القديس البار انطونيوس الكبير أبو الرهبان‎  

كتب رئيس أساقفة الإسكندرية القديس أثناسيوس الكبير سيرة أبينا البار القديس أنطونيوس الكبير. وجّهها لمنفعة الرهبان بناء لطلبهم. كما ورد بعض أخباره في مصادر أخرى.
ميلاده ونشأته
‏‏ولد القديس أنطونيوس في قرية صغيرة في صعيد مصر تدعى كوما قرابة العام 250م. كان أهله من أعيان البلد، ذوي ثروة يعتدّ بها، مسيحيّين فنشأ على التقوى. وكانت له أخت أصغر منه سنّاً. اعتاد ملازمة البيت إلا للضرورة أو للخروج إلى الكنيسة. ولمّا يشأ أن يحصّل العلم الدنيوي تجنّباً للخلطة بالناس. لكنه كان يصفي جيِّداً لما يُقرأ عليه ويحفظه في قلبه. سلك في بساطة وامتاز بكونه رضيّاً وعفّ عن الملذات.
‏لما توفّي والده تأمّل فيه وقال: تبارك الله! أليست هذه الجثّة كاملة ولم ‏يتغيّر منها شيء البتة سوى توقّف هذا النفس الضعيف؟! فأين هي همّتك وعزيمتك وسطوتك العظيمة وجمعك للمال؟! ثم أردف: إن كنت أنت قد خرجت بغير اختيارك فلا أعجبنّ من ذلك بل أعجب أنا من نفسي إن عملتُ مثل ما عملت أنت. وقد ذكر القدّيس أثناسيوس الكبير أنه ترك العالم بعد وفاة أبيه بستّة أشهر. فيما ذكرت مصادر أخرى أنه ترك والده بغير دفن وخرج يهيم على وجهه مخلّفاً وراءه ما كان له من مال وأراضٍ وخدم. لسان حاله كان: ها أنا أخرج من الدنيا بإرادتي كيلا يخرجوني مثل أبي رغماً عنّي. عمره، يومذاك، كان ثمانية عشر أو ربما عشرين ربيعاً.
رهبنته
ا‏نصرف أنطونيوس إلى النسك متأمّلاً في ذاته، متدرِّباً على الصبر. لم يكن في بلاد مصر يومذاك أديار. فقط بعض الشيوخ كان يتنسّك، هنا وثمّة، في مكان قريب من بيته أو قريته. فتّش أنطونيوس عن مثل هؤلاء في جواره فوجد بعضاً. كان منهم، على حد تعبير القدّيس أثناسيوس، “كالنحلة الحكيمة” لا يرجع إلى مكانه إلا بعدما يراهم ويتزوّد لديهم بما ينفعه في طريق الفضيلة. يتعلّم من الواحد الفرح ومن الآخر الصلوات الطويلة. من هذا التحرّر من الغضب ومن ذاك الإحسان. يأخذ عن فلان السهر وعن فلان الصبر وعن فلان النوم على الأرض. لاحظ وداعة هذا وطول أناة ذاك، وتشدّد بإيمان هذا ومحبة ذاك.
ملاك يزوره
‏كان أنطونيوس جالساً في قلايته، يوماً، فاستبدّ به روح ملل وصغر نفس وحيرة فضاق صدره وأخذ يشكو إلى الله حاله قائلاً: أحبّ يا رب أن أخلص، لكن الأفكار لا تتركني، فماذا أعمل؟ فجأة رأى إنساناً جالساً أمامه يلبس رداء طويلاً، وهو متّشح بزنّار صليب كالإسكيم الرهباني، وعلى رأسه قلنسوة. وأخذ الرجل يضفر الخوص. ثم قام للصلاة. ثم جلس من جديد وأخذ يعمل في ضفر الخوص وهكذا دواليك. كان هذا ملاكاً من عند الله جاء يعزّي القدّيس ويقوّيه ويعلّمه. لذلك قال له: “اعمل هكذا تسترح!”.
‏من ذلك الوقت، اتخذ أنطونيوس الزيّ الذي رأى الملاك متّشحاً به وصار يصلّي ويعمل على الوتيرة التي رآه يعمل بها، فاستراح بقوة الرب يسوع.
صلاة وعمل وسماع
كان أنطونيوس يصلّي باستمرار ويعمل بيديه. أما عمله فكان يبيعه ويستعين بالمحصلة لتأمين حاجة نفسه إتماماً لما قيل “بعرق جبينك تأكل خبزك”. أما الباقي فكان يوزّعه على الفقراء.
‏إلى ذلك كان يصغي إلى تلاوات الكتاب المقدّس ما وسعه إلى ذلك سبيلاً ويجهد حتى لا يسقط شيء مما يتلى على الأرض. همّه كان أن يحفظه ليكون في ذاكرته بديلاً عن الكتاب المقدّس.
هجمات شيطانية
‏لم ترق غيرة أنطونيوس لعدو الخير فأخذ يتصدّى له بقوة متزايدة. أخذ يذكّره بالممتلكات التي خلّفها وراءه ليبثّ فيه الأسى، وبأخته التي أهملها ليشعره بالذنب. عظّم لديه حلاوات مودّة الأقرباء وأطايب العيش. لو بقي في قومه لنفعهم وكان فيهم سيِّداً. نفخ فيه الشرّير روح المجد الباطل. ذكّره، بالمقابل، بصعوبات الفضيلة وجهاداتها. لفته إلى ضعف جسده وطول المدة التي ينبغي عليه تمضيتها في أتعاب قد لا تتمخّض في النهاية عن شيء. وشوش له أن جهده هذا مضيعة للوقت فيما الشباب يعبر ولا يعود. أثار في ذهنه الأفكار القبيحة ودغدغه في جسده وظهر له في الليل بهيئة امرأة لعوب. كل هذا وغيره قاومه أنطونيوس بالثبات والعزم والإيمان بالله والصلاة المستمرة والصوم وذكر الموت والنار والدود. وبنعمة الله غلب.
‏لم يطق عدو الخير غلبة الشاب عليه. أخذ يصرّ بأسنانه وكأنه خرج من طوره. أخذ يظهر له في الخيال كعبد أسود. كفّ عن مهاجمته بالأفكار واتخذ صوتاً بشرياً. سأله أنطونيوس من أنت؟ فقال: أنا صديق الزنى. أنا من ينصب فخاخ الزنى ويثير الدغدغة في الشباب. أنا روح الزنى. فاعتصم أنطونيوس بالله وواجه الشيطان بشجاعة قائلاً: أنت تستحق كل احتقار! أنت مظلم العقل وعديم القوة! مثلك مثل ولد صغير! لن أهتمّ لك بعد اليوم لأن معيني الرب. فلم يعد الشيطان يجسر على الدنو منه. غادره بأصوات مخنوقة من الخوف.
تحصينه لنفسه:
‏لم يظهر أنطونيوس أي تكاسل أو تراخ لانتصاره على الشيطان. كان يعرف أن الشيطان لا بدّ أن يعيد الكرّة وبطرق أخرى “لأن الشيطان ربيب الخطيئة”. لهذا السبب زاد أنطونيوس من قسوته على نفسه. فكثيراً ما كان يمضي الليل ساهراً في الصلاة. لا يأكل سوى مرة واحدة في اليوم، بعد غروب الشمس، أحياناً كل يومين وأحياناً كل أربعة أيام. طعامه كان الخبز والملح والماء. لا ينام إلا قليلاً على الأرض، ولا يمتّع نفسه بأية لذّة جسدية. يبدأ حياته النسكية من جديد كل يوم وكأنه أول يوم له في النسك. همّه كان أن يظهر أمام الله طاهر القلب، مستعداً للسلوك في مشيئته بكل قواه.
بين القبور
‏ولكي يضيِّق أنطونيوس على نفسه طلب السكنى في قبر، بعيداً عن القرية. طلب من أحد معارفه أن يأتيه بالخبز. أغلق عليه صاحبه الباب وانصرف. فاهتاج الشيطان وأبالسته وكأن أنطونيوس جاء يهاجمه في عقر داره، في مقر الموت. فانقضّ عليه، ذات ليلة، وجرّحه كثيراً حتى سقط على الأرض. كان الألم عليه شديداً، أشدّ من ضربات الإنسان بمقادير، ولم تعد فيه قوة على الكلام. لكن، بعناية الله، أتى صاحبه في اليوم التالي يحمل الخبز. فلما فتح الباب رآه مطروحاً على الأرض كالميت فحمله إلى كنيسة القرية حيث تحلّق حوله الناس تحلّقهم حول رجل ميت. لكنه استردّ وعيه في نصف الليل. وإذ وجد الجميع نياماً إلا صاحبه أشار إليه بأن يعود به إلى القبر.
‏لم يقوّ أنطونيوس في القبر على الوقوف. استلقى على الأرض وأخذ يصلّي. ثم صرخ بقوة: أنا هو أنطونيوس! أنا هنا! لن أهرب من جراحاتكم! لا شيء يفصلني عن محبة المسيح. إني ولو اصطفّ عليّ عسكر فإن قلبي لا يخاف (مزمور26‏). فجمع الشيطان كلابه وهاجمه من جديد. بدا المكان كما في زلزلة وبدت الجدران مفتوحة والأبالسة تدخل وتخرج منها بشكل حيوانات متوحّشة وزحّافات. ثم أخذت تصوّر له وكأنها تنقضّ عليه لكنها لم تقترب منه ولا مسّته بأذى. غير أن ضجيج الأشباح كان مخيفاً وغضبهم عنيفاً. الضغطة عليه قوية كانت. ألمه الجسدي كان شديداً. بدا كأنه يُجلد ويُنخس. لكنه كان صاحياً، ساهراً، ساكن القلب. قال وهو يهزأ بالشياطين: لو كنتم تملكون القوة لكفاكم أن يأتي عليّ حيوان واحد منكم، لكن الرب جعلكم عديمي القوة!
‏وإذ رفع أنطونيوس نظره إلى سقف المقبرة رآه ينفتح شيئاً فشيئاً. وإذا بشعاع من النور ينزل عليه. فجأة اختفت الشياطين وزال ألم جسده وعاد البناء كما كان. فتنفّس أنطونيوس الصعداء وأدرك أنّه ربّه في النور فسأله: أين كنت؟‏! لماذا لم تظهر قبل الآن لتريحني من العذاب؟ فأتاه صوت يقول له: كنت هنا يا أنطونيوس. كنت انتظر جهادك. وبما أنك صبرت ولم تُهزم فسأكون لك عوناً على الدوام وسأعمل ليكون اسمك معروفاً في كل مكان. فلما بلغه الصوت تقوّى فنهض وصلّى وأحسّ بجسده أكثر قوة من ذي قبل. عمره، يومذاك، كان خمسة وثلاثين عاماً.
إلى الصحراء
‏بعد ذلك خرج أنطونيوس إلى الصحراء. لم يتخلّ الشيطان عن ألاعيبه. جعل له في سبيله قرصاً فضياً كبيراً وذهباً كثيراً فجاز بالكل وهو عالم أنه من الشرّير لإعاقته وإلهائه. ولما وجد عبر النهر حصناً مهجوراً مليئاً بالزحّافات عبر إليه وسكن فيه فهربت الزحّافات. أقفل على نفسه عشرين سنة لا يقبل الخبز إلا مرتين في السنة من السقف. فلما رغب قوم في الاقتداء به في نسكه أتوا وفتحوا الباب عنوة فخرج إليهم كمن هيكل الله، فتعجّبوا لأنهم رأوه في حالته المعتادة. لا ترهّل ولا ضعف. كان عقله راجحاً وحالته طبيعية. لم يكن عابساً ولا ضاحكاً. وقد أعطى الرب الإله بواسطته الشفاء لعدد كبير من المرضى الحاضرين وطهر آخرون من الشياطين. كما أعطاه الرب نعمة كبيرة في الكلام فعزّى الحزانى وصالح المتخاصمين. قال لهم: ينبغي ألا نصنع في العالم شيئاً أرفع من محبة المسيح. حثّهم على تذكّر الخيرات الآتية ومحبة الله للإنسان، وأقنع الكثيرين باختيار حياة التوحّد. هكذا نشأت الأديار على الجبال واستحالت الصحراء مدينة.
‏من خبرته
‏كلّم القديس أنطونيوس جماعة من الرهبان، مرة، قال: الكتاب المقدّس كاف للتعليم؛ لكن، حسناً أن يشدّد الواحد الآخر في الإيمان وأن نطيِّب النفس بالكلام الروحي. لا نفكِّرن في الرجوع إلى الحياة الدنيا بعد أن خرجنا منها. لا نقل إننا عتقنا في الحياة النسكية بل ليزد حماسنا وكأننا نبدأ كل يوم. كل ما في العالم نقايضه بشيء يساويه، أما وعد الحياة الأبدية فيُشرى بسعر بخس. إذا ما تركتم بيتاً أو ذهباً فلا تفتخروا ولا تكتئبوا. ما لم نكفر بكل شيء من أجل الفضيلة فسنتركه حتماً ساعة يأتي الموت، وعلى الأرجح لأناس لا نريدهم. لنثبت في نسكنا كل يوم عالمين أننا إن تهاونّا يوماً واحداً فلن يسامحنا الله بسبب ماضينا الحسن بل سيغضب علينا لتهاوننا.
‏إذا ما عشنا وكأننا نموت كل يوم فلن نخطأ. لنجاهد ناظرين دائماً إلى يوم الدينونة لأن الخوف والصراع ضد التجارب يحبطان سهولة اللذّة وينهضان النفس الساقطة. لا تخافوا عندما تسمعون عن الفضيلة لأنها ليست ببعيدة عنا وليست خارج أنفسنا بل فينا. الفضيلة أمر سهل يكفي أن نريده. روحانية النفس من طبيعتها، أي أن تكون مستقيمة كما خُلقت. اكتساب الفضيلة صعب عندما نضطر للبحث عنها خارج أنفسنا. أما إذا كانت فينا فلنحفظ أنفسنا من الأفكار الدنسة. لنجاهد كي لا يطغى علينا الغضب ولا تتسلّط علينا الشهوة. أعداؤنا مرعبون وخدّاعون وصراعنا هو ضدّهم. جمهرتهم كثيرة في الجو وهي ليست بعيدة عنا وأنواعها متعدّدة. يريدون إعاقتنا عن الارتفاع إلى السماوات حسداً لأنهم من هناك سقطوا. نحتاج إلى الصلاة الكثيرة والنسك لنحصل من الروح القدس على موهبة تمييز الأرواح. يجب على كل واحد منا أن يصلح سواه وفق خبرته مع الشياطين. لا تخافوا من هجماتهم لأنهم يُهزمون حالاً بالصلوات والأصوام والإيمان بالرب. لكنهم لا يتوقّفون عن الهجوم. يقتربون بغش وخبث، بالشهوة الدنسة، بالخيالات. لا نرتعب من الخيالات. ليست هي بشيء وتختفي بسرعة. يكفي الإنسان أن يحمي نفسه بالإيمان وإشارة الصليب. الشياطين وقحون جداً. هكذا يظهر رئيس الشياطين: “عيناه كهدب الصباح. من فمه تخرج مصابيح مشتعلة. شرار نار يتطاير منه. من منخاريه يخرج دخاناً كما من قدر منفوخ أو من مرجل. نَفَسُه يشعل كالجمر واللهيب يخرج من فمه” (أيوب4‏). يرعب ويتكلم بفخر واعتزاز. علينا ألاّ نخاف من ظهوراته ولا نأبه لكلماته لأنه كاذب ولا يتكلّم بالصدق أبداً. والمخلّص قبض عليه بصنّارة ووضع الرسن في فكّه كالدابة وكهارب أوثق منخره وثقب شفتيه. أوثقه الرب حتى نسخر منه.
‏والشياطين قادرة على أن تأخذ الشكل الذي تريده. فكثيراً ما تتظاهر، ‏وهي مختفية، بأنها ترتّل أو تتلو أقوالاً من الكتاب المقدّس. أحياناً تردّد ما نقرأه وكأنها صدى. تارة تنهضنا للصلاة كي لا ننام. تفعل هذا باستمرار لتمنع عنا النوم. تتخذ أحياناً شكل الرهبان وتتكلّم بتقوى لتخدعنا. تجرّ الذين خدعتهم إلى حيث تريد. لذلك لا نصغينّ إليها حين تنهضنا للصلاة وحين تنصحنا بألا نأكل أبداً وتتهمنا وتوبُخنا في أمور وافقتنا فيها سابقاً. والشياطين تسعى لتقود المستقيمين إلى اليأس، مظهرة لهم إن الحياة النسكية غير نافعة. تثير فيهم الاشمئزاز وتجعلهم يظنون أن الحياة ‏الرهبانية حمل ثقيل.
‏ومع أن الشياطين اعترفت بالحقيقة للرب: “إنك أنت ابن الله” (لوقا4‏) ‏فقد أغلق أفواهها وأعاقها عن الكلام خوفاً من أن تزرع الشر مع الحق، ومن أن نألفها ونصغي إليها، حتى ولو نطقت بالحق. فمن غير اللائق أن نتعلّم من الشيطان الذي لم يحافظ على مركزه.
‏وبما أن الشياطين لا تقدر على شيء فإنها تلجأ إلى التهديد، إذ لو كانت ذات قوة لما تردّدت في ارتكاب الشر حالاً ولما تركت مسيحياًَ واحداً على قيد ‏الحياة.
‏السلاح الكبير ضد الشياطين هو حياة مستقيمة وإيمان بالله. فهي تخاف ‏صوم النسّاك وسهرهم وصلواتهم ووداعتهم وسكينتهم وعدم محبّتهم للفضّة وكرههم للمجد الباطل واتضاعهم ومحبّتهم للفقراء وإحساناتهم وعدم غضبهم، وقبل كل شيء إيمانهم بالمسيح.
‏وإذا ما تظاهرت الشياطين بالنبوءة فلا تبالوا بها. إنها لا تعرف الأمور التي لم تحدث. وحده الله يعرف كل شيء قبل حدوثه. للشياطين أجساد أكثر خفّة من أجساد الناس لذلك تسرع وتخبر بأشياء حدثت بالفعل. وهي لا تفعل هذا حباً بالناس بل لتقنعهم بأنها قادرة فيثقوا بها؛ ومتى ملكتهم انقضّت عليهم وأهلكتهم. وهي تقوى على التخمين ولا تقوى على المعرفة المسبقة. فلا نعجبنّ بها ولو تكلّمت بالصدق أحياناً. ثم ماذا ينتفع الذين يصغون إلى الشياطين إذا ما عرفوا المستقبل قبل أيام؟ المعرفة لا تصنع الفضيلة ولا هي علامة الخُلق الصالح. لا يدان أحد لأنه يجهل المستقبل ولا يُطوَّب لأنه يعرفه. بل سيحاكم المرء على صونه الإيمان وحفظه الوصايا.
‏لا نتعبنّ للحصول على معرفة المستقبلات بل لإرضاء الله بسيرتنا. وأنا أؤمن أن النفس المتطهِّرة من الأفكار الشرّيرة والمحافظة على الطبيعة التي خلقها الرب فيها تقدر أن تكون رائية أكثر مما يرى الشيطان، لأنها تملك الرب الذي سيعلن لها كل شيء.
‏أما كيف نفرِّق الأرواح الشرّيرة عن الأرواح الصالحة فالرب يعطينا قوة التمييز بينها. لا يكون ظهور الأرواح الصالحة مرعباً بل هادئاً. تخلق فرحاً في النفس وشجاعة. والأفكار التي تولّدها تبقي النفس غير متزعزعة إلى أن تنيرها من هذا الفرح فتعرف. والأرواح الصالحة تطرح الخوف بالمحبة التي تظهرها كما فعل الملاك الذي ظهر للنسوة عند قبر الرب وعندما ظهر للرعاة. أما هجوم الأرواح الشرّيرة وظهورها الخيالي فترافقه جلبة وضربات وأصوات وصراخ كهجوم الأولاد الأشرار واللصوص. ومتى ظهرت ساد الرعب واضطراب النفس وتشويش الفكر والتهجّم والتهامل والحزن وتذكّر الأقرباء وخوف الموت. وفوق ذلك نتجت رغبة في الشر وكسل في اكتساب الفضيلة واضطراب في الخُلق. إذا رأيتم روحاً واعتراكم الخوف أولاً ثم حلّ محل الخوف فرح لا يُعبّر عنه وحماس وشجاعة وإقدام ومحبّة لله فتشجّعوا وصلّوا للرب. أما إذا رأيتم أرواحاً أثارت فيكم اضطراباً وضربات خارجية وتخيّلات دنيوية وتهديداً بالموت فاعلموا أن هذا هجوم من الأرواح الشرّيرة.
‏وتكلّم القديس أنطونيوس عن نفسه، قال: كم من مرة طوّبتني الشياطين وباسم الرب أبدتها! أتت مرّة في الظلام حاملة نوراً خيالياً وقالت: أتينا لننيرك يا أنطونيوس فأغلقت عينيّ وصلّيت فانطفأ نور الأشرار للحين. أتتني ترتّل وتتفوّه بآيات كتابية فكنت كأصمّ لا يسمع! ظهر لي مرة شيطان متعظّم طويل القامة جداً وتجرّأ على القول: أنا هو قوّة الله، أنا هو العناية الإلهية، ماذا تريد أن أعطيك!؟ أما أنا فذكرت اسم المسيح وبصقت عليه وأعتقد بأني لطمته. وحالما سمع اسم المسيح اختفى ومن معه. مرة كنت صائماً فأتاني الشيطان كراهب وفي يده خبز خيالي وقال لي: كلْ وكفّ عن العذابات الكثيرة. أنت إنسان وسوف تمرض! فأدركت حيلته ونهضت للصلاة فاختفى للحين.
‏عندما تأتي الشياطين إلينا فإنها تعاملنا بحسب حالتنا النفسية مكيِّفة ‏التخيلات التي تثيرها وفق أفكارنا وتفعل بمغالاة ما تجدنا مفكّرين فيه. فإذا وجدتنا خائفين أكثرت التخيّلات والتهديدات لتعذِّب النفس الشقيّة. وإذا وجدتنا فرحين بالرب، مفكِّرين في الصالحات ابتعدت عنا خازية. فلكي نزدري العدو علينا أن نتذكّر الإلهيات دائماً وأن تكون نفسنا فرحة.
اضطهاد وبطولة
‏وساد الكنيسة اضطهاد في زمن الإمبراطور الروماني مكسيميانوس. فترك القديس أنطونيوس منسكه وتبع الشهداء القدّيسين إلى الإسكندرية. حرّكه الشوق إلى موت الشهادة. لم يسلم نفسه بل خدم المعترفين بالإيمان في السجون والمناجم وشدّدهم أمام المحاكم. كان يقبِّل الشهداء ويرافقهم حتى يقضوا نحبهم. وقد عرّض نفسه للموت مراراً. كان يصلّي لكي يستشهد لكن الرب حفظه من أجل منفعتنا ومنفعة الآخرين. وعندما رأى الكثيرون أسلوب ‏حياته رغبوا في الاقتداء به.
إلى الصحراء الداخلية
‏‏لما رأى القدّيس أنطونيوس أن الناس يقمعونه ولا يتركون له فرصة للخلود إلى النسك على هواه فكّر في الصعود إلى ثيبة العليا حيث لا يعرفه أحد، لكن صوتاً جاءه وقال له أن يدخل إلى الصحراء الداخلية. ولكي يتبيّن الطريق إلى هناك مرّت به جماعة من البدو رضيت أن يصحبها. فبعدما سار ثلاثة أيام وثلاث ليال أتى إلى جبل عال فيه مياه عذبة باردة وسهل يضمّ أشجاراً من النخيل.
‏عاش أنطونيوس هناك وحيداً أوّل الأمر وكان البدو يمرّون به ويقدّمون له بعض الخبز. اكتفى بالخبز والبلح. ثم عرف تلامذته مكان وجوده فأخذوا يرسلون إليه الطعام. كما أتوه بمعول وفأس وبعض القمح فأخذ يفلح الأرض ويزرعها. قصده كان أن يأكل من تعبه ويخفّف عن الإخوة مشقة تزويده بما يحتاج إليه. كما زرع بض الخضار لأن قوماً كانوا يزورونه، فأحب أن تكون لهم الخضار عزاء. وكانت الوحوش تأتي وتشرب من الماء في بقعته، وكثيراً ما أتلفت مزروعاته. فأمسك وحشاً بلطف مرة وقال له: لماذا تسبّبون لي الأذى وأنا لا أصنع بكم شرّاً؟ ‏باسم الرب يسوع ابتعدوا عن المكان! من ذلك الحين لم تعد الوحوش تقترب.
من عجائبه
‏اثنان من الرهبان كانا ذاهبين مرة إلى الدير فنفد ماؤهما في الطريق، وكانا على بعد يوم واحد فمات أحدهما وأشرف الثاني على الموت. في تلك الساعة استدعى القديس أنطونيوس في الجبل راهبين وقال لهما: خذا جرّة ماء واحملاها بسرعة إلى الطريق المؤدّي إلى مصر. هناك تجدان راهبين أحدهما مات والآخر ينتظر الموت ما لم تسعفوه. هذا ما أعلنه الله لي فيما ‏كنت أصلّي. ولما وصل الراهبان إلى المكان وجدا كما قال لهما القدّيس فأعانا الحي فانتعش ودفنا الميت. ولعلّ سائلاً يسأل: لماذا لم يتكلّم أنطونيوس قبل موت الثاني؟ هذا قول في غير محلّه لأن حكم الموت لم يكن في يد القدّيس بل في يد الله الذي حكم على الواحد بالموت وأعلن عن الآخر للحياة.
‏وفيما كان أنطونيوس جالساً في الجبل، مرة، رفع عينيه إلى السماء فرأى إنساناً مرتفعاً ورأى الذين يصادفونه فرحين جداً. وفيما كان القدّيس يتعجّب ويطوِّب هذا المصف الجليل صلّى لكي يعرف من هو. فأتاه صوت يقول له إنها نفس آمون راهب نترية. المسافة بين الجبل ونترية كانت ثلاثة عشر يوماً. فأخبر أنطونيوس تلاميذه أن آمون مات منذ برهة. فلما مضى ثلاثون يوماً على ذلك، أتى بعض الإخوة من نترية وأخبروا عن موت آمون الشيخ في نفس اليوم ونفس الساعة التي أخبر عنها أنطونيوس.
‏كذلك أخبروا أنه لما نزل أنطونيوس إلى الأديار الخارجية طلب منه الرهبان أن يصعد إلى السفينة ليصلّي معهم. فاشتمّ رائحة نتنة جداً فسأل عما تكون، فنفى ركاب السفينة أن يكون على ظهر السفينة غير السمك المملّح. وفيما أنطونيوس متحيِّر متسائل إذ بشاب فيه أرواح نجسة، وكان مختبئاً، يظهر ذاته. فزجر أنطونيوس الشيطان باسم الرب يسوع فخرج منه وعاد الرجل صحيحاً. إذ ذاك تبدّدت رائحة النتن بالكلّية.
خارج نفسه
‏نهض أنطونيوس، مرة، للصلاة في الساعة التاسعة فشعر بأنه يُخطف عقلياً. كان ينظر إلى نفسه وكأنه واقف خارجها، كما أحسّ بأن هناك من يقوده في الفضاء. غير أن جماعة من الأرواح الشرّيرة اعترضت سبيلهم وطلبت أن تعرف ما إذا كان أنطونيوس مسؤولاً أمامها أم لا. ولما رغبوا في محاسبته على أعماله منذ يوم ولادته لم يسمح لهم الذين كانوا يصطحبونه قائلين: كل شرّ فعله من يوم ولادته محاه الرب. ولكن مسموح لكم التحدّث عما فعله من اليوم الذي صار فيه ناسكاً وأعطى الرب وعداً. وإذ كانت التهمة من دون إثبات خلت طريقه من العوائق. فلما عاد أنطونيوس إلى نفسه رأى أنه واقف أمام ذاته، فاندهش لأنه عرف كم علينا أن نحارب من الأعداء وبأية أتعاب سيعبر المرء الفضاء.
خُلقه
‏كان أنطونيوس يحترم قوانين الكنيسة ويجلّ الإكليروس ويحني رأسه للأساقفة والكهنة. لم يكن يخجل من أن يتعلّم من أحد. كما كان يطرح الأسئلة ويرجو أن يسمع آراء الإخوة. وإذا ما اتفق أن وُجد وسط جمهرة من الرهبان وأراد أحدهم التعرّف إليه، كان يدنو منه على الفور ويوجّه كلامه إليه. لم يكن مختلفاً عن باقي الرهبان في طول قامته وعرضها بل خُلُقه وطهارة نفسه. نفسه هادئة وحواسه مستكينة ووجهه وضّاء لفرحه بالرب. كل حركات جسده كانت تعكس حالة روحه. ولم يكن عابساً أبداً.
دحضه للهرطقات والمنشقين
‏وكان للقدّيس دوره في دحض عدد من الهرطقات التي شاعت في زمانه. لم يكن في شركة وأتباع مليتيوس، أسقف ليكوبوليس المصرية، الذي سام أشخاصاً من خارج أبرشيته فأحدث شقاقاً دام سنوات. كما علّم أن مصادقة المانويين، القائلين بإلهي الخير والشر، دمار للنفس. وأوصى بعدم الاقتراب من الآريوسيين أو مشاركتهم معتقدهم الوخيم. وقد طرد الآريوسيّين الذين أتوا إليه في الجبل ليكلّموه. قال إن كلامهم أخطر من سمّ الأفاعي.
‏يذكر أن أنطونيوس نزل من الجبل وأتى إلى الإسكندرية ليشهد للإيمان القويم ويشجب الآريوسية. قال: هذه الهرطقة سابقة للمسيح الدجّال ولا يختلف أتباعها عن الوثنيّين في شيء. وقد أخرج الرب الإله على يديه، هناك، شياطين كثيرة. كما أثّر في نفوس العديد من الوثنيّين حتى قيل إن الذين اعتنقوا المسيحية بفضله، في أيام قليلة، فاق الذين يعتنقونها في سنة كاملة. ولما أراد قوم إبعاد الجموع عنه لئلا يزحموه ويزعجوه أجاب: ليست الجموع أكثر عدداً من الشياطين التي نصارعها في الجبل!
مع الفلاسفة
‏لم يتعلّم القديس أنطونيوس القراءة والكتابة، لكنه كان رجلاً ذكياً حكيماً. جاءه مرة فيلسوفان فعرفهما من وجهيهما وقال لهما من خلال مترجم: لماذا أتعبتما نفسيكما في المجيء للقاء رجل أحمق. ولما قالا له إنه ليس أحمق بل حكيماً، أجابهما: إذا ابتغيتما رجلاً أحمق فباطلاً تعبتما وإذا حسبتماني فطناً فكونا مثلي لأن المرء يحبّ أن يقتدي بالخير. فتعجبّا منه وتركا المكان.
‏وظنّ فلاسفة آخرون، أتوا إليه، أن بإمكانهم أن يسخروا منه، فسألوه: هل العقل سبب العلم أم العلم سبب العقل؟ ‏أجاب: ذو العقل الصحيح لا يحتاج إلى العلم! فاندهشوا وذهبوا متحيّرين.
‏هذا ولم يكن أنطونيوس فظّ الخُلق بسبب عيشه في الجبل بل كان فرحاً واجتماعياً، وكان القادمون إليه يُسرُّون به.
‏مرة، حاول بعض الفلاسفة استعمال القياس المنطقي في كلامهم على الصليب الإلهي، فحدّثهم طويلاً ثم ختم حديثه بالقول: أنتم لا تؤمنون بالله لأنكم تطلبون مقاييس منطقية. نحن لا نعتمد أساليب الحكمة الهلينية في الإقناع بل نُقنع بالإيمان الذي يسبق الصناعة المنطقية. وكان هناك، قريباً منه، مرضى بهم شياطين فأقامهم في الوسط قائلاً: أبرئوا هؤلاء بقياسكم المنطقي أو بأي فن آخر أو بالسحر وادعوا أصنامكم! فإذا كنتم لا تقدرون على إخراج الشياطين فأوقفوا حربكم ضدّنا فتروا قوة صليب المسيح. ولما قال هذا دعا باسم يسوع ورسم إشارة الصليب ثلاث مرّات على المرضى فنهضوا للحين كاملي العقل يسبّحون الله. فتعجّبوا وانصرفوا بعدما قبّلوه واعترفوا بالفائدة التي نالوها منه.
‏يذكر أن آخر الدراسات بشأن رسائل القدّيس أنطونيوس السبعة بيّن أن قدّيسنا لم يكن أميّاً وكان يعرف اليونانية بعضاً وكان عارفاً ببعض التيّارات الفلسفية، أقله في المستوى الشعبي، كما كان متأثّراً بفكر المعلمين اللاهوتيين ‏المصريّين، أمثال أوريجنيس وكليمنضوس الإسكندري.
الرهبان كالسمك
‏جاء إلى أنطونيوس، مرة، قائد عسكري ورجاه أن ينزل من الجبل لمقابلته فنزل وكلّمه وطلب العودة سريعاً، فتمنى القائد عليه أن يبقى معه مدّة أطول فأجابه: إذا بقي السمك على اليابسة طويلاً مات، وإذا أقام الرهبان بين الناس طويلاً أصيبوا بالتراخي.
توديعه ورقاده
‏وكان جبل القديس أنطونيوس جبلين، واحد خارجي وواحد داخلي. وقد اعتاد زيارة الرهبان في الجبل الخارجي. فلما أتاهم مرة عرّفته العناية ‏الإلهية أنه على وشك المغادرة إلى ربه فكلّمهم قائلاً: هذه هي زيارتي الأخيرة لكم. لا أدري إذا كنا سنلتقي في هذه الحياة بعد اليوم. حان وقت رحيلي وقد بلغت مائة عام وخمسة. فبكوا وعانقوه. فكلّمهم وكأنه يترك مدينة غريبة ليعود إلى مقرِّه. أوصاهم ألا يتهاملوا في الأتعاب ولا يكلّوا في النسك بل أن يعيشوا وكأنهم يموتون كل يوم. كما أوصاهم بحفظ أنفسهم من الأفكار الدنسة، والسلوك في غيرة القدّيسين وحفظ تقليدات الآباء. ثم غادرهم.
‏بعد أشهر قليلة مرض فدعا الناسكين اللذين كانا معه خمسة عشر عاماً وخدماه في شيخوخته. قال لهما: ها أنا أسير على طريق الآباء والرب يدعوني. فكونا صاحيين. اهتما بالحفاظ على غيرتكما كما لو كنتما في البداءة. تنفّسا المسيح دائماً و آمنا به. تذكّرا نصائحي. اتحدا أولاً بالمسيح ثم بالقدّيسين الذين ستلتقيانهم بعد الموت في المساكن الأبدية. لا تفسحا في المجال للآخرين بنقل جسدي إلى مصر كي لا يضعوه في بيوتهم. ادفنا جسدي تحت التراب ولا يعرف أحد غيركما المكان لأني سأحصل عليه بلا فساد في قيامة الأموات. وزّعا ثيابي. أعطيا أثناسيوس ثوبي الذي كان كفراش لي والأسقف سرابيون ثوبي المفرّى الآخر، واحتفظا أنتما بكسائي المكسو بالشعر.
‏وحالما قال هذا عانقاه فمدّ رجليه ونظر إليهما كصديقين قادمين إليه، ‏وفرح جداً والتمع وجهه بهاءً. ثم مات وانضمّ إلى الآباء.
تعليق القديس اثناسيوس
‏وقد ختم القديس أثناسيوس سيرة القديس أنطونيوس بالقول إنه لم يُعرف بسبب مؤلفاته ولا بسبب حكمة خارجية أو فن ما بل بسبب تقواه. فلا أحد ينكر إنها موهبة من الله، إذ كيف وصلت شهرته إلى إسبانيا وفرنسا وروما وإفريقيا وهو قابع في الجبل لو لم يكن من أخصّاء الله؟ ‏فحتى لو عمل أخصّاؤه في الخفاء وسعوا إلى تجنّب انتباه الناس فإنهم يعرفون.
‏ثم خاطب القديس أثناسيوس الرهبان الذين وجّه إليهم كتابه فحثّهم على قراءته على بقية الإخوة ليعرف الجميع  كيف يجب أن تكون حياة الرهبان ويقتنعوا بأن الرب يسوع يمجِّد الذين يمجِّدونه ويقود الذين يخدمونه إلى النهاية.

***

لقد ماثلتَ إيليا الغيور في أحواله، وتبعتَ المعمدان في مناهجه القويمة، فحصلتَ في البرية ساكناً، وللمسكونة بصلواتك مشدّداً, أيها الأب أنطونيوس، فتشفَّع إلى المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.
لقد أقصيتَ الاضطرابات العالمية، قضيتَ حياتكَ بالهدوء والسكينة، مماثلاً المعمدان في جميع الأحوال يا كلي البرِّ، فمعه إذاً نكرمك يا أبا الآباء أنطونيوس.

Advertisements

اخطأت .. سامحوني -1

 

FB_IMG_1495311381198

-1-

مارين المخادع

خرج رئيس الدير على صوت بعض الزائرين الذين جاءوا يطلبون مقابلته..

استقبل الرئيس زائريه ، واذا بهم ثائرين جدا على جميع الرهبان.

حاول ان يستوضح امرهم، فصرخ احدهم قائلا: “نريد ان نرى مارين.. اين هو؟”

حاول الرئيس ان يهدئ من روعهم، لكن بغير جدوى، اذ ان ثورتهم كانت شديدة وانفسهم كانت مرة..

قال احدهم: “اريد ان ارى مارين .. ذلك المجرم الزاني، الذي جاء ليبيت منذ شهور في فندقي، فانتهك حرمتي وافسد عفة ابنتي”.

واردف وهو يلوح يصفق بكفيه: “يبيت عندي ليصنع الشر؟ هل هذا جزاء قبولي الرهبان في فندقي؟

هل هذه تعاليم المسيح واداب الرهبنة؟

تأثر الرئيس بهذا الكلام ، اذ صعق عند سماعه هذا الخبر.. صار في حيرة ولم يدر ماذا يفعل.

انه لم يصدق قط ان مارين الراهب الوديع الهادئ، رجل الصوم والنسك، الخادم للجميع، الذي يشهد الكل بقداسته رغم صغر سنه ان يصدر منه هذا الفعل..

لكن في هدوء خارجي، يخفي وراءه ثورة عنيفة وحيرة شديدة قال متسائلا:

“ماذا تقول يا اخي؟

مارين ينتهك حرمتك، ويفسد عفة ابنتك؟

هل انت متأكد مما تقول؟..

ثار الرجل جدا وقال ووجهه قد تخضب بحمرة الثورة: “اتكذبني؟ هذا شاهد عما اقول.. ان ابنتي حامل وقد اعترفت بكل ما حدث. انه ذئب يرتدي ثوب حمل. انه مخادع! لكني ساعرف كيف انزع عنه ثوب ريائه، واكشف حقيقته، سـأفضحه وانتقم لشرف ابنتي.

سأريه ما دمتم لا تعرفون كيف تؤدبون رهبانكم”

شعر الرئيس بضيقة نفس الرجل، خاصة وان مارين فعلا كان قد نزل مع ثلاثة من الرهبان منذ عدة اشهر في فندق الرجل لقضاء بعض حاجات الدير..

هدأ الرئيس الرجل قائلا: “لا تخف يا اخي.. فاننا لن نترك بيننا انسان يصنع هذا الفعل!

سنعرفه كيف يحفظ نفسه ويحترم الاخري.

سترى بعينيك.. اننا سنطرده حتى يتوب عما ارتكب”

وبعد مناقشات كثيرة.. هدأ الرجل قليلا ثم عاد يقول..”ان كان الامر هكذا فاننا نترك له ثمرة عمله. سنحضر له المولود.. هو مسئول عن تربيته واعالته.

-2-

طرد مارين:

ضرب الناقوس، واجتمع الرهبان حيث وجدوا الرئيس وعلامات الضيق على وجهه، بينما يقف مارين في بكاء شديد..

لم يستطع احد ان يسأل عن الامر..

واذ اكتمل مجئ الرهبان، بدأ الرئيس حديثه قائلا: “ابائي واخوتي المحبوبون،

انني لست اعلم باذا اكلمكم اليوم، لاننا في عار عظيم!

راهب.. راهب كمت اظنه بارا عفيفا.. مارين الذي كنا نثق فيه فارسلناه لقضاء حاجة الدير منذ عدة اشهر … ويا للاسف يرتكب هذه الخطية الشنعاء، ويسقط هذا السقوط العظيم.

لقد شوه سمعة الاباء الرهبان ودنس ثياب رهبنته. لقد افسد عفة ابنة صاحب الفندق الذي نزل عنده وها هو اليوم اتى ليعترف بجريمته.

لهذا عليه ان يحصد ثمر ما زرع..

سيكون مثلا وعبرة للساقطين.

ولكن لا اعرف بماذا اؤدبه؟ سنفرض عليه اتمام بعض القوانين (عقوبات) ونطرده من وسطنا ومعه طفله..

st-marina

عندئذ انحنى مارين وصنع ميطانية وقد بلل الارض بدموعه وهو يردد “سامحوني يا ابائي.. اخطأت في حقكم وحق نفسي.. سامحوني فانا صغير وقد خدعني الشيطان.

انتم قديسون ولا استحق ان احيا بينكم.

صلوا من اجل ضعفي.

ازروني بصلواتكم حتى لا يفترسني عدو الخير،

وحتى يشق لي الرب سبيل للتوبة والخلاص.

عندئذ لم يستطع ان يكمل كلماته وانخرط في بكاء مرير..

ذهبي الفم -1

37612-p

في هذه الايام الاخيرة ملأ قلبي شوق طاغ ان ارى القديس يوحنا ذهبي الفم بعدما قرأت سيرته وجذبتني اليه عظاته واقواله الذهبية. صليت وصليت.. وفي احد الليالي طال سهادي. كانت الوسادة اللينة شوكا تحت رأسي، ومع ان جسمي كان مرهقا الا ان النوم جفاني، وبالطبع كانت حالتي المعنوية على غير ما احب. كنت مغمض العينين وكنت اجلس في المقعد الطويل الملاصق للسرير وقد ملت للخلف. وبغتة اضاء المكان بنور وهاج وابصرت بعيني المغلقتين القديس في حلة بهية ..احست بخوف ورهبة اضطربت لها كل جوارحي، ولكن القديس يوحنا ابتسم في وجهي وقال : “لا تخف. اننا اصدقاء، وقد جئت تلبية لندائك، وسأمكث معك الى ان تفرغ من حديثك معي او تنتقل الى هناك حيث تعرف كل شئ دون ان تسأل”.

قلت: انا ارغب ان اعرف اثر تربيتك على اختيارك ان تتبع السيد المسيح وتخدمه.

وتكلم ذهبي الفم قائلا:

كانت الاوقات مضطربة وكانت انطاكية تعج بجماهير المسيحيين المختلفين. كان نصف السكان يدين بالمسيحية ولكن غالبيتهم كانت مسيحيتهم مسيحية بالاسم. ولا اذكر التاريخ بالضبط ، هو على كل حال بين عامي 344 و 354. ولدت من اب يدعى اسكوندوس يعمل في قيادة الجيش وامي انثونة وقد تزوجت في سن مبكرة جدا وترملت امي بعد سنوات من زواجها وابت الارملة الشابة ان تتزوج بل كرست كل حياتها لتهذيب ابنها.

لقد قالت لي ذات مرة حين كبرت قليلا: “يا ابني لقد شاءت ارادة الله ان تحرمني من بركة وجود ابيك الى جانبي ليقوم بمسئولية العناية بك بمعاونتي وتركني احمل عبء الترمل وانا بعد فتاة غرة عديمة الحنكة، لم اكن اشكو قلة المال بل لعلي شكوت من كثرته، وقد كان في مالي مطمع الكثيرين، الكثيرون من الاهل والخدم ومن موظفي الضرائب. كان ترملي صدمة عنيفة لي كزوجة وكان كارثة لي كام. ما اكثر الليالي التي اغرقت فيها وسادتي بالدموع ، وما اكثر مات امتلأ بيتي من انفاسي الملتهبة. ما اكثر ما اهتز عودي من الزوابع والاعاصير. على ان كل ذلك لم يكن لييحركني الى زواج ثان. لم اقبل ان يدخل زوج اخر بيت ابيك فبقيت في صميم الاعصار. لم احاول الخروج من حالة ترملي. لقد ساعدني على ذلك في المقام الاول العون الاتي من فوق. لقد وجدت تعزية فائقة بتطلعي الدائم الى وجهك ومشاهدتي فيك صورة حية لابيك بكل ملامحه. كنت وانت طفل صغير كل تعزيتي – ولقد حاولت جهدي الا المس فلسا مما تركه ابوك لك ، ومع ذلك فاني لم ابخل بشئ من المال لتهذيبك على وجه لائق. وانا اقول ذلك لا لامتن عليك اذ لا يجوز ان يكون هذا من ام لابنها. ولكني اذكره لاطلب منك منّة واحدة تقابل بها احساني اليك وهي الا تتركني بمفردي.. وتذهب لتترهب”

وقد كان طلبها عادلا. كنت انا كل شئ بالنسبة لها . من اجلي دفنت شبابها ، ومن اجلي قاست ما تقاسيه الارملة الشابة الجميلة الغنية من تجارب لا يدركها الا من تجربوا مثلها – كانت تطلب التعزية في رؤية ابنها يملأ الفراغ الكبير المتخلف عن حرمانها من زوجها. لقد قالت لي يوما : “الم تفكر يوما في مكان يويف البار من البتول مريم؟ الم تفكر يوما في مكان هذا الزوج الذي عاش مع البتول ليقيها من سهام المحيطين بها ، وليتولى عنها ومعها حماية الوليد المققدس. لقد سمحت العناية ان احرم من هذه العناية في صدر شبابي فلماذا تفكر في هجري لتعيش في خلوة وان كانت خلوة مقدسة: انني اكرم الرهبنة واعتبرها شيئا جليلا مقدسا. انه شئ حسن ان تترك العالم لتخدم السيد. لكن وجودك في العالم هو ايضا خدمة مقدسة لانك تقدم له المسيح في حياتك.

كان هذا رأى امي في الرهبنة وارجو الا يخطر ببالك انها قصدت ان اعيش في العالم كشاب غني يطلب الملذات التي يوفرها الشباب والمال والفراغ. فقد قامت بتهذيبي اللائق بحالة ابن عائلة نبيلة. تلقيت العلم على يدي امهر الاساتذة. وكان استاذي في الخطابة المعلم الشهير ليبانيوس الذي عاش وثنا ومات وثنيا، وقد ترامى الى علمي انه قال قبل موته – وكان ذلك سنة 393 عندما سئل ترى من يرشح لمكانه  بعد موته- قال: كنت اود ان يخلفني يوحنا لو لم يكن المسيحيين قد اختطفوه!

الدكتور القس لبيب مشرقي ف كتابه “رجال ونساء”

+++

 

القرابني

القرابني

كان بشوشاً وكان لطيفاً معطاءا، نذكره جيداً حين كنا أطفالاً دون العاشرة بينما تخطى هو الثلاثين من العمر، إنه (عمو يوسف) كما كنا نطلق عليه في تلك القرية النائية في وسط صعيد مصر .

كنا نحبه .. وكان يعطف علينا إمّا بقليل من الحلوى أو تلك القطع النقدية الصغيرة التي كان يحتفظ بها في جيبه، وكنّا نحن نشاكسه ايضاً وهو جالس في وداعة أمام حجرة القربان عقب القداس ، عندما كنّا نسأله أسئلة بريئة كان يبتسم ويلاطفنا ، والأن أتذكّر أنه في كل مرّة كان يشرد قليلاً بذهنه قبل أن يصرفنا عنه بلطف .

وكان أبي ناظراً للكنيسة ، وهي كنيسة أثرية على اسم السيدة العذراء. وبين آن وآخر، وحين كنا نجلس إليه بعد العشاء كان يروي لنا شيئاً عن ذلك القرابني الجديد الذي جاء يعمل كخادم في الكنيسة ، كيف أنه رفض أن يتقاضى أجراً .. وكيف إكتفى بالطعام الذي يقدّم له ، وبتلك الحصيرة المتهرّئة لينام عليها بجوار (بيت لحم).

وإعتاد أن يدخل إلى حجرته عقب السابعة مساءا ولا يُرى إلّا عند الصباح بعد أن يكون قد قام في نصف الليل ليخبز القربان ، ويُدخل (طبق الحمل) في مكانه أمام الهيكل ثم يرتب المذبح ويعمر القارورة ويصلح الشمعدانين اللذين فوق المذبح ويملأ إبريق الماء الفخاري ودرج البخور وكل ما يحتاجه الكاهن ، وهو ماهر جداً في جعل الكنيسة وما يحيط بها ، في غاية الحسن والبهاء ، فقد غرس بعض الورود والشجيرات حول الكنيسة .. وكنا نلعب كثيراً بجواره، وكنا نهابه بقدر ما كنا نحبه..

كانت فى عينية نظرة شفقة وحب وسر عميق ، وكان من بيننا ونحن أطفال جورج وهو ابن كاهن الكنيسة ، وكان (عم يوسف) يخصّ جورج باهتمام أكبر إذا كان مكلّفا برعايتة، مثل مرافقتة إلى المدرسة ، والعودة به عند الظهر إلى بيته ثانية، وكنا نراه فى بعض الأحيان يجلس إلى جوارة أمام حجرته فى الكنيسة، يراجع معة بعض دروسه ، وكان يوسف يعرف القراءة والكتابة ، وكنا نلمحه فى بعض الأحيان يقرأ على شمعة وباب حجرته مفتوحاً.

وأذكر أن بعض الصبية ضايقوه ذات صباح ، إذا راحوا يهتفون فى سذاجة بما يضايقه ويهينه،وقد رأيتة فى ذلك الصباح وهو يشخص إليهم بعينين منكسرتين ثم يتراجع بهدوء إلى الخلف حتى يدخل حجرته ويسحب بابها وراءه فى هدوء، وما أن أغلق الباب حتى قذف أحدهم الباب بحجر كبير ، ثم هرول الجميع ضاحكين ، وفى المساء وجدته بشوشاً كعادته، وقد زالت من قسمات وجهه عبوسة ذلك الصباح .

وعندما تجاوز سنّه الخامسة والثلاثين، أشفق الكاهن على وحدة يوسف ومسكنته، فعرض عليه تزويجه من إحدى العاملات بمصنع النسيج، ولكن يوسف أعتذر فى أدب جّم ، بأنة لا يفكر فى الزواج ، ظن الكاهن وقتها أن المانع هو ضيق ذات اليد ، فطمأنه بأنه سيتكفّل بنفقات هذا الزواج ، ولكنه أعتذر مراراً.

قال إن أهله فى إحدى محافظات الوجه البحرى، حاولوا مراراً تزويجه من قبل ، ولكنه أحبّ أن يحيا وحيداً ، وقال الكاهن :

– فلماذا لم تترهب فى أحد الأديرة ؟

– أنا لا أستحق … إنى شرير ..

وتأثر الكاهن، ومنذ ذلك الحين حاول توفير حجرة صحيّة له، يؤثثها له، ولكنه أعتذر أيضاً مكتفياً بتلك الحجرة البسيطة التى تشبة الكوخ ، واكتفى أيضاً بالقروش القليلة التى تعود عليه من الأطباق الخوص التى يصنعها فى أوقات فراغه.

و أحبه أهالى القرية ، واعتبروه بركة ، وكانوا يراقبونه فى ارتياح ، وهم يسير بين آن وآخر يحمل شيئاً إلى بيت الكاهن ، أو وهو يرافق جورج ابن الأب الكاهن إلى مدرسته ، أو إلى خاله فى الحى الغربى من القرية ، كان طويل القامة، نحيفاً، هادئاً، وثابتا فى خطواته .. رأسه مطرق إلى أسفل قليلاً ، ينتعل فى قدمه نعلاً بسيطاً… ويعتمر طاقية بنيّة اللون وكانت له لحية خفيفة جداّ.

وفى ذات مرة فوجىء يوسف عند منتصف الليل، بأن القربان لم يختمر .. فلم تكن الخميرة نشطة بالقدر الكافى ، فإن خبزه على ذلك النحو، فسيخرج من الفرن وهو أشبه ما يكون بالفطائر لا القربان ، ولم يكن الوقت يتّسع لعمل قربان آخر، وتحيرّ فى نفسه وتضايق و أوشك أن يضطرب ويفقد سلامه ، وفى النهاية لم يكن من مفرً من وضعه فى الفرن كما هو .. وخرج القربان بشكل سيىء .. وباكراً جاء الأب الكاهن ومعه الشماّس ، فتلقاه يوسف بالترحيب ، وتردّد قليلاً قبل أن يعتذر له بأن القربان اليوم ليس على ما يرام.

وتغيرت ملامح الكاهن وزمجر وراح يعاتبه على إهماله بكلمات قاسية ولكزه بيده غاضباً، وراح يوسف يعتذر بعبارات كثيرة ويطلب الحل والصفح فتركه الكاهن مستاءاً، والحقيقة أنها لم تكن عادة الكاهن فى مثل تلك المواقف ولكن مزاجه لم يكن على ما يرام فى ذلك الصباح .

وطفرت الدموع من عينيه ولكنه تماسك وعالجها بسرعة ، انتهى القداس وخرج الكاهن من الكنيسة فتلقاه يوسف ببشاشة ، ولكن الكاهن لم يعتذر له، ولكنه تظاهر فقط بأنه قد نسى الأمر والتفت إلى أعماله ، وإذا تحدث مع يوسف فى شأن آخر .

وكبر جورج (ابن الكاهن) شيئاً فشيئاً، وألحقه أبوه بالكلية الإكليريكية أملاً فى أن يساعده مستقبلاً فى أعباء الكهنوت والخدمة ، وكان شاباً مشهوداً له بالفطنة والذكاء وإتضاع القلب والكل يحبونه أيضاً، وكثيراً ما كان يوسف ينتظره على محطة القطار عند زاياراته للقرية ليحمل عنه حقيبته وليصحبه إلى منزله ، وكان جورج يحمل ليوسف – كلما جاء إلى القرية – هدية لطيفة من البندر، مرة شالاً و أخرى طاقية أو علبة من الحلوى .

وتقدم الكاهن فى السن وشاخ واحتاج إلى أن يطلب من الأسقف أن يرسم له أبنه كاهناً معه – وكان قد تخرج منذ ثلاث سنوات – وفى إحدى الليالى المبهجة حضر الأب الأسقف ليبيت ليلته فى القرية وبصحبته بعض الكهنة والأراخنة ، ليقيم فى الصباح ذلك الشاب الفاضل كاهناً ، وسعدت البلدة بذلك. ومن ثّم بدأ يشترك مع أبيه فى حمل أثقال الخدمة ، وبدأ فى حملة افتقادات واسعة محاولاً أن ينهض بالكنيسة وأنشطتها.

واستمرّ يوسف فى عمله المعتاد، من صنع القربان إلى تنظيف الكنيسة وملحقاتها من مرافق مختلفة ، مع قضاء بعض أمور الكنيسة مماً يكلّفه به الأب الكاهن، ويقول الذين تردّدوا على كنائس أخرى أنهم لم يروا ، أفضل و أروع من القربان الذى يصنعة يوسف ، كان دقيقاً فى عمله، مهتماً بالعودة إلى حجرته بعد انتهاء أعماله ، ولم يزر إنساناً فى بيته ، حتى بيت الكاهن لم يدخله مطلقاً وإنما يقف على الباب يسلّم شيئاً أو ليأخذ شيئاً ، وبالتالى لم يزره أحد فى حجرته ولم تكن له دالة مع أحد.

وأمّا أكثر الناس تعقلاً، فقد رأى فيه إنساناً يؤثر العزلة والهدوء، بينما اعتبره الآخرون شخصاً يعانى من الانطواء ، فى حين حسده البعض وكرهه البعض الآخر واشتكى عليه بعض الأشرار فى القرية .

ويحكى والدى فى تأثر بالغ وحزن شديد ، كيف حاول هو نفسه ذات مرة أن يطرد يوسف من مكانه بسبب بعض التوسعّات التى كان يرغب إجرائها فى الكنيسة ، فحمل يوسف عدة كتب كانت له مع بعض حوائجه ووقف بجوار الحجرة من الخارج مسكيناً لا يدرى ماذا يصنع ، ولكن بعض المحبين توسلوا إلى الكاهن الذى قرر تأجيل تلك التعديلات إلى حيت آخر ومن ثم فقد أعاده إلى موضعه ، ولفترة كان يوسف كلما رأى والدى، ينظر إليه فى مرارة !

عندما مرض الأب الكاهن الكبير ، لزم منزله لا يخرج إلا نادراً ، واعتلت صحته وفيما أوصى أبنه ، أوصاه بيوسف ذلك القرابنى الطيب الذى رافقهما فى رحلة طويلة وأصبح مسئولا منهما بعد مرور عشرين عاما منذ وصوله إلى القرية .

وتنيح الكاهن العجوز..

واهتم الكاهن الصغير بشئون كنيسته الصغيرة ، وحاول الاهتمام أكثر بيوسف ، فكرر محاولة والده تزويجه ، فكرر بدوره الرفض مع إبداء شعوره بالامتنان ، وقام بعمل تعديلات كثيرة على مرافق الكنيسة ، وبالتالى فعرض عليه أن ينتقل إلى المبنى الملحق بالكنيسة ، فاعتذر أيضاً بلطف وحياء ، متمسكا بذلك المكان الذى بدأ فيه منذ خمسة وعشرين عاماً.

وتقدمت به الأيام وناهز الستين من العمر ، وما يزال مسئولا عن صنع القربان وإسراج القناديل فى الكنيسة وتنظيفها وترتيبها ، وكذلك الحديقة التى أصبحت بقعة جميلة تزينها الورود المتعددة الألوان وأصص الزرع المنسقة بيد فنان مرهف الحس ، مع قضاء بعض احتياجات الكنيسة وحتياجات الكاهن .

ولكنه لم يخرج من البلدة طوال تلك المدة .. حتى عندما ألّم به ألم فى كليتيه ونصحه البعض ممن يؤمّون عيادات الأطباء فى المدن بالذهاب إلى الطبيب . واكتفى بتناول بعض المشروبات المفيدة للكلى وتخطى آلامها..

ويروى لنا معلم الكنيسة ، أنه كثيراً ما كان يسمع يوسف يردد بعض الألحان الطويلة ، فيسأله متعجباً ولكن يوسف كان يرد مستخفا بنفسه ، وبأنه كان يحفظ الكثير منها لا سيما وهو حديث السن و لكنه أصبح وقد نسى أغلبها.

وفى ذات مساء فوجىء الأب الكاهن بطرق على الباب . ولما فتح الباب فوجىء بيوسف يقف فى حياء على بعد من الباب ، غير أنه كان فى صورة بهية ، لم يره عليها مطلقا من قبل خلال ثلاثين سنة مرت عليه معه ،فقد كانت ثيابه نظيفة ..و وجهه يلمع وقد دس قدميه فى حذاء جديد..

و دهش الكاهن , فهى المرة الأولى التى يأتى فيها إلى بيته دون أن يطلبه, فدعاه الى الدخول, فتردد قليلاً قبل أن يدخل فى حياء شديد , إذ كانت هذه هى المرة الأولى أيضا التى يدخل فيها داخل البيت, و جلس فى وقار أمام الكاهن الذى دعاه للجلوس .. و بعد فترة من الصمت تخللتها بضع كلمات متفرقة و تقليدية قال يوسف:

– جئت إليك الليلة فى أمر هام.

– خيرا…

– نعم, فأنت تعرف كم لى من السنين هنا و أنا معكم .

– بالطبع فأنت معنا منذ ما يزيد عن الثلاثين او الأربعين عاما.

– كيف كنت أخدم الكل بفرح و أتمم عملى بقدر ما استطيعه من أمانة محاولاً ألا أقصر فى شىء.

– نعم..و لكن ما هو الأمر ..ماذا تقصد…

– إننى أشعر بقرب رحيلى.

فقال الكاهن مداعبا:

– أنت ما تزال شبابا.. أطال الله فى حياتك ..أنت بركة لنا يا عم يوسف..

– عفواً ..بل إنى خاطىء و مسكين,ولكن لى طلب عندك  أرجو ألا تردنى عنه أو تتعجب له.

– إذا كان فى استطاعتى فلن أتردد فى تحقيقه لك.

– أود أن تسمح لى بأن أصلى القداس غداً.

و تخيل الكاهن أن يوسف يود التقدم للتناول, و لهذا يطلب إعفاءه من بعض الالتزامات , أو ربما يحتاج إلى “حلّ” , فقال له:

-طبعا و بكل سرور , يمكنك التناول غداً- محالل مبارك!

– كلا يا أبى..بل أريد أن أخدم القداس..أرفع أنا الذبيحة..

و دهش الكاهن .. وصدمته المفاجأة و ظن لأول وهلة ان الرخل قد أصابه مس من الجنون, و تمعّن فيه طويلاً,و سرح بفكره , و تذكّر بعض المواقف التى شعر فيها بغموض الرجل الجالس الآن أمامه, و بأنّ سرُّ ما يكتنف حياته, فقال:

– ماذا تقصد؟!

– أعنى ما قلت, ثم بلهجة فيها من الجديّة أكثر ممّا فيها من التوسُل:

أريد أن أكون الكاهن غداً..إنى راحل.. و لهذا أودّ أن أودّع المذبح.

و ازدادت دهشة الكاهن و همّ بأن يعيد الرجل إلى صوابه، فأنتهره بلطف, غير أن الرجل استطرد فقال:

– نعم يا أبى ..أنه السرّ الكبير الذى كنت أحتفظ به طيلة هذه السنين و أنا بينكم, و لم أبح به لوالدك.. و لم أكن أنوى الافصاح عنه لأحد , لولا أن الوقت قد حان.

و هنا شعر الكاهن بالخوف , فكلمات الرجل تنذر بمفاجأة خطيرة, و بدأ يظهر عليه القلق، فقال مضطربا:

– و ما هو السر؟

– نعم يا أبى , فأنا راهب قس و قمص.

و عقدت الدهشة لسان الكاهن, و قفز من جلسته , ووقف مشدوهاً لا يصدق و تفرس طويلا فى الرجل الذى أعاد ما قال, فى هدوء و ثقة و ثبات : كلمة كلمة…

و هنا تهاوى الكاهن فى مقعده و هو يتصبب عرقا, و طلب إليه بتوسل أن يقص عليه قصته, و ما الذى دفعه إلى هذا السلوك الغريب, و أردف طلبه بوابل من الاعتذارات عن كل ما صدر عنه مما ضايق الرجل.. فلم يخل الأمر طوال تلك السنين, من انتهار بين آن و آخر.. إلى تجاهل غير مقصود .. فان أفضل معاملة تلقاها يوسف ,هو معاملة غير قاسية لعامل طيب مخلص.

-2-

قال الرجل:

منذ ثلاثين عاما ,كنت قد ألتحقت بدير(…..) و كان لى هناك قلاية لطيفة عشت فيها ثمانى سنوات, فقد دخلت إلى هناك و سنى لا يتجاوز الرابعة و العشرين, و عشت فى سعادة غامرة, كان معى فى الدير ثلاثة من الرهبان كانوا من مدينتى و كنت أتعزى بهم .. و كان عملى  بالدير هو تصنيع الطوب الرملى و الذى كان له عندنا فى الدير , ماكينة بدائية الصنع, و كنا نستخدم الطوب فى بناء بعض القلالى و المرافق, ثم اتضح إن المبانى المقامة بمثل ذلك الطوب,غير صحيحة مطلقا, فقررنا فى الدير قطع الحجارة من الجبل لاستخدامها بدلا من الطوب.

صمت الرجل قليلا ..فراح الكاهن يحثه على مواصلة الحديث.

– كان المحجر الذى سنقطع منه الحجارة يبعد عن الدير مسافة كيلو مترين, و لم تكن إمكانيات الدير تسمح باستئجار قاطعى الأحجار, فكنت أبدأ عملى فى التاسعة صباحا لأقوم بعمل حفرة فى الأرض الحجرية على بعد متر واحد من الحافة, و من ثم أضع فى الحفرة وتدا خشبيا ضخما و نقوم بالضغط عليه قبل أن نشبعه بالماء و نتركه ليوم كامل , و حينئذ يزداد حجم الوتد فيضغط على الحجر فيحدث به شرخا طويلا فنقوم بتقطيع هذه الشريحة إلى قطع مناسبة و بعد ذلك نضعها فوق العربة الكارو.

و العربة لها قصة طريفة..

و هنا دخلت زوجة الكاهن و هى ترتجف من الخوف و فى يدها صينية الشاى و بعض الحلوى , فقد سمعت الحديث بكامله , و أشار إليها الكاهن لتجلس فجلست تستمع و ما تزال آثار دموعها على خديها..

ثم أردف الرجل..

نعم .. قلت لك أن الدير لم يكن به عمال, و كانت العربة الكارو ذو العجلتين يجرها حمار, و كنا قد مهدنا الطريق من المحجر حتى باب الدير , فبعدما أضع الحجارة فوق العربة , أوجه الحمار ناحية الدير, فيجر العربة إلى هناك حيث ينتظرها أب آخر يفرغ حمولتها ثم يفعل الشىء ذاته إذ يوجه الحمار ناحية المحجر و هكذا… و كنا نحب الحمار و نشفق عليه و نلاطفه كثيراً و نطعمه بقدر ما نستطيع , ولم نكن نعتبره مجرد حيوان أعجم بسبب أنه صار يفهمنا جيدا و نفهمه كذلك.

و كنت أعمل حتى الرابعة بعد الظهر فيما عدا يوم الأحد من كل أسبوع.

– من كان يبنى لكم إذن؟

– كان من بيننا اثنين من الرهبان ملمان بحرفة البناء, كلما رأيانى يلوماننى برفق و دعابة.

– حجارتك ليست مستوية.

فأرد معتذرا:

  • الاستقامة من عند الرب.

و كنت فى يوم الأحد من كل أسبوع , أخرج إلى البرية , و معى عصا طويلة تعيننى فى السير فوق الرمال.. و استمر فى السير حول الدير لساعتين أو ثلاثة..

و فى السنتين الأخيرتين لى هناك,كنت قد تشجعت فى أن أسير بعيدا عن الدير مدة أطول, و فى ذات يوم استأذنت أبى رئيس الدير فى أن أتغيب يوم الأثنين عن العمل وولفق لعلمه أن ذلك إنما من أجل رغبتى فى الهدوء و الخلوة , و طلب إلىّ أن أصلى عنه, و لكن أين ذهبت فى هذين اليومين؟ لقد سرت من صباح الأحد بعد القداس الإلهى , و بعدت عن الدير حوالى أربعين كيلو مترا, و عندما مالت الشمس للمغيب, و أضطررت للمبيت فى الصحراء, نمت فى ظل صخرة كبيرة بعد أن رشمت ذاتى بعلامة الصليب و رسمت دائرة حولى.

وصمت الرجل وشرد طويلا قبل ان ينتبه على صوت الكاهن وزوجته يحثانه على المواصلة … و كان الكاهن عندئذ يتخيل الرجل فى ملابسه الرهبانية !!

اردف الرجل قائلاً :

بكرت فى الصباح لاواصل سيرى ، و تلذذت بذلك ، واحسست بالغربة عن الجير واخوتى تجذبنى نحو الله و تهبنى الهدوء الذى انشده و تجعل ذلك الخط الذى يربطنى بالله سليماً غير منقطع ، فلم اعد الى الدير !! سرت هائماً على وجهى لمدة شهرين من الزمان ومن ثم و بعد صلاة طويلة ، قررت الا اعود ثانية للدير !!

– فأين ذهبت ؟ ( قال الكاهن بينما زوجته الطيبة تجلس الى جانبه خائفة )

– نزلت بكوخ احد الاعزاب الذى احتفى بى وترك لى كوخه ليسكن هو فى كوخ اخر بالقرب منه ، و عملت معه فى رعى الاغنام لمدة شهرين ، ارسلت خلالها الى ابى الروحى عن طريق البريد استأذنه فى ان اكمل حياتى على هذا النحو ، او على نحو مشابه ، وقلت له ان يرسل لى رده بأسمى العلمانى (يوسف) واعطاني الاعرابى عنواناً لاقاربه فى المدينة ، طلبت من ابى ان يرسل لى عليه و هنا قاطعه الكاهن

– ماذا كان اسمك فى الدير ؟

– توماس … كان اسمى القمص توماس.

– اكمل من فضلك …

– وصلنى خطاب ابى الروحى وكان مكتوباً فيه عبارة واحدة : (تشدد و تشجع و الرب معك) وكاد قلبى يطير من الفرح و احسست بلذة الحرية ، و اتساع الافق امامى وكأن ابواب غنى مجد الله قد انغتحت و لم يعد هناك من مانع لكى أخذ و أعترف .

واشتهيت ان اتناول من الاسرار المقدسة ، و سألت ذلك الاعرابى عن اقرب كنيسة فأشار إلى كنيسة هذه البلدة ، حيث تبلغ المسافة من الكوخ اليها حوالى خمسة عشر كيلو متراً ، فجئت الى هذه القرية وبالطبع فقد كانت ملابسى عادية و قد لبست طاقية مثل التى البسها الآن فلم يكن هناك فارق بينى و بين اى رجل اخر سوى هذه اللحية وهى صغيرة جداً كما ترون .

وفى يوم من الايام التى جئت فيها لاتناول تأخر القداس فى البداية طويلاً ، وعرفت – بطريقة عابرة – ان السبب فى ذلك يرجع الى تأخر عمل القربان ، فقد ترك القيم البلدة غاضباً و ليس من يحل محله و بنفس كفاءته .

وهنا هز الكاهن رأسه وتمتم ببعض كلمات مؤمناً بكلام الرجل .

و توجهت لفورى إلى والدك نيح الله نفسه ، وعرضت عليه القيام بتلك المهمة ، و سألنى هل تعرف فقلت له نعم فقد كنت اصنعه فى قريتى ، و يمكنك ان تجربنى و تختبر صدق قولى غداً فوافق لا سيما وأنه لم يكن هناك من بديل و قتها ، ففرح حينئذ ووافق ، و قمت بصنع القربان ليومين متتاليين ، سر به الاب أيما سرور ، وطلب الى ان احيا معهم وأعطانى هذه الحجرة بعينها ، ومن ساعتها عشت على هذا النحو ولم اكشف سرى لاى شخص حتى هذا اليوم …

الموكب

ما ان انتهى الرجل من كلامه ، حتى وقف الكاهن و صافحه كما يتصافح الكهنة ،

طلب الحل منه ثم دخل إلى الداخل ليعود سريعاً وهو يحمل ثياباً كهنوتية ليسلمها للرجل و لكن الرجل قال انه يحتفظ بملابسه  الكهنوتية و الرهبانية …إنها ماتزال معه فى صندوق يضعه فى حجرته ، فقال الكاهن .

– انزل الآن يا أبى إلى حجرتك ودعنى أنا الليلة اصنع لك القربان ، اسمح لى مرة واحدة نتبادل الادوار .

– أبداً إن هذا لن يكون مطلقاً ..فإنى اتمم عملى حتى النهاية …

– إذن قل لى انك حاللتنى يا أبى توماس و سامحتنى .

– من اجل ماذا ؟

– فلربما قد أسأت إليك عفواً او عمداً .

– لم يحدث شىء من هذا ، فقد كنتم لطفاء معى ، وإن كنتم قد أسأتم إالى عفواً فلا يحسب عليكم ، وإن عمداً فلكم العذر لانكم لم تعرفوننى ، كما إنى أنا الذى اخترت هذا المسلك .

وهذا قال الكاهن كمن يصدر أمراً و يقر قراراً :

– تصلى قدسك غداً ، و سأقوم أنا بالترتيب اللازم ..والآن تفضل إلى حجرتك ما دمت مصراً على صنع القربان حتى فى هذه الليلة النادرة و الحاسمة .

+++

كانت الساعة عند ذلك قد تجاوزت السادسة مساءاً حين خرج الكاهن يطوف بيوت تلك القرية وهو يلهث و تتلاحق أنفاسه ..تعالوا .. انظروا تلك الاعجوبة ..

يا من هنا ويا من هناك .. اسمعوا و تعجبوا و تحيروا كما يحلو لكم ، كيف أن صانع القربان هو راهب كاهن .

يوسف راهب .. يوسف كاهن ..هيا يا من ازديتم به و يامن اهنتموه ، هيا نالوا الصفح منه .. وإلتمسوا صلاته .

و تقاطر الناس على الكاهن ، يتسألون فى دهشة بالغة .. و الكاهن يروى القصة .. ويعود فيرويها بتفاصيل اكثر ، و وصرخت بعض النسوة و بكت أخريات ، كان مشهداً مؤثراً ..و عرف الجميع انه سيصلى قداس الغد لم تنم القرية فى تلك الليلة ، فقد راح الرجال يستعيدون كل ما كان قد دار بينهم و بين يوسف ففرح كل من كان قد احسن إليه و احبه ولاطفه ، بينما ندم كل من أساء اليه أو حتى احتقره فيما بينه و بين نفسه ، كذلك فقد راح الرجال يسترجعون كلماته و تعليقاته ..

أسرع بعضهم إلى الكنيسة فى تلك الليلة ليروا يوسف و لكنه كان قد انتهى من صنع القربان و أغلق حجرته و لو يفتحها و لم يستجب للطرق على الباب ، فقد كان يعرف أنهم إنما سيحضرون ليستطلعوا الآمر منه ، و يمطرونه بوابل من الآسئلة حول قصته .

و اجتمع كثير من النساء ، كل جماعة منهن فى منزل إحداهن ، يتسامرن و يتهامسن و يروون قصصاً كثيراً من نسج خيالهن عن يوسف و عما سوف يحدث فى الغد ..إلخ .

فى الصباح الباكر قام الاب توماس بخبز القربان وادخله الى الكنيسة قبل وصوصل مرتل الكنيسة (المعلم) وطلائع الشعب ، وكان مرتدياً الملابس السوداء ، وعلى رأسه طاقية سوداء تحتها الشريط الذى كان يلبسه الرهبان حتى الستينات ، وهكذا بدا فى هيئة مختلفة .

و حضر المعلم .. و بدأ فى ترديد بعض مقاطع من نهاية التسبحة اليومية و بعد ذلك جلس فى ركن ( الدكة ) يتمتم بعض صلوات …ثم قال – عل أحد الموجودين يرد عليه – ألم يحضر الآب بعد .

ورد صوت من داخل الهيكل ، سنبدأ الان يا معلم ، فتعجب المعلم لان الصوت القادم ليس صوت الكاهن الذى يعرفه ، وإنما هو صوت غريب ، وتخيل لاول وهلة ، انه واحد من الاباء الكهنة الذين يدعوهم للصلاة بدلاً منه حين يضطر هو للسفر ..او بسبب مرض يلم به ، غير ان الصوت لم يكن غريباً تماماً ..فأطرق بسمعه – ثم قال:

– من ؟!! من قدسك ؟!

– أنا يا معلم .

فهتف المعلم :

– يوسف ..عمو يوسف ..أهلاً .. وأجاب يوسف :

– لا يا معلم بل أنا الكاهن الذى سيصلى ، فصمت المعلم قليلاً ثم قال :

– ماذا تقصد .. ماذا تعنى  ؟!

– أعنى ما قلت ..هيا لنبدأ!

وهمّ المعلم أن يصرخ محتجاً ، وهنا دخل الكاهن وأخذ المعلم بلطف من يده و همس فى أذنه : إصمت .. إنه راهب .. إنه كاهن .. فصرخ المعلم بصوت مكتوم و بطريقته اللطيفة:

وىّ!

(كان المعلم قد نام فى بيته مبكراً و كان يحيا فى منزله وحيداً بعد وفاة زوجته و سفر إبنيه إلى المدينة ، وبالتالى فلم يعرق ما حدث بالامس). وخرج على الفور ، وراح يتمتم ببعض كلمات ليعود بعدها ، فيجد الأب توماس قد بدأ فى رفع بخور باكر . كان صوته جميلاً رخيماً معزياً ملائكياً، وقد صلى النصف الأول من القداس للقديس غريغوريوس أما النصف الثانى فقد صلاه للقديس باسيليوس ( نصفه غريغورى والآخر باسيلى) ورتل الشمامسة خلفه الأسبسمس الآدام والواطس، وبعد إنتهاء القداس تقدم جميع الشعب للتناول وكانوا حوالى ثلاثمائة فرد، وهو العدد الذى نادراً ما يلتئم فى القداس الإلهى، فى تلك القرية الصغيرة.

+++

وبعد القداس :

وقف فى وقار وريث وأناة يوزع لقمة البركة (الألوجية) وتقاطر الناس عليه يطلبون صلواته ويستفسرون منه، والبعض يطلب السماح والحل لما قد يكون ضايقه منهم و راحت الأمهات يرفعون أصواتهن يطلبن البركة و البعض رفعن أطفالهن وقدمنهم إليه ليباركهم فكان يرشم جباههم بإشارة الصليب، أمطروه بأسئلة كثيرة جداً، غير أنه لم يجب، ولم يفتح فاه بل كان ينظر إلى الجميع فى شفقة وحب.

وفى بعض أركان الكنيسة وقف البعض ينظر إليه باكياً، فلما أنتهى هو من توزيع البركة، وكان كاهن الكنيسة برفقته دخل معه إلى الهيكل ثم جذب الأب توماس ستر الهيكل ليفصل بين الكنيسة والهيكل ، وبعد قليل حرج برفقة الكاهن، واستأذن الناس الذين كانوا مايزلون فى الكنيسة، فى أن يمضى إلى حجرته ليسترح قليلاً، وبعد ساعتين تنيح فى حجرته .

+   +   +

واليوم لا يتذكر أهل البلدة أين دفن هذا الأب و أين قبره، البعض يقول أن جسده لايزال تحت أرض تلك الحجرة التى كان يعيش فيها، والبعض الآخر يقولون : لا، بل دفن قى الكنيسة مع بقية أجساد الآباء الكهنة الذين دفنوا هناك. هذه الواقعة حقيقية جرت أحداثها فى النصف الأول من هذا القرن.

الراهبة فى معسكر النازى

2015 - 1

مقـدمـة:

انتبه الشيطان فى بداية القرن الرابع، إلى أمر في غاية الخطورة، فقد فوجيء بانه تسبب فى (تصدير) مئات الالاف من الشهداء، إلى السماء، وذلك كنتيجة للأضطهاد الذى أثاره على الكنيسة، عبر ثلاث قرون!، وهى النتيجة التى جاءت عكسية، لما كان يأمله من الاضطهاد، وهو إجهاض المسيحية، والقضاء عليها فى مهدها .

ومن ثم فقد قام بإيقاف الإضطهاد!!، حين صدر مرسوم التسامح الدينى من قبل الملك قسطنطين فى سنة 313م، ومن هنا بدأت الكنيسة فى المعاناة من الشقاقات التى دبت بين أبناء الكنيسة الواحدة، فظهرت البدع والهرطقات وأطل آريوس وغيره برؤوسهم من الجحور! .

كانت الكنيسة أقوى ما كانت، عندما كانت دماء الشهداء ترويها، فقد كان كل رجل  أو إمرأة تقبل على الاستشهاد، يترك رسالة هامة ذات طابع إسخاطى (أخروى) للمجتمع الذى كان الششهيد يحيا فيه .

وتكرر نفس ما حدث فى القرن الرابع، ولكن فى روسيا وفى بدايات هذا القرن العشرين، حين أثار الشيوعيون على المسيحين إضطهاداً عنيفاً، فأفرخت الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، عدداً هائلاً من الشهداء، لكل منهم قصة إستشهاد، غاية فى التأثير والقوة من ناحية، والغرابة والعجب من ناحية أخرى، فقد كانوا يسخرون من الموت ويستهزءون بمضطهديهم، حتى الأطفال، أعطاهم الروح القدس ،  الشجاعة والقوة لإستعذاب الألم وتحدىالموت .

هذه قصة إستشهاد رائعة، لأم راهبة، تشرفت بنوال بركة الإستشهاد فى إحدى معسكرات الإعتقال بفرنسا فى عام 1945م .

نشأتها:

ولدت أليزابيث (هذا هو إسمها قبل الرهبنة) فى ديسمبر 1891م، من اسرة تمتلك  مساحات كبيرة من الحقول والمزارع، فى وقت كان فيه عامة الشعب يرزحون تحت ثقل الفقر، ويعانون من البؤس والشقاء، محرومين من ضروريات الحياة، فقد كان أولئك الفلاحين  يعملون فى مزارع الأغنياء، وكان الأخيرون يعاملونهم معاملة فيها كثير من الإزدراء والتحقير، فيهبونهم أقل الطعام واللباس فى حين أسكنوهم فى أكواخ حقيرة، إضافة إلى إرهاقهم بما لا طاقة لهم به فى العمل، وعنج أقل خطأ كان ينتظرهم عقاب قاسى .

فى ظل هذه الظروف السيئة من قهر وجوع وبرد لقى عشرات الألوف الموت فى كل عام ، بينما الأغنياء يحيون بطريقة مبالغ فيها(1) ، أثارت حقد عامة الشعب، فأحسوا بالقهر والقسر،  مما دفع الكثير منهم إلى التفكير الدائب فى الثورة، للإحاطة بالقيصر وحاشيته، فى حين عمل البوليس السرى من جهته على مطاردتهم وقتل المئات منهم ونفى عشراتالألوف إلى سيبريا

وأما اليزابيث، والتى كانت قد تربت تربية مسيحية فى الكنيسة الروسية الأرثوذكسية،  وبالرغم من ثراء عائلتها، فقد كانت متعاطفة مع الفقراء الذين حولها، وحاولت أن يكون لها دور بناء وإيجابى، بما يتناسب مع طبيعتها وإمكانياتها، مثل العطف عليهم، بأن تهبهم بعضاً من طعامها وملابسها، وكانت برقتها تشيع الأمل والرجاء فيمن حولها .

إن مجرد الرغبة فى عمل المحبة، امر يسر قلب الله، حتى القليل الذى نقدمه، يستسمنه الله ، شريطة أن يكون قد م بفرح. وقدم من الأعواز، لا من البقايا .

تلقت أليزابيث تعليمها الأساسي في منزلها، شانها في ذلك شأن الأغنياء في زمانها، الذين كانوا يجلبون المدرسين إلى منازلهم لتعليمهم، وفى سن الثامنة عشر إتجهت إلى جامعة القديس بيتر سبرج Petersburg، حيث تقابلت هناك مع بعض الطلبة الذين يخططون للثورة.

الثورة الإشتراكية :

ربما تكون أليزابيث قد ساورها الفكر فى الإنضمام إليهم، غير أنها فكرت بطريقة عملية،  تناسب طبيعتها فقد اتجهت إلى تعليم الأميين من الفقراء وذلك فى فصول مسائية، حيث لجأ إليها الفقراء والفلاحون ىنذاك فى بعض المصانع خارج المدينة .

كذلك فقد قامت أليزابيث بنظم بعض القصائد الشعرية، تطمئن بها الفقراء والمتألمين  من شعبها، وقد أتاح لها تعرفها ببعض كتاب وشعراء عصرها، بتنمية هذه الموهبة فصدر لها كتابان.

فى سنة 1917 م قام الفلاحون والعمال الروسيون ، بقيادة لينين وتروسكاي lenin and trotsky ، بالإنقلاب الذي أطاح بالقيصر وحُكم القياصرة في البلاد، ومن ثم بدأت الثورة الإشتراكية الشهيرة، وفي البداية شعر الناس كرد فعل أولّي للثورة – بالحرية، ولكن قليلاً قليلاً اكتشف الجميع أن الوضع مازال كما كان من قبل، من حيث الفقر والعري والقحط والقهر، مما دل علي وجود خطأ ما! فقد استُبدل الحكام المستبدون بآخرين أكثر استبداداً، ومن ثم.

1-كان القيصر مثلاً ، فى شم النسيم يهدى أولاده البيض المصنوع من الذهب والمرصع بالأحجار الكريمة ، والمحشو باللعب الفضية الصغيرة ، وكانت الأسرة المالكة تسكن فى أعظم خمس قصور فى روسيا ، حيث يحتوى كل قصر منها على أكثر من ألف غرفة .

فقد مات الآلاف من الجوع، وقبض علي عشرات الألوف، وكان مصيرهم القتل والنفي.

هذه هي الظروف التي ولدت فيها الأم ماريا (أليزابيث) وعاشت فيها سني شبابها، ويبدوأنها أحست أكثر بتفاهة العالم وأنه لا شيء ثابت فيه ولا أحد، ولكن الحقيقة الواحدة الوحيدة الثابتة وغير القابلة للتغيّر أو التطور، هي الله (الحق = الحقيقة) ولذلك فقد آثرت أن تربط مصيرها به لتضمن أبديتها وسعادتها.

رهبنتها :

تركت أليزابيث روسيا, واتجهت إلي باريس حيث تعرفت في الكنيسة هناك، إلي بعض الفتيات اللائي عزفن عن الزواج وآثرن البتولية، ومن ثم فقد قامت أليزابيث بالاشتراك معهن، في تأسيس جماعة رهبانية صغيرة أسمينها “Religious order” (الرهبنة الأخوية) حيث عشن حياة بسيطة، وعملن علي كسب قوتهم من العمل اليدوي، علي أن يقضين بقية الوقت في  الصلاة والتأمل، وأن يقمن بمساعدة الآخرين، وذلك بقدر ما تسمح به طبيعتهن وإمكانياتهن، وبحسب التقليد السائد فقد أستبدل اسمها إلي الراهبة ماريا “Mother Maria” كان ذلك في سنة 1932م (1) .

ومنذ ذلك الحين، وقد انحصر اهتمامها في محبة الفقراء، فكات تتردد علي أماكن سكناهم في باريس فعملت علي عيادة مرضاهم، وإعانة المحتاجين، بقدر ما تسمح به ذات يدها، من ثم صارت الشخصية الخادمة الباذلة في صمت وحب وفرح، الفلاحين الفقراء عبروا عن ذلك كثيراً بقولهم (أننا أبداً لن ننساها).

أما عن حياتها الشخصية، فقد اكتفت بالثياب السوداء الرثة، وحول رأسها إرتدت الشال البسيط حسب عادتهن، وكانت تلبس حذاء من النوع الرجالي، المتهرئ، ولكنها كانت سعيدة بحياتها، يمتلئ قلبها بالشكر والرضي.

ولم  يكن لديها الكثير لتقدمه للفقراء، ولكنها أعطتهم محبتها ولطفها وكلماتها الرقيقة المشجعة، وعندما تيسرت لها بعض الأموال القليلة من بعض الغيورين، قامت علي الفور بإنشاء مستشفي صغير لتعول فيه المرضي والأيتام، يساعدها في ذلك بعض الأمهات الأخريات، وبالرغم من التعب والمجهود المضني الذي كانت تبذله، كانت سعيدة بأن ترسم البهجة علي وجوه الآخرين، هي عبرت عن ذلك

بقولها (فرحتي وقمة سعادتي هي راحة وسعادة الآخرين)(2).

حب بلا حدود :

عندما سقطت فرنسا في يد النازيين بعد نشوب الحرب العالمية الثانية سنة 1940م، تعرض اليهود الذين فيها للإضطهاد العنيف، وتهدّدهم خطر الفناء الشامل، ومن ثم رأت الأم ماريا في ذلك فرصة لمساعدتهم بشتي الطرق المتاحة. فإن المحبة المسيحية لا تعرف حدوداً ولا تفرق بين شخص وآخر، فالمحتاج والمريض هو إنسان وحسب، بغض النظر عن جنسيته ومعتقده، إنه رمز البشرية المعذبة المحتاجة.

(1) بالطبع لم تلحق أليزابيث بأحد أديرة الكاثوليك ولكنها عاشت مع بعض الفتيات الأرثوذكسيات حياة رهبانية داخل إطار خاص بهن.

(2) هناك نوعان من الرهبنة، إحداها الرهبنة العابدة، والتي يلتزم فيها الراهب قلايته حيث يتحدد دوره تجاه العالم، في الصلاة لأجله، والثانية الرهبنة الخادمة وهي التي يضطلع فيها الراهب بالقيام ببعض الأعمال التطوعية مثل التدريس وخدمة المرضي ورعاية المحتاجين، ويغلب هذا الاتجاه علي معظم رهبنات الغرب.

فالله يعطي الكل بسخاء، فإنه يشرق شمسه علي الأشرار والصالحين ويمطر علي الأبرار والظالمين (مت 5: 45)، حتي أولئك الذين ينكرون وجوده، فعطية الله قائمة علي أساس تحننه لا علي أساس تحننه لا علي أساس احتياج الإنسان أو إستحقاقه أو طلبه !!!.

اضطهاد اليهود :

اعتقد هتلر ومعه القادة النازيين Hetler and Nazins، أن الشعب الألماني هو شعب متميز وسيد لكل الشعوب، فقالوا أنهم مخلوقون لحكم العالم لآلاف السنين، وأنهم سيدمرون أولاً كل من يقف في طريقهم ثم يحكمون مثل الآلهة، ومن ثم اعتبروا أن بقية الناس من الأجناس الأخري، يجب أن يكونوا عبيداً لهم، بل اعتبروهم جماعة من الفئران، ويتضمن هذا كل المعوقين جسدياً وذهنياً، والمجانين ذوي الأمراض المستعصية، وأكثر من كل هؤلاء وأولئك اليهود، كأنهم أعداء العالم، فبنوا  لهم المعتقلات في كل أنحاء أوربا، وطاردوهم في كل مكان وزجوا بهم في السجون وحظائر المواشي دون طعام أو ماء، وفي النهاية كانوا يساقون إلي الموت بطرق وحشية، رغبة منهم في إفناء اليهود من العالم، أطلقوا علي هذه السياسة (الحل النهائي لمشكلة اليهود). إن بشاعة المعتقلات كانت أشبه بالأساطير، من فرط ما كان يجري فيها من ممارسات يأباها الدين والعقل، فقد مات ملايين من الأطفال والنساء المسجونين، بسبب الجوع والبرد والتعذيب البشع عن طريق الجلد أو التعرض للتمزق بين أنياب الكلاب البوليسية المتوحشة والمدربة علي القتل، آخرون ماتوا شنقاً وآخرون ماتوا رمياً بالرصاص، وبالغاز السام في عنابر الموت فالنهاية واحدة لكل الجثث وهي الحرق في أفران كبيرة مجهزة لذلك. حوالي ستة ملايين ماتوا في تلك الأفران، وملايين آخرين من جنسيات أخري، قتلوا لمجرد الاشتباه في ذلك ! أو لمخالفتهم لأوامر الفوهرر هتلر. القبض علي الأم ماريا : هذه هي الظروف التي دفعت الأم ماريا، بأن تغامر بمساعدة اليهود المساكين، فحين أعلنت السلطات النازية مطاردة اليهود في باريس، قررت أن تجعل من المستشفي الصغير الذي أنشأته، ملجأ لأولئك المطاردين، وحاولت أن تجعل هذا العمل في غاية السرية، ولكن عدو الخير أهاج عليهم المضطهدين، ففي ظل التضييق الشديد للسلطات النازية، والنشاط غير العادي للمخابرات الألمانية، فيما يسمي بفريق الجستابو المخيف The dreaded Gestapo، تعرضت للخطر. فإنكشف أمر المخبأ (المستشفي) الذي إلتجأ إليه أعداد غفيرة من اليهود البائسين، فتم القبض علي كل من فيه وعلي رأسهم الأم ماريا، حيث أرسلت فوراً إلي معسكر الإعتقال المسمي رافنز براك- Ravens bruck، وذلك دون محاكمة، وبالتالي فقد حرمت من الحق الشرعي في التعبير عن الرأي والدفاع عن النفس (1)، وكان ذلك المعسكر من أسوأ المتعقلات الموجودة في ذلك الوقت.

الدولة التي يهان فيها الحق، مآلها إلي الفشل والتخلف (المترجم).

الحياة في معسكر رافنز براك Ravensbruck .

الإحساس العام الذي ينتاب كل من يدخل هذا المعسكر، هو الموت الرابض في أركانه وأروقته، ويتربص بنزلائه، بحيث يبقى المرء – بحد أقصي شهرين أو ثلاثة فقط- علي قيد الحياة في المعسكر. كان المعسكر محاطاً بسياج مزدوج من السلك الشائك، تقوم علي حراسته كلاب بوليسية وحشية مدربة علي القتل، وبين مئة متر وأخري أقيم برج للحراسة والمراقبة، محاط بمدافع ورشاشات، لكي يصبح حتي مجرد التفكير في الهرب أمر مستبعد بل مستحيل.

أما طعام النزلاء فقد كان قليل من الشوربة (المائعة) مع كسرة صغيرة من الخبز (في الغالب كانت عفنة) وفي مقابل ذلك كان يُلزم المعتقلين بالعمل لساعات طويلة فى المناجم المظلمة, منذ الصباح الباكر و حتى مغيب الشمس, و مع استمرار  هذا المجهود لعدة اسابيع, كان اكثرهم يسقطون موتى بسبب الإعياء الشديد. والبعض الآخر كان يعمل فى قطع الأشجار من الغابات, ليمدوا حراسهم بوقود التدفئة!!

غير أن أصعب الأعمال و أبشعها هى حفر خنادق كبيرة فى الجبال بعمق واتساع كبيرين, حتى إذا إنتهوا من حفرها, يتم تكديسها بآلاف من المعتقلين الآخرين, دون تفريق فى ذلك بين أطفال رضع فى أحضان أمهاتهم أو شيوخ, حيث يجبرونهم على القفز داخل الخندق, ليقوم فريق آخر من المعتقلين المساكين بردم الخندق عليهم ليموتوا أحياء(1) وكان إختيار المحكوم عليهم يتم بطريقة عشوائية.

وهكذا كان الحال بالنسبة للذين حكم هليهم بالموت خنقاً بالغاز السام، ففي الصباح ينادى الحراس على بعض الأسماء، ويوهمونهم بانهم ماضون إلى الحمام للإغتسال (حيث يظن المعتقلون البؤساء أنه نوع من الترفيه أو التخفيف بسبب حرمانهم من الإستحمام لشهور طويلة) ولكنهم كانوا يروعون عندما يكتشفون بأن تلك الحمامات، ما هى إلا غرف إعدام بالغاز السام، فعندما تمتلئ الحجرة (العنبر) عن آخرها، يتم إغلاقها بإحكام ومن ثم يطلقون فيها ذلك الغاز الرهيب فيلقون حتفهم فى دقائق معدودات. وبعد ذلك تحرق الجثث في افران كبيرة، وبسبب إستمرار إحراق الجثث كانت هناك غمامة كثيفة سوداء تغطي سماء المعسكر.

هذا هو المكان الذى أرسلت إليه الأم ماريا.

  شهادتها للمسيح داخل معسكر الإعتقال:

عملت الأم ماريا مع المعتقلين, وعانت معهم وحاولت التخفيف عنهم, ولتعطيهم مثالاً صادقاً فى الصبر على الضيقات فى شكر, محاولة بث روح الرجاء فيهم, وجذب انظارهم إلى الأبدية.

كانت لديها القدرة على أن تحيا فى فرح, وتشيع جواً من البهجة عى المعتقل, حتى الحراس العتاة الذين خلت قلوبهم من أى شفقة, أحبتهم وصادقتهم, كما أحبت اليهود و صادقتهم حتى قادتها محبتها لهم إلى ذلك

المكان الموحش فى إنظار الموت, ومن ناحيتهم فإن الحراس أنفسهم أحبوها وأجلوها رغم

(1) فى أغلب الأحوال كان المتعلقون الذين يقومون بردم الخندق يؤمرون بحفر غيره ومن ثم يلقون ذات المصير، مما كان يشكل عبئاً نفسياً لا طاقة لأحد بإحتماله،المترجم.

وحشيتهم, بقدر استطاعتهم كانوا يحاولون مساعدتها, فقد كانوا يعطونها نصيباً أوفر من الطعام, بالرغم من مخالفة ذلك للوائح وقتئذ, وهي بدورها كانت تقاسم المعتقلين في ذلك الطعام, كذلك فقد عاونها الحراس إلى حدود ما, فى الإختلاء  للصلاة بمفردها.

وعن محبتها للحراس تقول الأم ماريا (يسوع المسيح أحبنى بلا حدود فمات من أجلى, أفما يليق بي أن أعيش له).

أما الحراس أنفسهم فقد عبروا عن تأثرهم بها فى قول أحدهم (كانت معروفة لنا بالأم الراهبة الروسية الرائعة, ولم نكن نريد لها أن تموت, إن موتها كان خطأ منا, نحن آسفون عليه).

مرت سنوات والأم ماريا, تزداد روحها ابتهاجاً, فى حين يعجز جسدها الهزيل ويذبل أكثر, حتى صارت أشبه بهيكل عظمى تستره ملابس بالية, ويوخزه الكثير من القروح, في الوقت الذي كانت أسنانها آخذة في التساقط, إذا لم يكن لها حذاء يقيها من البرد, فقد لفت قدميها قى قطعتين من الخيش.

أحد المعتقلون الذين نجوا من الموت, يقول عنها (كانت قديسة, الجلوس معها كان عبارة عن جلوس مع الرب يسوع, هذا ما يجب على كل مسيحى أن يعمله).

هناك ثلاثة دوافع رئيسية, توفرت فى كل شخص مقدم على الاستشهاد, وبدون أحدها, لم يكن أحد ليستطيع الإقدام بفرح وشجاعة وسلام على الموت فى شتى صوره وما يرافقه من آلام رهيبة تفوق الوصف والاحتمال في اكثر الأحوال:

1- ألا يكون مغلوباً من شهوة ما.

2-ألا يكون مرتبطاً بأحد ما أو شئ ما (أكثر من الله أو بدلاً من الله).

3-أن تكون عينه مفتوحة على الأبدية (مترقباً لها).

وهذا يفسر لنا فى بساطة كيف أقدمت الأم ماريا على الإستشهاد على النحو الذى سنورده.

فقد حدث ذات صباح, وبينما كان بعض النسوة والفتيات يتهيأن ذلك الحمام الرهيب, حمام الموت, الذى كان يبدو من الخارج مثل الحمامات العامة, حتى لا يشعر المساقون إلى حتفهم فيه, بالحظ فتحدث منهم بلبلة ويتعطل عمل الحراس!

في ذلك الصباح سرت إشاعة سريعة بين المعتقلات بأن هناك خطر ما ينتظرهن..فى ذلك الحمام المزعوم, ومن ثم فقد أخذت صبية صغيرة فى الصراخ والتشنج, ثم البكاء الهيستيرى, مما كان يهدد بإشاعة جو من الفوضى وإفزاع بقية السجينات اللائى كن فى العادة يدخلن فى هدوء إلى حمام الموت, حيث يفاجئن فقط هناك بشبح الموت عقب إغلاق الأبواب وبدء تسرب الغاز السام.

ولكن إثنين من الحراس إنقضا كالوحوش الكاسرة نحوها, إلا أن الأم ماريا, كانت أسرع حين قامت بإحتضان الصبية وبدأت فى تهدئتها وملاطفتها.

غير أن العمل على تهدئة السجينة (لا سيما إذا كانت حديثة السن) مقبلة على عقوبة إضافية, أو إعدام, لهو أمر غاية فى الصعبة, وإن كانت مثل هذه المحاولات تحدث دائماً, ولكن المفاجأة الرائعة وغير المتوقعة, هى تلك التى أعلنتها الأم ماريا للصبية: (لا تخافى..أنا سآتى إلى الداخل معك..), قالتها بصوت يشبه خرير المياه الكثيرة, مجسدة بها حب الفادى للبشر مستعدة بها لبذل حياتها..

استشهادها:

وبالفعل, فقد دخلت معها إلى ذلك الحمام, وهناك إحتضنتها بقوة, وعندما أغلق الحراس الأبواب بإحكام من الخارج وبدأ الغاز السام فى التسرب كانتا قد صارتا جسداً واحداً, واستشهدتا معاً والحراس الذين أغلقوا الأبواب شهدوا كيف كان يكسو وجهها بهجة وسعادة غامرة وهى فى مواجهة الموت.

البعض قالوا أنها ماتت بدلاً من تلك الفتاة, وهو أمر كان مسموحاً به فى أغلب المعسكرات النازية, ولا سيما إذا  كان المطلوب هو التخلص من عدد معين من المعتقلين, بغض النظر عن الشخصيات(2), ولكن سواء كانت ماتت عنها, أو ماتت معها, فالأمر سيان, فالمهم أن حياتها لم تكن ثمينة عندها وأنها قدمت حياتها وقابلت الموت بفرح وشجاعة.

ولم تمضى سوى أيام وانتهت الحرب العالمية بهزيمة النازى بعد أن قبلت السماء ذبيحة الراهبة.. وحياتها..

2- مثلما حدث مع الأب ألكسندر الذى مات بدلاً من شخص آخر (فى غضون الأضطهاد النازى), وكان ذلك الشخص ما يزال حياً إلى وقت قريب (المترجم).

الطريق والطريقة

nun-new

   قالت ونشيجها يمزّق كلماتها:

إسمى (…..)

…أرجوكم لا تقاطعونى ..

ولدتُ فى إحدى المدن الساحلية.

حصلت على ليسانس الآداب ، قسم اللغة الفرنسية ، وكان ضمن دفعتى فى الكلية اثنتان من الطالبات وفدن أيضاً إلى القاهرة مثلى ربطتنا ببعضنا البعض علاقة روحية وطيدة ، وكنا قد اتفقنا على أن نتجه إلى الرهبنة، حالما تتهيأ لنا الظروف،ويساعدنا الله فى التخلص من العقبات المألوفة للرهبنة.

وقد كان..

فقد التحق ثلاثتنا بأديرة ثلاثة (كما نُصحنا سابقاً) وذلك بعد مرور عام ونصف العام على تخرجنا، حيث كنا خلالها قد التحقنا بأعمال مرموقة.

أما أنا فقد رحبوا بى كثيراً فى الدير، وفرحوا بقدومى، لاسيما الأم الرئيسة والتى كانت أقرب إلى الملاك منها إلى الإنسان، وقد أمضيت فترة الأختبار والتى وصلت إلى ثلاث سنوات بخير.

كنت جدّ سعيدة بحياتى الرهبانية الجديدة، أحببت أخواتى، وهن بدورهن احببننى، وكان عددنا فى ذلك الوقت حوالى العشرين راهبة أكثرهن جامعيات.

وكنت أنا ( فى حالى) كما يقولون، كنت أمينة فى تدريبى الروحى، مخلصة فى عملى، محبة لقلايتى، بل إنى اعتدت فى بعض الأوقات على أن أقوم بأداء بعض خدمات للأمهات دون أن يشعرن بذلك، وأقوم ليلاً – والكل نيام- بتنظيف الحمامات وبعض مواضع أخرى فى الدير، ولما عرضت على الأم الرئيسة أن تسمح لى بأن أتولى غسل ثياب الأمهات، اعتذرت لى وشكرتن، وأفهمتنى فى لطف بأن ذلك غير لائق رهبانياً، ولكن يبدو أنها خشيت على من المجد الباطل وأنا مازلت مبتدئة فى الحياة الرهبانية.

ومضت حياتى هادئة..سعيدة..لا شبع من السهر، ولا أرتوى من القراءة..ولا أملّ من الصلاة.

إلى أن كان يوم

حين جاء إلى الدير، شاب مهندس لإصلاح جهاز التدفئة فى عنبر الدواجن الذى أعمل فيه، فى ذلك اليوم لم يستمر إصلاح العطل أكثر من نصف الساعة، غادر بعدها الدير، ولكنه مع مغادرته، غادرنى أنا أيضاً شئ ما!.

فمنذ ذلك اليوم ، وأستطيع أن أقول ، أن حياتى إنقلبت رأساً على عقب ، إذا صليت طاردتنى صورة شاب..أى شاب، وإذا قرأت إكتشفت بعد نصف ساعة من القراءة أننى كنت شاردة!، وإذا نمت حلمت أحلاماً مختلفة..وجديدة ، نوع جديد من الأحلام.

“…أرجوكم لا تسرعوا بالحكم علىّ ، فلن تكونوا أقسى منى على نفسى..”

دموع… ثم استطراد…

ورحت فى الأيام التالية لذلك، أستحضر فى ذهنى أسماء بعض من صديقاتى من الجامعة، اللائى تزوجن وأنجبن، وبعض منهن زارنى فى الدير، ولا أنكر أنهن فاضلات يقمن بدور إيجابى فى المجتمع ودون أن تنال إهتمامهن من علاقتهن بالمسيح،بل كان للمسيح فى حياتهن (نصيب الأسد) بل اعترف أن أكثرهن، كن يفقننى فى نواح ٍ متعددة ، ولكن منذ ذلك الحين تحولت محبتى لهن وتقديرى لهن إلى شكل من أشكال الغيرة..وأحياناً الحسد ، مع مقارنة كاملة ومستمرة بينى وبينهن وحياتى وحياتهن.

وازداد شرودى ولاحظت الأم ذلك ، ولم أكن قد صارحتها بعد، لظنى أنها فترة عصيبة وستمرّ ، ولكن الأم بادرتنى بالحديث معى ، بحنان أم وحنكة مدبرة ، فهى أم بكل ما تحمل الكلمة من معانى ، بل هى لنا فى الدير كل شئ ، الأم والأب والأخت ، بل وأحياناً الإبنة!

فصارحتها بما يعتمل فى صدرى، وأننى أكاد أهوى من علو شاهق ، ولكن الأم طمأنتنى بكلام حلو ، وقالت لى أنها فترة وستمر ، وأشارت علىّ بمزيد من الصوم والصلاة والهروب من الفراغ ، بل طلبت منى طلباً عجيباً وهو أن أدون ملاحظاتى عن نفسى، كل يوم..ربما قصدت بذلك أن أفرغ توتراتى ومشاعرى وأفكارى فى تلك المذكرات.

وحاولت….ولكننى لم أحقق فى ذلك نجاحاً يُذكر.

وأحسست بعد ذلك ، أننى أتقلَّب فوق نار هادئة ، وكثر خروجى من القلاية ، وأصبحت أسترق السمع لأصوات الزائرين ، كلما سنحت الفرصة بذلك ، واتسقط أخبارهم ، وأحس براحة كبيرة فى وجودى بينهم ، ومع كل ذلك كنت فى الليالى

أصرخ بدموع حارقة لا لكى ينقذنى من هذا التغيير الطارئ وإنما لكى يدبر حياتى كما يشاء لأنى اصبحت فى الحقيقة لا أدرى ماذا اصنع .. كنت اشك فى اننى دخلت الرهبنة خلسة.!

وهكذا بدوت وكأنى قصبة تحركها الريح….

لم يكن يهمنى هل يليق بى ان اترك الدير ام لا او كيف سأعيش فى العالم إذا خرجت من الدير أم لا أو كيف سأعيش فى العالم ولكن أكثر ما كان يشغلنى هو التأكد من جدوى استمرارى فى الحياة الديرية

ولا اخفى عليكم أننى فزعت عندما لاحظت قلايتى بالدير قد بدأت أن اسلك بطريقة غريبة وهى الاهتمام بملابسى وشعرى واشياء اخرى تعد غريبة فى الحياة الرهبانية ولا سيما الراهبات.

بل كثيرا ما أطلقت لنفسى العنان فى التفكير فى الحيا الزوجية فتخيلت نفسى زوجة تعد الطعام لزوجها ثم ام ترضع وليدها أو تمشط شعر صغيرتها.

مع كل ذلك كنت أمينة فى أعترافاتى وكان أبى ينصحنى بالتحلى بالصبر ويصلى معى ولأجلى وأما الام الرئيسة فقد كانت قلقةجدا على

لا تألو جهد فى الاهتمام بى.

ولكنة لن يكن من السهل على أن استمر على تلك الحال ففى ذات صباح اتخذت قراراً خطيرا! أخطر من القرار الذى نقلنى من العالم إلى الدير.

لقد قررت ان اترك الدير .. أن اعود أدراجى إلى العالم..

أن أتزوج .. أن أعيش حياتى وشبابى وأمجد الله فى سلوكى(هكذا كان مضمون القرار)

ولن أطيل عليكم فقد كان يوما عصيبا بالننسبة لى بل بالنسبة للأمهات جميعا فى الدير إذا تسللت خلسة دون أن اصافح اى منهن حيث فتح ل الباب والبواب الطيب يتمم بوقار(صلواتك يا أمنا).

يومها شعرت اننى أساق إلى موضع تنفيذ حكم بعد تنفيذ آلمنى طوله وأختلطت المشاعر داخلى مابين فرح غامر وحزن غامض لم أكن فى حياتى فى حالة عدم اتزان غير ان الشعور الذى طفأ على السطح فى ذلك اليوم هو شعورى بأننى افلت من قبضة حديدية !

كانت محطة القطارات تبعد مسافة نصف ساعة سيرا على الاقدام قطعتها فى دقائق معدودة وفى المحطة واجهتنى مشكلة لم أكن أعمل لها

حساب شأن عدة مشاكل واجهتنى فى اليوم الاول لخروجى من الدير

هذه المشكلة هى ملابسى !! ماذا اصنع بها.. هل ادخل بها البيت وكيف سأتخلى عنها بعد ذلك .. هل استبدلها فى المحطة!! أم ماذا..

وعدت إلى البيت بعد خمس سنوات منذ تركتة.

هل تعلموا كيف قابلت امى هذا القرار؟

أمى بكت وشنجت يوم ذهابى إلى الدير؟

أمى التى وقعت مغشيا عليها وضعف بصرها بعد ذلك بسبب رهبنتى؟

أمى هذه ..صرخت حالما رأتنى وبكت ولطمت خديها مرارا وأبى..

أبى الذى حاول مستميتا أن يثنينى عن قرارى وقتها

أبى الذى إتحد فى مناقشتة مع الأم الرئيسة لكى ترفض قبولى بالدير وتقنعنى بالعودة للعمل والزواج؟

أبى هذا سلم على بفتور وقطب مابين حاجبيه!

وندمت أنى لم اعمل بنصيحة الذين نصحونى بأن أنزل أولآ إلى بيت عمتى.

المهم أننى شرحت لهم فى هدوء وجهة نظرى قلت لهم أنى مازلت فى مقتبل العمر وليس من اللائق أن يضيع عمرى كله

وقد فقدت سبيل الخلاص ثم أن احيا حياة زوجية هنا هذا أفضل من أن احيا فى الديربلا ثمر لقد كان جسدى فى الدير بينما كان فكرى فى عش زوجية لم اخترةبعد!

ودخلت حجرتى وحبست نفسى فيها مدة وصلت إثنى عشر يوما  كانت أمى خلالها تتردد كثيرا فى الإعلان عن عودتى من الدير ووجودى فى المنزل فقد كانت أمى من أهل الصعيد ممن ينظرون إلى مثل تلك الامور نظرة خاصة.

فى تلك الاتناء جرت إتصالات بين أبى وبين المكتب الذى كنت اعمل فية بشأن إمكانية العودة إلى عملى وعدت إلى عملى فى مكتب الترجمة فقد كان مديرة يمت لنا بصلة قرابة.

حاولت فى البداية أن أبدو طبيعية ولكن احساسا غريبا انتابنى وهو شعورى بأن زميلاتى فى المكتب يتهامسن على ويتغامرن وهن ينظرون

إلى خلسة بين أن واخر وسواء كان ذلك حقيقة أم مجرد إسقاط فقد كرهتهن فما كان منهن إلا أن بادلننى كرها بكره.

وتركت المكتب والتحقت بالعمل فى مكتب سياحة وحلت مشكلة العمل

بل أن شابا تقدم لخطبتى فى العام الاول، ذلك بعد أن تعرف علىّ بينما كنا على متن طائرة فى طريقنا إلى (بروكسل) فى واحدة من عدة رحلات قمت بها بعد ذلك.

وفرحت، ورقص قلبى طربا، وقلت أن حياتى سوف يكون لها معنى، وعدت إلى اسرتى أزف إليهم البشرى فجاملونى بكلمات مبتورة !!.

ولكن ولشد ما كان أسفى، فقد كان هناك من تبرع وروى لذلك الشاب ظروفى، فأرسل يعتذر لأسباب أخرى واهية دون أن يسمع تعليقى. وفهمت وإبتلعت الإهانة وصمت..

وتقدم إثنين وثلاثة اخرين لخطبتي، غير أن السبب الذى دفع الأول إلى التراجع والتخلى عنى، هو نفسه الذي دفع الباقين إلى اتخاذ نفس الموقف. وقد علّق أحدهم قائلا: إنسانة متذبذبة كيف ائتمنها على بيتى وأولادى ؟؟ ومن أدرانى فقد أفاجأ ذات صباح بهروبها من البيت!.

تصوروا..!

دموع تنهد تجفيف الدموع ..

وتحيرت، وكتمت غيظى، وشعرت كذلك بأن أفراد أسرتى يعاملونى بشئ من الحساسية، لاسيما أختى التى تصغرنى بسبع سنوات كانت تعاملنى بطريقة تجمع ما بين العطف والاحتقار والإستياء، وربما يرجع ذلك إلى أن أمى والتى إنحدرت من صعيد مصر تحمل الكثير من مفاهيم الشرف والعار والتشكك والتفاؤل والتشاؤم.

وتجاوزت الثانية والثلاثين من عمرى، وقطار العمر منطلقا لا يهدأ، وأنا ناجحة فى عملى ودخلى كبير .. كبير جدا وأصبح لى رصيد فى البنك عدا الشقة التى استطعت الحصول عليها، ولكن شعورى بأنى منبوذة قد ازداد، كان الجميع يعاملني وكأني إنسانة مرتدة عن الإيمان، وبعد مدة من التفكير أن أمى كانت تتباهى بأننى راهبة ! لقد كانت صديقاتها وقريباتها ينادينها ب”أم الراهبة”، ويمتدحونها كثيرا لأنها أحسنت تربية أولادها والدليل الدامغ على ذلك هو رهبنتى !! كما أن الصورة النادرة والتى كانت أخذت لى بزى الرهبنة قد طبعت منها نسخا كثيرة وزعتها على كثيرات عدا عدة نسخ زينت بها جدران شقتها. كل ذلك بالإضافة إلى احاديثها التى لم تكن تنقطع عنى وعن الدير وعن الراهبات.. والهدايا الكثيرة التى جلبتها من الدير ومازالت تحتفظ بها.

ورويت بؤسى لأب أعترافى، وقلت له فى صراحة: أننى آمل فى حياة زوجية هادئة وأن الوقت يمضى وأنا خائفة وهدّأ أبى من روعى، ووعظنى بكلام كثير حلو ومعزى، وقال لى: أن القداسة ليست وقفا على فئة بزاتها حتى ولو كانوا رهبانا. وأن الإنسان يستطيع أن يرضى الرب فى أى مكان بشرط أن يحفظ الأمانة .. ثم وعدنى أن يبحث لى عن شاب مناسب.

وجاء الشاب المناسب، كان أرملا له ابنان. ترددت كثيرا وأنا اخرج معه لأول مرة، ورحت ابحث عن طريقة مناسبة لكى أطلعة على قصتى ، وحاولت أن اخفى ذلك أو على الأقل أرجئ ذلك لوقت أخر، ولكنى لم استطع ان أكون مخادعة، ففى المقابلة الثانية بيننا صارحته بذلك فى تردد وحياء. وحالما سمع هو ذلك بهت.. وصمت وفهمت ماذا يعنى صمته هذا. لعلكم كذلك فهمتم، فقد ذهب ولم يعد على أن أكثر ما آلمنى هو التعليق الذى قاله أمام إحدى صديقاتى، لقد تشكك فى الزواج من راهبة لئلا تصب عليه اللعنة !..

فلما وصل سنى إلى الخامسة والثلاثين قررت أن أجازف وأقبل أى زوج ولو من خارج مصر من البلاد التى أسافر إليها منتفعة فى ذلك بالتذاكر التى تمنحنى إياها الشركة. ووجدت هذا الزوج فى (كوبنهاجن)، وكأنه كان ينتظرنى هناك. وفى الزيارة التالية اتفقنا على كل شئ: أن يأتى إلى مصر ونتزوج هنا، ومن ثم نسافر لنحيا هناك فى الدنمارك.

وعدت إلى مصر وأنا أشعر أن قدمى فى الأرض بينما رأسى فى السماء. ونسيت ماضىّ، وقلت أن اللعنات التى كانت تطاردنى قد تحولت إلى بركات، وأن الله قد نظر إلى صبرى وسيعوضنى عن كل ما فاتنى وكل ماعانيتة من حرمان وانتظار، وفرحت بالاكثر لأننى سأبتعد عن مصر بكل ما فيها من ذكريات مؤلمة .. وأهرب من ملاحقات التقاليد ونير الأفكار الراسخة فى أذهان الناس تجاه ظروفي.

وإشترك معى أفراد أسرتي فى تتويج فرحتى، ربما لشعورهم بطول تعبي وإنتظاري، أو لفرحتهم بسبب قرب تخففهم من عبئي عليهم، وسرحت بخيالي فى العالم الجديد الذى ينتظرني، وقلت وداعاً للحزن والكبت، وذهبت إلى (الشوبنج سنتر) القى نظرة على ما قد أحتاجه.

فلما عدت إلى منزلي وجدت هناك رسالة تنتظرني ، أرسلها مجهول ، كانت الرسالة والتى كتبت بالإنجليزية تقول: “.. إحذري فإن الشاب المزمع ان يتخذك زوجة له، هو رجل متزوج وله ثلاثة أطفال تركهم مع زوجته فى (بون) منذ عامين متخلياً عنهم..”. ويبدو ان التوقيع كان توقيع الزوجة نفسها !.

وصدمت، وحاولت أن أبكي فلم أستطع، وعرفوا فى منزلى فحوى الرسالة، فانزعجوا هم أيضاً ، ولكنهم شجعونى وطلبوا إلي أن أشكر الله أن أمر هذا الشاب قد تكشف قبل الزواج .

وجلست متهالكة .. أفكر وأغوص فى الماضى، وأسترجع كل ما مر بى، وإسترحت، واعتبرت هذا بمثابة عتاب لي من الله، على نكثي للعهد الذى قطعته معه على نفسي، ليس عهد البتولية فحسب، وإنما ان أحيا له بكليتي .

وفى غمرة شعورى بالذنب ، أرسلت إلى الأم الرئيسة فى دير الراهبات الذى كنت فيه راهبة، أسألها إن كنت أستطيع العودة إلى الدير ومواصلة مسيرتى الرهبانية من جديد، وانتظرت طويلاً قبلما ردت على تعتذر لى فى لطف شديد عن عدم إمكانية ذلك، والأسباب  كثيرة، غير أنها إقترحت على، إذا كنت قد غضضت الطرف عن فكرة الزواج، أن ألتحق بأي عمل خدمي بأي كنيسة، مثل بيوت الأرامل والأيتام والمسنات .

وراقت لي الفكرة.. على أهدا وأشعر بالراحة، ووافق أب إعترافي، فتركت عملى وتوجهت إلى احد الآباء الأساقفة أرسلنى إليه أب إعترافى، وتقدمت إليه مستعدة للقيام بأية خدمة، على ان احصل على مكان هاديء أسكن فيه ، ورحب الأب الأسقف.

واشتركت فى خدمات كثيرة بين افتقاد الأيتام والأرامل والمسنات، إلى تنظيم رحلات للفتيات، غير أنه لم يكن يؤلمني سوي تلك الرحلات المتجهة إلى الأديرة .

أذكر ان إحدي الفتيات وكانت فى الحادية والعشرين من عمرها، سألتني عن رأيي فى ان تترهب، ووجدت نفسي آخذ نفساً عميقاً، وكأني اجتذب به العشرين عاماً الأخيرة بعد خروجي من الدير، وجمعت كل مافي من حب ومن مرارة ومن تجربة وخبرة ، وقلت لها:أن تترهبى..هذا حسن، وأما أن تستمرى وتثبتى فى الطريق الرهبانى..فهذا احسن، ولكن أن تحفظى الأمانة إينما كنت فهذا هو كل شيء..”.

وازدات الاسئلة التى توجه إلى سواء أكان ذلك فى الاجتماعات التى أقوم بالخدمة فيها، أم فى الافتقاد، وحوصرت جيداً..

إلى أن سألنى طفل بريء فى الثامنة من عمره: “هل أنت حقاً راهبة ؟ ولماذا لا تلبسين مثل الراهبات اللائى رأيتهن فى الدير ولماذا لا تعيشين معهن هناك ؟”

والحقيقة أننى استطعت بحيلة بسيطة، الإفلات منه وتحويل نظره واهتمامه إلى موضوع آخر،ولكني لم احتمل أكثر من ذلك ، فقد كان سؤاله هذا هو القشة التى قسمت ظهر البعير(كما يقولون) فعدت إلى منزلى سراً، وأغبقت بابا حجرتى علي، لا أخرج إلا نادراً، لا أقابل أحداً ولا اتحدث مع احد .

وها أنا جالسة..أجتر فى آلامى واحزانى.. وبين الوقت والآخر أنظر إلى الوراء فتنتابنى إرتجافة ويعتصر الألم قلبى..واتساءل :

هل تسرعت فى الرهبنة.. وهل كان لزاماً على أن أكمل حياتى فيها، مهما كانت النتائج ؟

لست أعلم .. أنا متحيرة ..

محبة المسيح غربتى

Picture1

     تخرج (ياسر) في الخمسينات في كلية الهندسة, والتحق بالعمل في شركة اجنبية بالإسكندرية ، قد تجاوز راتبه الشهري آنذاك (المائة جنيه)، وكان وحيداً لأسرة موسرة لها أملاك واسعة وعدة أرصدة في البنوك، وربما كان هذا هو السبب خلف اعتياده أن ينفق ببذخ ويحيا حياة أرستقراطية مترفة، وأما البعد الروحي له فقد كان باهتاً .. كانت له اهتمامات أخرى، فقد ألف الحفلات و السهرات، يخرج في الثامنة مساءً ليعود عند الفجر، أما أفراد أسرته فقد كانوا لاهين، أحدهم عن الباقين – كان لكل منهم عالمه الذي يغوص فيه.

وعرف بعض الآباء الطريق إلى منزلهم ، وزلروهم مرة واثنين ، ونصحوهم بالالتفات إلى خلاص نفوسهم والاهتمام بحياتهم الروحية، وودوهم (أي الأسرة) خيراً، غير أن اهتمات العالم عادت لتحوطهم وتحاصرهم من جديد.

فى ذات مساء تقابل ياسر مع أحد الآباء الرهبان، كان الراهب واقفاً على رصيف إحدى المحطات في طريقه إلى مستشفى فيكتوريا، فرقّ قلبه له، وأوقف سيارته و دعاه ليركب معه ينقله إلى حيث يشاء، ولكن الراهب تمنع قليلاً في حياء قبل أن يصعد إلى جانبه, ولم يقل طوال الطريق الذي استغرق نصف ساعة, سوى أسم المستشفى، وحالما هبط الأب من السيارة، انطلق ياسر إلى حيث كان أصدقاؤه ينتظرونه، وأكمل ليلته كما اعتاد أن يقضيها.

في تلك اليلة، عندما لجأ إلى سريره لينام، داعبت مخيلته صورة الراهب، فتعجب.. وشرد بذهنه قليلاً, فتخيل لو أنه صار راهباً! ولكنه سرعان ما سخر من نفسه ضاحكاً، ولطم خده لطمة خفيفة، يعاتب بها نفسه.

كان أبعد ما يكون عن أن يترهب! لقد سمع عن الرهبان الكثير, فسمع أنهم يموتون ويدفنون بعيداً عن مدافن أسرهم وربما لا يدري أهل الراهب بموته إلا بعد مدة طويلة (شىء مؤلم) وعرف أنهم يحيون داخل جدران أربع, لا نزهات ولا حفلات ولا أصوات طرب و مرح .. بل ذرف دموع .. وقرع صدر .. سجود دائم .. حزن دائم .. مسوح .. رماد .. نحيب, والشعر مخفى, والملابس سوداء, .. شىء يفوق الوصف .. تعب لا ينتهي!

وانزعج وحاول طرد هذه الأفكار لينام .. فنام. لقد كان يشتري ملابس كاملة كل شهرين! حتى تكدس صوان ملابسه بعشرات الأطق ، ما أن يرى شيئاً جديداً على جسد آخر، أو في فترينات العرض، حتى يسارع باقتناء مثله، عدا العطور و المشغولات الذهبية وإسرافه في الطعام و الشراب، ولقد امتلأت حجرته الخاصة الفسيحة في منزلهم بكل ما تتخيله وما لا تتخيله.

وترهب ياسر !!!

وفوجئنا جميعاً بذلك، ولم نجد مبرراً لهذا التغيير الطارىء، ولا يمكن ان يقال أنه

أعد ذاته لتلك الحياة، والدليل على ذلك أن كل شىء في حياته الديرية كان جديداً عليه.

فقد سأل هناك – في اليوم الثاني أو الثالث لدخوله الدير- ماذا تعني كلمة ميطانية؟ وإذا صادفني راهب في الطريق فماذا أقول له، وماذا يقول الراهب لأخيه عندما يصافحه في الكنيسة ، إضافة إلى أسئلة كثيرة تتعلق بالبديهيات.

وقد تكّبد في الرهبنة أتعاباً شديدة, لقد أسند إليه المسئولين في الدير, أن يعمل في تنظيف حمامات الدير وبعض مواضع أخرى, فكان يقضي شطراً كبيراً من يومه في ذلك العمل، وشيئاً فشيئاً يبس جلد يديه وامتلأت ملابسه بالبقع واتسخ وجهه، لقد صرف ليلة كاملة حتى الثالثة صباحاً- حتي دق ناقوس التسبحة- وهو يقوم بتفريغ خزان الحمامات (الترانش).

كانت نفسه تصعب عليه كثيراً فينتحى جانباً ليبكي بمرارة ولا يكف قبل أن يشيع الله الطمأنينة في قلبه، لقد كان في حياته السابقة مدلل الى حد غير مقبول، وعندما شاهدته أمه على حين غرة وهو في ملابسه القذرة وبؤس حاله، بكت مشفقة عليه مما هو فيه، وقد قابل شفقتها بصمت مطبق وملامح هادئة وعينين مرخيتين.

فبعد أن كان يحيا في بحبوحة من العيش في منزل كبير عريق، تعمل فيه عدة خادمات وطباخ وسائق وعامل حديقة ، الآن يحيا حياة العوز فقد كانت قلايته هي الأكثر بساطة بين قلالي الرهبان ، وكنت تراه جالساً فيها فوق حصير بالٍ يرتق جورباً أو يركب زراراً لثيابه، وكان مايزال في الثامنة والعشرين من عمره.

أما أسرته والتي روّعت لخبر رهبنته، فقد كانت تحضر له بين الحين والحين يزورونه حاملين معهم طعاماً شهياً أعدوه، وملابساً مناسبة وبعض الهدايا له، مع هبات أخرى للدير، أضافة إلى دموع غزيرة يسكبونها في حضرته وهم جلوس معه.

وكان هو إزاء ذلك، متجلداً قوياً، يطلب أليهم في أتضاع أن يصلوا عنه، ثم يوزع كل ما أحضروه من طعام و ملابس وهدايا، مكتفياً بما يقدمه له الدير.

هذا وقد اتخذت الشياطين من هذا الفارق الشديد، بين حياته في العالم و حياته في الدير، مادة هامة و غزيرة و خطيرة، في حربهم معه، فقد استطاعوا أن يجمعوا كل مواقف حيلته الهائنة السهلة الناعمة منذ طفولته حتى تركه للعالم، وصاروا يوجهونها اليه كالسهام، بين الآن و الآخر لكي يقلقوه. مختارين أشد الأوقات حرجاً وضعفاً بالنسبة له.

وأما هو فقد كان مسكيناً يتألم ويبكي، وينظر إلى صورة السيد المسيح، تلك الصورة التي يرى فيها السيد المسيح واضعاً الكتاب في شماله ورافعاً سبابته اليمنى، ينظر إليها في صمت ودونما كلام.. ثم يهدأ ويبتسم حالماً يخيل اليه أن الله يطمأنه بأنه معه.

لقد كان يخجل من كثرة الطلب الى الله!.. يخجل من الإلحاح! .. فيكتفي بالنظر, أو بتقبيل الصورة فيسري السلام بين جنباته.

وكان بعض من أصدقائه، وكلهم من طبقة الأغنياء، يأتونه بين آن و آخر في سياراتهم الفارهة، ليس على سبيل الوفاء فقط بما تقتضيه الصداقة، وإنما رغبة منهم كذلك في الإطلال على تلك الحياة التي اختارها رفيقهم ودون مبرر مقبول في نظرهم، وحقيقي أن مثل تلك الزيارات كانت تحرك أوجاعه قليلاً، في بدايتها إلا أنها فقدت سلطانها عليه بعد ذلك.

في ذات مرة وبينما هو يجلس تحت أشعة الشمس يقرأ في الكتاب المقدس، ويضع خطوطاً خفيفة، جاءه من أخبره بأن عمه قد وصل في أمر هام، فلما انتحى به جانباً عرف منه خبر أنتقال والده،وفزع.. وصمت طويلاً، وتجلد لكي يخفي انفعالاته، غير أنها كانت أكبر من احتماله فبكى منتحباً.. ولما هدأ وعرض عليه عمه أن يرافقه ليخفف عن أمه وأختيه، اعتذر وتمنع في جدية و حياء.

وظل شارداً قلقاً، إلى أن جاء عمه مرة أخرى بعد مرور أربعين يوماً، ولكن بصحبته والدته وأختيه في هذه المرة، كانت آثار احزن بادية على ملابسهم ووجوههم وأصواتهم، وقبل انصرافهم طلبوا إليه أن يصحبهم لإنهاء إجراءات الإرث، ولكنه رفض بشدة قائلآً ” إن ميتاً لا يرث ميت، إمضوا واصنعوا ما يحلوا لكم، لأنه لا رأي لي في ذلك, بل إني مستعد للإقرار بتحويل كافة حقوقي لكم” وحاولوا ثانية،ولكنهم أمام إصراره تركوه و شأنه.

اتجهوا إلى رئيس الدير ، يعرضون عليه تقديم نصيبه إلى الدير ، وكذلك سيارته

التي كانت لا تزال موجودة، ولكن الأب الرئيس أبى ذلك بشدة.. وألحت الأسرة فلم يجنوا إلا مزيداً من الإصرار على الإعتذار مع مزيد من الشكر و الدعاء.

ومرت شهور وسنوات ..وصار راهباً محبوباً..نشيطا.. مطيعاً ، كان يذكر الآباء

بينيامين الابن الأصغر لأبينا يعقوب.. يأتي في هدوء  ويرحل فى هدوء ..

لا يشعر أحد بوجوده ولا برحيله.. تماماً مثل النسيم..مبهج فى حضوره ككوب الماء البارد فى قيظ الظهيرة..

ومع أنه لم يكن يفكر قط فى عامة المقبل أو غده ، يعيش يوماً بيوم ، إلا أنه صار هدفاً هاماً للشيطان.. الشيطان الذى يصطاد الضعفاء مثل صغار السمك.. بينما يقف طويلاً أمام سمكة كبيرة.. وهكذا تركزت علسه الحرب طوال الخمس سنوات التى قضاها فى الدير..

وهاجمته الأفكار الشريرة بلا هوادة.. فكر فى دراسته .. وفى عمله .. ثم فى الراتب الكبير الذى كان يتقاضاه ، ثم فى الفتاة التى أملت يوماً ما أن ترتبط به.. فى الكازينو الذى أعتاد – لفترة طويلة- السهر فيه مع مجموعة من أصدقائه..

كان ما يزال فى الثلاثين من عمره.. عندما تذكر ذلك انزعج، حين تصور انه

سيحيا على تلك الحال إلى سن السبعين مثلاً، وقال فى حرقة : إن لم يبن الرب داخلى بناءً مستمراً: فلن أستطيع المواصلة فى هذه البرية.

والحقيقة أن تلك الليلة، كانت من أقصى الليالى التى مرت به فى الدير، وقال ما

قاله القديس موسى الأسود حين مر بمثل تلك الحرب (يارب أنت تعرف أنى أريد أن أخلص لكن الأفكار لا تتركنى..).

ونظر إلى الصورة المعلقة على الحائط الشرقى لقلايته ، فلم يشعر بتلك المشاعر

اللذيذة التى كانت تسرى فيه كلما نظر إليها ، وزاد كآبة على ذلك السماء المكفهرة فى الخارج والريح الذى يزأر مولولاً ، والأمطار التى تهطل بغزارة فى ذلك الوقت المتأخر من الليل.

ووقف أمام الصورة يبث إلى سيده لواعج نفسه ، فلم ينل تلك الراحة التى  أعتادها فلما زاد قصف الرعد فى الخارج عاد إلى مرقده واندس فى فراشه البالى وجلس مسنداً رأسه إلى راحتيه المشتبكتين خلفها.. وظن أنه سينام ، ولكن النوم عصى عليه، فسحب كتاباً ليقرأ فيه، ولكنه سرعان ما اكتشف شروده فعاد وأغلقه ووضعه فى رفق بجانبه.

وجاءه فكر أن الشياطين تحاصر القلاية، وأنهم مستبسلون فى حربهم معه، مصرين على صرعه. فبكى .. ووجد راحة فى أن يبكى.. وعاد ينظر إلى الصورة مرة أخرى، ثم قال فى زفرة محرقة (لماذا تتخلى عنى يارب؟!)..

وبينما هو يكفف دموعه، إذا بخشخشة خلف الباب! ، فاضطرب وازدادت ضربات قلبه.. وجمد فى مكانه لا يبدِ حراكاً.. ثم إذا بالباب يفتح فى هدوء ، وشخص طويل مهيب ، يشع وجهه ضياءً ، وملابسه بيضاء فوقها وشاح أحمر.

فخاف وحبس أنفاسه ، وثبت عينيه على ذلك الشخص ، فإذا به يتحرك.. ولقدميه

حفيف كحفيف الشجر.. وكالنسيم الهادئ تحرك نحوه- ثم تقدم منه ، فصار مبهور الأنفاس ..

ووقف السيد المسيح إلى جواره وانحنى فوقه وهو لا يستطيع حراكاً..فربت على كتفيه فى حنان، ثم قال له بصوت عذب:”.. مالك تبكى.. أترانى قد تخليت عنك..ثق إنى أنا معك..”.

وبنفس الهدوء عاد إلى الباب وخرج منه ، ثم أغلقه برفق خلفه.

وانتبه إلى الشخص الذى كان معه داخل القلاية ،هو هو السيد المسيح  نفسه !!،

فانفجر باكياً.. ليس دموع صغر النفس، وإنما دموع التعزية.. وقد غسلته دموعه فى تلك الليلة.. وشعر أنه تعمد من جديد، وهدأ، وهدأت كذلك الأمطار فى الخارج.. وسكنت الرياح..وانتهى الرعد، وعادت السماء صافية..

ومنذ ذلك اليوم عاش هائماً على وجهه ، يأكل اى شىء وينام فى أى مكان ..

يعمل بلا كلل .. مقلاً فى الكلام.. شارداً حالماً.. منتظراً ذلك اللقاء.. بثقة.