اعترافات خاطئة -1

 

%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b1%d8%a3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d8%b7%d8%a6%d8%a9-1

دفنت زوجي اول امس، سقطت عليه شجرة في الغابة وقد حمله رفاقه الى البيت، كان يتنفس بصعوبة ولكنه ما لبث ان اسلم الروح وتركني بلا عون انا وطفلي الصغير. واساني جيراني، كانوا يفتقدونني كل يوم ويحملون اليّ الطعام. كنت اظل طول اليوم لا اتناول شيئا، ولكني كنت اكل مع بعض الجيران وظل ذلك حالي طوال اربعين يوما. كنت اجد شيئا من العزاء في الرفقة الطيبة ولكنها انتهت بانتهاء الاربعين يوما. لم يأت احد لزيارتي بعد ذلك. كنت وزوجي من الجليل وقد جئنا الى اورشليم على اننا لم نلبث طويلا حتى حدثت مأساتي. لم يكن لي اهل في المدينة الكبيرة. لا اب ولا ام ولا اخ ولا اخت. كنت وحيدة مع طفلي.

مرت عدة ايام ونحن نحاول ان نجد في بقايا الطعام الذي حمله الينا ما يقوم بسد رمق الحياة ثم بدأنا نجوع. استطعت انا ان احتمل ولكن طفلي لم يستطع. كان يصرخ طول النهار والليل كسرة يا امي ، كسر صغيرة. انا جوعان ! انا جوعان!

اضطررت ان اقترض من الجيران وانتى بي الامر ان اطرق الابواب واستعطي ولكني فشلت لاني لست خبيرة في فن التسول، فكرت ان اقتل نفسي، لكن ماذا يعمل لطفلي، اواه هل منقذ؟

الاربعاء..

مرت ثلاثة اسابيع هي فعلا ثلاثة قرون. احسست اني قد بلغت سن الشيخوخة. لم اعد افكر في الحياة. عمري لا يزيد عن العشرين. لا ازال احتفظ بمسحة من الجمال. يمكن ان اكون زوجة. لكن من الذي يتزوج من ارملة ام لطفل، من؟

طرق بابي شاب من الجيران قال انه سمع صراخ الولد وسمع صوت نشيجي وعلم اننا جياع فاحضر شيئا من الطعام. كدت اهجم على الطعام لا لاجلي لكن لاج الطفل ومنعت نفسي. قلت ان عندنا طعاما كافيا. لكن الطفل تقدم بجرأة وتناول شيئا من الطعام وجعل يأكل بنهم. وترك الشاب الطعام وانطلق في سبيله وعاد في اليوم التالي واليوم الذي يليه، بل ظل يجئ مدة كان يضع الطعام وينطلق بدون كلمة غير كلمات التحية العادية. لا شك انه ملاك.

بعد شهرين

مر شهران كاملان مذ جاءنا هذا “الملاك” اول مرة، وقد جاء اليوم يحمل بعض الفاكهة وقدم للطفل شيئا منها. ثم جلس يلاعبه واستأنس طفلي له. وبعد نصف ساعة خرج الشاب ولكنه جاء في اليوم التالي والذي يليه ، وكان طفلي يتعلق به فيضطر للجلوس معه مدة ثم يغادر!

وجاء يوما يحمل لنا طعاما شهيا فوقفت اشكره وملت على يده فقبلتها، وقد حاول ان يسحب يده لكني اصررت على تقبيلها ورد هو القبلة على جبيني.

واعتدت ان اقبل يده كل يوم وهو يقبل جبيني. لقد غلبني الحياء في المرة الاولى ولكني اعتدت على ذلك. قبلة من “ملاك” لاخته!

وجاء يوم طالت فيه جلسته مع الولد ومعي، وفيما هو خارج سرت معه الى الباب واخذت يده لاقبلها فمد يده واحاط خصري وقبل جبيني كالعادة. وظلت هذه عادته الى ان جاء يوم انزلقت قبلته الى وجهي، ثم جاء يوم احتضنني فيه وانزلقت قبلته الى فمي!

بعد ستة شهور..

تأخر في المجئ . جاء الغروب ، قال انه سيتناول العشاء معنا، واكلنا معا، و”شربنا” وحملت الطفل الى فراشه، وعدت اليه لاودعه وتهيأ للقيام ولكنه لم يتجه نحو الباب… “وسقطت”. في تلك الليلة بكيت وبكيت وبكيت. اذن لم يكن ملاكا. لقد جاء بالطعام ولكنه تقاضى ثمنه وكان الثمن غاليا. اما هو فجعل يواسيني ويمنيني بالزواج ، فقط في الوقت المناسب. ولم يمتنع عن المجئ بل زاد مجيئه في الظهر والعصر والمساء. وفي احدى الامسيات قضى الليل معي، واصبح يأتي فعلته كأن له الحق فيها، اما انا فكنت في كل مرة اجثو على ركبتي واظل ابكي حتى تجف مآقي!

وقد بلغ به الامر ان جاء في صباح يوم ، وصمم ان يأتي فعلته في الحال بعد ان ارسل الطفل الى الخارج ليلعب مع الجيران. وفيما نحن في الفراش، “في ذات الفعل”، هجم علينا جماعة من الجيران فوثب من المكان وقفز من النافذة وقد تركوه يهرب وامسكوا بي وجعلوا يضربونني على كل اجزاء جسمي حتى امتلأ جسدي الضعيف بالجروح. وتمزقت ثيابي واصبحت عارية تقريبا. ثم اخذ يسحبونني سحبا وهم يضربونني الى ان وصلوا الهيكل وفي الدار الخارجية كان المعلم الناصري ، كنت قد سمعت عنه كثيرا – جالسا يعلم وحوله عددا غفرا من الناس – واوقفوني امامه عارية ممزقة الثياب. كنت صورة للعار المتجسد.

اه! ليتهم قتلوني. ليت الارض تنشق فتبتلعني. ووضعت احدى يديّ على وجهي واليد الاخرى اغطي بها عريي، وكنت احس اني في دوامة. متى تنتهي يا رب؟

وسمعت القوم يصرخون، لم اتبين صرخاتهم في اول الامر ولكن عندما دققت السمع سمعتهم يقولون: “يا معلم، هذه المرأة امسكت وهي تزني في ذات الفعل. وموسى اوصانا ان مثل هذه ترجم. فماذا تقول انت؟”.

انا لم اعلم لماذا جاءوا بي اليه هو. انه ليس رئيسا ولا قاضيا ولا صاحب سلطان، ولكني علمت فيما بعد انهم قصدوا ان يضعوا له شركا. انهم ما كانوا يستطيعون ان يرجموني. لكن ليتهم فعلوا ذلك!

كان عاري نارا تلهب كل جزء في جسدي ونفسي. كنت واقفة في خزيي عارية امام الجميع، وكانت النظرات الشريرة تلتهمني. ان بين المشتكين علىّ من كانوا اشر مني، ومنهم من حاول معي في اول ايام نكبتي، ونت اذ ذاك في دموعي نقية اما الان فانا كتلة عفنة اقذر من الوحل!

على اني لمحت السيد، انه لا ينظر اليّ كما ينظر الاخرون وايضا رأيت العطف مجسما في وجهه، بل رأيت دموعا في عينيه، كان جالسا على درجة من درجات السلم القليلة الصاعدة الى الهيكل ، وكان منحنيا الى الارض يخط بيده سطورا لم اتبينها على الارض. كان صامتا فيما هم يتكلمون ويضجون، وظل صامتا .. فلما طال صمته عادوا يكررون كلامهم السابق: “يا معلم، هذه المرأة امسكت وهي تزني في ذات الفعل. وموسى اوصانا ان مثل هذه ترجم. فماذا تقول انت؟”.

واذ ذاك انتصب وقال لهم من منكم بلا خطية فليرمها اولا بحجر. هل ترى هل يجسرون ان يرموني بالاحجار التي في ايديهم؟ هل يجسرون وكلهم زناة  شيوخهم وشبابهم. نعم كلهم. ان ذنبي عظيم. لا اجد له مبررا، لن اقول ، الجوع او الوحدة او الضعف. كلا انا زانية. اثمة شريرة. انا استحق العار الذي انا فيه. انا لا ادينهم ولكن ضمائرهم دانتهم. لم تكن لهم ظروف تدفعهم نظيري الى السقوط، ولكنهم كلهم توحلوا في الحمأة، على انهم لم يمسكوا في ذات الفعل نظيري. ربي، انا لا ادينهم ولا ابرر نفسي. انا استحق العار الذي لحقني! اني استحق اكثر منه! استحق الموت!

لقد همس الشيطان في اذني ان اصرخ في وجوههم، بل ابصق على وجوههم. قولوا لي ايها المنافقون، هل جئتم تحاكمونني على شر انتم متوحلون فيه. ايها القديسون الزائفون ، لقد بعت جسدي لقاء لقمة لي ولصغيري. واما انتم فبعتم اجسادكم بلا ثمن. كدت اخضع لهمسات الشيطان لولا اني عدت لنفسي ورأيت بشاعة اثمي وفداحة جرمي. ومن انا المرأة التعسة التي امسكت وهي تزني بالفعل لتحم عليهم؟

على ان كلمة اليد كان لها تأثيرا عجيبا. لقد كشفتهم. لقد رأوا انفسهم عرايا. رأوا خزيهم مجسما امام اعينهم. والنتجة انهم تركوا احجارهم وتركوا المكان راكضين . كنت اراهم وهم يركضون . اما السيد فكان كأنه لم يلحظ شيئا لانه بعد ان قال كلماته انحنى الى الارض وكان يخط باصبعه في التراب. وبقينا نحن الاثنين وحدنا، النقاوة المجسمة في شخصه والنجاسة الممثلة في شخصي. الله والخطية!

فكرت ان اخرج مع الذين خرجوا ولكني لم استطع ان اتحرك. كنت احس ان في ذلك الرجل المنحني الى الارض قوة لا قبل لاعظم قوة ان تتحداها، نعم بقيت وحدي واقفة. ومن الغريب اني احسست امامه بأن ذنبي جعل يكبر ويكبر حتى ملأ المكان. احاطت بي خطيتي من كل جانب.

واذ بالسيد ينتصب ويقول “يا امرأة اين هم المشتكون عليك. اما دانك احد؟”

فقلت: “ولا احد يا سيد.”

فقال لي “ولا انا ادينك ” وصمت قليلا ثم قال “اذهبي ولا تخطئي ايضا”

سقطت على الارض قدامه. حاولت ان اقترب الى قدميه لاقبلهما، ولكني احسست انه لا يجوز لي ان ادنس قدميه بشفتيّ القذرتين . ظللت منكفئة على الارض. عاجزة عن الحركة. ولكنه مد يده واقامني ثم نظر الي نظرة مليئة بالدموع وقال اذهبي ولا تخطئي ايضا”.

في البيت

لا اعلم كيف عدت الى البيت. كلا. لا اعلم. ولكني حين عدت وجدت صغيري ممرغا في التراب وهو يبكي. جميع الاولاد اجتمعوا حوله وسبوه باقذر الشتائم وفتحت النساء نوافذ البيوت ومظرن بازدراء اليّ انا الزانيا التي امسكت في ذات الفعل – شتان بين نظراتهن ونظرته هو- اني اسامحهن فقد سامحني. لقد قال لي “وانا لا ادينك. اذهبي ولا تعودي تخطئ ايضا”. ومن انا حتى ادين؟ لقد سامحني بالاكثر، لقد عفا عن اشنع جريمة تأتيها امرأة فهل احقد انا بسبب اساءات صغيرة. كانت مسامحته اقسى على قلبي من الدينونة نفسها. ليته ركلني بقدميه. ليته نعتني بشر النعوت ولكنه سحقني بمحبته. لم يبق فيّ  شئ . ذاب قلبي وكذا لحمي . لم يبق من شئ. هل يمكن ان يكون هذا . ان ينظر اليّ نظرة المحبة المقدسة ، الحنان الطاهر، الغفران الكامل.

لقد احاطني جيراني بنظراتهم الكمحتقرة وشتائمهم القبيحة وسخريتهم اللاذعة . احاطوني بجحيم من الكراهية والازدراء ولكني سامحتهم. ليس في قلبي ضغينة ضد واحد منهم. لقد سامحني هو عن الكثير فهل عجيب ان اسامحهم على القليل؟ يا رب اغفر لهم كما غفرت لي!

Advertisements