الساحر المحتال

%d9%88%d8%ad%d9%8a%d8%af

كان يسير في احدى الشوارع الشعبية، حين وجد جمهرة كثيرة، فجذبه حب الاستطلاع وفضوله لمعرفة سبب هذا التجمع، فأخذ يقترب حتى وصل وابتدأ يزاحم وسط هذا الزحام حتى وصل الى المقدمة.

هناك كان يقف الساحر. كان وجهه دميما وملابسه قذرة وصوته غليظ، وعلى الرغم من هذا التف حوله كل هؤلاء ليشاهدوا سخافات يعلمون انها سخافات، يعرفون انه يضحك عليهم بالعابه المبتذلة ، وعلى الرغم من ذلك يشاهدون وعلامات السرور تبدو واضحة في ملامحهم. يصفقون له بكل ما اوتوا من قوة. جذب انتباهه انه يعرف معظمهم، فهذا دكتور امجد وصديقه المهندس تامر، وهذه الاستاذة ليلى المحامية وزوجها الاستاذ ايمن مدير البنك، وابنهم امين الطالب الجامعي وهذا  وهذه و – هؤلاء كلهم معروفين لديه تمام المعرفة – وهذا ما ادهشه اكثر، ترى لماذا ترك كل هؤلاء المحترمين انفسهم لشخص جاهل يضحك بهم وعليهم، ويحولّهم الى جماعة من الحمقى التافهين؟

فسأل من بجواره: لماذا انت هنا وتتابع هذا الساحر الجاهل بكل هذا الشغف؟

فاجابه الرجل دون ان يلتفت اليه: لا اعلم .. في البداية جذبني الفضول ولم استطع الرحيل من وقتها.

فسأل الشاب بتعجب: اذن انت هنا منذ زمن طويل!!! منذ متى؟

وللمرة الثانية جاءته الاجابة: لا اعلم..

وقف يتفرج، وبعد ردحا من الزمن لا يعرف طوله، وللمرة الثانية عاد يسأل من بجواره – وكانت هذه المرة فتاة :

لماذا تتابعين هذا الساحر الجاهل؟

الا ترى كم هي بديعة حيله!

لا ، انا اراها سخافات والعابا مبتذلة..

تجاهلت ما يقوله واكملت حديثها: انا حزينة – اضحك وقلبي مملوء بالحزن- ابتسم ولكن عيناي دامعتان – اطلب دائما والساحر لا يكف عن اجابة طلباتي – انا وغيري من المتفرجين – انه يبهرنا بحيل جديدة وكثيرة على الدوام. انه يربطنا معه ، واصبحت انا بالذات اكثر ارتباطا به –  فقررت ان ابقى معه. فهل لي ان اطلب منك شيئا ايها الرفيق؟

اجبتها على الفور: اطلبي ماشئت. كم يسعدني ان اقدم لك اي خدمة.

قالت:انا اشعر بالبرد والخوف معا. هل تستطيع ان تخرجني من هنا؟ هل تستطيع ان تدفئني – هلا اخذتني بين احضانك – انا جد بردانة..

اسرع الشاب وضمها الى صدره واغمض عينيه وهو يقول: لطالما تمنيت ان اتكلم معك للحظات. لطالما تمنيت ان اراك في احلامي، وانت اليوم تحققينها لي، بل وتطلبين مني ما لم اكن حتى لاحلم به في اجمل واحلى احلامي.. يا لك من انسانة عظيمة و..

قاطعته: لا .. لست انا عظيمة . بل الساحر، الساحر هو العظيم لانه احضرك اليّ الى هنا.

كان يضع منهما رأسه على كتف الاخر وكانا يترنحان، حين سألها الشاب وهومازال مغلقا عينيه ظانا انه في حلم يخشى ان يفتح عينيه فينتهي الحلم. فسألها: كيف يا حبيبتي هذا.. كيف تقولين عظيما وانا اراه سبب لك الهم والغم.. انا اراه ما هو الا احمق يلتف حوله الحمقى مبهورين ببعض الحيل القديمة الحمقاء.

كان لا يزال مغمضا عينيه وهو يضمها الى صدره حين سمعها تقول: اذن انت انت واحد من هؤلاء الحمقى – لانك صدقت هذه الحيلة واستمتعت بها ايضا..

كان موقنا ان الصوت يخرج من بين شفتي حبيبته الملاصق لاذنه، ولكن الصوت كان لرجل ، رجل كان يسمع صوته منذ بضع لحظات.. افاق لنفسه، وادرك انه سقط هو ايضا في الخديعة.. سقط مثلهم جميعا.. سقط من ساحر كان يشمئز منه منذ بضع – لا يعلم، هل هي لحظات ام ايام ام سنوات-  بكى لانه شعر كم هو غبي. وهنا تملكه شعور بالغضب والانتقام..

عليه ان يفضح السائح والان..

عليه ان يتصارع معه ويغلبه.. فهو ساحر مغلوب ومهزومومقيد.. وهنا هم بالانقضاض عليه للانتقام، ولكنه في اللحظة الاخيرة توقف.. لقد ادرك انها الخدعة الثانية التي كان سيسقط فيها.. وهنا صرخ الساحر صرخة مدوية رافضا انكشاف خدعته.. وهنا ادرك الشاب ان عليه الهروب من وجه هذا الساحر الدميم.. عليه ان يهرب ولا ينظر الى الوراء.. عليه ان يهرب لحياته.. عليه ان يهرب من هذا الساحر الذي يضل حتى المختارين.. عليه ان يهرب، ففي هروبه انتصار.. ومجرد خروجه من دائرة سيطرته فوز ومجد..

جرى وجرى.. كان يلهث متعبا ، ولكنه كان فرحا، لانه كان يجري نحو الجعالة غير مضيّعا وقته.. لم يعد تحت سيطرة الساحر . لم يكن هروبه خزيا له، بل اعظم من انتصار.

تغيير في القلب

change-of-heart

كثيرا ما نحكم على الاخرين بمقاييس خارجية : فنحكم على منظرهم، وعلى نسبهم واصلهم، وليس هكذا ينظر الله للناس ، فنظرة الله غير نظرة البشر: الناس ينظرون الى المظهر الخارجي، اما الله فينظر الى القلب.

ترك سمعان الاجتماع ورأسه مرفوع زهوا وعجبا وخيلاء، فقد قاد جماعة المؤمنين في الصلاة، بل انهم طلبوا منه ان يلقي فيهم خطبة قصيرة.

فكر في نفسه: “سائر الشيوخ يحترمونني – وهكذا يجب ان يكون. على اي حال لا يستطيع احد في المدينة ان يقول: انه اكثر تقوى مني!

وعندما وصل الى بيته ابتسم لزوجته ابتسامة الظافر، ولم تقل شيئا وهي تواصل تجهيز العشاء، لكنها قالت في نفسها: “سيحكي لي الكثير وهو يتناول العشاء. ما اسعدني بهذا الزوج المتدين! كل النساء يحسدنني على زواجي من هذا الرجل الذي يحتل مكانة هامة في بلدنا!”

كان سمعان يأخذ حماما ساخنا حتى يتم تجهيز العشاء. وفي اثناء الطعام كان قلبه مفعما بالبهجة!

كنت اود ان تريني! لقد تركت اثرا كبيرا على الشيوخ وانا احدثهم عن الخطية. وبختهم على خطايا الزنا وعدم دفع العشور وعلى الكذب والسكر، واهمال الصلاة،..

وقاطعته زوجته: “رائع! على الناس ان يتحاشوا هذه المعاصي لينالوا رضى الله، وانت خير قدوة لهم يا زوجي العزيز!

واسترسل سمعان يمدح نفسه مجددا: “وعدما انتهيت من خطبتي كان المجتمعون محدقين فيّ ومصغين تمام الاصغاء.. لقد بدا الناس امامي جامدين في اماكنهم وكأن على رؤوسهم الطير!

لقد حاول سمعان ان يتحاشى الكبائر، فابوه قائد ديني كبير يحترمه الجميع، وكذلك جده. وفكر سمعان في نفسه: “اه لو رآني ابي الان لامتلأت نفسه بالفخر بي”

بعد العشاء ذهب سمعان لغرفته ليقرأ وفي اثناء القراءة تطلع من النافذة فرأى في ركن الشارع فتاة جميلة تبيع الليمون، لم تكن هذه اول مرة يلحظها. واستمر ينظر اليها ويحلم بسعادة اللحظات التي يقربها فيها اليه! ولو ان بعض نفسه قالت له: انه يجب الا يفكر هكذا..! ولكنه عاد يقول لنفسه: “ولكي لم اضر احدا – انني لم اخطئ ولم ارتكب الزنا معها!”

علم سمعان انه لن ينفذ ما فكر فيه – واسعده كثيرا حلمه بالفتاة! وقال لنفسه “كل واحد يفكر مثلي، ولاحظ في هذا. انا افعل الصالح دوما، ولا ضرر في التفكير!” ثم وضع كتابه جانبا وجعل يفكر في بائعة الليمون معه وحده!

وفي الجانب الاخر من المدينة عاش رجل غني كوّن ثروته من الحرام، كان يحصّل الضرائب لمصلحة المستعمر الروماني، فكان يتقاضى اكثر كثيرا من المطلوب لحسابه الخاص.

المطلوب عشر قطع من الفضة.

هذا ظلم ! انت تعلم ان المطلوب هو ست فقط.

قال زكا: “عظيم! تعال الاسبوع القادم، وادفع ستا”

فصرخ الفلاح: “وتطلب من الشرطة ان تلقي القبض عليّ لاني لم ادفع الضرائب. كلكم – يا جامعي الضرائب – سواء.. لصوص!” والقى بالقطع العشر من الفضة ومضى.

وبعد نهاية عمل اليوم رجع زكا الى بيته. كان زكا مثل سمعان رجلا هاما، ولو ان زكا كان مكروها. لم يكن احد يصادقه ا زملاؤه في مهنته اي من العشارين جامعي الضرائب – وما اكثر ما ضايقه هذا، ان يكون مكروها من بني امته!

ولكنه كان يقول لنفسه ملطفا من ثورته الداخلة: “يبدو انه لابد من وجود اعداء للانسان..”

ولكن في اعماقه كان يعلم ان حالته اردأ من ذلك، كان يخدع الناس ويخدع الله”

عندما وصل الى البيت سلم حصانه الى احد الخدم، وما ان اقترب من باب بيته حتى اسرع نحوه احد زملائه من جامعي الضرائب، وحيّاه قائلا:

– “صديقي زكا! جئت ادعوك لحضور حفل عندي، ستحضر نسوة كثيرات وانهار من الخمر!”

– “لا، ش…شكرا ليس الليلة. اشكرك!”

ودخل زكا بيته واغلق الباب وقال زكا في نفسه عن زميله: “ماذا دهاه؟ ما اغرب تصرفاته!”

ومسح زكا عرقه وشرب كوبا من الماء، واكتشف ان يده ترتعش، وقال لنفسه “يبدو لي احيانا ان كل الناس يركضون الى الجحيم!” ثم جلس في كرسيه المفضل.

وتثبتت نظراته على درج كان يقرأ فيه من كتابات الانبياء القدامى، والهبت الكلمات المكتوبة قلب زكا، وجعلته يشعر بعدم الراحة، ولكنه لم يقدر ان يتوقف عن القراءة، كان الكلام عن محبة الله ورغبته في ان يكون للانسان صلة به، كان هذا مثل الماء البارد لنفسى زكا العطشى. لكن التوبة هي شرط الصلة مع الله.. هذا يعني ان يهجر طريقه الضال ويكره خطيته .. وبدا هذا الشرط اصعب من ان يقبله زكا.

وامسك زكا بالدرج وهزه وكأنه يوجه له الاتهام قائلا:

“فيك سر مشاكلي! اتركني لحالي! هل تريد ان تكشف فراغ نفسي؟”

ولم يكن هناك صدى لصرخات زكا، ولكنه كان يعرف الاجابة. لقد كشفت كلمات الدرج حالته كما يراها الله، وعاد يفتح الدرج ليجد مكتوبا فيه: “قال لهم: هذه هي الراحة، اريحوا الرازح.. ولكنهم لم يشاءوا ان يسمعوا”.. هنا بدأ زكا يبكي كطفل وهو يقول: “يا رب، انا الرازح طالب الراحة”.

كان زكا يدرك ما يجب ان يفعله – ان يغير ثيابه. ويذهب للصلاة.

وقال لنفسه وهو يرتدي ثيابه ويستعد للذهاب للهيكل : “ربما احاطي الله برحمةاذا تبت اليه”. ثم اتجه للباب

في الوقت نفسه كان سمعان يستعد للذهاب الى الصلاة، واحصى ما معه من مال ليدفع عشره للفقراء. كان في قمة السعادة والفخر لانه يفعل كل شئ “كاملا” – واتجه الى باب بيته.

واتسع فم سمعان بابتسامة كبيرة وهو يلقي نظرة على بائعة الليمون. كان سعيدا انها تبيع بجوار بيته فتمنحه فرصة التملي من منظرها.

ومر بجماعة تستمع الى واعظ يتحدث عن البر الحقيقي، فوقف وسمع بضع كلمات:

سمعتم انه قيل : لا تزن، واما انا فاقول لكم: ان كل من ينظر الى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه!” وتوقف زكا في الوقت نفسه ، ليستمع للكلمات نفسها : “فان كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها والقها عنك ، لانه خير لك ان يهلك احد اعضاءك ولا يلقى جسدك كله في جهنم!”. وعندما انهى الواعظ كلامه وبدأ سامعوه ينصرفون – جعل سمعان يفكر في نفسه:

“هل الشهوة في القلب توازي الزنا؟ مستحيل!”

ولكنه كان يعلم في اعماق نفسه ان هذا الكلام صحيح. اما زكا فقد اسرع نحو الهيكل بعد ان سمع هذه الكلمات وهو يقول لنفسه: لا اريد ان يلقى جسدي كله في جهنم!”

ودخل زكا وسمعان الهيكل في الوقت نفسه. وحيّا العابدين قائلا: “سلام الله معكم”.

ولكنهم لم يعيروه اهتماما ولم يبادله احد بالتحية. لقد فكروا في انفسهم هكذا “كيف يجرؤ مثل هذا الشرير ان يكلمني؟”

سمعان لم يرد عليه ايضا، فقد سبق ان غش زكا سمعان.

اما زكا فقد وقف من بعيد لا يقدر ان يرفع وجهه لاعلى وقرع بيده على صدره وقال: “اللهم ارحمني انا الخاطئ. اغفر لي ذنوبي. سأعطي المساكين نصف اموالي، وارد لكل من ظلمته اربع اضعاف. انا تائب.. تائب.. فلتشمل برحمتك الواسعة عبدكم الخاطئ.

ورأى الله قلبيهما وهما يصليان، وسمع الله لصلاة واحد منهما فقط. كانت تلك صلاة زكا المنسحقة. فقد قبل الله توبته ونزل الى بيته مبررا مقبولا عند الله.

===

“لان كل من يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع”.

هل هناك حاجة الى المسيح

aid2264996-728px-repent-according-to-the-bible-step-3-version-3

كان رجل اسمه “فاجنر” وكان موظفا في الحكومة له مرتب لا بأس به، وكان معتبرا من الناس الطيبين. وكانت زوجته واسمها “كاسيتي” امرأة مسيحية تقية. وفي احد الايام دخل فاجنر الى بيته فوجد زوجته تقرأ في الكتاب المقدس، ولم يكن يكره ان تكون مسيحية او ان تقرأ الكتاب بل كان راضيا عن ذلك كل الرضا،خصوصا وان كاسيني كانت زوجة فاضلة.. وقلّب فاجنرصفحات الكتاب ثم قال لزوجته: انا احب المسيحية ولكني لا ارى لزوما لذبيحة الكفارة او على الاقل لي انا. انه عار عليّ ان اقول ما يقولوه المسيحيون “ارحمني يا الله انا الخاطئ” فانني لست بخاطئ بل انا رجل صالح ومستقيم اخدم الله بالصوم والصلاة ولا اسرق بل امنح المساكين صدقات كثيرة. اما كاسيني فلم تفه بكلمة بل كانت تقرأ بسكوت وتردد في بالها هذه العبارة “لو لم يمت المسيح لاجل الخطاة ما كانت لي سماء”.

-2-

ونام فاجنر عقب هذه الكلمات، ورأى حلما، واذا ملاك بهي الطلعة يقول له “يا فاجنر انك مدعو الى وليمة الفردوس، فخذ هذه الحلة البيضاء التي اذا بقى بياضها كما هو امكنك في حضرة الملك العظيم، على اني احذرك من الخطية لان كل خطية ستكون نقطة قذرة على هذه الحلة فاحفظها بيضاء كما هي يوما واحدا، فستكون كل افراح الفردوس جزاءك الابدي. وسر فاجنر من ذلك سرورا عظيما. وقال في نفسه:”ان حفظ  نفسي يوما واحدا بدون خطية امر سهل ..”

-3-

ورأى في حلمه انه استيقظ صباحا وهو يفكر في حديقة جاره ابراهيم. وقال في نفسه سيموت ابراهيم قريبا وابنه لا يعرف قيمة الارض، فسأحتال عليه لاشتريها منه بمئتي جنيه وساحتال ايضا على الشريف ليشتريها بالف ريال.. وحالما تخيل الالف جنيه ضحك في قلبه من فرط السرور، ولكن سروره انتهى بغتة اذ رأى نقطة قذرة على ثوبه وقرأ بجانبها “محبة المال اصل لكل الشرور”.

وحاول فاجنر ان يمحو النقطة القذرة بالصلوات، فركع وجعل يكرر صلوات طويلة بفمه فقط لان قلبه كان باقيا على الطمع، وبينما هو يطلب ويكرر الاسم المقدس في صلواته سقطت على الحلة نقطة حبر، ولما رأى ذلك نهض بغتة من ركوعه وصرخ في يأس قائلا: هل يمكن ان اخطئ حتى اثناء الصلاة نفسها؟ وفي الحال ظهر على هدب الثوب الكلمات: “لا تنطق باسم الرب الهك باطلا لان الرب لا يبرئ من نطق باسمه باطلا”.

-4-

ورأى في حلمه انه كان ذاهبا في الصباح الى عمله،وفي طريقه قابل جاره “فريدا” الذي كان يكرهه كثيرا، وبادره “فريدا بالتحية فرد له التحية مظهرا له الود والمحبة وداعيا له بالصحة والتوفيق، بينما كانت نيران الحقد تتقد في قلبه. وهنا لطخة الخبث والرياء قد لوثت الرداء.

وقال فريد لفاجنر، ان ابراهيم صاحب الحقل المجاور مات، ثم ابتسم وهويتابع كلامه قائلا: “ولقد باعني حقله قبل موته بنصف ساعة فقط.فابتسم فاجنر وهنأ صديقه فريد بالصفقة. ثم افترقا ، الا ان نفس فاجنر كانت مملوءة حسدا ، فلطم بيديه وصرّ باسنانه وهنا نهض في رعب لانه نظر الحلة البيضاء ملطخة بنقط حمراء كالدم وقرأ الكلمات : “كل من يبغض اخاه فهو قاتل نفس وانتم تعلمون ان كل قاتل نفس ليس له حياة ابدية ثابتة فيه” – وقد كره الان رداءه الملطخ وودّ ان يخلعه، ولكنه لم يقدر.

-5-

علم فاجنر ان بره ليس الا كخرقة ثياب ملوثة. انفتحت عيناه ولكن قلبه كان لا يزال غير مبصر فقد ظل رغم ذلك مملوء بالطمع وحبة المال. رأى في حلمه انه جالس عند مكتبه في المصلحة الحكومية وامامه الاوراق وبينها تذكرة من الرئيس يطلب منه ان يمتحن اثنان من المتقدمين لشغل وظيفة احدهما يدعى نيك والاخر ايفان. فحص فاجنر نيك في كل ما يختص بالوظيفة فوجده اهل لها الا انه كان يعوزه شئ حسب رأيه وهو ان يقدم له هدية (رشوة)..

ولما بدأ بفحص ايفان برهنت اجوبته القاصرة على نقص معرفته وعدم جدارته لشغل الوظيفة، وكان على وشك ان يصرفه عندما ادخل ايفان يده في جيبه بتمهل وسحب كيسا مملوءا بالنقود وناوله اياه- وارتاع فاجنر لأنه رأى نقطة قذرة اخرى قد سقطت على الرداء وقرأ بجانبها تلك الكلمات: “السالك بالحق والمتكلم بالاستقامة، الراذل مكسب المظالم، النافض يديه من قبض الرشوة، الذي يسد اذنيه عن سمع الدماء، ويغمض عينيه عن النظر الى الشر هو في الاعالي يسكن”.

ودخل فاجنر عند الرئيس وسأله عن نتيجة الممتحنين، فقال : ارجو ان يكون نيك قد فاز، فاجاب بان نيك لا بأس به ولكنه ليس جديرا بالوظيفة، لانه ينقصه كذا وكذا… امر الرئيس بتعيين ايفان ، ولكن فاجنر زاد به الرعب لانه لاحظان حلته قد تمزقت عندما كان يتكلم كلام كذب، ورأى مكتوبا على ذيلها باحرف نارية: “كراهة الرب شفتا كذب”و “جميع الكذبة نصيبهم في البحيرة المتقدة بنار وكبريت”.

-6-

وفي تلك الليلة نظر الملاك الذي البسه الحلة البيضاء وقد صارت ملطخة بالاقذار والادناس. وصرخ الملاك بصوت هائل: “ويل لك يا فاجنر فانك مدعو الان لتظهر في حضرة الملك العظيم”. واذ ذاك شعر بانه يود ان يدعو الجبال لتسقط عليه والاكام ان تغطيه ، وصرخ في مرارة الالم: “يا الله ارحمني انا الخاطئ!”.. واستيقظ وهو يردد الكلمات السابقة. وكان اضطرابه عظيما . وقرأت له كلمات داود النبي “انضح على بالزوفا فاطهر، واغسلني فابيض اكثر من الثلج” ثم تليت على مسمعه كلمات الرسول “وهم قد غسّلوا ثيابهم وبيّضوها في دم الحمل”. تاب فاجنر واعترف بخطاياه وحصل على غفران المسيح وصار انسانا جديدا مبررا بدمه الكريم.

اسكتش: ادم وحواء

المنظر

(يظهر على المسرح نور احمر خافت والجزء الخلفي مرتفع، به بعض المرنمين بثياب بيضاء يمثلون الملائكة، وهم يرنمون ).

حبا عجيبا جدا      احببت يا الله

حب عجيب فائق    حب فاق كل مقدار

حب عجيب صاف            جعلك تخلق الانسان

(وبعد قليل يخفت صوت الملائكة، ويسمع الراوي من وراء الستار).

الراوي:

محبة الله محبة عجيبة دفعته لخلقة الانسان. كان في عقل الله فكرة منذ الازل والى الابد احاطه بالحب والحنان.

تضاء كل انوار المسرح.

الراوي:

في البدء خلق الله السموات والارض. وخلق الله الملائكة.. وكان من هؤلاء لملائكة ملاك جميلا جدا يدعى “لوسيفروس” ومعنى اسمه “زهرة بنت الصبح” لأنه كان اول المخلوقات النورانية.

(الملائكة يرتلون هللويا باللحن الطويل بينما لوسيفروس لا يرتل معهم. اثناء الترتيل يقوم من وسطهم ويتمشى بكبرياء وتظهر عليه علامات التفكير).

لوسيفروس:

لماذا لا اصعد الى السموات؟

(يصمت ويفكر بعمق ثم يقول بلهجة من اتخذ قرارا عزم على تنفيذه).

ارفع كرسي فوق كواكب الله، واجلس على جبل الاجتماع في اقاصي الشمال. اصعد فوق مرتفعات السحاب.. اصير مثل العلي.

صوت الرب:

اليوم تسقط يا زهرة بنت الصبح.

(تطفأ انوار المسرح. تحدث جلبة تشبه الزلزال. بعد فترة سكوت بسيطة يسمع صوت الرب يقول بقوة وسلطان).

اهبط فخرك الى الهاوية. تفرش تحتك الرمم، وغطاؤك يكون الدود.

(عندما تقال هذه الكلمات تضاء الانوار في لجزء الذي يمثل جهنم مع الاهتزاز وكان النار اشتعلت في جهنم).

الملائكة: (يرتلون)

الشر قد احببت       وبالغش قد سررت

فالرب من اعلى     السما يبطل شرُّك

كيف بشرّك الردى             تفتخر يا جبار

ان مراحم العلي      تبقى الى الادهار

الراوي من الخلف:

تكبر ابليس فسقط ويقال ان بسقوطه اصبحت الارض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة ، لكن لان الله يحبه، كان روحه يرفرف على وجه المياه واذا لم يشأ ان يترك الكون خرابة بهذا الشكل خلق السموات والارض وكل ما فيها، وبعدما هيأ كل شئلراحة الانسان، قال الرب.

صوت الرب:

نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على الارض.

الراوي:

ابليس سمع هذا فاغتاظ جدا.

(يسقط زهرة بنت الصبح، ثم يصعد في ملابس ابليس، فتكون قد تغيرت هيئته من ملاك منير الى شيطان رجيم، وتضاء اثناء ذلك انوار المسرح).

ابليس: (يظهر وعليه شعاع من نور احمر).

يعمل انسانا على صورته ؟ مخلوق يعمل على صورة العلي؟ ويعطى كل البركات التي كنت اتمتع بها قبلا؟ كلا الا يكفي ذلك الالم الذي اعانيه كلما نظرت الى الملائكة ووجدتهم فرحين متهللين؟

(باحتقار) انسان! لن اترك ذلك الانسان في سلام. سأشوه صورته، حتى تصبح صورتي جميلة بالنسبة لصورته. سوف اسقيه كل الوان العذاب.

(يمسك سوطا كالذي جلد به يسوع)

سوف اجعله يلقى مصيرا اسوأ من مصيري يختفي في الحفرة التي تحت الارض.

الملائكة: (يرنمون)

لك لسان كاذب      يخترع الفساد

بالغش يبدو عاملا مثل السلاح الحاد

الراوي:

وخلق الله الانسان على صورته. ذكرا وانثى خلقهما وباركهما وغرس الرب الاله جن في عدن شرقا ووضع هناك ادم وحواء وفي وسط الجنة شجرة معرفة الخير والشر وشجرة الحياة التي ترمز الى المسيح واهب الحياة.

صوت الرب:

من جميع شجر الجنة تاكل اكلا واما من شجرة معرفة الخير والشر فلا تاكل، لان يوم تاكل منها موتا تموت.

(يظهر ابليس)

ابليس:

(يبطئ كانه يفكر)

من جميع شجر الجنة تأكل الا شجرة معرفة الخير والشر. فيوم تاكل منها موتا تموت (بانفعال) الان فرصتي انت الان في قبضتي ايها الانسان. سوف اعمي عينيك عن رؤية شجرة الحياة . يا لها من خطية سترفض ابن الله فتفقد الطريق والحق والحياة، وفي نفس الوقت ساغويك لتاكل من شجرة معرفة الخير والشر.

(يقفز بفرح)

ما ابرعني. سأسقط الانسان في نفس الخطية التي سقطت انا فيها . فينال عقابي واستطيع ان اسخره لخدمتي..

(يفكر قليلا ثم يقول ببطء)

اذهب الى المراة اولا ومتى سقطت فقد سقط الرجل ايضا.

(يختفي وراء الستار)

يسمع المحادثة التالية بين ابليس وحواء.

ابليس:

حواء! احقا قال الله لا تاكلا من كل شجرة الجنة؟

حواء:

من ثمر الجنة ناكل واما من شجرة معرفة الخير والشر فلا ناكل منها لئلا نموت.

ابليس:

لن تموتا بل الله عالم انه يوم تاكلا منها تنفتح اعينكما.

حواء : (ببطء )

حقا ان الشجرة جيدة للاكل وبهجة للعين وشهيةللنظر، ربما لا يحدث  ما يسوء اذا اكلت منها.

الملائكة: (يرتلون)

لو ربحت كل العالمين          وخسرت الفادي الاله

هل بديله القى معينا                         وهل يدوم لي شئ سواه

يا لشقوتي بغير الفادي         تائها في غمرة الاحزان

تنتهي في ظلمة الاباد           في ذي لويلات والاشجان

الراوي:

سقط ادم وبسقوطه سقطت البشرية باكملها. مات ادم روحيا اي انه انفصل عن الله فانجب امواتا مثله، وهكذا اصبح الانسان فاسدا، واصبحت افكار قلبه شريرة كل يوم، لكن الرب كان يعلم خبث ابليس وكان يعلم ان الانسان معرض للوقوع في فخه، لذلك فانه دبر مجئ ابنه الى العالم ليموت فداءا عن الانسان. قال الرب للحية:

صوت الرب:

لانك فعلت هذا ملعونة انت من جميع الحيوانات. على بطنك تسعي وترابا تأكلين.

الملائكة : (يرتلون)

يا لسعدي بالمسيح ربي        كل مشتهاي في الحياة

فيه كل رحمة وحب            كل نبع الخير في رضاه

لو ملكت ربي الفادي وحده    لا اروم في الدنيا عداه

كل مبتغاي القى عنده           لا يسد حاجتي سواه

(يظهر بليس وهو ممتلئ بالغيظ)

ابليس: (لنفسه)

هو يسحق رأسك وانت تسحقين عقبه؟ كنت اظن انني قضيت على الانسان الى الابد. اما الان فله رجاء.

(بغيظ) يسحق رأسك؟ رأسي انا (يتحمس) سأمنع مجئ المسيا الى العالم، سأفسد كل محاولات الله لاصلاح البشر، سأسد كل طريق.

(يضحك بكبرياء) ها ها ها.