ادعني يوم الضيق

591

” ادعني في يوم الضيق انقذك فتمجدني “(مز50)

حاول احد الشباب الذين لهم علاقة مع الله ان يحدث صديقه الصيدلي عن المسيح. فكان يفشل في كل مرة اذ كان الصيدلي يقابل حديثه بالاستهانة .

لهذا قرر الشاب ان لا يفاتح الصيدلي في هذا الامر. وقال له لن ازعجك بكلامي عن المخلص مرة اخرى، حتى يأتي الوقت وتطلب انت ان اتحدث اليك في هذا الموضوع. ولكني قبل ان افعل هذا سأترك معك آية من كلام الله اخترتها لك وهي “ادعني في يوم الضيق انقذك فتمجدني”, وارجوك ان لا تنساها … وما كان من الصيدلي الا انه لم يعره اهتمام كالمرات السابقة.

مرت الايام على هذا الحديث كعادتها. وجاءت نوبة الصيدلي للخدمة الليلية. واستغرق في النوم. وفي هذا الاثتاء اذ بطرقات شديدة على الباب ايقظته مذعوراً . فقام ليجد فتاة بيدها تذكرة طبيب تطلب تحضير الدواء المبين بها لوالدتها التي في حالة خطرة . فأخدها الصيدلي وبدأ بتحضير الدواء, الا انه كان مثقلاً بالنوم, فأعد الدواء وصبه في زجاجة ولصق عليها البطاقة المعتادة واعطاها للفتاة التي سرعان ما تلقتها منه وانطلقت تجري باقصى سرعة .

بعد ان خرجت الفتاة. قام الصيدلي باعادة الزجاجات التي ركب منها الدواء الى اماكنه. واذ بعلامات الرعب ترتسم على وجهه لانه اكتشف انه اخطأ في تركيب الدواء ووضع مادة سامة بدل مادة مهدئة , وازداد رعبه لما تيقن ان اقل كمية من هذه المادة السامة تكفي لقتل من يتناولها فوراً, فتمثل امامه ما ينتظره من مصير مظلم. ومما زاد الحالة سوءاً انه لم يكن يعرف الفتاة ولا مكان سكناها. فاندفع خارج الصيدلية في ظلام الليل يتخبط في الشوارع. فتاره يتجه الى اليمين واخرى يتجه الى اليسار فلم يرى الفتاة ولا راى اثرها اذ ان الظلام ابتلعها وهي تنطلق فيه بسرعة .

تخيل الصيدلي ان المريضة تناولت الدواء المميت. فابتدأ العرق البارد يتصبب من جبينه. وانهارت قواه. وتمثلت امامه النهاية المحزنة. وماذا يفعل امام القضاء؟

وفجأت أضاءت في مخيلته المشتته, الجملة التي تركها صديقه, ” ادعني في يوم الضيق انقذك فتمجدني ” .

فرجع الى الصيدلية والقى بنفسه على ركبتيه امام الله وصلى .

صلى في هذه المرة ولم يكن يستهزىء او يسخر. صلى وصرخ الى الله وهو مرتعب ومرتعد وطلب الانقاذ من هذه الورطة التي ستوقفه امام المحاكم وتقضي على مستقبله, صلى هذه المرة وهو على يقين شديد ان الله وحده يقدر ان ينجيه.

بعد ان صلى جلس والدموع في عينيه واذا بطرقات على الباب فخرج يستجلي الامر. فعقدت الدهشة لسانه لانه وجد نفس الفتاة واقفة امامه تبكي بحرقه وتمسك بيدها عنق الزجاجة وتقول :

( اه يا سيدي انقذني , لاني اثناء الجري في الطريق تعثرت وسقطت فانكسرت الزجاجة وسال الدواء على الارض ).

ويمكنك ايها القارىء ان تلمس مقدار فرح الصيدلي وتحس باحساسه وهو يتناول تذكرة الطبيب للمرة الثانية ويركب الدواء الصحيح اما كم كان شكره القلبي فلا يستطيع احد ان يقدره الا هو …

المجد لك يا الهنا القادر على كل شيء … المجد لك

الإعلانات

النساك الثلاثة

قصة رمـزية للكاتب الروسي ليو تولستوي

(مختصرة عن الأصل)
ذات يوم كان الاحد الاساقفة الروسيين يُبحِر من مقر إيبارشيته إلى دير روسي قديم عريق في القداسة، وكان معه على نفس السفينة عدد من الزوَّار في طريقهم إلى الدير ليزوروا ويتباركوا من رفات القديسين هناك. وبينما كانوا يتخاطبون بعضهم مع البعض في شتَّى الأمور، بلغ إلى أسماع الأسقف كلاماً عن نُسَّاك ثلاثة يعيشون وحدهم في جزيرة بعيدة في عرض البحر، وكان الزوَّار يُشيرون من بعيد إلى هذه الجزيرة القابعة في وسط البحر.
فأجهد الأسقف بصره ليرى من بعيد هذه الجزيرة واشتاق أن يذهب إلى هناك بعد أن سمع أحاديثَ متناثرة مُشوِّقة عن هؤلاء النُّسَّاك الثلاثة وكيف يعيشون! وأكثر ما لفت نظره أنهم لا يتكلَّمون مع أحد ولا يردُّون على أسئلة أحد، وحتى إذا تكلَّموا فمع بعضهم البعض وبكلمات قليلة جداً.
واقتربت السفينة من الجزيرة، ولكن الأسقف رآها كبقعة سوداء من بعيد. فتساءل الأسقف: ”ما اسم هذه الجزيرة؟“. فردَّ عليه أحدهم: ”لا اسم لها، وهناك الكثير مثلها في هذا البحر“. وطلب الأسقف من قائد السفينة أن يتوجَّه إلى هذه الجزيرة. فتمنَّع، لأنه كان من الصعوبة الوصول إلى شاطئ الجزيرة، بل قال للأسقف: ”لابد من قارب يُوصِّلك من السفينة إلى شاطئ الجزيرة“. فوافق الأسقف، ووعد قائد السفينة بمزيد من المال.
وحينما اقتربوا من الجزيرة، شاهَد أحد الركَّاب هؤلاء النسَّاك الثلاثة على الشاطئ واقفين صفاً واحداً، متشابكة أيديهم بعضهم بالبعض. وأعطى قائد السفينة النظَّارة المُكبِّرة للأسقف لينظر النسَّاك الثلاثة في هذا الوضع، ثم قال للأسقف: ”سوف تصل إلى الجزيرة في قارب، لأن الصخور تمنعنا من الاقتراب من شاطئ الجزيرة“. وهكذا كان.
+ وحالما نزل الأسقف من القارب إلى الجزيرة تلقَّاه النسَّاك الثلاثة بانحناءة احترام، فأعطاهم الأسقف البركة. ثم بدأ الأسقف في الحديث معهم:
– ”لقد سمعتُ عنكم بأنكم – يا قدِّيسي الله – تعيشون هنا من أجل خلاص نفوسكم، وللصلاة من أجل إخوتكم بني البشر. وأنا غير المستحق أن أكون خادماً للمسيح، فقد دعاني الله برحمته أن أرعى وأُعلِّم رعيته المُباركة. ولهذا أنا اشتقتُ لرؤياكم، ولأفعل ما بوسعي لتعليمكم أيضاً“.
ونظر النُسَّاك الثلاثة بعضهم للبعض وهم يبتسمون، ولكنهم ظلُّوا صامتين.
+ وقال الأسقف:
– ”أَلاَ أخبروني ما الذي تفعلونه لخلاص أنفسكم، وكيف تخدمون الله في هذه الجزيرة؟“
وأومأ الناسك الثاني في الترتيب ناظراً إلى أكبرهم سنّاً وأقدمهم في المجيء إلى الجزيرة، الذي ابتسم وقال:
– ”نحن لا نعرف كيف نخدم الله. نحن فقط نعول أنفسنا ونتعب بأيدينا لنُقيت أنفسنا، نحن عبيد الله“.
+ ”ولكن كيف تصلُّون؟“
– ”نحن نُصلِّي هكذا: يا ربُّ، أيها الثالوث، نحن ثلاثة، فلتشملنا رحمتك“.
وحينما قال الشيخ الكبير هذا، رفع الثلاثة أعينهم إلى السماء، وردَّدوا نفس القول: ”أنت أيها الثالوث، نحن ثلاثة، فلتشملنا رحمتك!“
+ وابتسم الأسقف، ثم قال لهم:
– ”لا شكَّ أنكم سمعتم شيئاً عن الثالوث الأقدس، ولكنكم لا تصلُّون بالطريقة الصحيحة. لقد اكتسبتم محبتي يا رجال الله، لأنكم تريدون أن تُرضوا الله، لكني أراكم لا تعرفون كيف تخدمونه! فليست هذه هي الطريقة الواجبة التي تُؤدَّى بها الصلاة. وأنا سأُعلِّمكم، ليس طريقتي أنا، بل الطريقة التي أوصى الله البشر أن يُصلُّوا بها له، كما وردت في الإنجيل“.
وبدأ الأسقف يشرح للنسَّاك كيف أعلن الله نفسه للبشر، مُعلِّماً إيَّاهم عن الإله الواحد: الله الآب، الله الابن، الله الروح القدس. وقال لهم إن الله الابن نزل إلينا على الأرض ليُخلِّص البشر، وعلَّمنا كلنا أن نُصلِّي. اسمعوني وردِّدوا ورائي: ”أبانا“، وكرر كل واحد من النسَّاك وراءه: ”أبانا“. ”الذي في السموات“، وهكذا ردَّدوا وراءه إلى نهاية الصلاة الربانية.
ثم كرر الأسقف كلمات الصلاة هكذا عدة مرات طيلة النهار. وكان النسَّاك ينسون بعض الكلمات، فيُصحِّحها الأسقف ويجعلهم يبدأون من أول الصلاة. ولم يتركهم الأسقف حتى علَّمهم كيف يقولونها دون أن يُردِّدوها وراءه.
وبدأ الظلام يزحف، والقمر يبدأ في الظهور عاكساً ضوءه على وجه المياه؛ قبل أن يَهُمَّ الأسقف بالعودة إلى القارب. وقبل أن يُغادر الجزيرة ويترك النسَّاك، انحنوا أمامه إلى الأرض. فأقامهم الأسقف وقبَّل كل واحد منهم، وسألهم واحداً واحداً أن يُصلِّي من أجله كما علَّمهم هو الصلاة الربانية.
وحينما جلس الأسقف في القارب متَّجهاً إلى السفينة، كان يسمع النسَّاك الثلاثة يُردِّدون بصوتٍ عالٍ الصلاة الربانية.
+ + +
وحينما وصل القارب إلى السفينة في عرض البحر، بدأت أصوات النسَّاك الثلاثة تخفت شيئاً فشيئاً، حتى لم تَعُد تُسمَع تماماً. وما إن دخل الأسقف إلى السفينة، حتى هبَّت الرياح على شراع السفينة، وبدأت السفينة تُبحِر. وظل الأسقف يقف على إفريز السفينة يُشاهد النسَّاك الثلاثة، إلى أن اختفوا من أمام ناظريه كلما بعَدَت السفينة عن الجزيرة.
+ + +
وجلس الأسقف يُفكِّر، متأمِّلاً في البحر حيث اختفت الجزيرة من أمام ناظريه، ولم يَبْقَ سوى ضوء القمر متلألئاً أمام عينيه في هذه اللحظة فوق أمواج البحر الهادرة.
وفجأة، رأى شيئاً ما أبيض يلمع فوق سطح البحر اللامع بضوء القمر الذي يُضيء مياه البحر. وظن الأسقف أنَّ هذا الشيء هو أحد أسماك البحر أو انعكاس قارب صغير في البحر.
وأخذ الأسقف يُثبِّت نظره على هذا الشيء الأبيض مُتعجِّباً. لكن هذا الشيء كان يسير بسرعة جداً، وبعد أن كان منذ دقيقة واحدة بعيداً جداً، أصبح الآن قريباً جداً. إنه ليس قارباً، ومهما كان فإنه يتبع السفينة ويريد اللحاق بها.
ونهض الأسقف وقال لربَّان السفينة: ”انظر هناك. ما هذا، يا صديقي؟“. وكرر الأسقف قوله، بالرغم من أنه الآن بدأ يرى بوضوح هذا الشيء الأبيض! إنه ثلاثة أشخاص هم النسَّاك الثلاثة، يجرون على صفحة المياه، وكلُّهم يلمعون باللون الأبيض، ولحاهم الرمادية تُضيء، وها هم يقتربون من السفينة بسرعة وكأنها واقفة لا تمخُر عباب المياه!
ونظر رُبَّان السفينة في فزع صارخاً: ”يا سيِّد! النسَّاك يجرون وراءنا على المياه وكأنها أرض يابسة! ما هذا؟“
وإذ سمع الرُّكَّاب هذا، قفزوا من أماكنهم وتجمَّعوا على سطح السفينة. ورأوا، حقّاً، النسَّاك قادمين مُمسكين أيديهم بعضهم البعض، واثنان منهم يُشيرون على السفينة أن تتوقَّف. وكان الثلاثة أقدامهم ثابتة على المياه دون أن يُحرِّكوا أقدامهم! وقبل أن تتمكن السفينة من الوقوف، كان النسَّاك قد بلغوا إليها، رافعين رؤوسهم، وصارخين في صوتٍ واحد:
– ”يا خادم الله، لقد نسينا ما علَّمْتَنا إيَّاه. وكلما كررنا الصلاة، كلما تذكرناها. وحينما توقَّفنا بُرهة، سقطت منا كلمة. والآن، لقد ضاعت الكلمات كلها مِنَّا. لم نَعُد نتذكَّر شيئاً منها. علِّمنا إيَّاها مرة أخرى!“
وبُهت الأسقف من المنظر ومن الكلام، ورسم علامة الصليب على نفسه، ثم انحنى أمامهم وهو على جانب السفينة قائلاً لهم:
– ”إن صلواتكم سوف تبلغ إلى الرب، يا رجال الله. وليس لي أن أُعلِّمكم. صلُّوا من أجلنا نحن الخطاة“.
وانحنى الأسقف أمام النسَّاك الشيوخ، الذين بعد سماعهم كلام الأسقف انصرفوا عائدين إلى موضعهم كما أتوا وهم سائرون على مياه البحر. وظل نورٌ يشعُّ منهم إلى أن بزغ نور النهار، في نفس النقطة التي اختفوا فيها عن أنظار الجميع!