يوميات مختار #5

كان هناك نداء بلغة اجنبية يعلن بأن على جميع المسافرين الى الولايات المتحدة الامريكية سرعة التوجه الى بوابة الخروج رقم “سبعة”. كان مختار من اوائل المستعدين للمغادرة، جعلته ينظر الى السماء الزرقاء ويتأمل في سحبها البيضاء المنثورة بنعومة جو الشتاء الرائع. لم اكن قد انتهيت بعد من وصف حالة مختار هذه حتى فاجأني “ي” بتقدمه المتسرع واقترب مترنحا ومزاحما حتى اصطدم جسمه بمختار وتواجه بطلا قصتي وجها لوجه لاول مرة.

وضع عبد الواحد القهوة باسما فعاتبته لبطئه في احضارها، وعدت لاجد مختار يرمق “ي” بنظرة لا اعرف من اين اتى بمثلها ،  فأنا لم اكتبها له. بها الكثير من التعالي والتقزز من شكله وهيئته واخبره بأن مكانه هو في اول الصف. بينما بدا لي بأن “ي” قد تجاهل ما حدث بينهما وتراجع للخلف كما طلب منه حتى وقف في مكان ما بالصف صامتا. فحمدت الله لاني لم اخطط ان تحدث بينهما اية احاديث علنية مكشوفة فنصائحي وتوجياتي لقرائي الشباب يجب ان تأتي بشكل غير مباشر، حتى لا تفقد قصتي تشويقها وتحترق النهاية.

تخطى مختار رجل الامن الاخير وصعد الى الحافلة التي ستقله الى الطائرة. ولكن عندما جاء دور “ي” امام الرجل سمعت صوت صافرة الجهاز تعلن عن مرور نصف الوقت. واحسست بأن هناك مشاكل قد تحدث مع “ي” فلقد وضعته هكذا في صالة “الترانزيت”  مباشرة، ونسيت كالعادة استكمال باقي اوراقه ولكن الشرطي عرض جواز سفره على رجل امن اخر بجانبه – يفوقه كثيرا في الرتبة- ليستشيره فهز الاخر رأسه موافقا وصرح للشاب “ي” بالخروج.

على سلم الطائرة جعلت مختار يتطلع للخلف وينظر بوداع لكل ما حوله من سماء وهواء ووطن واغرورقت عيناه بالدموع، دموع الفراق وألم الغربة الذي سيبدأ، فأعجبت به وطفقت ازيّن مشاعره الجياشة واصف للشبيبة رقة وشاعرية ووطنية بطلي. ولكن كاد القلم يتوقف عندما لمحت نفس المشاعر في “ي” دون تدخل مني، وتعجبت مما يحدث امامي ، فهو بهذا الموقف قد يكسب بعض التعاطف ولكنني قررت بأن اقلب وضعه هذا تماما داخل مقصورة الطائرة فسوف اصيغ الاحداث في اتجاهات مختلفة جميعها في مصلحة مختار فقط.

ولكن فجأة حدثت مشكلة مع جهاز الفصل وبدأت انواره الحمراء في الاشارة، وكذلك صفارته في الانطلاق المتقطع، وكان يجب ان اتحرك بسرعة والا ماتت الخلايا بداخله وانهارت التجربة المعملية. فتركت القلم واحداث القصة بينما كانت محركات الطائرة تهدر والركاب بالداخل يبحثون عن اماكن جلوسهم.

وانا افتح غطاء الجهاز لاقوم باكتشاف سبب التعطل لمحت سلم الطائرة وهو يبعد عنها بعد ان اغلقوا الباب بينما توجهت بمقدمتها ناحية مجرى الاقلاع بثبات . كان كل تركيزي منصب في محاولة تصليح سبب الجهاز باقصى سرعة خوفا على حياة الخلايا. فلم اتبين بدقة ما حدث بداخل الطائرة. وعندما تمكنت من اصلاح العطل البسيط ومواصلة العمل كانت الطائرة تحلق في السماء فعلا. بينما اصبح فنجان القهوة بارد وغير صالح للشرب.

طلبت من عبد الواحد الحضور فورا لتنظيف الطاولة من بقايا العمل وحمل الفأران لحجرة تربية الحيوانات وتغذيتها هناك جيدا لتعويض الدم المفقود واحضار فنجان اخر من القهوة. وقبل انتهي من طلبي هذا كان الهاتف يرن.. بهدوءه المعهود اخبرني دكتور “عادل حنين” بأنه سوف يمر بنفسه ليرى نتائج التجربة . اعرف ما يعنيه – فلقد نسيت الاتصال به تماما – فشكرته بخجل ممتنا لاهتمامه.

نظرت للاطمئنان على الجهاز وعدت للقصة بسرعة ولكنني عندما امسكت بقلمي تكدرت. فلقد وجدت لدهشتي الشديد مختار يجلس في مؤخرة الطائرة واختار مقعده بجوار فتاة مجهولة بالنسبة لي. في غير المقعد الذي كنت قد حددته له مسبقا في النصف الامامي فوق جناح الطائرة. وكذلك “ي” كان يتحدث من فوق مقعد مختار مع الجالس بجانبه وهو رجل وقور من المفترض حسب النص الذي كتبته لهذه القصة ان يكون جالسا بجوار مختار الذي كان يتبادل الحوار مع الفتاة الاجنبية والتي لا يوجد لها مكان في قصتي- بكثر من التركيز والانصات وضع عبد الواحد الفنجان ، بينما كنت احاول الايعاز لمختار ان يتوقف عن الكلام ويترك مكانه هذا ويذهب لمقعده اي يتبادل مع “ي” المقاعد. فذلك الرجل الوقور بالذات هو هدفي فهو ارخن فاضل من ابناء الكنيسة المرموقين في المهجر. اعددته لكي يقلبله في الطائرة لكي يسهل الكثير امام خدمة مختار المقبلة في ارض الغربة، كما انه من العبث ان اضيع وقت السيد “فخري” الثمين في حديث مع هذا “ي” التافه.

ثم بماذا سينتفع “ي” من هذه المناقشة الروحية الجادة التي بينهم اصلا – بالمناسبة وقع اختيار على اسم “فخري” لانها تشير لمعنى الفخرولكنها تعني ايضا “شفاء” في اللغة القبطية او دواء او ترياق. ولكن محاولاتي لتبديل الاماكن وقعت سدى وبدأت المضيفات بتقديم الوجبات الخفيفة والمشروبات بينما كانت الطائرة تحلق. وعندها دوت صافرة الجهاز معلنة انتهاء عمله.

في رأيك هل ستكون نتائج التجربة كما توقعها مختار؟

في رأيك هل ستدور احداث القصة كما خطط لها مختار؟

Advertisements

يوميات مختار #4

لتمضية الوقت فتحت حقيبتي واخرجت اوراق القصة ثم ارتديت نظارتي الطبية. كان مختار يجلس واضعا ساقا فوق الاخرى ويحتسي مشروبا ساخنا في انتظار موعد اقلاع الطائرة. تأملته من بعيد- كم هو رائع. انا معجب به جدا. كما كنت اتخيله تماما. الخادم الملتزم المحترم. ملابسه منسقة مهندمة، ملامحه مملوءة بالجدية والوقار.

استعددت وقررت ان اعبئ قلبه بمشاعر دافئة ولكن قبل ان اكتب اي حرف خاص ب “مختار” لمعت في ذهني فكرة رائعة، لماذا لا اجعل هناك مسافر اخر مع مختار وليكن شاب مثله، ولكنه مختلف عنه تماما في كل شئ . مستهتر، منحرف ، قليل الذهاب الى الكنيسة، سئ السلوك. ولكنه متجه معه الى نفس الوجهة وهناك على ارض غربتهم اكتب الاحداث التي تمر في حياتهما، فالاشياء لا تظهر الا بتضادها، فبوججود الظلمة يتضح النور. وحياة مختار الملتزمة الناجحة ستتضح بالحياة الفاشلة المنحرفة لـ .. توقفت وفكرت للحظات متريثا لاختيار اسم لهذا الشاب الاخر. مرت طوابير طويلة في عقلي لاشخاص غير ملتزمين وفاشلين اعرفهم جيدا بل واصادق بعضهم. تحيرت فيمن سوف اختار اسمه منهم لكي اشهّر به في قصتي وافضح اعماله واكشف خفايا قلبه على الورق لالاف القراء. قررت التدقيق في الاختيار فتلك عملية بها الكثير من الخزي والتشهير.

كلما توقف الطابور عند شخص ما ازحته بيدي جانبا فلقد كنت متأكدا من وجود من هو احق بهذا التحقير. اخيرا وجدت الاسم، انه يهوذا ، هذا الاسم الذي جعله يهوذا الاسخريوطي رمزا للخيانة والخسة، ولكن هذا الاسم ليس منتشر بين الناس الان فمن من الناس يسمي ابنه يهوذا؟ .. لا يهم، فالقصص مهما تطابقت مع الحياة ما يزال بها جزء مؤلف وافتراضي وحتى خيالي.

اذن ليكن المهندس الشاب “يهوذا” جالسا في مكان ما في نفس الصالة التي يجلس بها مختار وكان يحتسي البيرة مثلا – فهذا يناسب انحرافه- وبسرعة كتبت بأنه كان يدخن السجائر ايضا. وبمثل هذه السهولة طفقت في تشويه مظهره الخارجي تماما.

وجدت بعد قليل انه من الافضل للحفاظ على واقعي القصة ان اكتفي بذكر الحرف الاول من اسمه “ي” بدلا من كتابة اسم “يهوذا” واعجبت اكثر بالفكرة عندما تبينت ان حرف “ي” يقع في اخر الابجدية العربية وهو المكان المناسب جدا لمثل هذا الشاب. تابعت صياغة الاحداث. فوجدت ان مختار يشرب فنجان شاي وهو يقرأ في كتاب جعلته كتابا روحيا وزينته بالكلمات الوعظية والاشادات الهامة. وجعلته يهز رأسه معجبا ومتأثرا تماما بكل ما يقرأه. وعندما اطمئننت عليه انتقلت الى يهوذا اقصد “ي” حتى احشو قلبه بكل ما هو سئ. قررت تعبئته بمحبة العالم من شهوة الجسد، وشهوة العين وتعظم المعيشة حتى ينطبق شكله الخارجي الظاهري الذي كونته على باطنه تماما.

ولكن قبل ان املئ قلبه تماما بكل هذه الافكار الشريرة رأيت صاحب المطحنة يلّوح لي، فبسرعة تركت القلم يسقط على الطاولة بجانب الكأس التي امام”ي”  وهرولت لاحضار حاجياتي. عند رجوعي بالسيارة وجدت مختار يطلب فنجانا اخر من الشاي ويتابع القراءة في هدوء بينما كان ي يتجاذب اطراف الحديث المرح مع الناذلة الحسناء . لم اشأ ان اغيرّ مما يقع امامي من احداث ، فهذا قد يلوح للقراء من بعيد انه شاب نزق وله علاقات شائنة . كنت قد تأخرت فعلا على موعد الكلية فتركت حديثهم هذا يستمر ولكنني وضعت في نهاية السطر علامة تعجب مقصودة وبعض النقط ولممت اوراقس ودسستها داخل حقيبتي، وانطلقت بالسيارة وانا ارجو ان يخف زحام المرور قليلا.

طلبت من عم “عبد الواحد” تل من الطلبات المحفوظة فابتسم وهو يخبرني ان الدكتور “حنين” المشرف على رسالتي قد سأل علي ويريد ان.. في حدة قاسية التفت اليه وافهمته مقاطعا اسمه يا بني ادم دكتور “عادل عارف حنين” وليس دكتور “حنين” فقط ، فهل فهمت؟ فهز المسكين رأسه بطريقته المعهودة.

قبل ان ارتدي معطفي الابيض الخاص بالمعمل (البالطو) كانت قهوتي السادة على طاولة المعمل الطويلة وبجوارها الفأران الخاصان بالتجربة بداخل اقفاصهم المعنونة بوضوح واحد بحرف “أ” واخر بحرف “ب” وبجانبهم ادوات التشريح العديدة. ادرت عدة اجهزة معملية سوف احتاجها فيما بعد وامسكت بجدول سير التجربة وقرأت. الخطوات في غاية البساطة والسلاسة.

  1. تخدير الفأر الاول “أ”
  2. سحب قليلا من دمه
  3. عزل كرات دمه البيضاء وهي المسؤولة عن المناعة.
  4. تعريض الخلايا المعزولة لفيروس حي لمرض ..
  5. وضع الخلايا المصابة في طبق خاص في حضانة خاصة لفترة معينة من الوقت ثم مشاهدة نتيجة المعركة التي ستحدث بينهم تحت عدسة المجهر الضوئي (الميكروسكوب).

وفي نفس الوقت وبنفس الطريقة تماما نكرر العملية مع الفأر “ب”  و1ذلك لتوضيح الفرق بين قوة الخلايا السليمة للفأر السليم “أ” بالمقارنة مع الخلايا غير السليمة للفأر المريض “ب”  والذي قمنا قبل شهر بنزع او استئصال جراحي لبعض غدده المناعية فاصبح الفأر بالتالي غير قادر على الدفاع عن نفسه.

التجربة سهلة ولكن خطورتها تكمن في ضرورة تمييز نتائج كل فأر بدقة وتفريقها عن نتائج الاخر . وحتى نمنع تداخل النتائج او الخلط بينهما لاي سبب قمت بالكتابة على الانابيب والاطباق الحرفين “ا” او “ب”.

بدأت اقترب من الفأران. بمجرد النظر العادي الخارجي استطيع ان اؤكدا من منهم المريض ومن السليم. واستطيع بناءا على ذلك ان استنتج النتيجة حتى بدون اخذ اية قياسات. ولكنني للامانة خدرتهم وبدأت اسحب الدم بحرص . اقتحم الفراش”عبد الواحد” المعمل واخبرني ان الدكتور “عادل عارف حنين” قد اتصل بي مرة اخرى ويود لو احادثه في الهاتف عندما اقدر.

هززت رأسي دون ان انطق . فقد كنت افصل الخلايا واغسلها بمحاليل طبية خاصة وهي عملية هامة وضرورية فالخلايا خارج جسمها تكون ضعيفة وفي حاجة الى محاليل مغذية وظروف معيشية معينة حتى تستطيع مواصلة الحياة الطبيعية اثناء غربتها في الخارج. ثم وضعت الانابيب بداخل جهاز الطرد المركزي الذي يدور بسرعات عالية حتى يقوم بفصل الخلايا عن بعضها. وهذا سوف يستغرق وقتا طويلا – ولذلك عندما ادرت الجهاز اخرجت اوراق القصة وصرخت في عبد الواحد طالبا فنجان اخر من القهوة.