محبة الاب

2_father-hug-prodigal

كان يوسف اصغر ابنين ولدا في بيت هو اكثر بيوت القرية شرفا، وكان عنده الكثير، ليشكر عليه: اسم مشهور، مستقبل عظيم بثراء الوالد. واكثر الكل اب يحب يوسف ويحب اخاه حبا بالغا. الا ان يوسف لم يكن سعيدا. فقد كان يقرأ قصصا عن حياة مثيرة بعيدة عن بلاده. ذات يوم كان يوسف يقرأ احد تلك الكتب وتوقف ودفن وجهه في الوسادة. هذا حرام! عندما اخذ نصيبي من ثروة ابي سأكون قد بلغت من العمر ما يحرمني من الاستمتاع بالثروة. اذن لماذا ابقى في هذا البيت؟ كل من في مثل عمري يتمتع بالحياة. هذا حرام.. هذا ظلم!

وخبط الوسادة بقبضة يده!

وعلى مائدة العشاء كان يوسف مختلط المشاعر: فلم يقرب الطعام. لم تكن هذه اول مرة يتصرف بهذه الطريقة، فقد مضى عليه اسبوعان وهو على هذه الحالة. وقد حاول ابوه ان يتكلم معه لكنه كان يتحاشى الحديث ويقول لا شئ يا ابي انا فقط متعب.

ورأى ابوه الكتب التي يقرأها، وادرك الصراع الدائر داخل ولده، ولكن الاب لم يكن دكتاتورا، ولم يضغط على ولده ليحكي له مشاعره، ولو انه كان مكسور القلب على ما يجري!

وبعد العشاء قال ليوسف:

– لماذا لا تحكي لي يا ولدي ما يضايقك؟

– صعب على ان اشرح لك يا ابي!” وصمت هنيهة ثم حدّق في ابيه وقال:

– انت تظنني صغيرا! ولكنني بلغت من العمر ما يمكنني ان اجرب الحياة. لن ابقى الى الابد هنا. ففي العالم ما هو اكثر من البيت والعائلة.

وصمت الاب لحظة ثم قال:

– ألست سعيدا هنا يا يوسف؟

– لا..

– لماذا؟ ماذا ينقصك؟

وتطلع يوسف من النافذة وقد ارخى الظلام سدوله، وتنهد وقال:

– لن تفهمني ، ربما انت سعيد هنا بسبب عمرك الكبير، ولكن لي افكاري الخاصة. اريد ان احيا كما يحلو لي.

وتطلع في وجه ابيه فلاح الحزن العميق، وادرك انه مخطئ فقد اعطاه ابوه الافضل دائما، ولم يضن عليه بأي تعبير عن الحب. وتمنى لو لم يقل ما قال! غير انه في اعماق نفسه كان يرجو تنفيذ ما قال. وتابع الاب الحديث قائلا:

– ماذا تريدني ان افعل لك؟

فتردد قليلا قبل ان يقول:

– يا ابي، اعطني حصتي من الاملاك.

وهز الاب رأسه في اسى، ومضت لحظات كان فيها زائغ البصر شارد الفكر، ولكنه اخيرا قطع ذلك السكون المطبق وقال:

– لك ما شئت لنلتق صباح الغد.

ولم يصدق الابن اذنيه وقال في نفسه: “اذن سيفعلها. سيعطيني حصتي من ممتلكاته قبل موته”.

وفي صباح التالي جلس الوالد مع ابنيه وقسم لهما املاكه. وفكر نبيل الاخ الاكبر في نفسه هكذا: “كيف يفكر يوسف بهذه الطريقة المهينة”، غير انه لم يقل لاخيه شيئا. وبعد ايام قليلة جمع يوسف كل ما يملك واستعد ليسافر الى بلد بعيدة. وكم تألم الاب من سلوك ابنه الطائش! ولكن بسبب محبته لولده سمح له ان يتصرف بحرية. لم يجبر ابنه على ان يحبه حتى لو كان في هذا اهانة لابيه. وبعد عناق ركب يوسف جمله وسافر. وجعل الوالد يراقب ولده حتى اختفى من نظره، وهو يفكر في نفسه “لن تجد ما تفتش عنه بعد ان تتعب يا ولدي ستعود الي.. حتما ستعود اليّ”. ثم هز الاب رأسه في اسى وقال:

“لن يعطيك العالم يا ولدي ما تطلب. انا فقط الذي اعطيكه.”.  وغابت الشمس وهبت نسمات السما الباردة.

ابتعد يوسف بقدر ما حلى له، واستقر في بلد بعيدة يبدد ماله في العيش بلا حساب! وارتكب ما لم يكن يسمح له والده بعمله. واجتمع حوله اصحاب السوء الذين اوهموه انهم خير صحبة! كان يوسف يخاطب نفسه قائلا “انا غني .. بدون اب وسعيد، فلاعش بالطول والعرض!”. لم يحرم يوسف نفسه اية متعة.

وذات يوم نقل مسافران اخبار مغامرة يوسف الى اهله، فانتشرت قصته في كل مكان، وراح الاطفال في شوارع القرية يغنون سخرية من عائلة يوسف الكبيرة. وعندما سمع الاخ الاكبر اخبار يوسف طار صوابه وعاد الى بيته وصفق الباب خلفه. وجد نبيل اباه جالسا في شرفة البيت يحدق في الفضاء فسأله:

– هل بلغك نبأ الحماقات التي يرتكبها يوسف؟ لقد اعطتيه نصف ممتلكاتك وها هو يبدده على الزواني.

وصرّ على اسنانه قائلا:

– كيف يجرؤ على تشويه اسم العائلة؟ الكل يسخرون منا في القرية! لن يرجع هذا الشقي هنا. لو عاد فسأقتله بيديّ هاتين.

وصمت الاب حتى خرج ولده، فوقف واستند على الجدار وقال:

– عد يا يوسف يا ولدي. لقد غفرت لك. عد الي.

واستمر يوسف يبدد امواله حتى لم يبق له شي.

وزاد الامر سوءا ان مجاعة قد اصابت البلاد وهو بلا اموال ولا طعام. جعل يبحث عن عمل والتقى باحد الاصحاب الذين طالما استضافهم.

– ساعدني يا زكريا ارجوك. اعطني عملا فانا اموت جوعا!

ولكن زكريا تجاهله فقد مضى اصحاب يوسف كما مضت امواله.

وسار يوسف لا يدري ماذا يفعل. ومر بمزرعة فقرر ان يسأل فيها عن عمل.

ولما وجد صاحبها قال:

– انا اموت جوعا، هل عندك اي عمل لي؟

ولكن صاحب المزرعة اجابه بلا مبالاة:

– اسف ولكن مطلوب راع للخنازير، والاجر قليل، والعمل مضن، ولكنه احسن من لا شئ.

وهكذا عمل يوسف في رعى الخنازير! لكم تردى به الحال! لقد امضى لحظات سعيدة وها هوذا يدفع الثمن.

وذات يوم وهو يرعى الخنازير جائعا وحيدا انخرط في البكاء. وقال في اسى: “لماذا لم انتبه لكلام ابي. بحثت عن السعادة ولم اجد سوى الدموع والحزن حتى طعام الخنازير يبدو لي شهيا!” وفي اسف على اختياره الخاطئ جال في ذهنه خاطر فنظر في اتجاه بلده “ماذا دهاني ؟ كم اجير عند ابي يفضل عنه الطعام وانا هنا اموت من الجوع. سأقوم وارجع الى ابي واقول له اخطأت الى السماء واليك! ولا استحق بعد ان ادعى لك ابنا فعاملني كاجير عندك”. وترك يوسف عمله واتجه نحو بيت ابيه.

لم يكن الاب قد نسى ولده لحظة. فكم جلس في شرفة البيت عدة مرات كل يوم يتطلع الى حيث مضى ولده راجيا ان يعود. كان انتظاره لولده يستغرق الكثير من وقته، حتى قال له اصحابه انه يهمل عمله. على ان يوسف لم يرجع. حتى لو جرؤ على الرجوع فان الشريعة كانت تقضي برجمه حتى يموت. وعزم الاخ الاكبر ان يقتل يوسف لو عاد بسبب ما جلبه على العائلة من عار. لكن الاب كان يحب ولده اكثر من شرفه! كان يريده ان يرجع.

كان الوالد يجلس في شرفة يراقب الطريق، فرأى يوسف قادما من بعيد، فامتلأ قلبه بالحنان واسرع يجري نحو والده. نسى الرزانة، نسى تقاليد القرية، وامسك بطرف ردائه وهو يجري بكامل ما فيه من قوة. وتذمر رجال القرية لان الاب غفر للابن الراجع. وامسك احدهم بحجر وصر باسنانه وقال بغيظ عظيم:

– كان يجب ان يعاقبه. اذن فلتسقط الحجارة علي ولده العاق.

واسرع كثيرون يقلدونه وهم يمسكون الحجارة يشتمون. كا ن فكر الوالد مشحونا بمثل هذه الخواطر: ولدي! ولدي! لقد رجع اليّ. يجب ان اصل اليه قبل ان يلحق احد به الاذى. وما ان صل الى ولده حى عانقه واخذ يقبله.

father-playing-with-love-to-his-son-on-fathers-day-wishes-540x524

اما الولد فقد سجد الى الارض وامسك بقدمي ابيه وهو يقول: “يا ابي اخطأت الى السماء واليك ولا استحق بعد ان ادعى لك ابنا.

وقاطع الوالد كلام ولده، ورجع به الى البيت وامر الخدم “هاتوا افخر ثوب والبسوه، وضعوا خاتما في اصبعه وحذاءا في رجليه” وعندما اسرعوا لتنفيذ الامر. ذهب الاب للمسئول عن مزرعة الماشية وقال “قدموا العجل المسمن واذبحوه، فنأكل ونفرح، لان ابني هذا كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد!”

ولم يسبق للخدم ان رأوا سيدهم فرحا هكذا! ولما اصبح كل شئ جاهزا، اقام الاب اعظم وليمة ليؤكد ليوسف انه يرحب به، وليدعو الكل للترحيب به – فقد صفح عنه .. وقال الاب لمدعويه “لقد اساء الي ولدي قبل اي شخص اخر، أليس لي الحق ان اغفر له؟” ووافق الكل على كلامه، وبدأ الحفل.

ورجع الابن الاكبر من الحفل وعندما اقترب من البيت سمع صوت الغناء والرقص فسأل احد الخدم: “ما الخبر؟”

فاجابه “رجع اخوك سالما فذبح ابوك العجل المسمن مرحبا به وفرحا برجوعه”

فغضب ، ورفض الدخول لأنه لم ير للغفران مكانا. فخرج اليه ابوه وربت على كتفه بعطف قائلا “ارجوك يا ولدي ان تدخل. الا تفرح بعودة اخيك”. ولكن الابن الاكبر اشاح بوجهه غاضبا وقال طخدمتك كل هذه السنوات وما عصيت لك امرا، ولم تعطني جديا واحدا كمكفأة لافرح به مع اصدقائي”

وبكل حب واناة قال الاب: “يا ابني، انت معي ، وكل مالي هو لك. لكن كان علينا ان نفرح لان اخاك هذا كان ميتا فعاش ! وكان ضالا فوجد”.

738578936-father-and-son-love-in-park-free-vector

==

وختم الرب يسوع المثل: اقول لكم : “هكذا يفرح الله بخاطئ واحد يتوب”

الإعلانات

تغيير في القلب

change-of-heart

كثيرا ما نحكم على الاخرين بمقاييس خارجية : فنحكم على منظرهم، وعلى نسبهم واصلهم، وليس هكذا ينظر الله للناس ، فنظرة الله غير نظرة البشر: الناس ينظرون الى المظهر الخارجي، اما الله فينظر الى القلب.

ترك سمعان الاجتماع ورأسه مرفوع زهوا وعجبا وخيلاء، فقد قاد جماعة المؤمنين في الصلاة، بل انهم طلبوا منه ان يلقي فيهم خطبة قصيرة.

فكر في نفسه: “سائر الشيوخ يحترمونني – وهكذا يجب ان يكون. على اي حال لا يستطيع احد في المدينة ان يقول: انه اكثر تقوى مني!

وعندما وصل الى بيته ابتسم لزوجته ابتسامة الظافر، ولم تقل شيئا وهي تواصل تجهيز العشاء، لكنها قالت في نفسها: “سيحكي لي الكثير وهو يتناول العشاء. ما اسعدني بهذا الزوج المتدين! كل النساء يحسدنني على زواجي من هذا الرجل الذي يحتل مكانة هامة في بلدنا!”

كان سمعان يأخذ حماما ساخنا حتى يتم تجهيز العشاء. وفي اثناء الطعام كان قلبه مفعما بالبهجة!

كنت اود ان تريني! لقد تركت اثرا كبيرا على الشيوخ وانا احدثهم عن الخطية. وبختهم على خطايا الزنا وعدم دفع العشور وعلى الكذب والسكر، واهمال الصلاة،..

وقاطعته زوجته: “رائع! على الناس ان يتحاشوا هذه المعاصي لينالوا رضى الله، وانت خير قدوة لهم يا زوجي العزيز!

واسترسل سمعان يمدح نفسه مجددا: “وعدما انتهيت من خطبتي كان المجتمعون محدقين فيّ ومصغين تمام الاصغاء.. لقد بدا الناس امامي جامدين في اماكنهم وكأن على رؤوسهم الطير!

لقد حاول سمعان ان يتحاشى الكبائر، فابوه قائد ديني كبير يحترمه الجميع، وكذلك جده. وفكر سمعان في نفسه: “اه لو رآني ابي الان لامتلأت نفسه بالفخر بي”

بعد العشاء ذهب سمعان لغرفته ليقرأ وفي اثناء القراءة تطلع من النافذة فرأى في ركن الشارع فتاة جميلة تبيع الليمون، لم تكن هذه اول مرة يلحظها. واستمر ينظر اليها ويحلم بسعادة اللحظات التي يقربها فيها اليه! ولو ان بعض نفسه قالت له: انه يجب الا يفكر هكذا..! ولكنه عاد يقول لنفسه: “ولكي لم اضر احدا – انني لم اخطئ ولم ارتكب الزنا معها!”

علم سمعان انه لن ينفذ ما فكر فيه – واسعده كثيرا حلمه بالفتاة! وقال لنفسه “كل واحد يفكر مثلي، ولاحظ في هذا. انا افعل الصالح دوما، ولا ضرر في التفكير!” ثم وضع كتابه جانبا وجعل يفكر في بائعة الليمون معه وحده!

وفي الجانب الاخر من المدينة عاش رجل غني كوّن ثروته من الحرام، كان يحصّل الضرائب لمصلحة المستعمر الروماني، فكان يتقاضى اكثر كثيرا من المطلوب لحسابه الخاص.

المطلوب عشر قطع من الفضة.

هذا ظلم ! انت تعلم ان المطلوب هو ست فقط.

قال زكا: “عظيم! تعال الاسبوع القادم، وادفع ستا”

فصرخ الفلاح: “وتطلب من الشرطة ان تلقي القبض عليّ لاني لم ادفع الضرائب. كلكم – يا جامعي الضرائب – سواء.. لصوص!” والقى بالقطع العشر من الفضة ومضى.

وبعد نهاية عمل اليوم رجع زكا الى بيته. كان زكا مثل سمعان رجلا هاما، ولو ان زكا كان مكروها. لم يكن احد يصادقه ا زملاؤه في مهنته اي من العشارين جامعي الضرائب – وما اكثر ما ضايقه هذا، ان يكون مكروها من بني امته!

ولكنه كان يقول لنفسه ملطفا من ثورته الداخلة: “يبدو انه لابد من وجود اعداء للانسان..”

ولكن في اعماقه كان يعلم ان حالته اردأ من ذلك، كان يخدع الناس ويخدع الله”

عندما وصل الى البيت سلم حصانه الى احد الخدم، وما ان اقترب من باب بيته حتى اسرع نحوه احد زملائه من جامعي الضرائب، وحيّاه قائلا:

– “صديقي زكا! جئت ادعوك لحضور حفل عندي، ستحضر نسوة كثيرات وانهار من الخمر!”

– “لا، ش…شكرا ليس الليلة. اشكرك!”

ودخل زكا بيته واغلق الباب وقال زكا في نفسه عن زميله: “ماذا دهاه؟ ما اغرب تصرفاته!”

ومسح زكا عرقه وشرب كوبا من الماء، واكتشف ان يده ترتعش، وقال لنفسه “يبدو لي احيانا ان كل الناس يركضون الى الجحيم!” ثم جلس في كرسيه المفضل.

وتثبتت نظراته على درج كان يقرأ فيه من كتابات الانبياء القدامى، والهبت الكلمات المكتوبة قلب زكا، وجعلته يشعر بعدم الراحة، ولكنه لم يقدر ان يتوقف عن القراءة، كان الكلام عن محبة الله ورغبته في ان يكون للانسان صلة به، كان هذا مثل الماء البارد لنفسى زكا العطشى. لكن التوبة هي شرط الصلة مع الله.. هذا يعني ان يهجر طريقه الضال ويكره خطيته .. وبدا هذا الشرط اصعب من ان يقبله زكا.

وامسك زكا بالدرج وهزه وكأنه يوجه له الاتهام قائلا:

“فيك سر مشاكلي! اتركني لحالي! هل تريد ان تكشف فراغ نفسي؟”

ولم يكن هناك صدى لصرخات زكا، ولكنه كان يعرف الاجابة. لقد كشفت كلمات الدرج حالته كما يراها الله، وعاد يفتح الدرج ليجد مكتوبا فيه: “قال لهم: هذه هي الراحة، اريحوا الرازح.. ولكنهم لم يشاءوا ان يسمعوا”.. هنا بدأ زكا يبكي كطفل وهو يقول: “يا رب، انا الرازح طالب الراحة”.

كان زكا يدرك ما يجب ان يفعله – ان يغير ثيابه. ويذهب للصلاة.

وقال لنفسه وهو يرتدي ثيابه ويستعد للذهاب للهيكل : “ربما احاطي الله برحمةاذا تبت اليه”. ثم اتجه للباب

في الوقت نفسه كان سمعان يستعد للذهاب الى الصلاة، واحصى ما معه من مال ليدفع عشره للفقراء. كان في قمة السعادة والفخر لانه يفعل كل شئ “كاملا” – واتجه الى باب بيته.

واتسع فم سمعان بابتسامة كبيرة وهو يلقي نظرة على بائعة الليمون. كان سعيدا انها تبيع بجوار بيته فتمنحه فرصة التملي من منظرها.

ومر بجماعة تستمع الى واعظ يتحدث عن البر الحقيقي، فوقف وسمع بضع كلمات:

سمعتم انه قيل : لا تزن، واما انا فاقول لكم: ان كل من ينظر الى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه!” وتوقف زكا في الوقت نفسه ، ليستمع للكلمات نفسها : “فان كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها والقها عنك ، لانه خير لك ان يهلك احد اعضاءك ولا يلقى جسدك كله في جهنم!”. وعندما انهى الواعظ كلامه وبدأ سامعوه ينصرفون – جعل سمعان يفكر في نفسه:

“هل الشهوة في القلب توازي الزنا؟ مستحيل!”

ولكنه كان يعلم في اعماق نفسه ان هذا الكلام صحيح. اما زكا فقد اسرع نحو الهيكل بعد ان سمع هذه الكلمات وهو يقول لنفسه: لا اريد ان يلقى جسدي كله في جهنم!”

ودخل زكا وسمعان الهيكل في الوقت نفسه. وحيّا العابدين قائلا: “سلام الله معكم”.

ولكنهم لم يعيروه اهتماما ولم يبادله احد بالتحية. لقد فكروا في انفسهم هكذا “كيف يجرؤ مثل هذا الشرير ان يكلمني؟”

سمعان لم يرد عليه ايضا، فقد سبق ان غش زكا سمعان.

اما زكا فقد وقف من بعيد لا يقدر ان يرفع وجهه لاعلى وقرع بيده على صدره وقال: “اللهم ارحمني انا الخاطئ. اغفر لي ذنوبي. سأعطي المساكين نصف اموالي، وارد لكل من ظلمته اربع اضعاف. انا تائب.. تائب.. فلتشمل برحمتك الواسعة عبدكم الخاطئ.

ورأى الله قلبيهما وهما يصليان، وسمع الله لصلاة واحد منهما فقط. كانت تلك صلاة زكا المنسحقة. فقد قبل الله توبته ونزل الى بيته مبررا مقبولا عند الله.

===

“لان كل من يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع”.

ثوب البر

robe-of-righteousness-228x300

ابو يوسف شيخ القرية الجليل طالما جاءه ابناء القرية يسألونه المشورة لعظم حكمته وعمق بصيرته، ولم تقتصر معرفته على الشريعة، بل كان يدرك روح الشريعة وكثيرا ما نقل افكاره الى سامعيه في احاديثه معهم بقصص وامثلة وشروحات مستفيضة.. واحاديثه كانت عذبة مشبعة.. لم يكن يمل منها احد بل على العكس يصغون اليه تمام الاصغاء.

في طريق عودة سعيد من عمله بالحقل، مر بدار ابو يوسف، قال سعيد لنفسه: “هذا الرجل دواء للقلب! وبرغم فارق العمر بيننا فانه يعاملني كصديق، لا كشاب حديث العمر لا يفقه شيئا!”

كان ابو يوسف جالسا في ظل شجرة امام بيته عندما جاء سعيد، فدعاه للجلوس وتناول كوب من الشاي، واعتذر سعيد، ثم عاد وقبل تحت الحاح الشيخ.. ومضى الوقت بسرعة وسعيد يضحك، ويتحدث مع ابو يوسف، هذا الشيخ الوقور”

منذ ان التقى سعيد والشيخ وكأنه يعرفه معرفة عميقة.. وساد قليل من الصمت تبادر في اثنائه لذهن سعيد سؤال كان يشغله، فقال عسى ان اجد عند ابي يوسف جوابا!

قال سعيد: “كنت اقرأ بعض الكتب عن الاديان التي يعتنقها البشر ليحظوا بقبول الله، وليدخلوا السماء. البعض يضربون اجسادهم، ويجرحونها املا في الحصول على المغفرة والبعض يسافرون على ركبهم وايديهم ليذللوا انفسهم! وقرأت عن  فرقة بالهند يعذبون انفسهم بان يسيرون ثلاث خطوات للامام، ثم يعودوا الى الوراء خطوتين..!

والبعض يثولون ان الذي يعمل الصالح لابد ان ينال النعيم. وانا حائر . اي هؤلاء هو الصحيح؟”

فابتسم عم  ابو يوسف ثم اجاب: “يجب ان تعرف يا سعيد ان اول كل شئ انه خلال الاف السنين ادى بحث الانسان الفطري عن السلام من خلال عبادة الله الى ان يتفرقوا الى شعاب كثيرة، ويختلفون عن بعض اختلافات هائلة، وهذا ظاهر في تنوع التعبير الديني الموجود حول العالم – من التنوع اللانهائي للهندوسية الى الفلسفات اليونانية القديمة والحديثة والعبادات البدائية الشرقية كالبوذية والكنفوشيوسية الى مذاهب الروحانية فهل افلح هذا في تهدئة ضميره الثائر ومنحه السلام من جهة خطاياه. والاجابة: لا، لان الله يطلب اكثر من مجرد الخير المظهري. ان الله يطلب الانسان البار الذي تنبع افكاره واتجاهاته عن قلب نقي، ولكي اجيبك اروي لك قصة رواها السيد المسيح في الانجيل:

في سالف الايام عاش ملك، اراد ان يقيم وليمة عرس فاخرة لزواج ابنه، فدعا كبير مستشاريه، و بحث معه امر من يدعوهم لحضور الوليمة. الملك له:

ماذا تظن نفعل ؟ لقد دعونا كل اهل البلد، و كلانا يعلم ان هناك قانونا يقضى بعدم مثول احد في حضرة الملك، ما لم يكن مرتديا الثياب الملائمة.

اجاب المستشار : هذا صحيح فمناسبة زواج ابن الملك مناسبة خاصة جدا. و على كل من يحضر ان يلبس افخر الثياب من القماش الملكي. و هذا القماش غالي جدا لا يقدر احد ان يشتريه.. و هنا دخل الامير، و سأل ما بالكما عابسين؟ فشرحا له الموقف. فقال لهما: يجب ان لا يحرم احد الحضور، و علينا ان نقدم ثوبا ملكيا لكل من يعجز عن الحصول عليه.

و بعد كثير من النقاش قرر الملك ان يدفع ثمن تلك الاثواب.

مستشار الملك: و لكن الثمن سيكون باهظا يا سيدي .. سيكلفك ..

الملك: ليست التكلفة مهمة فان رعايا المملكة سيعجزون عن حضور الوليمة. ابني على حق. لا يحرم احد من الحضور الا  اذا شاء هو!.

و بعد تجهيز الاثواب ارسل الملك رجاله يدعو الجميع!

الجميع مدعوون للحضور تعالوا ايها الاغنياء و الفقراء و العميان و العرج .. عرف الجميع بامر الثياب الملكية، و انها كلفت كثيرا، و ان الملك دفع لانه يحب شعبه، و لانه اراد ان يشركه شعبه فرحه.  قبل الكثيرون دعوة الملك في حين رفض الاخرون، لانهم مشغولون باعمال مختلفة.

اما نبيل و هو احد اغنياء المدينة، فقد بدأ يجهزنفسه لحضور الوليمة..

قال نبيل لخادمه: لا بد ان الملك سيظهر اعجابه بهذا الثوب الذى اقتنيه!

فرد الخادم: لكن الملك جهز ثيابا خاصة لكل المدعو ين!

هذا هراء هذا فقط لطبقات الفقيرة و لست في حاجة اليه!

انه اية في الجمال. لقد حاكه افضل خياطى المدينة. انه يلمع في النور، و تتخلل خيوط الذهب نسيج القماش.. و في خيلاء غادر المنزل الى القصر الملكى.

و عندما وصل القصر، قاده الخدام الى احد الغرف الجانبية ليعطوه الثوب الملكي و لكنه في كبرياء ازاحه جانبا، و رفض ما عرضه عليه الملك!

لا لست احتاج الى شئ و يقول له الخادم : و لكن يا سيدى انت لا تدرى اوامر المملكة، التى تقضى بان اى ثوب لا يصلح يجب ان..

و قاطعه نبيل: انا افهم هذا الذى البسه ليس اى رداء!

و استدار ليدخل البهو الرئيسي حيث المأدبة، وهو يقول: يا لحماقة الخادم ان الملك نفسه سوف يعجب بردائي! و لم يكمل افكاره، حتى صدمه ما رآه! لقد رأى كل المدعوين يلبسون ثيابا تشبه تماما الثوب الذى كان الملك يرتديه!…

قال نبيل: مستحيل…!!!

كأن الغرفة ليس بها الا ملوك و ملكات. و لكن … كيف؟!!

و انطلق صوت الابواق. و عندها دخل الملك ليرحب بالمدعوين، قبل وصول الابن و عروسه، و ابتسم الملك برقة و هو يحي الحاضرين. و عندما التقت عيناه بنبيل توقف، و تغير وجهه.. صمتت الضحكات.. و ساد القاعة السكون للحظات…

ثم قال الملك بغضب: كيف جرؤت على الدخول دون ان تلبس ملابس العرس؟

و لم ينطق نبيل بكلمة و انعقد لسانه من الرعب و التفت الملك الى المكلف بالحراسة و قال قيد هذا و الق به الى الظلام خارج القصر.

نبيل يصرخ: الرحمة كنت اظن ان ثوبى كافيا.

واصدر الملك اوامره للحراس اذهبوا الى ارجاء المملكة و قيدوا ناكرى الجميل الذين رفضوا دعوتى لحضور العرس و القوا بهم في الظلمات.

الاثواب هى اثواب البر لكن ما معنى اثواب البر؟
===

هناك كثيرون يطلبون الله مثل نبيل و هم سعداء بعملهم الصالح و يظنون ان ظهورهم في حضرة الله بثيابهم الشخصية (اي بعملهم الصالح) يجعلهم يربحون رضا الله!

لكن علينا ان نلبس الثوب الممنوح لنا من الله. الذى يشبه ثوب الملك. لان الله لا يقبل ما هو دون مستوى بره – كما قال داود النبي “ليس من يعمل صلاحا ليس و لا واحد”.

إرسال بالبريد الإلكترون