع كانت حالتي المعنوية على غير ما احب. كنت مغمض العينين وكنت اجلس في المقعد الطويل الملاصق للسرير وقد ملت للخلف. وبغتة اضاء المكان بنور وهاج وابصرت بعيني المغلقتين القديس في حلة بهية ..احست بخوف ورهبة اضطربت لها كل جوارحي، ولكن القديس يوحنا ابتسم في وجهي وقال : “لا تخف. اننا اصدقاء، وقد جئت تلبية لندائك، وسأمكث معك الى ان تفرغ من حديثك معي او تنتقل الى هناك حيث تعرف كل شئ دون ان تسأل”.

قلت: انا ارغب ان اعرف اثر تربيتك على اختيارك ان تتبع السيد المسيح وتخدمه.

وتكلم ذهبي الفم قائلا:

كانت الاوقات مضطربة وكانت انطاكية تعج بجماهير المسيحيين المختلفين. كان نصف السكان يدين بالمسيحية ولكن غالبيتهم كانت مسيحيتهم مسيحية بالاسم. ولا اذكر التاريخ بالضبط ، هو على كل حال بين عامي 344 و 354. ولدت من اب يدعى اسكوندوس يعمل في قيادة الجيش وامي انثونة وقد تزوجت في سن مبكرة جدا وترملت امي بعد سنوات من زواجها وابت الارملة الشابة ان تتزوج بل كرست كل حياتها لتهذيب ابنها.

لقد قالت لي ذات مرة حين كبرت قليلا: “يا ابني لقد شاءت ارادة الله ان تحرمني من بركة وجود ابيك الى جانبي ليقوم بمسئولية العناية بك بمعاونتي وتركني احمل عبء الترمل وانا بعد فتاة غرة عديمة الحنكة، لم اكن اشكو قلة المال بل لعلي شكوت من كثرته، وقد كان في مالي مطمع الكثيرين، الكثيرون من الاهل والخدم ومن موظفي الضرائب. كان ترملي صدمة عنيفة لي كزوجة وكان كارثة لي كام. ما اكثر الليالي التي اغرقت فيها وسادتي بالدموع ، وما اكثر مات امتلأ بيتي من انفاسي الملتهبة. ما اكثر ما اهتز عودي من الزوابع والاعاصير. على ان كل ذلك لم يكن لييحركني الى زواج ثان. لم اقبل ان يدخل زوج اخر بيت ابيك فبقيت في صميم الاعصار. لم احاول الخروج من حالة ترملي. لقد ساعدني على ذلك في المقام الاول العون الاتي من فوق. لقد وجدت تعزية فائقة بتطلعي الدائم الى وجهك ومشاهدتي فيك صورة حية لابيك بكل ملامحه. كنت وانت طفل صغير كل تعزيتي – ولقد حاولت جهدي الا المس فلسا مما تركه ابوك لك ، ومع ذلك فاني لم ابخل بشئ من المال لتهذيبك على وجه لائق. وانا اقول ذلك لا لامتن عليك اذ لا يجوز ان يكون هذا من ام لابنها. ولكني اذكره لاطلب منك منّة واحدة تقابل بها احساني اليك وهي الا تتركني بمفردي.. وتذهب لتترهب”

وقد كان طلبها عادلا. كنت انا كل شئ بالنسبة لها . من اجلي دفنت شبابها ، ومن اجلي قاست ما تقاسيه الارملة الشابة الجميلة الغنية من تجارب لا يدركها الا من تجربوا مثلها – كانت تطلب التعزية في رؤية ابنها يملأ الفراغ الكبير المتخلف عن حرمانها من زوجها. لقد قالت لي يوما : “الم تفكر يوما في مكان يويف البار من البتول مريم؟ الم تفكر يوما في مكان هذا الزوج الذي عاش مع البتول ليقيها من سهام المحيطين بها ، وليتولى عنها ومعها حماية الوليد المققدس. لقد سمحت العناية ان احرم من هذه العناية في صدر شبابي فلماذا تفكر في هجري لتعيش في خلوة وان كانت خلوة مقدسة: انني اكرم الرهبنة واعتبرها شيئا جليلا مقدسا. انه شئ حسن ان تترك العالم لتخدم السيد. لكن وجودك في العالم هو ايضا خدمة مقدسة لانك تقدم له المسيح في حياتك.

كان هذا رأى امي في الرهبنة وارجو الا يخطر ببالك انها قصدت ان اعيش في العالم كشاب غني يطلب الملذات التي يوفرها الشباب والمال والفراغ. فقد قامت بتهذيبي اللائق بحالة ابن عائلة نبيلة. تلقيت العلم على يدي امهر الاساتذة. وكان استاذي في الخطابة المعلم الشهير ليبانيوس الذي عاش وثنا ومات وثنيا، وقد ترامى الى علمي انه قال قبل موته – وكان ذلك سنة 393 عندما سئل ترى من يرشح لمكانه  بعد موته- قال: كنت اود ان يخلفني يوحنا لو لم يكن المسيحيين قد اختطفوه!

الدكتور القس لبيب مشرقي ف كتابه “رجال ونساء”

+++

 

Advertisements

احمل النير وواصل المسير

carrying-a-heavy-load-230x300

ارسلت للخدمة في السودان، وبالتحديد في مقاطعة “رنك”، لمدة أربع سنوات. وبينما كنت هناك (كنت أعيش على الحدود بين الشمال والجنوب، على الحدود بين العرب والافارقة. كان وقتا متوترا للغاية، كانت الحرب الأهلية قد انتهت لتوها، وكان الجنوبيون قد بدأوا حركتهم نحو الاستقلال، والذي حدث في 9 يوليو عام 2011م.

كنت أعيش، على بعد 250 ميلا الى الجنوب من الخرطوم على نهر النيل الأبيض. اي كنت على بعد 250 ميلا من اي شخص أبيض، إذا أردت شئ على سبيل الترفيه، فانت مضطر للسفر فى الطرق الذي يصل بين الجنوب والخرطوم، ولكن للقيام بذلك، كان عليك ان تعبر من خلال ما يصل إلى 50 نقطة من نقاط التفتيش العسكرية، مع مجموعات من البشر الذين لا يحبون البيض. أنهم لا يحبوني، وكان من المتوقع ان تتلقى خمس ضربات على قفاك حتى قبل أن تفتح فمك بالكلام. كنت بيضاء، أنثى، مسيحية، مبشرة أمريكية.

كنت هناك لمدة ثلاثة أشهر، بعدها حصلت على إذن للعودة.

لقد كنت هناك لفترة طويلة ، كان هناك أيام شديدة الصعوبة. كانت هناك أيام عندما جالت في ذهني هذه الفكرة الغبية، ما كان عليّ الانتقال ابدا إلى السودان.

ثم جاء شهر أبريل. أبريل هو حقا شهر شديد الحرارة في السودان. كنا نعيش على حافة الصحراء الكبرى. كان لدينا جالون واحد من الماء في اليوم لنستحم. كان علي ترشيح كل قطرة من المياه اريد ان ارتشفها او أنها ستقتلني، لأن هذه القطرة جاءت من النيل الأبيض، وهو على خلاف اسمه “نهر ليس ابيض على الاطلاق. لم يكن هناك كهرباء في البداية. لم تكن هناك اي وسائل للترويح. كنت ادرس للاطفال تحت سقف من الصفيح. ووصلت إلى النقطة التي بدأ إيماني فيها يهتز بعض الشئ.

أنا لم افقد الإيمان بالله. ما فقدته هو الثقة في دعوتي للخدمة، وعما إذا كنت فعلت حسنا بمجئ الي السودان.

وهكذا كتبت رسالة عبر البريد الإلكتروني – بعد ان ادخلت الكهرباء- إلى صديقة عزيزة.

packing-a-suitcase-300x194

كان الإنترنت في بداية دخوله الى السودان، كان الامر يمكنه أن يستغرق أسابيع لبريد إلكتروني للوصول. كتبت صديقتي هذه الرسالة. والتي هي بضعة اعداد من ترنيمة تقاول “تقدم يا شعبي .. وواصل المسير”

هذه الرسالة جاءت للرد على رسائلي التي بلغت طول احداها في الواقع 32 صفحة. كل يوم، وأود أن أقول انني كنت اكتب كل يوم صفحة وانا اقول: “حسنا، اعتقد ان شبكة الإنترنت لا تعمل اليوم، ولكن اسمحي لي ان اخبرك عما حدث معي اليوم.”

تلك الترنيمة يمكن أن تكون متفقة تما مع قراءة الإنجيل هذا الصباح ، وكان من لوقا، عن قصة تلميذي عمواس. كانا يمشيان جنبا إلى جنب، بعد أن ترك اورشليم. كانا من تلاميذ الرب يسوع. و رأوا معجزاته. رأوه يطعم 5000 شخص – رأوه يشفي الناس، يرد البصر للعميان، يرد السمع للصم، والنطق للخرس…. ثم ألقي القبض عليه. تعرض للضرب. وتعرض للالام المبرحة، الام الجلد والصلب.. ووضع جسده في القبر.

هذين الشخصين كانوا يسيرون على طول الطريق، وقد فارقهما الفرح، الحب، الرجاء. تركوا الكل في القبر مع يسوع. على الرغم من أن القبر فارغ الآن.

… هذه الامتعة التي يحملونها في الطريق … هي اليأس … والاحساس بالخسارة والفشل … والخوف من السلطات الرومانية أو قادة الفريسيين لأنهم كانوا من أتباع يسوع.

إذا كنت تقرأ هذا الاعداد (لو21) في اليونانية، وأنا أريد منك أن تدقق في ان لوقا كان يستخدم كلمة للتعبير عن المشي على طول الطريق إلى عمواس ليست الفعل المعتاد للمشي. والفعل المعتاد الذي يستخدم للمشي هو برباتيو، وهو ما يعني أن يمشي جنبا إلى جنب مع بعض الخفة والنشاط. الفعل الذي يستخدمه لوقا بدلا هو الفعل (بوريومي) الذي يعبر عن شخصين يمشيان جنبا إلى جنب، وهما يحملان حملا ثقيلا. يسيران جنبا إلى جنب، ببطء شديد، ويمشيان والأمتعة التي يحملانها هي اليأس، والخوف. ومن ثم كان يبدو من المنطقي ان يسألهما هذا الرجل السائر على الطريق معهم (الرب يسوع)، ويقول: “وهكذا، ما هذا الكلام الذي تتطارحان به؟

مترجم عن:

http://www.gointotheworld.net