يا رب من يسكن في مسكنك؟

a005687

“وكان داود يتزايد متعظما والرب اله الجنود معه”(2صم5: 10)

في احد الايام قال داود في نفسه:

“اصعد الى اورشليم واسكن هناك في سلام”. وقام ليذهب الى هناك، هو وزوجته وبنيه وقواد جيشه وكل عشيرته ، لكن قيل له : ان اليبوسيين هناك يدوسون الارض”، فنادي داود رجاله وقال :

– هلم نضرب اليبوسيين ونطهّر المدينة ممن هم بالحقيقة عمى البصيرة وعرج لا يستطيعون السير في الطريق المستقيمة.

فقاموا معه.. واخذ داود المدينة واستولى عليها واقام فيها، وسماها “مدينة داود”، ثم ابتدأ في بنائها من السور الى الداخل وجعلها عاصمة لمملكته الناشئة وسماها “اورشليم”.. ثم جلب نجارين وبنائين وبنى قصرا منيفا له “حينئذ علم ان الرب قد اثبته ملكا على اورشليم”.

كانت اورشليم مدينة جبلية شامخة تستقر فوق عدد من التلال التي تمثل مجموعها نتوءا صخريا يبرز من ارض يهوذا الجبلية في الشمال، ويحيط بها ايضا تلال عديدة التي تبدو وكأنها ترصد الجبل الذي اشتهاه الرب. كما انها تطل على وديان عميقة من ثلاث جهات، تجعل من المدينة حصنا منيعا، كما انها بموقعها المتوسط تحكم اواصر العلاقة بين اسباط الشمال واسباط الجنوب.

جلس الملك داود يتاملها. ثم اضاف في غبطة:

“يملك الرب الرب الهك يا صهيون من دور الى دور”. “الجبال تحيط بها والرب حول شعبه من الان والى لابد”(مز146: 10)..”طوفوا بها. عدوا ابراجها. وضعوا قلوبكم على متارسها”..”ما لكن ايتها الجبال المسنمة ترصدن الجبل الذي اشتهاه الرب”..

ثم اضاف “اني لا اصعد الى مسكن بيتى الى ان اجد موضعا للرب ومسكنا لاله يعقوب”

.. وفي غضون ايام قليلة جمع 30 الفا من الجنود لاحضار تابوت الرب . وفي الصباح الباكر سار الكهنة والجند والشعب الى قرية يعاريم وهناك وضعوا التابوت فوق عجلة. وكان عزة واخيو من اولاد اللاويين يسوقان العجلة .. كانت قلوب الشعب متهللة وارواح الشعب تسمو حتى الى السماء حيث الرب ملك اسرائيل يحكم على شعبه ويظللهم بستر. وفجأة انشمصت الثيران، وكأنما رأت منظرا مهيبا، وبدت وكأن نارا ملتهبة تقترب منها وتأكلها.. اخذت ترفس.. واخذ تابوت الرب يميل يمنة ويسرة. واضطرب الموكب، وانزعج الشعب، وتعالت سحب الغبار في الجو تنزر بشر عظيم. وبسرعة مد عزة يده ليسند التابوت من السقوط ارضا، وفي لمح البصر سقط عزة صريعا، وكأنما صاعقة قد ضربته، وقع صريعا وسط ذهول الشعب وداود.

ذعر داود .. خيم الحزن.. ثم صرخ داود باكيا في نحيب مؤثر:

“لماذا يا رب؟ لماذا اخزيتنا يا الله، يا من انت وحدك فرح اسرائيل؟ لماذا اسكت حناجر تنطق بالتهليل وابكمت شفاههنا وهي تنطق بتمجيدك؟ لماذا جمدت نبضات القلوب التي كانت تخفق بحمدك؟”

وسقط داود بوجهه على الارض.. سجد امام الرب. ثم مرت دقائق سكون ثقيل، وكأنما دهور طويلة ثقيلة قد عبرت. وفجأة كسر الصمت الخيم صوت عميق رخيم لشيخ يوجهه يشع بنور عجيب، قال بصوت متهدج مؤثر:

“ألم يكن من الصواب – يا سيدي الملك – ان يحمل على اكتاف الكهنة وليبس على عربة ، حتى ولو كانت جديدة ومصنوعة من الذهب الثمين؟ ” ، واضاف الرجل في نغمة رقيقة، جذبت مشاعر داود المنهكة ومشاعر الشعب المذهول:

– انظر الى عزا وقد اماته الرب. هل كان مسموحا له ان يلمس التابوت؟

واستطرد:

– يا سيدي الملك..

ثم التفت يخاطب الشعب وكأنما يضمد جراحا ببلسم كلماته ويهدئ من روعهم:

– ويا شعب الله المبارك..

ان الله يريد قلوب امينة ومشاعرنا الصادقة.. يريد اتضاعنا وارواحنا المنسكبة امامه.. لا عجلاتنا الجديدة، وقوتنا المتناهية في الضعف امامه..

ثم وكرجل الله اضاف معلما:

ان الحادث الجلل والمصاب الاليم كان للتأديب لا للعقاب.. للتعليم لا للانتقام. فقد امر الرب قديما عبده موسى ان يحمل التابوت على الاكتاف ولا يمس احد القدس لئلا يموت”(عدد4: 15)

الإعلانات