ثوب البر

robe-of-righteousness-228x300

ابو يوسف شيخ القرية الجليل طالما جاءه ابناء القرية يسألونه المشورة لعظم حكمته وعمق بصيرته، ولم تقتصر معرفته على الشريعة، بل كان يدرك روح الشريعة وكثيرا ما نقل افكاره الى سامعيه في احاديثه معهم بقصص وامثلة وشروحات مستفيضة.. واحاديثه كانت عذبة مشبعة.. لم يكن يمل منها احد بل على العكس يصغون اليه تمام الاصغاء.

في طريق عودة سعيد من عمله بالحقل، مر بدار ابو يوسف، قال سعيد لنفسه: “هذا الرجل دواء للقلب! وبرغم فارق العمر بيننا فانه يعاملني كصديق، لا كشاب حديث العمر لا يفقه شيئا!”

كان ابو يوسف جالسا في ظل شجرة امام بيته عندما جاء سعيد، فدعاه للجلوس وتناول كوب من الشاي، واعتذر سعيد، ثم عاد وقبل تحت الحاح الشيخ.. ومضى الوقت بسرعة وسعيد يضحك، ويتحدث مع ابو يوسف، هذا الشيخ الوقور”

منذ ان التقى سعيد والشيخ وكأنه يعرفه معرفة عميقة.. وساد قليل من الصمت تبادر في اثنائه لذهن سعيد سؤال كان يشغله، فقال عسى ان اجد عند ابي يوسف جوابا!

قال سعيد: “كنت اقرأ بعض الكتب عن الاديان التي يعتنقها البشر ليحظوا بقبول الله، وليدخلوا السماء. البعض يضربون اجسادهم، ويجرحونها املا في الحصول على المغفرة والبعض يسافرون على ركبهم وايديهم ليذللوا انفسهم! وقرأت عن  فرقة بالهند يعذبون انفسهم بان يسيرون ثلاث خطوات للامام، ثم يعودوا الى الوراء خطوتين..!

والبعض يثولون ان الذي يعمل الصالح لابد ان ينال النعيم. وانا حائر . اي هؤلاء هو الصحيح؟”

فابتسم عم  ابو يوسف ثم اجاب: “يجب ان تعرف يا سعيد ان اول كل شئ انه خلال الاف السنين ادى بحث الانسان الفطري عن السلام من خلال عبادة الله الى ان يتفرقوا الى شعاب كثيرة، ويختلفون عن بعض اختلافات هائلة، وهذا ظاهر في تنوع التعبير الديني الموجود حول العالم – من التنوع اللانهائي للهندوسية الى الفلسفات اليونانية القديمة والحديثة والعبادات البدائية الشرقية كالبوذية والكنفوشيوسية الى مذاهب الروحانية فهل افلح هذا في تهدئة ضميره الثائر ومنحه السلام من جهة خطاياه. والاجابة: لا، لان الله يطلب اكثر من مجرد الخير المظهري. ان الله يطلب الانسان البار الذي تنبع افكاره واتجاهاته عن قلب نقي، ولكي اجيبك اروي لك قصة رواها السيد المسيح في الانجيل:

في سالف الايام عاش ملك، اراد ان يقيم وليمة عرس فاخرة لزواج ابنه، فدعا كبير مستشاريه، و بحث معه امر من يدعوهم لحضور الوليمة. الملك له:

ماذا تظن نفعل ؟ لقد دعونا كل اهل البلد، و كلانا يعلم ان هناك قانونا يقضى بعدم مثول احد في حضرة الملك، ما لم يكن مرتديا الثياب الملائمة.

اجاب المستشار : هذا صحيح فمناسبة زواج ابن الملك مناسبة خاصة جدا. و على كل من يحضر ان يلبس افخر الثياب من القماش الملكي. و هذا القماش غالي جدا لا يقدر احد ان يشتريه.. و هنا دخل الامير، و سأل ما بالكما عابسين؟ فشرحا له الموقف. فقال لهما: يجب ان لا يحرم احد الحضور، و علينا ان نقدم ثوبا ملكيا لكل من يعجز عن الحصول عليه.

و بعد كثير من النقاش قرر الملك ان يدفع ثمن تلك الاثواب.

مستشار الملك: و لكن الثمن سيكون باهظا يا سيدي .. سيكلفك ..

الملك: ليست التكلفة مهمة فان رعايا المملكة سيعجزون عن حضور الوليمة. ابني على حق. لا يحرم احد من الحضور الا  اذا شاء هو!.

و بعد تجهيز الاثواب ارسل الملك رجاله يدعو الجميع!

الجميع مدعوون للحضور تعالوا ايها الاغنياء و الفقراء و العميان و العرج .. عرف الجميع بامر الثياب الملكية، و انها كلفت كثيرا، و ان الملك دفع لانه يحب شعبه، و لانه اراد ان يشركه شعبه فرحه.  قبل الكثيرون دعوة الملك في حين رفض الاخرون، لانهم مشغولون باعمال مختلفة.

اما نبيل و هو احد اغنياء المدينة، فقد بدأ يجهزنفسه لحضور الوليمة..

قال نبيل لخادمه: لا بد ان الملك سيظهر اعجابه بهذا الثوب الذى اقتنيه!

فرد الخادم: لكن الملك جهز ثيابا خاصة لكل المدعو ين!

هذا هراء هذا فقط لطبقات الفقيرة و لست في حاجة اليه!

انه اية في الجمال. لقد حاكه افضل خياطى المدينة. انه يلمع في النور، و تتخلل خيوط الذهب نسيج القماش.. و في خيلاء غادر المنزل الى القصر الملكى.

و عندما وصل القصر، قاده الخدام الى احد الغرف الجانبية ليعطوه الثوب الملكي و لكنه في كبرياء ازاحه جانبا، و رفض ما عرضه عليه الملك!

لا لست احتاج الى شئ و يقول له الخادم : و لكن يا سيدى انت لا تدرى اوامر المملكة، التى تقضى بان اى ثوب لا يصلح يجب ان..

و قاطعه نبيل: انا افهم هذا الذى البسه ليس اى رداء!

و استدار ليدخل البهو الرئيسي حيث المأدبة، وهو يقول: يا لحماقة الخادم ان الملك نفسه سوف يعجب بردائي! و لم يكمل افكاره، حتى صدمه ما رآه! لقد رأى كل المدعوين يلبسون ثيابا تشبه تماما الثوب الذى كان الملك يرتديه!…

قال نبيل: مستحيل…!!!

كأن الغرفة ليس بها الا ملوك و ملكات. و لكن … كيف؟!!

و انطلق صوت الابواق. و عندها دخل الملك ليرحب بالمدعوين، قبل وصول الابن و عروسه، و ابتسم الملك برقة و هو يحي الحاضرين. و عندما التقت عيناه بنبيل توقف، و تغير وجهه.. صمتت الضحكات.. و ساد القاعة السكون للحظات…

ثم قال الملك بغضب: كيف جرؤت على الدخول دون ان تلبس ملابس العرس؟

و لم ينطق نبيل بكلمة و انعقد لسانه من الرعب و التفت الملك الى المكلف بالحراسة و قال قيد هذا و الق به الى الظلام خارج القصر.

نبيل يصرخ: الرحمة كنت اظن ان ثوبى كافيا.

واصدر الملك اوامره للحراس اذهبوا الى ارجاء المملكة و قيدوا ناكرى الجميل الذين رفضوا دعوتى لحضور العرس و القوا بهم في الظلمات.

الاثواب هى اثواب البر لكن ما معنى اثواب البر؟
===

هناك كثيرون يطلبون الله مثل نبيل و هم سعداء بعملهم الصالح و يظنون ان ظهورهم في حضرة الله بثيابهم الشخصية (اي بعملهم الصالح) يجعلهم يربحون رضا الله!

لكن علينا ان نلبس الثوب الممنوح لنا من الله. الذى يشبه ثوب الملك. لان الله لا يقبل ما هو دون مستوى بره – كما قال داود النبي “ليس من يعمل صلاحا ليس و لا واحد”.

إرسال بالبريد الإلكترون

الإعلانات

مملكة الطيبين

78f13c76c149d55f65b52af9b5cfd038

كان ايفان يتمشى يوما في الغابة حين وجد بعض النباتات العجيبة. جمع بعض منها وعاد بها الى بيته .. وهذه النباتات لم تكن سوى اعشابا طبية واكتشف فيما بعد قوتها العلاجية.. وبعد عدة ايام قال ابوه له:

– اتعلم يا ابني ان الملك اعلن ان من ينجح في علاج ابنته سيصبح زوجا لها؟ وما دام عندك هذا النباتات العجيبة اذهب وعالج ابنة الملك وستعيش حينها في رغد حتى اخر ايامك.

تهيأ ايفان للذهاب الى قصر الملك.. وحينما فتح باب بيته ليغادر اذ به يرى امرأة فقيرة مشلولة الذراع امامه.

ما ان رأته حتى توسلت اليه قائلة:

– قيل لي انك تستطيع علاجي ، من فضلك اعد الصحة لذراعي المشلولة، لانه من المستحيل ان ارتدي ثيابي دون مساعدة.

لم يكن مع ايفان سوى كمية قليلة من هذه النباتات .. ولكنه بعد تردد للحظات اجاب السيدة العجوز: سأفعل سيدتي!

اخرج ما معه من نباتات واعطاها الى المرأة الفقيرة قائلا لها ان تبلعه. بلعته الفقيرة فاذا بها تشفى بحيث حركت يدها في جميع الاتجاهات.

وصلا والدا ايفان في هذه اللحظة ليودعاه. وعندما علما بخبر اعطائه ما معه من نبات الى المرأة المسكينة، وانه لم يبق لديه ما يعالج به ابنة الملك، وجها اليه اللوم الشديد. قالا:

– اخذتك الشفقة على الفقيرة، اما ابنة الملك فلم تشفق عليها.

اخذت ايفان الشفقة على ابنة الملك، لذا فقد ربط حصانه بالعربة وبدأ طريقه الى القصر.

– اين تذهب يا غبي؟

– سأذهب الى الملك لاعالج ابنته.

– لكن لم يبق معك ما تعالجها به!

قال وهو يسوق عربته:

–  وما اهمية ذلك؟ سأتدبر امري

استطاع ايفان ان يعالج ابنة الملك .. فرح الملك وازوجه ابنته. بعد فترة مات الملك فاصبح ايفان هو الملك. لكن لم يكد يمر اسبوعا حتى خلع ثياب الملك واعطاها لامرأته طالبا اليها ان تخبئها في صندوق. ثم عاد الى ارتداء جلبابه الكتان، واستأنف العمل قائلا لامرأته:

– لقد ضجرت. وبدأت اسمن، وذهبت شهيتي عن الطعام، وصرت لا انام.

ودعا الى جواره اباه وامه واخته الخرساء وعاد الى عمله. ولما قيل له:

– انك الملك.

اجاب:

– وماذا يضيرني من ذلك؟ ألا يحتاج الملك الى العمل كي يكسب قوته. جاءه وزيره وقال:

لم يبق لدينا مال لندفع المرتبات للموظفين والجنود.

قال ايفان: اذا لم يبق لدينا مال فلا تدفع.

– لكنهم سينصرفون جميعا.

– فليكن، لينصرفوا. سيكون لديهم وقت اوسع ليعملوا بأيديهم.

جاء اليه رعاياه يطلبون ان يقضي بينهم بالعدل.

قال احد المشتكين:

– سرق جاري مالي.

قال ايفان:

– لا شك انه فعل ذلك لانه محتاج اليه.

وعلم الجمهور حينئذ ان ايفان ابله.

قالت له امرأته:

– اتعلم ما يقولونه عنك؟ انهم يقولون ان ابله.

قال ايفان: فليكن!

اخذت امرأة ايفان تفكر، كانت هي ايضا بلهاء. قالت:

– حسنا! ليس لي الحق في ان اكون على خلاف مع زوجي. المرأة على دين (اي لابد ان تشابه) زوجها.

واذ خلعت لباس الملكات، وضعته في صندوق مع ثياب زوجها. وذهبت الى اخت ايفان الخرساء ورجتها ان تعلمها العمل. وعندما علمتها بعض الاعمال اليدوية البسيطة ساعدت زوجها في كسب معيشته.

هجر البلاد جميع العقلاء ولم يبق في المملكة سوى البلهاء. لم يكن لدى احد مال، وكانوا يعيشون جميعا من عمل ايديهم.

وذات يوم جاء اليه قائد جيشه يعلمه بأن احد الملوك الاخرين ويدعى تاراخان اعلن الحرب على مملكته.

قال ايفان:

– فليكن! وليسر الى الحرب.

اجتاز تاراخان الملك حدود مملكة ايفان بكامل جنده وبعث بطلائعه بحثا عن جيش ايفان، ففتشوا في كل مكان ولم يعثروا على اية جنود. قال الملك:

انتظروا قليلا لعل جيش ايفان سيظهر في الافق بعد حين؟ لكن لم يحدث اي جديد خلال يومين. من سيقاتلون اذن؟!

حينئذ امر الملك باحتلال القرى. خرج الاغبياء رجالا ونساءا الى الشوارع، فدهشوا لدى مرأى الجنود. نهب الجنود حنطة الاغبياء وماشيتهم، وترك الاغبياء لهم كل شئ دون ان يفكروا في ادنى مقاومة.

اجتاح الجنود قرية ثانية وثالثة. وحدث نفس الامر. ساروا يوما ويومين، فحدث الشئ نفسه في كل ممكان. لا مقاومة بتاتا من جانب السكان الذين كانوا يعطونهم كل شئ بل ويقاسمونهم معاشهم، قائلين لهم:

– اذا لم تكونوا سعداء في بلادكم، ايها الاصدقاء، فعيشوا عندنا الى الابد.

سار الجنود ما وسعهم السير فلم يصادفوا جيشا، ولم يعثروا على شئ سوى الناس الذين يعيشون من عملهم، ويأبون ان يدافعوا عن انفسهم، ويريدون ان يستبقوا الجنود.

تعب الجنود في النهاية وذهبوا الى ملكهم ليقولوا له:

– يستحيل علينا ان نقاتل. خذنا الى مكان اخر لنحارب. يستحيل علينا ان نحارب في هذه البلاد.

غضب الملك وامر جنوده بأن ينتشروا في ارجاء البلاد قائلا:

– خربوا القرى، دمروا المنازل، احرقوا القمح، اقتلوا الماشية.. واذا لم تفعلوا فسأعدمكم جميعا.

خاف الجنود، فأطاعوا وجابوا ارجاء المملكة، مهدمين المنازل، محرقين المزارع..

لكن الاغبياء لم يزدهم ذلك ميلا الى الدفاع عن انفسهم. اكتفوا بالبكاء، بكى الجميع، شيوخا ونساءا واطفالا, كانوا يقولون:

– لماذا تعاملوننا بهذه القسوة؟ لماذا تضيعون كل هذه الخيرات؟ ان كنتم في حاجة اليها فلماذا لا تأخذونها وتستعملونها.

هذا النمط من الحرب لم يرق للجنود. فلم يعد يحدوهم شئ الى الذهاب ابعد مما وصلوا اليه. بل ان بعضهم فكر بأن ينتقم من الملك الطاغي لكن كان اكثرهم قد تعلم الطيبة من هؤلاء الطيبين واستطاعوا ان يقنعوا هؤلاء الجنود العنفاء بأن يعدلوا عن تفكيرهم بالانتقام..

a9016-220

رمى جميع الجنود سلاحهم، ولم يبق من جيش تاراخان الملك المعادي احد.

وهكذا ساد السلام مملكة الطيبين .. نفس الامر تكرر مع المملكة المجاورة ثم الممالك الاخرى البعيدة.. كان الكل يعرف ما فعله الطيبون وكيف اصبحوا يعيشون في سلام .. لذا فقد فعلوا المثل .. وفي النهاية اصبح لا احد يصنع السلاح.. لا احد يملك سلاح.. ولا احد يحارب .. وعمّ السلام  وانتشر الرخاء في جميع ارجاء العالم كله.