ماتيلدا فريدا

كان النبلاء في القرن ال13 اي في العصر الاقطاعي يبنون لانفسهم حصونا تقوم في الغالب على جرف صخري وتحميها الخنادق والابراج. وكانت هذه الحصون والقلاع كثيرة في اوربا حيث بلغ الاقطاع اعظم مبلغ. ولم يكن للامراء ما يحميهم من اعتداء العامة سوى تلك الجدران المنيعة.

في تلك الحقبة احب احد الامراء يدعى فريدا في ايطاليا فتاة فقيرة وتزوج بها فحرمه ابوه من الارث وطرده.. ولدت له طفلة في الثامن من مارس سنة 1864 وكانت تصغر عن اخر اخوتها سبع سنوات. ابتهجت الاسرة بمقدمها ولم تكن تعلم ان تلك الطفلة سيمتد اسمها الى جميع انحاء العالم مشفوعا باجمل عبارات الاعزاز والتكريم. وظلت الاسرة تعيش عدة شهور في اكناف السعادة بعد مولدها. ثم مرضت الام وقضت نحبها بعد ان وضعت طفلتها بين ذراعي ابنتها الكبرى هيلينا التي لم تكن قد جاوزت بعد ربيعها السابع عشر.

وكان موت امها الغمامة الوحيدة التي ظهرت في سماء طفولة ماتيلدا، وعكرت صفوها قليلا، الا انها وجدت في عطف اختها هيلينا ورعايتها ما قشع عنها ظلام الوحشة وانساها بؤس اليتم.

ولما بلغت العام الحادي عشر ارسلها والدها الى مدرسة داخلية لتتم تعليمها. كان من بين العلوم المقررة انذاك: علوم الحيوان والكيمياء وغيرها. وكانت ماتيلدا مع ميلها لها مولعة بالشعر والموسيقى الا انها لم تكن تعزف. وشغفت ايضا بعلم التاريخ الاجتماعي الا انها لم تكن تعني بحفظ اخبار الحروب. وقلما وجدت صعوبة في تناول جميع دروسها ما عدا الحساب. وكانت تلقى كل رعاية من معلميها اللواتي احتملن بصبر مجموتها الغريبة المؤلفة من ضب (سحلية) وسنجاب كان يعيش في جيب مريولها وقطة صغيرة مسكينة.

وكانت حياتها السعيدة في قصر اسرتها مصدر تهذيب صحيح لنفسها وثقافة عالية لروحها ولعقلها. وقد كان ال فريدا يرثون افضل ما تقدمه الثقافة من نبل وقد كان البارون فريدا نعم الاب فهو الفضيلة والصورة الطيبة للنفوس المهذبة. في هذا الجو الروحي الطاهر كان نمو ماتيلدا الروحي يتقدم ببساطة ويتجه على الدوام الى الحق الاسنى اتجاه الزهرة الى النور.

وقد كان مألوفا لدى ماتيلدا ابنة حاكم فاسا ان ترى السجناء المساكين مصفدين في الاغلال حينا وهم يعملون ويكدون حينا. ولم يقتصروا على القيام بالاشغال العامة بل كان مباحا لهم في ذلك العصر ان يؤدوا للافراد بعض الاعمال ويتقاضوا عنها اجرا: فكثيرا ما قاموا بقطع الحطب او بمد الاسقف بالاجر.

ولما كانت في السابعة عشرة رأت منظر اليما تسرب الى نفسها ومس اوتار روحها من ادق اوتارها وايقظ في اغوار عقلها احساسات دافقة. فقد نزلت الى البلد لتتلقى درسا ووجدت معلمتها مشغولة فذهبت الى النافذة لترى منها الطريق وتتسلى بالمناظر المختلفة وكان بازائها حداد ينفخ في كوره وفي تلك اللحظة جئ اليه بسجين لكي يحكم قفل السلسلة التي كان مقيدا بها وابصرت ماتيلدا ما راعها وعصف بقلبها وحطمه تحطيما – ابصرت الحداد يلحم الحلقة التي اعتقل فيها رسغ السجين بقضيب من الحديد المحمى المتوهج ليحكم قفلها. وقفت مشدوهة كأنما قد انقضت عليها صاعقة واذ ذاك دخلت عليها معلمتها وسمعت لهثة ذعرها وجزعها فاقتربت منها والقت نظرة من الشرفة وعرفت سبب خوفها. فجذبتها اليها بلطف وقالت لها “ليس للبنات الصغيرات ان يشاهدن تلك المناظر”. لكن ماتيلدا قالت وقد تجمعت في كلماتها معاني البطولة “ان كان السجين استطاع ان يحتمل هذا فينبغي على ان احتمل النظر اليه”.

كان مجرد تفكيرها في وجود ما يسمى بالسجن يملأ قلبها رعبا وانفجرت في البكاء مرة لان الطريق الى جهة كانت ذاهبة اليه في النزهة مع اسرتها سيضطرها الى المرور بالسجن. وقالت لهم: “لا استطيع ان اذهب معكم. لا استطيع ان اجتاز بالسجن الذي حبس فيه اولئك المساكين، لامضى الى التنزه والتمتع بالربيع والاصغاء الى اغاريد الطيور”. فاجابوها “ان اسوار السجن عالية ولن تبصري احدا منهم”. فردت عليهم قائلة: “لكني اعرف انهم هناك..”. واخيرا مضوا بها في طريق اخر لا يمر بالسجن.

وقد تجلت رقتها في امر اخر. فقد ارادت ذات مرة ان تزور عم لها، وكان ذووها جمعا غفيرا فاستقلوا خمس عربات. وكان ذلك في وقت الحصاد. وكان لابد لهم من المرور في الحقول التي اكتظت بعديد من العمال المجدين- وكانوا ثلاثين رجلا على الاقل- فنظرت الى ابيها في هدوء ورصانة وقالت: “اريد ان اذهب عن طريق الغابة مترجلة، فاني لا استطيع ان اجتاز الحقول بهذا الموكب المؤلف من خمس عربات، والشمس في كبد السماء كجمرة تتلظى ترسل اشعتها المحرقة على اولئك الرجال المشتغلين بغير كلل، ليضمنوا لنا اسباب الراحة، بينما كان يجب عليّ انا واخوتي ان نعمل مثلهم”. فتفرس فيها ابوها – ويظهر انه كان يقدر دائما نبل روحها – الا انه لم يزد على قوله: “ولكن هل انت متأكدة انك تعرفين الطريق”.

وغادرت المدرسة نهائيا وهي لم تبلغ السادسة عشرة من عمرها ، وعاشت في البيت وكانت في الظاهر راضية الا انها في الباطن كانت حزينة بسبب الحيرة والشعور الملح الى تفهم معنى الحياة- ذلك الشعور الذي تستعر ناره في النفس النبيلة المتيقظة المرهفة.

خطت ماتيلدا الى ربيعها الثامن عشر، في فترة تدفقت فيها موجة من الحماسة الروحية فملأت صدور الناس في هذه المنطقة، فاذا بها كالطوفان المندفع يستفيض ماؤه في انحاء المقاطعة، ويغمر الناس بمحبة الله. وقتئذ قدم مبشر سويدي الى فاسا، وكان مزمعا ان يعظ في احد الامسيات، فاستأذنت ماتيلدا واحدى اخواتها في الذهاب لسماعه، على ان ذلك كان يؤخر وصولهما الى حفلة ساهرة كانتا تنتويان الذهاب اليها برفقة ابيهما. وكانت الاية التي اختارها المبشر موضوعا لعظته من (يو3: 16) “لانه هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد”. ونفذت الرسالة الالهية الى اعماق قلب ماتيلدا. وبعد عدة سنوات لا تذكر ما جاء بالعظة ولكن لا تنس اللحظة التي كرست حياتها فيها لاظهار محبة الله لاشر طائفة من الناس وهم المساجين. واصبحت ماتيلدا من حينها رواد العمل الاصلاحي.

Advertisements