فرنسيس الاسيسي -1

798ab6aa9f603c81f7f5e5e366ba2dbc

-1-

الشاب الغني

في اواخر شهر يوليو من سنة 1182، وفي بلدة اسيسي في وسط ايطاليا، ولد طفل اسمه فرنسيس في بيت رجل غني اسمه بطرس من ام اسمها بيكا. اما الاب فقد كان تاجر قماش غنيا من ايطاليا، اما الام فكانت سيدة تقية من فرنسا.

وعندما وصل فرنسيس الثامنة من العمر ارسلوه الى مدرسة القرية ،حيث تعلم اللغة اللاتينية لغة الكنيسة والعلم كما تعلم لغة بلاده وهي الايطالية.. وكان يعرف اللغة الفرنسية من امه.

وحين وصل الرابعة عشرة من عمره رأى ابوه انه تعلم تعليما كافيا، فادخله عمل التجارة معه. وكان فرنسيس ذكيا استطاع ان يكسب الزبائن، ونجح في التجارة، فكان ابوه يعطيه الكثير من المال، فكان يلبس احسن الملابس ويأكل افضل الطعام. واجتمع حوله كثيرون من الاصدقاء، فكان يصرف عليهم المال بسخاء، ويقيم لهم حفلات الاكل والخمر. وكانت اموال والده من اسباب عيشة الاسراف التي عاشها. وكان صوته جميلا، وكان يحب الموسيقى فكان يغني لاصحابه وهم يهتفون له.

وفي يوم من ايام العيد طلب فرنسيس من خياط ان يصنع له ثيابا نصفها من لون ونصفها الثاني من لون اخر. وعمل وليمة لاصحابه اكلوا فيها افضل الطعام وشربوا افضل الخمر، ثم خرج معهم بثيابه الملونة ، وذهبوا يضايقون الناس في بيوتهم وقصدوا بيت صانع تماثيل اسمه “اندريا” له ابنة جميلة اسمها “ماريتا”  وبدأ فرنسيس يغني اغنية حب باللغة الفرنسية وهو يضرب على عوده. وفتح اندريا نافذة البيت وطلب من الشبان ان يتركوه في سلام. ولكنهم لم يسمعوا، فاحضرت “ماريتا” ماءا قذرا وسكبته على رؤوسهم. ثم سمعوا صوت رجل الشرطة على حصانه ، فاسرعوا هاربين!

هكذا كان يقضي الشاب الغني المترف فرنسيس اامه.. وكان ابوه راضيا سعيدا لان الابن ناجح في التجارة، ولانه معروف محبوب من الاصحاب.

-2-

فرنسيس يحب الفقراء

كان فرنسيس يبيع الحرير لبعض التجار وهم يضحكون، حين جاء شحاذ يطلب الاحسان من فرنسيس وهو يقول “اعطني من اجل الله”.. ونظر فرنسيس الى المتسول في ملابسه القذرة وقد ظهرت عظامه من تحتها، وشم رائحته الكريهة ولم يحتمل ان يراه امامه، فطرده من دكانه.

وقال التجار الواقفون “هؤلاء الشحاذون يضايقون الناس.. انهم يسببون الحروب.. انهم جواسيس”. ولكن فرانسيس دأ يتألم لانه طرد الشحاذ. وفكر في نفسه انه يأكل افضل الطعام وهذا المسكين لا يجد ما يأكله.. وترك دكانه وجرى خلف الشحاذ يفتش عنه حتى وجده! فاعتذر له واعطاه كيسا من النقود.

-3-

فرنسيس يحارب

وعندما بلغ سبع عشرة سنة هدم اهل قريته قلعة المانية قريبة وهزموا الفرقة العسكرية التي فيها. وكان لابد للالمان ان ينتقموا، فاسرع اهل اسيسي يبنون سور بلدهم لحمايتها من الالمان. وتطوع فرنسيس ليبني سور بلده، فحمل الحجارة والمونة، وعندما بدأت الحرب بين الالمان وبين اسيسس خرج فرنسيس يحارب.

ورأى فرنسيس ضابطا المانيا فرفع سيفه ليقتله ولكن ضربة جاءته من الخلف جعلته يسقط فاقدا الوعي.

وفاق فرنسيس ليجد نفسه اسيرا ووجد اصحابه الذين غنى لهم واكل معهم اسرى هم ايضا. وعرف ان الالمان هزموا بلدته، وان اندريا صانع التماثيل قد مات في الحرب.

وكان الاسرى في يأس عظيم، ولكن فرنسيس اخذ يغني لهم. وصرخ احد الرجال الكبار في فرنسيس وطلب منه ان يسكت. ولكن فرنسيس قال له “انا حزين لاني لم احضر العود معي، ولكني سأغني غلى اي حال، حتى على روح الاموات”! وكان غناؤه جميلا حتى سكت الرجل الكبير.

واخذ فرنسيس يروي لزملائه القصص، ويغني لهم اجمل الاغاني، ولم يكونوا ينامون قبل ان يصلوا معا

وبعد سنة دفعت الفدية واطلق الاسرى احرارا، ورجع الى بيوتهم حيث وجد فرنسيس الطعام الجيد والراحة ولكن المرض لازمه شهورا. وقال ابوه “لعل زواجه بفتاة جميلة يشفيه”. ولكن فرنسيس رفض الزواج وطلب تأجيله، واخذ يفكر في امور روحية وهو يسأل نفسه:

ماذا تنفع الثروة؟ وماذا ينفع الاصحاب؟ وماذا تنفع الشهرة والشجاعة في الحرب؟ وها انا مريض.. وبعد مدة تحسنت حالته.

-4-

فرنسيس يحارب للرب

عاد بطرس والد فرنسيس من رحلة في روما وقال لابنه ان البابا يريد جنودا يحاربون امبراطور المانيا، وطلب من فرنسيس ان يتطوع لهذه الحرب.

وركب فرنسيس حصانه وسار نحو الحرب. وكان المفروض ان يجتمع الجنود في مدينة اسمها “سبلتة”. ولكن فرنسيس وصل متأخرا وعرف ان الجنود سافروا قبله فجلس حزينا وفي الليل رأى حلما.. ورأى نورا عظيما وسمع صوتا قويا يقول:

– ايهما افضل يا فرنسيس: ان تخدم السيد او تخدم العبد؟

وقال فرنسيس : “السيد طبعا”

فقال الصوت “اذا لماذا تخدم العبد؟

وعلم فرنسيس ان النور هو نور الله وان الله هو الذي يكلمه، فسأل “ماذا تريد ياغ رب ان افعل؟

فجاءه الصوت: “ارجع الى بلدك وهناك تعلم ماذا يجب ان تفعل”

وركب فرنسيس حصانه وعاد الى بلدته. وفي مدخل البلد وجد نفسه امام طريقين، احدهما يقود الى بيته، والاخر يقود الى مكان الحرب.. فهل يذهب للحرب ويكسب شرف اللقب العظيم ويصبح البطل الشجاع، ام يرجع الى بيته وينتظر اعلان الله؟؟

واختار فرنسيس ان يطيع الله. كان يعلم ان طاعة الله معناها تعيير اصحابه له بأنه جبان خائف من الحرب، ومعناها حزن قلب ابيه على ابنه الذي هرب من المعركة، واستهزاء اهل بلدته به..

كان فرنسيس ينتظر ان يفسر الله له معنى الحلم الذي رآه.

وطلب اصدقاؤه ان يشاركهم وليمة .. وان يغني لهم ولكنه بدى حزينا، فظنوه هائما في الحب، وسأله احدهم “ترى من هي الفتاة التي احببتها؟”

وقال فرنسيس: “هي جميلة جدا. لا يستطيع احد منكم ان يحصل على عروس جميلة مثلها. وهي في فقرها اجمل من كل فتيات العالم”

ولم يفهم اصحابه، فطلبوا منه ان يريهم عروسه، ولكنه القى بالعود وتركهم وكانت هذه اخر وليمة يشاركهم فيها.

-5-

فرنسيس يختار الفقر

بدأ فرنسيس يقضي ؤوقته في الكنائس يصلي . وكانت الكنيسة التي قضى فيها جل وقته هي كنيسة القديس دميان القريبة من بلدته. وذات يوم ركع يصلي ويقول “انا احبك يا ربي والهي، احبك وحدك! ارجوك ان تأتي وتعزيني – – ولكن لا تأتي يا رب فانا لا استحق. دمي عطشان للخطية ، ولكن من اجل محبتك سأذلل جسدي كأنه حمار. يا رب اعطني السلام وانزع الخوف من قلبي. اجعلني كما تشاء، وانزع خوفي مني واغفر خطاياي”.

وفي خروجه من الكنيسة رأى شابا لا يعرفه ، ولكنه اعتبره رسول من الله، فسأله: “من انت؟” قال له “انت لا تعرفني، وانا عاجز عن ان اساعدك”. وسأل فرنسيس “ان ذهبت الى روما لزيارة قبري الرسولين بطرس وبولس، هل اجد ما اريد؟”

وقال الشاب “قد تجد ما تريد، لكنك محتاج للبحث، وقد قال الرب : اقرعوا يفتح لكم. فاقرع بابه حتى يفتح لك”

وقرر فرنسيس ان يزور روما.. على ان يذهب اليها في ثياب شحاذ! فقد ظن ان الشحاذين هم اصدقاء الرب يسوع، وان الثروة تبعد الانسان عن الله، بينما يجعل الفقر اكثر قربا منه.

وقابل شحاذا طلب ان يبادله ملابسه ، وفي سرور لبس الشحاذ ملابس فرنسيس الفاخرة.. وقال فرنسس بعد ان ارتدى ملابس الشحاذ ذات الرائحة الكريهة “الان انا احد اخوة المسيح الاصاغر”

وسافر الى روما وهو يتسول طعامه اثناء الطريق. وكم تألم وهو يأكل كسر الخبز الجافة وبقايا الطعام..

وعندما انتهى من زيارة روما عاد الى بلده. ووصل الى ابيه خبر ما فعله.. كانت كل البلد تضحك منه وقال بعضهم ساخرا انه مخبول وقال اخرون انه سيصبح راهبا ولكن اباه كان في غاية الغيظ منه، حتى ضربه وشتمه وسجنه في حجرة بالمنزل.. وكانت امه اكثر رفقا به فاخذت طعاما ووقفت على الباب تتسمع وهو يصلي:

“يا رب لا اقدر ان ارجع كما كنت، فانا مأسور بقوتك غير المنظورة. لقد هزمتني بنورك، ومع ذلك لا زلت امشي في الظلام ولا اراك. اهزمني مرة اخرى حتى اعرف انك قريب مني. سامحني على خطاياي فانها مثل النار تحرقني، انزع خطيتي بنورك”

وفتحت الام باب الغرفة، واعطت فرنسيس الطعام ثم اطلقته حرا.

الإعلانات