افرومنتيوس #3

استيقظ افرومنتيوس هذا الصباح وقد غمره احساس بالسعادة جعله يبدو وكأنه يحلم. قلبه يدق اسرع من المألوف. عينه اليسرى ترف رفيفا طفيفا. لا شئ يثير الازعاج، لا شئ . وكأن ذلك رسالة قادمة من السماء، اما من النواحي الاخرى، فهو يوم اعتيادي كبقية الايام. كانت الشمس قد اقتربت من المغيب والطيور تزعق وتصيح. بدا الزمن وكأنه قد توقف وانتشر في الجو عبق نباتات عطرية قوية الرائحة. حين سأل ارغاديو افرومنتيوس ان يصحبه الى قلب الغابة ليكملا حديثهما السابق:

لم يكن في ملامح ارغاديو سوى التواء قسمات وجهه بين الحين والاخر التواءا خفيفا حين يسأل سؤالا او يسمع اجابة تثير دهشته. هبت ريح خفيفة بعثرت بعض اوراق الاشجار الى الامام والخلف كما داعبت خصلات شعر ارغاديو الطويلة فيما هو يسأل:

– لكن من هو المسيح الذي ذكرت اسمه المرة السابقة؟ هل هو احد الكتّاب الاربعين الذين كتبوا الكتاب المقدس؟

– لا، ولكنه هو الذي تحدث عنه كل الكتّاب. هو الله الخالق الذي حدثتك عنه. من محبته لنا نزل الى الارض وظهر في شكل مثلي ومثلك  وصنع معجزات لا حصر لها: فتح اعين العميان وشفى المرضى واقام الموتى ..

ظل فرومنتيوس يتحدث الى اركاديو الذي اعطاه اذانا مصغية وقلب مفتوح بشكل كبير، وبدى ان الروح القدس ينير له قلبه.

وفجأة سمع فرومنتيوس الطبول تدق بشكل متتابع سريع حمسي الى درجة بيرة. انتفض فرومنتيوس واراد ان يتيقن من سبب هذا القرع، والذي اعاد الى ذهنه ما حدث قبلا حين التهموا رفيقه، ولم يحتمل مجرد التفكير في انهم يأكلون شخصا اخر. اراد ان يسأل ارغاديو، لكن الكلمات اختنقت في حلقه. اسرع ارغاديو نحو الاكواخ، بينما سار فرومنتيوس بتثاقل مسافة قليلة ثم استند الى جذع شجرة وشرد عقله مجددا في مدى الظلام الذي يعم هذه القبائل، كان ينقل كل لحظات ثقل جسمه من قدم الى اخرى واخيرا تنبه عندما استبد به الارهاق، وشعر بالدوار وهو يرنو الى المياه التي تجرى في النهر المتدفق. امامه كانت الشمس برتقالية تماما، في حين انتشر فوق التلال البعيدة نثار من اللون الذهبي والاخضر الزاهي، تناقض غريب بين جمال الطبيعة ووحشية البشر وظلام الجهل الذين يرزحون تحته.

انتبه حين اقترب اليه شاب وسيم يدعى بودي وقال برفق:

– ما بالك يا فرومنتيوس منزعجا هكذا؟

– ارجوك يا بودي .. ارجوكم لا تفعلوا هذا. ان هذا العمل يغضب الله الذي يحبكم.

– وهل الهك يبغض الزواج يا فرومنتيوس؟

كلا، ولكن ما علاقة الزواج بالقتل واكل لحوم البشر.. لماذا تدقون القبول بهذه الطريقة؟

ضحك بودي وقال:

دقات القبول هذه تعلن زواجي غدا من “زوبا” ابنة عمي. ومن ادراك ربما اليوم او غدا يرسل لنا الله الطعام الذي نحبه (يقصد صيدا اخر من البشر)!

دقات القبول هذه تعلن زواجي غدا من “زوبا” ابنة عمي

اقبل اركاديو زعيم القبيلة يسأل فرومنتيوس:

ماذا بك يا فرومنتيوس؟ وماذا المّ بك؟

انني اسف جدا يا اركاديو ، ولكنني ظننت حين سمعت قرع القبول انكم قد اجتمعتم لتأكلوا صيدا اخر.

اطمئن. فمن اقرب فرصة سأجتمع مع قومي لنتشاور معا في طقوسنا هذه. ثم سأصدر امرا بتحريم اكل لحوم البشر. لقد انرت لي بصيرتي وانني اعتبرك مثل ابني ارغاديو تماما. وكل ما لي هو لك. فقط لا تتركنا وترحل.

غدا سأجتمع مع قومي لنتشاور معا ، ثم سأصدر مرسوما بتحريم اكل لحوم البشر.

شكر افرومنتيوس اركاديو، وشكر الله الذي اعطاه نعمة لدى افراد هذه القبيلة، وبدأ يدرك الهدف الذي لاجله سمح الله بغرق السفينة ومن ثم وجوده في هذه القبيلة، هو نقل لهم نور كلمة الله.

الإعلانات