ماتيلدة فريد

ماتلدة فريد – صديقة المساجين. عندما قدمها لي الصديق العزيز “أرنست هايز” قلت لها: أذكر أني رأيتك من مدة طويلة. وأذكر أني تحدثت عنك مع أصدقائي. ولكن هذه هي المرة الأولى التي أتحدث فيها إليك. كنت عندما رأيتك في المرة الأولى شاباً خجولاً أخشى أن أتحدث إلى الشخصيات الارستقراطية وقد قالوا لي وقتها إنك ابنه شريف فنلندي اسمه البارون كارل جوستاف. لكني وقد اعتدت أن أتحدث إلى شخصيات من مختلف الطبقات رأيت أن أتحدث إليك خصوصاً عندما أخبروني أنك رقيقة الشمائل. عالية النفس. جمة التواضع … وتضرج وجه ماتلدة ريد- ويدعوها البعض ماتلدة فريد- بالاحمرار الشديد وقالت: أرجو أن تنسى ما يسميه الناس الدم الأزرق. وتذكر أننا جميعاً من دم واحد. إننا جميعاً أولاد الله. وبما أني أعرف أنك تنوي أن تقدمني لأصدقائك فأنني سأعفيك من الأسئلة الكثيرة التي تسألها في العادة لكي تصل إلى ما تصبو إليه من تسليط النور على الجزء البارز في حياتي. بالطبع ستقول إنك ترغب أن تعرف متى ولدت وأين ولدت ومركزي الاجتماعي، وأخبار طفولتي وشبابي مما أعتقد أنا أن لا لزوم له ولكنك تصر على معرفته بحجة علاقته بالنقطة الهامة التي تبحث عنها. فاعلم أني ولدت سنة 1864 من عائلة نبيلة في فنلندا وأبى كما ذكرت البارون جوستاف. وقد تربيت تربية أبناء الطبقة العالية. كنت أتعلم في البيت، إذ كان المدرسون يأتون إلىّ. وقد نشأت فتاة مرهفة الحس أتأثر بشدة من كل منظر مؤلم. وقد حدث في أحد الأيام أني كنت أنتظر دخول استاذ الحساب وقد تأخر قليلاً فكنت أطل من النافذة. وكان أمام البيت دكان الحداد وأبصرت سجيناً يقوده حارسه إلى الحداد ليثبت في قدميه ويديه سلاسل ثقيلة. وبالطبع كان لابد من وضع قدميه في النار للتمكن من برشمة الحديد!!

وقد ترك المنظر أعمق الأثر في نفسي. فاهتز جسدي اهتزازة عنيفة واضطربت أيما اضطراب. ولم أستطع أن أترك النافذة. ودخل المدرس وجذبني إلى الداخل قائلاً: ليس هذا المنظر مما ينظره الأطفال. فقلت له إنه إذا كان السجين يستطيع أن يتحمله فلماذا لا أستطيع أنا أن أنظره!!

من ذلك الوقت أصبحت أنظر إلى السجون برعب. ولم يمكني التخلص من رؤية المساجين فقد كانوا يعملون في الطرقات وفي البيوت. فكنت أراهم وهو يجرّون سلاسلهم الثقيلة. وكنت أنظر إليهم بعطف وابتسم في وجوههم. وفي بعض الأوقات كنت أقدم لهم بعض البرتقال والكعك!!

وصمتت ماتلدة قليلاً ورأيت عينيها تسبحان إلى بعيد. ولكنها انتبهت إلىّ وقالت كما لو كانت تجيب سؤلاً لم أساله: “كلا، لم يكن هذا المنظر هو الدعوة الحاسمة لي لأكرس حياتي للمسجونين. حدث ذلك بعد مدة. لكن لماذا لا تتركني أذكر لك الحوادث مسلسلة. قلت لك إن منظر الحديد في يدي ورجلي السجين ومنظر المساجين بسلاسلهم وهم يعملون… قلت لك إن هذا المنظر ترك طابعه فيً. ولكنه كان طابع طابع… لا أعلم ماذا أدعوه. هل أدعوه طابع الألم الشديد من رؤية المساجين، أو أدعوه طابع النفور من القسوة الشديدة عليهم، أو طابع الرعب من حالتهم التعسة، أو طابع الخجل من أنانيتي واهتمامي بنفسي وعدم الافتكار فيهم. صدقني أني أعلم. ولكنه ترك طابعه على ذهني وعلى قلبي!!

وفي إحدى الليالي قال لي أبي إننا سنذهب غداً إلى “ساندفيكن” لنسمع شدو العصافير. كان فصل الربيع و”ساندفيكن” كانت بقعة رائعة الجمال. ولكن الوصول إليها من بلدتنا “فاسا”كان يتطلب المرور بالسجن العمومي. فقلت له: كلا. يا أبي إني لا أستطيع الذهاب لا أستطيع أن أمر بمبنى السجن حيث يقيم أولئك التعساء. وأذهب أنا لأمتع نفسي بالربيع وأسمع شدو العصافير. وقال أبي: ولكن هناك أسوار عالية تحيط بالمكان فلن تبصري شيئاً. وقلت: هذا لا يهم يا أبي: إنهم هناك على كل حال. وحتى يرضيني أبي ذهبنا في طريق بعيدة عن السجن!!

وذهبت بعد ذلك إلى القسم الداخلي في المدرسة وأبتعدت عن مناطق السجن وكدت أنسى موضوع المسجونين. ولكني عندما عدت إلى البيت رأيت أن أبي جدد أثاث غرفة نومي واكتشفت أن كل الأثاث الجميل والأنيق صنع في السجن بيد المسجونين. فأعاد هذا إلى ذهني الصورة الشقية لأولئك التعساء الذين انزلقوا في ساعات ضعف إلى هذا المصير السيء!!
قلت: “دعني إذن أذكر العوامل التي ساقتك إلى تكريس حياتك لخدمتك المجيدة. العامل الأول رؤية الحداد يثبت السلاسل الحديدية في يدي وقدمي السجين المسكين. العامل الثاني رؤية المساجين يعملون في طرقات المدينة وهم يجرون سلاسلهم الثقيلة. العامل الثالث: تأثيث غرفة نومك بأثاث صنع في السجن. هل ثمت شيء آخر؟!
وابتسمت ماتلدة وقالت: “أخشى أنك تتعجل الأمور. كلا لم تكن هذه العوامل لتكفي أن أخطو هذه الخطوة الجريئة. إن خدمتي لم تكن استجابة لدعوة إصلاح اجتماعي أدبي. إن الإنجيل الاجتماعي شيء طيب ولكنه إنجيل عاجز. إنه لا يستطيع أن يخلص أرجو أنك تهدأ وتنتظر!!

لقد كانت الدعوة الحاسمة الأولى دعوة روحية. قامت “موجة” نهضات دينية في الأقاليم اكتسحت كل بلاد “فنلندا” ووصل بعضها إلى بلدتنا “فاسا” وأقيمت اجتماعات للكرازة فيها. وذهبت إلى تلك الاجتماعات وسمعت عظة عن الآية: “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد”. يا طالما سمعت هذه الآية من قبل. ولكنها في هذه المرة بدت لي جديدة جداً. لأول مرة فهمت تماماً ما تعنيه هذه الآية. فرأيت ما عملت محبة الله إذ جعلته يبذل… يبذل ابنه لأجل العالم. ليكشف للناس سبيل المحبة. وفي تلك اللحظة وفي ذلك المكان تعهدت أن أوجه حياتي في سبيل المحبة والخدمة للجميع. نعم فإن الذي يحب لابد أن يعمل… لابد أن يبذل!!

وقد حدث بعد ذلك حادث عادي. عادي جداً ولكنه كان كدقة المطرقة على ما انطبع في ذهني من تأثير عظة الواعظ عن محبة الله العاملة. ذلك أن قفل باب البيت كان في حاجة إلى إصلاح. وجاءوا بأحد المساجين ليصلحه. وقد أحسست بحالة من الأشمئزاز وأنا أبصر رجلاً يعمل وهو مغلول بالسلاسل. ولكن أبي طلب مني أن أغالب أشمئزازي بأن أتحدث إليه بكلمات شفوقة. وتحدثت إليه عن اكتشافي الجديد عن محبة الله للجميع. واكتشفت أن الرجل ليس شريراً جداً كما كنت أعتقد عن المساجين. كنت أعتقد أن لا شيء صالح فيهم. ولكني وجدت في الرجل أشياء كثيرة طيبة. وبعد أن أصلح القفل وكان على وشك مغادرة البيت. وعدته بالزيارة في سجنه في الأحد التالي!!

عارض أبي في موضوع الزيارة. فقلت: ولكني وعدته يا أبي. لا يمكن أن أنكث بوعدي. وبعد مناقشة قبل أبي أن أقوم بالزيارة على أن يرافقني أحد الحراس. كان أبي كما قلت لك- على ما أظن- حاكما للمدينة فأمر أحد الحراس بمرافقتي. كانت هذه زيارتي الأولى للسجن وتبعتها زيارات أخرى إلا أنهم لم يجسروا أن يمنعوني… وانتهى الأمر إلى أن كنت أزور السجن يومياً!!

وقالت ماتلدة: أظنك الآن رأيت العامل الأول الحاسم في تكريس حياتي للخدمة. العامل الأول يا صديقي لكل خدمة مجيدة هو محبة الله… محبة الله التي بذلت! أما العامل الثاني فيمكنك أن تراه في الاختبار العجيب الذي جزته بعد ذلك:

حدث أن صديقاً أو صديقة لست أذكر بالضبط. طلب أو طلبت مني أن أحاول أن أقابل الواعظ الذي “تجددت” على يديه إذ كان سيمر بالمدينة في الصباح التالي في طريقه إلى بلدة أخرى. على أن ميعاد مروره كان يتفق مع ميعاد زيارة وعدت بها لأحد المسجونين. وارتبكت ماذا عسى أن أفعل. وذهبت إلى فراشي في المساء في شيء من الحيرة. وفي الليل رأيت. هل كانت رؤية حقيقية أو كان حلماً لست أعلم. رأيت مسجوناً يجر سلاسله وينظر إلىّ نظرة بائسة حزينة وقال: إن هناك ألوفاً مؤلفة من النفوس المقيدة بالأغلال تئن وتحترق شوقاً للحياة والسلام. كلميهم عن يسوع في الوقت المقبول!!

قلت لك أني لم أعلم هل هو حلم أو هل هو رؤيا. ولكنه ظهر لي شيئاً حقيقياً جداً. حتى أن وجه ذلك السجين ألهب ذاكرتي تاركاً طابعه بارزاً عليها. وقد ظللت لسنين كثيرة بعد ذلك أنتظر أن أراه في أحد السجون!!

ظللت مضجعة في فراشي أقول لنفسي: لا يمكن أن تكون هذه دعوة لخدمة المسجونين. أنا لا أزال صغيرة. أصغر من أن أقوم بهذا العمل العظيم خصوصاً وأني لم أكن متمكنة من اللغة الفنلندية. إذ كنت أتكلم اللغة السويدية!!

وفي اليوم التالي كنت أقرأ في الكتاب المقدس ووقعت عيني على كلمات إرميا: “آه يارب إني لاأقدر أن أتكلم لأني ولد”. وقرأت بعد ذلك: “ولكن الله قال لي لا تقل إني ولد لأنك ستذهب إلى كل من سأرسلك إليهم وستتكلم بكل ماآمرك به”، وانحنيت للحظة أصلي ثم فتحت كتابي مرة أخرى، وفي هذه المرة قرأت كلمات حزقيال: “اذهب إلى الذين في السبي إلى أبناء شعبك وتكلم معهم وقل لهم”. في ذلك الصباح انتهى الصراع.. انتهت المعركة قلت: يارب هأنذا أرسلني!”

قلت: وهكذا بدأت خدمتك الجليلة؟! فقالت: كلا. لقد ظهر كما لو أن الطريق مسدود فقد استقال أبي من وظيفة الحاكم وذهب مع العائلة إلى الضيعة التي تخصنا في رابليجون. ابتعدت عن منطقة السجون وهناك بدأت أعمل في مدارس الأحد. ولكن قلبي كان في السجون. ولم يحرمني الله من شوق قلبي، كما أني كنت واثقة من دعوتي. لقد كانت دعوة واضحة. ولئن وجدت بعض العقبات فليس معنى ذلك أن الله غير كلامه. ففي أحد الأيام أثناء زيارة لي في مدينة هلسنجتور أبصرت فرقة من المساجين يسيرون في طرقات المدينة وحولهم حرس مسلح. وقد ذاب قلبي وأنا أراهم. وأحسست بالعار والخجل من نفسي. إن كثيرين من أصدقائي المسجونين يعيشون بعيداً لا يزرون ولا يزارون. وفي تلك اللحظة قررت أن أعود إلى زيارتهم بانتظام. فذهب إلى المدير العام لإدارة السجون وطلبت منه التصريح لي بزيارة جميع سجون فنلندا لأعمل على خدمتهم من الناحية الروحية، وقامت صعوبات كبيرة في سبيل طلبي ولكني حصلت على التصريح أخيراً. كان عمري عشرين سنة عندما بدأت خدمة حياتي!!

قلت لها: أشكر الله أنك بدأت حياة الخدمة مبكرة. وأشكر الله أنه أمد في أيامك فكانت خدمتك طويلة عريضة عميقة. وأعتقد أن لي الحق أن أطلب أن تحدثيني عن بعض اختباراتك في هذه الخدمة الجليلة!!

وأجابت ماتلدة في كثير من التواضع: إني لم أقم بأشياء عظيمة المظهر. إن الخدمة المسيحية ليست بالضرورة الخدمة العظيمة في مظهرها بل في روحها. ويمكن أن أذكر لك بعض هذه الاختبارات المتواضعة فقد اكتشفت أن المساجين لم تكن حاجتهم الأولى إلى أناس يكلمونهم بل إلى أناس يتكلمون هم معهم. وكذلك يكون سرورهم أكثر إذا لم يكن أولئك الناس من موظفي السجن. إن قسيس السجن كان يؤدي رسالة طيبة ولكنهم كانوا ينظرون إليه كما لو كان سجاناً. كانوا يطلبون أشخاصاً من خارج السجن يستطيعون أن يبثوهم آلامهم ويشكون لهم متاعبهم بعيداً عن الرسميات!!

قلت: لقد قرأت ما كتبتيه لأحدهم عن ذلك. أنني أذكر بعض كلمات ذلك الكتاب الخالد. فقد قلت: إنه لا شيء يؤثر أعمق تأثير في نفس السجين نظير إظهار الثقة فيه والمحبة له. إن المحبة هي الإحساس بشعور الطرف الآخر. أن تضع نفسك في مكانه!!

وقالت ماتلدة: إنني لم أصل إلى هذه الحقيقة إلا بعد سنين من الاختبار وكثير من الفشل!!

قلت: نعم. نعم. ألم أسمع أنك كثيراً ما خلعت عنك ثيابك الثقيلة في زمهرير الشتاء. وجلست إلى جانب المساجين في ملابسهم الخفيفة في البرد حتى أزرق جلدك من شدة الزمهرير نظيرهم. لقد سلكت معهم فعلا بروح المسيح!!

وقالت ماتلدة: وهل ترى في هذا شيئاً كثيراً. أين هذا مما عمله السيد؟ الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس. وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب!!

لقد ربحت المحبة يا صديقي فيما فشلت فيه القسوة. لقد اختبرت هذا. أبصرت في أحد الأيام سجيناً وضعوا الأغلال حول عنقة. وقال لي قسيس السجن مشيراً إليه أنه مخلوق مصنوع من “الجلد” لا يمكن أن يؤثر فيه شيء ولكنني تقدمت بدون خوف. دخلت زنزانته وجلست وطلبت منه أن يجلس. وبعد معارضة منه جلس وأصغى إلى كل ما قلته له فلما انتهيت أشار إلى فجوة في الجدار وقال: هل تعرفين كيف حدثت هذه الفجوة في الجدار. فقلت: كلا. قال بعبوس: إنها حدثت من ضربة فأس. كنت أعمل في السجن نجاراً وقد قصدت أن أقتل السجان وأهرب. فلما دخل أشرعت فأسي أنوي أن أحز رأسه ولكن الفأس أفلتت وصدمت الجدار بدلا من رأسه. كان يمكن بالطبع أن تقضي عليه!

لاشك أنك لا تعرفين أني أشر إنسان في كل فنلندا. ألست خائفة مني؟ فأجبته بكل هدوء: كلا. أنا لست خائفة بالمرة بالرغم من أني أعرف كل شيء عنك. ولكني متأكدة أنك لا تنوي لي شراً. وفي نفس الوقت فإن الله معي وهو يسهر علىّ “الرب نوري وخلاصي ممن أخاف”.

كان لهذه الكلمات من “فتاة بلا حراسة” ذات تأثير عميق على ذلك المذنب القاسي الذي قال لي قسيس السجن أن قلبه من جلد. إنهار الرجل وجعل يشهق والدموع تفيض من عينيه. وقال وهو يشهق: لقد ظننت أنه لا يوجد أحد في العالم يهتم بي. ولكني أراك أمامي. لقد أتيت إلىّ لتخبريني أن الله يحبني. أعتقد أنك مسيحية. حسناً إني أتمنى أن أكون أنا أيضاً مسيحياً إذا كان ذلك ممكناً. ونظر إلى سلاسله وقال: لئن كان الله يصفح فلماذا لا يصفح الناس أيضاً؟ إن هذه السلاسل تبعث فيّ كراهية للناس وكراهية للخير. طالما أنا فيها أظل أنحدر من رديء إلى أردأ إلى أن أصير إبليساً رجيماً!

لكنه بعد ذلك هدأ وتناول من يدي نسخة العهد الجديد التي قدمتها له وتركته وأنا أنتظر أن تعمل فيه محبة الله أكثر فأكثر!

وثمت أختبار آخر :
ركبت عربتي من المزرعة أقصد مكتب البريد لأرسل حوالة بريدية بمبلغ كبير جداً وكان سائق العربة سجيناً سابقاً. وفيما هو يسوق العربة في طريق “مقطوع” وسط الغابة التفت إلىّ وسأل: هل أنت ذاهبة حقاً إلى مكتب البريد لترسلي مبلغاً كبيراً من المال تحملينه معك. وهل تجسرين أن تجتازي هذه الغابات الموحشة وحدك معي في حين أنك تعرفين أني سبق أن سلبت كثيرين. ألست خائفة؟ وأجبت: كلا ليس عندي ذرة واحدة من الخوف لأني أعلم أن الرجل الذي كان يسلب الناس كان أنساناً بائساً تعساً. ولكنه الآن ليس كذلك وأنا أثق فيه!
كان صمت لعدة ثوان. لم يكن يسمع إلا صوت حوافر الحصان تدب على الأرض، وصوت هدير الشلال القريب من المكان وفجأة شق السكون صوت شهيق. لم يستطع السائق أن يضبط عواطفه أكثر فانفجر يبكي كطفل صغير وجعل يكلم نفسه: إنها تثق فيّ. سأكون بمعونة الله إنساناً أفضل!

شكرت ماتلدة وقلت: إن حديثك عجيب خصوصا وقد امتد لسنين كثيرة ولكني أرجو أن أعرف شيئاً عن أعمالك عندما امتدت بك الأيام؟
فقالت: إني لم أقصر عملي على زيارة السجون. ففي سنة 1912 أغلقت سجون فنلندا في وجهي فإن الحكومة الروسية التي حكمت فنلندا إذ ذاك قاومت خدمتي. وعندما قامت ثورة في روسيا أطلق سراح جميع المسجونين في فنلندا. ولكن قبل أن ينال المحكوم عليهم حريتهم ويتركوا سجن كاكولا أرسلوا يطلبون مني أن أزورهم. ذهبت فوجدت ثلاثمائة سجين واقفين في ثلاثة صفوف في ساحة السجن. وقد رحبوا بي بالترنيم وقدموا لي كأساً فضية جمعوا ثمنها من متحصلاتهم. كما قدموا إلى باقة من الورود الحمراء المزروعة في حديقة السجن!
وفي سنة 1918 قامت ثورة البيض وثورة الحمر وكنت صديقة الأثنين وكنت أدعو هذه الحرب الأهلية حرب الإخوة. وفي غرفة الجلوس كنت احتفظ بالزهور الحمراء والزهور البيضاء في “الوعاء” الواحد. كنت أقول إن كليهما يحتاج نفس الماء الواحد ونفس أشعة الشمس الواحدة. وقد يفاضل أحدهما بين لونه ولون الآخر ولكنهما كلاهما جميل في إنائي الواحد!
وفي خلال تلك الظروف الحزينة كنت أعمل للسلام بين الأطراف المتنازعة!

على أني أحسست بعد ذلك بمشقة العمل وزادت أثقاله على عاتقي فقررت أن أخفف من خدمتي وأن أعيش في شبه تقاعد. إن عمري الآن أزيد من سبعين سنة، والناس، وخصوصاً المسجونون السابقون يزوروني . وقد زارني بالأمس فقط رجل، وبعد أن سلم علىّ وسأل عن صحتي التفت إلى الموجودين حولي وقال: لقد رأيت ماتلدة فريد لأول مرة منذ خمس وثلاثين سنة، ولي الآن سبع وعشرون سنة لم أذق نقطة واحدة من الخمر. لقد عرفت الله على يدها- إنها تتجول بين المساجين والأحرار تحمل للجميع سلام الله!
قلت لها: لاشك أن الله قد باركك ولابد أن بركتك ستستمر استمرار المحبة الخالدة!

المصدر:
كتاب ” أطول الناس عمراً وشخصيات أخرى” للدكتور القس/ لبيب مشرقي صـ319- 329

الإعلانات

جون هاوارد

johnhowardprisonreformer

ولدت في اليوم الثاني من سبتمبر عام 1726م ومات ابي مبكرا ولكنه لم يتركنا بلا مال . ما تركه يكفي لان نحيا حياة كريمة فترة كافية. فكرت ان اقوم ببعض الرحلات لتغيير الهواء، فقد كنت عليل الجسم. وفيما انا اهم بالسفر بلغتني اخبار الزلزلة التي دمرت لشبونة سنة 1756م فرتبت ان اسافر الى هناك لاساعد المشردين الين خرب الزلزال بيوتهم. ولكن نشبت الحرب بين فرنسا وانجلترا، واخذت اسيرا مع باقي الركاب، واذ ذاك ذقت طعم السجون في ذلك العهد.

قلت: ان السجون في كل عهد شئ كريه!

فضحك وقال: هل تدعو سجونكم سجونا. كانت السجون اماكن مظلمة رطبة شديدة العفونة.. لا تذكرني بتلك الفترة فقد كانت جحيما بل شرا من الجحيم.

وقد رفعت التماسا بعد التماس اطلب ان يطلقوا سراحي اذ اني لم اكن جنديا محاربا. لقد كنت في طريقي لعمل خيري، وطال امد انتظاري. ولكن الاجابة جاءت اخيرا فاطلقوني “بوعد شرف” ان يعود اسير فرنسي من انجلترا بدلا عني، وقد تممت وعدي بل زدت على ذلك ان سعيت الى اطلاق جميع الاسرى الانجليز نظير عدد مساو من الاسرى الفرنسيين.

..  سافرت من مدينة الى مدينة وكم كانت خيبتي مؤلمة، ففي كل الاماكن التي زرتها وجدت العدد الكبير من الابرياء يرسفون في الاغلال لانهم لم يستطيعوا ان يدفعوا الضريبة المطلوبة التي تفرض عليهم من السجانين عند اطلاق سراحهم! وقد وجدت شرورا كثيرة ومظالم اخرى تتطلب ثورة ونضالا.

عدت من رحلتي مكسور الخاطر، نار تستعر في قلبي. لم يكن يخطر ببالي ان ينحط الانسان الى ذلك الدرك من الهوان. قررت ان اكرس حياتي ومالي لاصلاح حال المسجونين ومن ثم اعددت تقريرا ارسلته الى مجلس العموم البريطاني.

وتحرك المجلس فبحث الموضوع، وطلب مني تقديم مستندات فقدمتها. وكان التأثير كبير فقرر المجلس اطلاق سراح جميع السجناء المحكوم ببراءتهم والغاء ضريبة السجانين. كما قرروا عدة اجراءات اصلاحية اخرى.

ولما رأيت اثر الاصلاح في انجلترا قمت بسياحة في اوربا احاول ان استكشف احوال سجونها وعند عودتي اعددت كتابا اقارن فيه بين سجون انجلترا وباقي دول القارة. وابديت ملاحظاتي الاصلاحية ولم اكتف بطبع الكتاب بل دفعت نفقة ارساله الى كل عضو في البرلمان.

ماتيلدا فريدا

كان النبلاء في القرن ال13 اي في العصر الاقطاعي يبنون لانفسهم حصونا تقوم في الغالب على جرف صخري وتحميها الخنادق والابراج. وكانت هذه الحصون والقلاع كثيرة في اوربا حيث بلغ الاقطاع اعظم مبلغ. ولم يكن للامراء ما يحميهم من اعتداء العامة سوى تلك الجدران المنيعة.

في تلك الحقبة احب احد الامراء يدعى فريدا في ايطاليا فتاة فقيرة وتزوج بها فحرمه ابوه من الارث وطرده.. ولدت له طفلة في الثامن من مارس سنة 1864 وكانت تصغر عن اخر اخوتها سبع سنوات. ابتهجت الاسرة بمقدمها ولم تكن تعلم ان تلك الطفلة سيمتد اسمها الى جميع انحاء العالم مشفوعا باجمل عبارات الاعزاز والتكريم. وظلت الاسرة تعيش عدة شهور في اكناف السعادة بعد مولدها. ثم مرضت الام وقضت نحبها بعد ان وضعت طفلتها بين ذراعي ابنتها الكبرى هيلينا التي لم تكن قد جاوزت بعد ربيعها السابع عشر.

وكان موت امها الغمامة الوحيدة التي ظهرت في سماء طفولة ماتيلدا، وعكرت صفوها قليلا، الا انها وجدت في عطف اختها هيلينا ورعايتها ما قشع عنها ظلام الوحشة وانساها بؤس اليتم.

ولما بلغت العام الحادي عشر ارسلها والدها الى مدرسة داخلية لتتم تعليمها. كان من بين العلوم المقررة انذاك: علوم الحيوان والكيمياء وغيرها. وكانت ماتيلدا مع ميلها لها مولعة بالشعر والموسيقى الا انها لم تكن تعزف. وشغفت ايضا بعلم التاريخ الاجتماعي الا انها لم تكن تعني بحفظ اخبار الحروب. وقلما وجدت صعوبة في تناول جميع دروسها ما عدا الحساب. وكانت تلقى كل رعاية من معلميها اللواتي احتملن بصبر مجموتها الغريبة المؤلفة من ضب (سحلية) وسنجاب كان يعيش في جيب مريولها وقطة صغيرة مسكينة.

وكانت حياتها السعيدة في قصر اسرتها مصدر تهذيب صحيح لنفسها وثقافة عالية لروحها ولعقلها. وقد كان ال فريدا يرثون افضل ما تقدمه الثقافة من نبل وقد كان البارون فريدا نعم الاب فهو الفضيلة والصورة الطيبة للنفوس المهذبة. في هذا الجو الروحي الطاهر كان نمو ماتيلدا الروحي يتقدم ببساطة ويتجه على الدوام الى الحق الاسنى اتجاه الزهرة الى النور.

وقد كان مألوفا لدى ماتيلدا ابنة حاكم فاسا ان ترى السجناء المساكين مصفدين في الاغلال حينا وهم يعملون ويكدون حينا. ولم يقتصروا على القيام بالاشغال العامة بل كان مباحا لهم في ذلك العصر ان يؤدوا للافراد بعض الاعمال ويتقاضوا عنها اجرا: فكثيرا ما قاموا بقطع الحطب او بمد الاسقف بالاجر.

ولما كانت في السابعة عشرة رأت منظر اليما تسرب الى نفسها ومس اوتار روحها من ادق اوتارها وايقظ في اغوار عقلها احساسات دافقة. فقد نزلت الى البلد لتتلقى درسا ووجدت معلمتها مشغولة فذهبت الى النافذة لترى منها الطريق وتتسلى بالمناظر المختلفة وكان بازائها حداد ينفخ في كوره وفي تلك اللحظة جئ اليه بسجين لكي يحكم قفل السلسلة التي كان مقيدا بها وابصرت ماتيلدا ما راعها وعصف بقلبها وحطمه تحطيما – ابصرت الحداد يلحم الحلقة التي اعتقل فيها رسغ السجين بقضيب من الحديد المحمى المتوهج ليحكم قفلها. وقفت مشدوهة كأنما قد انقضت عليها صاعقة واذ ذاك دخلت عليها معلمتها وسمعت لهثة ذعرها وجزعها فاقتربت منها والقت نظرة من الشرفة وعرفت سبب خوفها. فجذبتها اليها بلطف وقالت لها “ليس للبنات الصغيرات ان يشاهدن تلك المناظر”. لكن ماتيلدا قالت وقد تجمعت في كلماتها معاني البطولة “ان كان السجين استطاع ان يحتمل هذا فينبغي على ان احتمل النظر اليه”.

كان مجرد تفكيرها في وجود ما يسمى بالسجن يملأ قلبها رعبا وانفجرت في البكاء مرة لان الطريق الى جهة كانت ذاهبة اليه في النزهة مع اسرتها سيضطرها الى المرور بالسجن. وقالت لهم: “لا استطيع ان اذهب معكم. لا استطيع ان اجتاز بالسجن الذي حبس فيه اولئك المساكين، لامضى الى التنزه والتمتع بالربيع والاصغاء الى اغاريد الطيور”. فاجابوها “ان اسوار السجن عالية ولن تبصري احدا منهم”. فردت عليهم قائلة: “لكني اعرف انهم هناك..”. واخيرا مضوا بها في طريق اخر لا يمر بالسجن.

وقد تجلت رقتها في امر اخر. فقد ارادت ذات مرة ان تزور عم لها، وكان ذووها جمعا غفيرا فاستقلوا خمس عربات. وكان ذلك في وقت الحصاد. وكان لابد لهم من المرور في الحقول التي اكتظت بعديد من العمال المجدين- وكانوا ثلاثين رجلا على الاقل- فنظرت الى ابيها في هدوء ورصانة وقالت: “اريد ان اذهب عن طريق الغابة مترجلة، فاني لا استطيع ان اجتاز الحقول بهذا الموكب المؤلف من خمس عربات، والشمس في كبد السماء كجمرة تتلظى ترسل اشعتها المحرقة على اولئك الرجال المشتغلين بغير كلل، ليضمنوا لنا اسباب الراحة، بينما كان يجب عليّ انا واخوتي ان نعمل مثلهم”. فتفرس فيها ابوها – ويظهر انه كان يقدر دائما نبل روحها – الا انه لم يزد على قوله: “ولكن هل انت متأكدة انك تعرفين الطريق”.

وغادرت المدرسة نهائيا وهي لم تبلغ السادسة عشرة من عمرها ، وعاشت في البيت وكانت في الظاهر راضية الا انها في الباطن كانت حزينة بسبب الحيرة والشعور الملح الى تفهم معنى الحياة- ذلك الشعور الذي تستعر ناره في النفس النبيلة المتيقظة المرهفة.

خطت ماتيلدا الى ربيعها الثامن عشر، في فترة تدفقت فيها موجة من الحماسة الروحية فملأت صدور الناس في هذه المنطقة، فاذا بها كالطوفان المندفع يستفيض ماؤه في انحاء المقاطعة، ويغمر الناس بمحبة الله. وقتئذ قدم مبشر سويدي الى فاسا، وكان مزمعا ان يعظ في احد الامسيات، فاستأذنت ماتيلدا واحدى اخواتها في الذهاب لسماعه، على ان ذلك كان يؤخر وصولهما الى حفلة ساهرة كانتا تنتويان الذهاب اليها برفقة ابيهما. وكانت الاية التي اختارها المبشر موضوعا لعظته من (يو3: 16) “لانه هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد”. ونفذت الرسالة الالهية الى اعماق قلب ماتيلدا. وبعد عدة سنوات لا تذكر ما جاء بالعظة ولكن لا تنس اللحظة التي كرست حياتها فيها لاظهار محبة الله لاشر طائفة من الناس وهم المساجين. واصبحت ماتيلدا من حينها رواد العمل الاصلاحي.