محبة المسيح غربتى

Picture1

     تخرج (ياسر) في الخمسينات في كلية الهندسة, والتحق بالعمل في شركة اجنبية بالإسكندرية ، قد تجاوز راتبه الشهري آنذاك (المائة جنيه)، وكان وحيداً لأسرة موسرة لها أملاك واسعة وعدة أرصدة في البنوك، وربما كان هذا هو السبب خلف اعتياده أن ينفق ببذخ ويحيا حياة أرستقراطية مترفة، وأما البعد الروحي له فقد كان باهتاً .. كانت له اهتمامات أخرى، فقد ألف الحفلات و السهرات، يخرج في الثامنة مساءً ليعود عند الفجر، أما أفراد أسرته فقد كانوا لاهين، أحدهم عن الباقين – كان لكل منهم عالمه الذي يغوص فيه.

وعرف بعض الآباء الطريق إلى منزلهم ، وزلروهم مرة واثنين ، ونصحوهم بالالتفات إلى خلاص نفوسهم والاهتمام بحياتهم الروحية، وودوهم (أي الأسرة) خيراً، غير أن اهتمات العالم عادت لتحوطهم وتحاصرهم من جديد.

فى ذات مساء تقابل ياسر مع أحد الآباء الرهبان، كان الراهب واقفاً على رصيف إحدى المحطات في طريقه إلى مستشفى فيكتوريا، فرقّ قلبه له، وأوقف سيارته و دعاه ليركب معه ينقله إلى حيث يشاء، ولكن الراهب تمنع قليلاً في حياء قبل أن يصعد إلى جانبه, ولم يقل طوال الطريق الذي استغرق نصف ساعة, سوى أسم المستشفى، وحالما هبط الأب من السيارة، انطلق ياسر إلى حيث كان أصدقاؤه ينتظرونه، وأكمل ليلته كما اعتاد أن يقضيها.

في تلك اليلة، عندما لجأ إلى سريره لينام، داعبت مخيلته صورة الراهب، فتعجب.. وشرد بذهنه قليلاً, فتخيل لو أنه صار راهباً! ولكنه سرعان ما سخر من نفسه ضاحكاً، ولطم خده لطمة خفيفة، يعاتب بها نفسه.

كان أبعد ما يكون عن أن يترهب! لقد سمع عن الرهبان الكثير, فسمع أنهم يموتون ويدفنون بعيداً عن مدافن أسرهم وربما لا يدري أهل الراهب بموته إلا بعد مدة طويلة (شىء مؤلم) وعرف أنهم يحيون داخل جدران أربع, لا نزهات ولا حفلات ولا أصوات طرب و مرح .. بل ذرف دموع .. وقرع صدر .. سجود دائم .. حزن دائم .. مسوح .. رماد .. نحيب, والشعر مخفى, والملابس سوداء, .. شىء يفوق الوصف .. تعب لا ينتهي!

وانزعج وحاول طرد هذه الأفكار لينام .. فنام. لقد كان يشتري ملابس كاملة كل شهرين! حتى تكدس صوان ملابسه بعشرات الأطق ، ما أن يرى شيئاً جديداً على جسد آخر، أو في فترينات العرض، حتى يسارع باقتناء مثله، عدا العطور و المشغولات الذهبية وإسرافه في الطعام و الشراب، ولقد امتلأت حجرته الخاصة الفسيحة في منزلهم بكل ما تتخيله وما لا تتخيله.

وترهب ياسر !!!

وفوجئنا جميعاً بذلك، ولم نجد مبرراً لهذا التغيير الطارىء، ولا يمكن ان يقال أنه

أعد ذاته لتلك الحياة، والدليل على ذلك أن كل شىء في حياته الديرية كان جديداً عليه.

فقد سأل هناك – في اليوم الثاني أو الثالث لدخوله الدير- ماذا تعني كلمة ميطانية؟ وإذا صادفني راهب في الطريق فماذا أقول له، وماذا يقول الراهب لأخيه عندما يصافحه في الكنيسة ، إضافة إلى أسئلة كثيرة تتعلق بالبديهيات.

وقد تكّبد في الرهبنة أتعاباً شديدة, لقد أسند إليه المسئولين في الدير, أن يعمل في تنظيف حمامات الدير وبعض مواضع أخرى, فكان يقضي شطراً كبيراً من يومه في ذلك العمل، وشيئاً فشيئاً يبس جلد يديه وامتلأت ملابسه بالبقع واتسخ وجهه، لقد صرف ليلة كاملة حتى الثالثة صباحاً- حتي دق ناقوس التسبحة- وهو يقوم بتفريغ خزان الحمامات (الترانش).

كانت نفسه تصعب عليه كثيراً فينتحى جانباً ليبكي بمرارة ولا يكف قبل أن يشيع الله الطمأنينة في قلبه، لقد كان في حياته السابقة مدلل الى حد غير مقبول، وعندما شاهدته أمه على حين غرة وهو في ملابسه القذرة وبؤس حاله، بكت مشفقة عليه مما هو فيه، وقد قابل شفقتها بصمت مطبق وملامح هادئة وعينين مرخيتين.

فبعد أن كان يحيا في بحبوحة من العيش في منزل كبير عريق، تعمل فيه عدة خادمات وطباخ وسائق وعامل حديقة ، الآن يحيا حياة العوز فقد كانت قلايته هي الأكثر بساطة بين قلالي الرهبان ، وكنت تراه جالساً فيها فوق حصير بالٍ يرتق جورباً أو يركب زراراً لثيابه، وكان مايزال في الثامنة والعشرين من عمره.

أما أسرته والتي روّعت لخبر رهبنته، فقد كانت تحضر له بين الحين والحين يزورونه حاملين معهم طعاماً شهياً أعدوه، وملابساً مناسبة وبعض الهدايا له، مع هبات أخرى للدير، أضافة إلى دموع غزيرة يسكبونها في حضرته وهم جلوس معه.

وكان هو إزاء ذلك، متجلداً قوياً، يطلب أليهم في أتضاع أن يصلوا عنه، ثم يوزع كل ما أحضروه من طعام و ملابس وهدايا، مكتفياً بما يقدمه له الدير.

هذا وقد اتخذت الشياطين من هذا الفارق الشديد، بين حياته في العالم و حياته في الدير، مادة هامة و غزيرة و خطيرة، في حربهم معه، فقد استطاعوا أن يجمعوا كل مواقف حيلته الهائنة السهلة الناعمة منذ طفولته حتى تركه للعالم، وصاروا يوجهونها اليه كالسهام، بين الآن و الآخر لكي يقلقوه. مختارين أشد الأوقات حرجاً وضعفاً بالنسبة له.

وأما هو فقد كان مسكيناً يتألم ويبكي، وينظر إلى صورة السيد المسيح، تلك الصورة التي يرى فيها السيد المسيح واضعاً الكتاب في شماله ورافعاً سبابته اليمنى، ينظر إليها في صمت ودونما كلام.. ثم يهدأ ويبتسم حالماً يخيل اليه أن الله يطمأنه بأنه معه.

لقد كان يخجل من كثرة الطلب الى الله!.. يخجل من الإلحاح! .. فيكتفي بالنظر, أو بتقبيل الصورة فيسري السلام بين جنباته.

وكان بعض من أصدقائه، وكلهم من طبقة الأغنياء، يأتونه بين آن و آخر في سياراتهم الفارهة، ليس على سبيل الوفاء فقط بما تقتضيه الصداقة، وإنما رغبة منهم كذلك في الإطلال على تلك الحياة التي اختارها رفيقهم ودون مبرر مقبول في نظرهم، وحقيقي أن مثل تلك الزيارات كانت تحرك أوجاعه قليلاً، في بدايتها إلا أنها فقدت سلطانها عليه بعد ذلك.

في ذات مرة وبينما هو يجلس تحت أشعة الشمس يقرأ في الكتاب المقدس، ويضع خطوطاً خفيفة، جاءه من أخبره بأن عمه قد وصل في أمر هام، فلما انتحى به جانباً عرف منه خبر أنتقال والده،وفزع.. وصمت طويلاً، وتجلد لكي يخفي انفعالاته، غير أنها كانت أكبر من احتماله فبكى منتحباً.. ولما هدأ وعرض عليه عمه أن يرافقه ليخفف عن أمه وأختيه، اعتذر وتمنع في جدية و حياء.

وظل شارداً قلقاً، إلى أن جاء عمه مرة أخرى بعد مرور أربعين يوماً، ولكن بصحبته والدته وأختيه في هذه المرة، كانت آثار احزن بادية على ملابسهم ووجوههم وأصواتهم، وقبل انصرافهم طلبوا إليه أن يصحبهم لإنهاء إجراءات الإرث، ولكنه رفض بشدة قائلآً ” إن ميتاً لا يرث ميت، إمضوا واصنعوا ما يحلوا لكم، لأنه لا رأي لي في ذلك, بل إني مستعد للإقرار بتحويل كافة حقوقي لكم” وحاولوا ثانية،ولكنهم أمام إصراره تركوه و شأنه.

اتجهوا إلى رئيس الدير ، يعرضون عليه تقديم نصيبه إلى الدير ، وكذلك سيارته

التي كانت لا تزال موجودة، ولكن الأب الرئيس أبى ذلك بشدة.. وألحت الأسرة فلم يجنوا إلا مزيداً من الإصرار على الإعتذار مع مزيد من الشكر و الدعاء.

ومرت شهور وسنوات ..وصار راهباً محبوباً..نشيطا.. مطيعاً ، كان يذكر الآباء

بينيامين الابن الأصغر لأبينا يعقوب.. يأتي في هدوء  ويرحل فى هدوء ..

لا يشعر أحد بوجوده ولا برحيله.. تماماً مثل النسيم..مبهج فى حضوره ككوب الماء البارد فى قيظ الظهيرة..

ومع أنه لم يكن يفكر قط فى عامة المقبل أو غده ، يعيش يوماً بيوم ، إلا أنه صار هدفاً هاماً للشيطان.. الشيطان الذى يصطاد الضعفاء مثل صغار السمك.. بينما يقف طويلاً أمام سمكة كبيرة.. وهكذا تركزت علسه الحرب طوال الخمس سنوات التى قضاها فى الدير..

وهاجمته الأفكار الشريرة بلا هوادة.. فكر فى دراسته .. وفى عمله .. ثم فى الراتب الكبير الذى كان يتقاضاه ، ثم فى الفتاة التى أملت يوماً ما أن ترتبط به.. فى الكازينو الذى أعتاد – لفترة طويلة- السهر فيه مع مجموعة من أصدقائه..

كان ما يزال فى الثلاثين من عمره.. عندما تذكر ذلك انزعج، حين تصور انه

سيحيا على تلك الحال إلى سن السبعين مثلاً، وقال فى حرقة : إن لم يبن الرب داخلى بناءً مستمراً: فلن أستطيع المواصلة فى هذه البرية.

والحقيقة أن تلك الليلة، كانت من أقصى الليالى التى مرت به فى الدير، وقال ما

قاله القديس موسى الأسود حين مر بمثل تلك الحرب (يارب أنت تعرف أنى أريد أن أخلص لكن الأفكار لا تتركنى..).

ونظر إلى الصورة المعلقة على الحائط الشرقى لقلايته ، فلم يشعر بتلك المشاعر

اللذيذة التى كانت تسرى فيه كلما نظر إليها ، وزاد كآبة على ذلك السماء المكفهرة فى الخارج والريح الذى يزأر مولولاً ، والأمطار التى تهطل بغزارة فى ذلك الوقت المتأخر من الليل.

ووقف أمام الصورة يبث إلى سيده لواعج نفسه ، فلم ينل تلك الراحة التى  أعتادها فلما زاد قصف الرعد فى الخارج عاد إلى مرقده واندس فى فراشه البالى وجلس مسنداً رأسه إلى راحتيه المشتبكتين خلفها.. وظن أنه سينام ، ولكن النوم عصى عليه، فسحب كتاباً ليقرأ فيه، ولكنه سرعان ما اكتشف شروده فعاد وأغلقه ووضعه فى رفق بجانبه.

وجاءه فكر أن الشياطين تحاصر القلاية، وأنهم مستبسلون فى حربهم معه، مصرين على صرعه. فبكى .. ووجد راحة فى أن يبكى.. وعاد ينظر إلى الصورة مرة أخرى، ثم قال فى زفرة محرقة (لماذا تتخلى عنى يارب؟!)..

وبينما هو يكفف دموعه، إذا بخشخشة خلف الباب! ، فاضطرب وازدادت ضربات قلبه.. وجمد فى مكانه لا يبدِ حراكاً.. ثم إذا بالباب يفتح فى هدوء ، وشخص طويل مهيب ، يشع وجهه ضياءً ، وملابسه بيضاء فوقها وشاح أحمر.

فخاف وحبس أنفاسه ، وثبت عينيه على ذلك الشخص ، فإذا به يتحرك.. ولقدميه

حفيف كحفيف الشجر.. وكالنسيم الهادئ تحرك نحوه- ثم تقدم منه ، فصار مبهور الأنفاس ..

ووقف السيد المسيح إلى جواره وانحنى فوقه وهو لا يستطيع حراكاً..فربت على كتفيه فى حنان، ثم قال له بصوت عذب:”.. مالك تبكى.. أترانى قد تخليت عنك..ثق إنى أنا معك..”.

وبنفس الهدوء عاد إلى الباب وخرج منه ، ثم أغلقه برفق خلفه.

وانتبه إلى الشخص الذى كان معه داخل القلاية ،هو هو السيد المسيح  نفسه !!،

فانفجر باكياً.. ليس دموع صغر النفس، وإنما دموع التعزية.. وقد غسلته دموعه فى تلك الليلة.. وشعر أنه تعمد من جديد، وهدأ، وهدأت كذلك الأمطار فى الخارج.. وسكنت الرياح..وانتهى الرعد، وعادت السماء صافية..

ومنذ ذلك اليوم عاش هائماً على وجهه ، يأكل اى شىء وينام فى أى مكان ..

يعمل بلا كلل .. مقلاً فى الكلام.. شارداً حالماً.. منتظراً ذلك اللقاء.. بثقة.

الإعلانات